May 17, 2017

يوميات كان السينمائي- 2 | محمد رُضــا


يوميات مهرجان "كان" 2
إنطلق اليوم بفيلم حول العاشق المزدوج إسماعيل
واقع الحضور العربي بين التهليل والتهويل 

كان - محمد رُضـا


المخرجة التونسية كوثر بن هنية • 

حشدت إدارة مهرجان "كان" ثلاثة أفلام لثلاثة مخرجين متميّـزين تنطلق في الأيام الثلاثة الأولى. 
فيلم الإفتتاح هو «شبح إسماعيل» للفرنسي أرنو دبلشان وفيلم «بلا حب» للروسي أندريه زفاستنسف و«ووندرستراك» للأميركي تود هاينز. ليس أنها الأفلام الوحيدة التي ستعرض في هذه الأيام الأولى، لكنها التي جذبت الإهتمام أكثر من سواها منذ الإعلان الذي أكد اشتراكها داخل المسابقة (كحال الفيلمين الروسي والأميركي) أو خارجها (حال «أشباح إسماعيل» الذي يفتتح الدورة هذا العام).
بطبيعة الحال، لا يمكن معرفة ما هي الأفلام الأخرى التي تم اعتبارها مناسبة لافتتاح المهرجان. كانت هناك، على الأرجح، عدة أسباب لإعتقاد بعض الصحف البريطانية (ربما نقلاً عن الفرنسية) أن فيلم ميشيل أزانفسيوس «مروع» (Redoubtable) هو المتوقع أكثر من سواه لافتتاح هذه الدورة. لكن المدير العام للمهرجان تييري فريمو واجه الصحافي الذي أخبره بذلك برد صارم: "لم يكن هناك أي سبب لتوقع ذلك. أنتم (الصحافيون) عليكم التوقف عن فعل هذا. الصحافة تنقل عن الصحافة".
الفيلمان المذكوران، «أشباح إسماعيل» و«مهيب» لأرنو دبلشان يشتركان في صفة ثانية غير أنهما فرنسيان وهي أن كليهما يتعامل والسينما ولو من زاوية مختلفة.
في «أشباح إسماعيل»، الفيلم المختار لافتتاح الدورة مساء هذا اليوم،  عودة رجل أسمه اسماعيل فولار  (ماتيو أمالريك) إلى حبيبته المخرجة سيلفيا (شارلوت غينزبورغ) على نحو مفاجئ. في البداية ينعش وجوده المتجدد حياتها، لكن عندما تلحظ ميله صوب صديقتها الجديد كارلوتا (ماريون كوتيار) تتمنّـى لو أنه لم يعد.
«مروع»، من ناحيته، يدور حول المخرج المعروف جان- لوك غودار في مزج بين التحية والبحث يقوم بهما المخرج الذي سبق ونال خمسة أوسكارات عن «الفنان» سنة 2011 ثم هوى بعد ذلك إلى قاع فيلمين لم يشهدا نجاحاً يذكر هما «اللاعبون» (2012) و«البحث» (2014) وهذا الفيلم  عرض في مسابقة «كان» ذلك العام، ثم دار على حفنة من المهرجانات الأخرى وطويت صفحته بعد عروض تجارية سنة 2015 شملت ثماني دول فقط.


أشباح إسماعيل

أساور عربية
هناك مثل إنكليزي يقول: "بضعة أيام مشمسة لا تعني أن الصيف أتى" وكان هذا المثل أكثر تردداً بين الناس قبل التغيير المناخي الذي قلب الصورة رأساً على عقب، لكن المثال يصلح للتطبيق على حالة الإشتراكات العربية عموماً. هي أقل مما يجب وليست معدومة تماماً.
في مهرجان كبير كهذا تحوّل منذ عقود إلى الحدث السينمائي العالمي الأهم بعد الأوسكار (أو قبله بالنسبة للبعض) لابد أن يكون هناك دخول عربي ما. تصوّر لو أنه لم تكن هناك أي اشتراكات على الإطلاق أو أي حضور لسينمائيين من مختلف دروب العمل السينمائي بينما هناك حضور واف من كل شعوب العالم الحي في المقابل.
على ذلك، يغفل العدد الأكبر من النقاد العرب ذكر الواقع ويزيدون في تقديرهم لحجم المشاركات أكثر من نوعها وقيمتها الفعلية. ربما اعتاد البعض تزويد القارئ العربي بما يعتبره إلماماً بحال نشط تتبدّى فيه السينما العربية كعروس تتمايل صعوداً وهبوطاً فوق السجادة الحمراء. تؤم عروض مخصصة لها طوال الوقت. تلمع أمام الكاميرات وتنساب لجانب المواهب العالمية كتفاً بكتف.  لكن الواقع الفعلي هو  أن القليل جداً من مثل هذه المناسبات المتباعدة لا يصنع نجاحاً وأن المشاركات العربية المهمّـة تقع خارج نطاق العروض الرسمية وتشمل محاولات المؤسسات العربية المختلفة توفير المعلومات المهمّـة لما يحدث على جبهات مهرجاناتها وإنتاجاتها وما تحضر له مستقبلاً. 
لذلك فإن القول أن هناك غياباً عربياً ليس قولاً دقيقاً، لكن كذلك التغني بوجوده كما لو كان استثنائياً  بحد ذاته. فحضوره هو تلبية لمتطلبات ضرورية أكثر منه إعلان عن اشتراك فعلي في فاعليات المهرجان الكبير. إنه أساور حول الزند وليس الزند نفسه. 
تمهيداً، هناك أكثر من طريقة اشتراك، أقواها أن تشمل المسابقة الأولى فيلماً عربياً ما. هذا كان كثيراً ما يحدث عندما كان المخرج يوسف شاهين ما زال حياً يرزق وأفلامه تعرض داخل وخارج المسابقة. كذلك حدث في حالتين أو ثلاثة للمخرج الجزائري محمد لخضر حامينا الذي فاز بالسعفة الذهبية سنة 1975 عن «ذكريات سنوات النار»
ومن قبل ذلك بعقود كان للحضور اللبناني والمصري نماذج أبطالها جورج نصر وكمال الشيخ وصلاح أبوسيف الذين عرضوا أفلامهم في المسابقة الرسمية وإن خرجوا منها، كمعظم العارضين، بلا جوائز.
هذا الحد القممي من المشاركة مفقود اليوم على نحو شبه تام إذ كان فيلم »بعد الواقعة»، للمصري يسري نصرالله آخر فيلم عربي قدّر له الإشتراك في المسابقة وقيل أن ذلك كان بمثابة تحية ليوسف شاهين إذ كان نصرالله أحد الذين تخرجوا من مدرسته وواكبه وتأثر بأسلوبه.
مهما يكن، فإن هذا الواقع لا يجب أن يصرفنا عن ملاحظة غياب بلدان عديدة جداً عن المسابقة: لا أفلام نرويجية أو فنلندية أو مكسيكية أو هندية أو برازيلية أو فيليبينية يتكرر حضورها. لكن هذه الدول المذكورة هو دول منفردة وتؤخذ على هذا النحو، بينما تشمل صفة «السينما العربية» نحو 12 بلدا منتجاً للأفلام ما يعني أن التغييب إما له مبرراته المنطقية من حيث لا وجود لفيلم يستحق الإشتراك جنباً إلى جنب الأفلام المتسابقة، وإما لمبررات لدى لجنة الإختيار ذاتها.

شروط واحتمالات
عملياً، تتجنّـب إدارة تييري فريمو انتخاب أفلام لا تتمتع بسمات رتصاميم إنتاجية معينة حتى وإن كانت جيدة. من بين نحو 1930 فيلم تم تقديمه إلى إدارة المهرجان ليصار إلى اختيار 49 فيلم هي المعروضة في كافّـة جوانبه، لا نعرف حتى عناوين هذه الأفلام ناهيك عما تدور أو من أخرجها. بالتالي، ليس هناك أي برهان على أن المنتقى هو الأفضل بالفعل أو لا. لكن المؤكد أن الفيلم العربي لا ينضوي تحت التصاميم الإنتاجية المطلوبة: الميزانية العالية، مناهج سينما المؤلف (التي يصر عليها المهرجان بحق)، المواضيع التي تحلق باستخدام أفضل العناصر والمواهب الفنية والتقنية.
هذا ليس مفاجئاً أو غريباً على المخرجين العرب ومن بينهم من حاول هذا العام، أو في الأعوام السابقة تجربة حظه. لكن هذا ما يفتح الباب أمامه للمشاركة في مسابقة «نظرة ما» التي كانت استقبلت في العام الماضي فيلم «إشتباك» محمد دياب داخل مسابقتها. لم يفز الفيلم في «كان» لكنه فاز في مهرجانات قرطاج وكاريلا وفالادوليد (جائزتين من هذا المهرجان الأسباني هما جائزة أفضل مخرج جديد وجائزة أفضل تصوير التي نالها أحمد جبر).
وبعد نحو عام على عرضه في كان، أضاف الفيلم إليه جائزة أخرى في مهرجان مونتريال للسينما الأفريقية.
الواقع اليوم هو أن الأفلام العربية لديها حظوظ محدودة غالباً (وليس دائماً) في أن تتبع آثر «اشتباك» أو «نحبك هادي» (الذي فاز بجائزتين في مسابقة مهرجان برلين سنة 2016). لكن ومع وجود فيلمين هذه السنة في مسابقة «نظرة ما» هما «الجمال والكلاب» لكوثر بن هنية (تونس) و«طبيعة الزمن» لكريم موسوي (الجزائر) فإن الوضع ليس بائسا تماماً.
في الوقت ذاته فإن ما هو أصعب منالاً تحقيق الإجتياح التجاري الذي حققه «اشتباك» ومن قبل «وجدة» السعودي و«سكر بنات» اللبناني. بذلك لا يرتد الجهد المبذول بفوائد مضاعفة في غالب الأحيان بل يكتفي بأن يثير قدراً عربياً من الإهتمام ناتج عن الرغبة في معرفة واقعها من خلال تواجدها في حاضرة الحدث السينمائي الكبير.
ما يحتل حيزاً كبيراً من الوجود العربي في "كان"، هذا العام وكل عام، المناسبات المقامة إحتفاءاً بمهرجانات عربية أو المكاتب المشادة للتعريف والترويج بها وبالسينما داخل بلدانها كذلك، وللمرة الأولى، وجود حوافز تشجيعية متمثلة بتأسيس «معهد الفيلم العربي» الذي سيقيم نشاطاً ملحوظاً هو الأول له في حاضرة المهرجان. هذه المؤسسة الجديدة هي ذات اهتمام أكاديمي يتماثل والبافتا والأوسكار وجائزة الإتحاد الأوروبي ويدعو السينمائيين، بمختلف حقولهم للإنضمام. 
على خط مواز، تشترك مؤسسة «ماد سوليوشنز»، التي يديرها بنجاح علاء كركوتي،  في المهرجان الحالي كما فعلت في العامين السابقين. لكنها تقيم، هذه المرّة عدة إحتفالات مهمّـة بينها ندورة بعنوان «حاضر ومستقبل اسواق السينما الدولية الناشئة» (هناك تضارب غير مفهوم ما بين كلمتي دولية وناشئة) وحفلة لإعلان جوائز النقاد المخصصة للأفلام العربية التي سسبق لها وأن عرضت في مهرجانات العالم خلال السنة الماضية. ثم تشارك في الحفل الذي ستقيمه الهيئة الملكية الأردنية التي ستعلن فيه عن «آخر مستجدات شركة ماد سوليوشنز ومركز السينما العربية» بينما ستقوم الهيئة بالإعلان عن ولادة مهرجان السينمائي الأول في مدينة عمّان

منصات إعلامية 
هذا يأتي بالتوازي مع ولادة مهرجان سينمائي جديد آخر هو مهرجان الجونة السينمائي في مصر يؤسسه رجل الأعمال الإعلامي نجيب ساويرس ويديره الزميل إنتشال التميمي. المهرجان الذي سيقع في منتجع الجونة على شاطئ البحر الأحمر سيقام تحت شعار «سينما من أجل الإنسانية»، لكن ما يجعل من وجوده علامة استفهام كبيرة (هو غير مسؤول عنها) هو ما سيتركه من تأثير على مهرجان القاهرة السينمائي الذي يقام كل سنة والذي اتخذ من «كان»، في الأعوام الماضية وتحت إدارات مختلفة، منصّـة إعلامية لترويج مهامه أسوة بكل المهرجانات المشاركة الأخرى.
هذه المهرجانات تشمل مهرجان دبي السينمائي الدولي في المقدّمة كونه اليوم المهرجان الذي يمثل الحضور العربي أكثر من سواه. ليس فقط لأن المهرجان بات حدثاً معروفاً ومطلوباً أكثر من سواه في العالم العربي، بل لأنه نجح في دفع العجلة التسويقية والترويجية للسينما العربية إلى الأمام.
يتوقع هذا العام حضور رئيسه عبدالحميد جمعة، ومديرته الإدارية بانديا شيفاني ومديره الفني مسعود أمرالله.
ثم هناك وجود المكاتب التابعة للمؤسسات مثل  «مؤسسة الدوحة للأفلام» ومؤسسات الإنتاج والترويج الآتية من المغرب وتونس والجزائر لجانب لبنان والأردن. 
بالعودة إلى الأفلام ذاتها، نجد ثلاثة أفلام قصيرة في مسابقة الفيلم القصير هي «المنع» لنورس أبو صالح (فلسطين) و«رجل يغرق» لمهدي فليفل (فلسطين) و«ترانزيت» للمعتصم أو عليم (الأردن).
في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» هناك مجموعة من المواهب اللبنانية (بينها أحمد غصين ورامي قديح وشيرين أبو شقرا، يشتركن فيما يشبه مختبراً أسمه «ليبانون فاكتوري» سيتم عبره الترويج للأفلام القصيرة وأفلام التحريك المتوفرة والدعوة للإسهام في أفلام مستقبلية من النمط ذاته.
إذا ما بدا كل ذلك مفعماً بسبب كثرته وتعدد نشاطاته، دعونا أن لا ننسى أننا- رغم كل ذلك- ما زلنا على مسافة بينة من الوصول إلى الحضور الحقيقي الأمثل. ذلك الذي لا يمكن تعويضه: أفلام جيدة بمهارات حرفية عالية وأفكار شابّـة وبميزانيات وافية. أفلام تعي، سياسياً ما تقول وفنياً كيف تقوله وتلغي من البال الغربي سطوة غير مستحقة للفيلم الإيراني. فمن حيث العدد والعدّة لدينا مواهب أكبر بكثير من تلك التي توفره السينما الإيرانية. ما هو غائب (وكان دائماً الغائب الأول) هو: الكيفية.


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular