كتاب عن "كان" بقلم مدير "كان".

تييري فيرمو أصدر كتاباً عن الفترة التي قضايا كمدير فني عام لمهرجان "كان" السينمائي. في الحقيقة ليس عن كل الفترة، فالكتاب المعنون «إختيار رسمي» (Sélecion Officielle) يبدأ عملياً بفحص مهام فيرمو من العام 2005 حتى العام الماضي وليس من العام 2001 عندما استلم مهامه لأول مرّة.

يكشف فريمو أوراقاً مهمّـة لكنها لا يقترب من أسرار العمل بعمق. ويعمد إلى أسلوب المفكرة الذاتية للحديث عن نفسه في حياته وخلال عمله ومسؤولياته. كيف تعمل الخلية التي يديرها وكيف تشاهد كل فيلم من الألفي فيلم أو نحوها التي تصل إليها لإختيار الأفلام التي سيتم عرضها في كافة أقسام المهرجان الرسمية (نحو 60 فيلم).

هناك عدة كتب صدرت عن مهرجان «كان»، والكتاب الجديد يذكرني بكتاب جيل جاكوب (الرئيس السابق للمهرجان) الذي أصدره بعنوان يتلاعب عبره بعنوان فيلم أورسون وَلز Citizen Kane إذ سمّى جاكوب كتابه بـ Citizen Cannes. هو أيضاً كان كتاباً من المراجعات الشاملة لحياة مسؤول في أهم مهرجان عالمي.



____________________________________________________________________________________________________________________________________________________

Mar 21, 2017



ملامحها الأولى من كتابة  إدغار ألان بو 
أفلام القوّة الضاربة تكشف عن مخاوف نفسية عميقة


في فيلمها الجديد «شبح في الصدفة» (Ghost in the Shell) الذي سيطرح للعروض العالمية مع نهاية هذا الشهر، تعود سكارلت جوهانسن إلى أدوار السوبر وومان التي مثلتها خلال السنوات القريبة في «المنتقمون» و«كابتن أميركان» و«لوسي». المرأة التي لا تهاب وتتمتع بقدرات خارقة تمكنها من البقاء حية إثر كل مجابهة عنيفة تتعرض لها.
لكن هناك ميزة إضافية في «شبح في الصدفة» وهي أنها في الأساس كيان لا يمكن قتله. هي ليست بشراً وليست مخلوقاً، بل حالة صناعية تلتقي وحالة الوحش الذي ابتدعه الطبيب فرنكنستين في رواية ماري شيلي الشهيرة. فلقد تم صنع «ذا مايجور» كما سمّـوها، من أجزاء بشرية مختلفة تم شحنها بخبرة أعوام من التقنيات الحديثة التي تتحكم في «ذا ماجور» بقدر ما تتحكم «ذا مايجور» فيها أو زيادة.
بذلك سنرى هذا المخلوق الأنثى يغير من جلدته ويطير ويسبح في الفضاء ويواجه جموع الأشرار ويقاتل ويربح المعارك. نستطيع أن نعرف أن هذا الكائن الذي يحمل وجه وجسد سكارلت جوهانسن دخل مرحلة القتال عندما تُـلع عنه- تلقائياً- الملابس والإمارات البشرية بإستثناء لباس بلون البشرة يغطي الشخصية كما لو كانت عارية. ونعرف أن دورها في المجابهة انتهى إما بمراقبة سقوط آخر الضحايا الذين جابهوها أو بقفزها في ظلمة الليل ثم اختفائها مثل فقاعات الصابون. كانت هنا وأصبحت فجأة هناك.

تأكيد الخرافة
الشخصية، كما الفيلم، مأخوذة من سلسلة أفلام أنيميشن طويلة قام الياباني مامورو أوشاي بإخراجها من العام 1995.  والنجاح الجيد لذلك الفيلم أدّى، كما العادة، إلى إطلاق سلسلة من تلك الأفلام اليابانية المرسومة إلى أن  تم الإتفاق على استنساخ الفكرة وأحداثها الواردة في الفيلم الأول إلى فيلم أميركي حي. هذا الإتفاق يعود إلى العام 2008 لكن السيناريو الذي تمّ اعتماده لتحقيق هذا الفيلم كتب في مطلع 2014 والتصوير بوشر به في العاشر من فبراير (شباط) 2016.

 • Ghost in a Shell

أقرب ما مثلته سكارلت جوهانسن لملامح وعناصر هذه الشخصية هو ما ورد في فيلم «لوسي» حيث لعبت دور إمرأة عادية تم تجهيزها لتتحول إلى مقاتلة تبدو من نوع البشر لكنها تتجاوزهم. الحكاية هنا تتشابه في هذه المدلولات وإن كانت تقع في العام 2051 وسيترك لنا الفيلم إمكانية معرفة كيف سيتم حياكة عالم مستقبلي سبقته عوالم عديدة في الكثير من الأفلام المستقبلية. مثلاً وضع الفيلم الياباني الأول الأحداث في زمن مستقبلي، لكنه لم يستهلكه في تصوير ما هو مختلف. حتى المصعد الكهربائي في أحد المشاهد يطلع براكبيه أبطأ من مصاعد اليوم. الفكرة وفلسفتها وما تعنيه وجدانياً سادت العمل الأصلي في حين تشي المقدّمات المشاهدة في النسخة الأميركية بأن الغاية هي إطلاق فيلم «أكشن» لا يكف عن الحركة (المصحوبة بالموسيقا المناسبة) كما هو شأن أفلام «السوبر هيرو» الشبيهة.
لكن هناك ما يكشفه هذا المنوال من الأفلام. ذلك الوارد في معظم ما يصلنا هذه الأيام من إنتاجات «بطولية» مماثلة. وما يكشفه قد يعود إلى ما تحدّث عنه الكاتب الروائي إدغار ألان بو في روايته «سقوط منزل آل آشر» الموضوعة سنة 1839
المعلّـق في تلك الرواية (التي تم نقلها عدة مرّات إلى الشاشة الكبيرة) غير معروف  وهو يقول في معرض حديثه عن ملاحظاته حول نفسه: "قلت أن التأثير الوحيد لتجربتي الطفولية بعض الشيء كانت لأجل تعميق الإنطباع الذاتي. ليس هناك من شك أن وعيي بالإرتفاع السريع لخرافتي خدم تلك الزيادة بعينها".
ما نتج في تلك الرواية، حسب ألان بو، هو تأكيد الخرافة بمجرد التفكير بها عوض تبديدها ما يوضح أن الناتج عن اعتماد المعلق في تلك الرواية على خرافة تجلّـت له تبعاً للأحداث هو تثبيت حالة الفزع التي كثيراً ما كانت محور معظم أفلام هذا الروائي المبدع. وهذه الحالة تلتفي وما يرد في سياق أفلام الشخصيات الخارقة التي تطالعنا هذه الأيام. شخصية «ذا ماجور» وشخصيات لوغان  وآيرون مان وذا هلك وهوك آي كما شخصية «بلاك ويدو» التي تؤديها جوهانسون في سلسلة «المنتقمون»، هي أشبه بما ورد في نص ألان بو: الإعتقاد بخرافة الديمومة والقوّة الفردية المطلقة ناتج عن، ومؤدٍ إلى، الخوف من الخرافة ومن الحياة ذاتها. 
في إحدى أصداف هذا الوضع يكمن التفكير المتطرّف لا بالخرافة وحدها بل بالقدرات كردء لحالة من الإدراك بأن الشخص الذي يصنع له العلم المناعة والقوّة كان اكتشف أنه يفقد زمام القبض على الواقع. يحيله ذلك إلى الإيمان بالخرافة وإلى شخصية تنتمي إلى تلك الخرافة إلى حد الجنون.

الخوف من الحياة والموت
ليس غريباً والحال هذه أن الشخصيات البطولية الممطرة علينا كل سنة تتشابه في دوافعها والكثير من نتائجها. سوبرمان وباتمان وسبايدر مان وآيرون مان حُـرموا جميعاً من التمتع بحياة أسرية كاملة. والد كل منهم مات في حادثة. نشأوا يتامى عليهم تعلم مهنة الدفاع عن النفس في جو اجتماعي معاد وسط عالم من الدكانة والعنف. إذاً المحرك الأساسي للقرار المتخذ في تطويع الذات لممارسة قدرات خارقة ليس الدفاع عن العدالة والقانون (هذا يأتي في السياق) بل الخوف الكامن في الجذور. الشعور بعدم الطمأنينة التي تولد الحاجة إلى البطولة.
الخوف والتخويف كانا عاملين دائمين متلازمين في الحياة وفي الأفلام والمنتوجات البصرية بأسرها. يرقص تشارلي تشابلن في «أزمنة معاصرة» (1936) ممتطياً زلاجات رياضية وكلما اقترب من حافة الطابق العلوي المفتوح كلما هددنا الوضع بأن يسقط تشابلن أرضاً خصوصاً وأنه يؤدي حركاته من دون النظر إلى الوراء.
المشاهد الأولى للقطارات المتسارعة صوب الكاميرا، في حقبة العقد الأول من القرن الماضي، تلك التي جعلت بعض المشاهدين يرمون بأنفسهم وراء المقاعد إتقاءاً للخطر، كانت استخداماً ماهراً لذلك الخوف. حتى اليوم، إذا ما نجح الفيلم في إثارة الخوف فإن الناتج هو زعزعة ثقة المشاهد في العالم الخارجي، ولو لبضع حين.
حدث ذلك، على سبيل المثال، عندما عرض جورج أ. روميرو فيلمه المثير للتوتر «ليلة الموتى- الأحياء» (1968) وعندما أخرج داني بويل «بعد 28 يوم آخر» (2002) ويحدث دوماً كلما تعامل الفيلم مع عنصر الخوف مباشرة أو على نحو غير مباشر. لكن أفلام الزومبيز وكلاسيكيات الرعب الشهيرة، مثل «دراكولا» و«فرنكنستين» و«الرجل الذئب»، أشركت شخصياتها كما المشاهدين في تعميم إحتمالات مستقبلية مطروحة. بَـنت حكاياتها على البحث في المحتمل. أما تلك التي تقوم على البطولات الخارقة فهي غيّـبت أي احتمالات وقفزت إلى تجسيد حال واقع يقبل عليه العاقل ليقبل حالة غير عقلانية وبذلك يشاركها كما هي.
الإستناجات القائمة على الربط بين أدب إدغار ألان بو وحالات البطولة الخارقة الحالية لا يتوقف فقط عند حقيقة أن التعامل قائم بين فرد يرى نفسه أضعف من الخيال فيحاول تصنيعه وتحقيق حلمه بالتحوّل إلى خرافة مستنداً إلى ذلك العامل النفسي بالخوف من الحياة والموت معاً. بل تمتد تلك الإستنتاجات صوب وضع أكثر إثارة وتعقيداً ويصب تماماً في الفيلم الجديد «شبح في الصدفة».
لقد لاحظ المعلق الخفي في «سقوط منزل آشر» أن الشقيقين رودريك ومادلين آشر. كتب بو في تلك الرواية: "تشابه حاد بين الأخ وأخته قبض على اهتمامي. كانا توأمين بينهما أواصر طبيعية واضحة". في إضافته اللاحقة يعيد كنه الملاحظة ويوحي بأنهما كانا أقرب لوجهي شخصية واحدة.
تحت هذا الوضع ينضوي الكثير من البطولات الخارقة في أيامنا الحالية. كل واحد من هذه الشخصيات له وجهين. أحدهما مدني والآخر عسكري. الأول شخص يتبدّى كما لو كان طبيعياً، والثاني حالة غير طبيعية على الإطلاق. وكلاهما يعرف الآخر، كما كان «د جيكل ومستر هايد» يعرفان بعضهما الآخر كونهما شخص واحد. يبدو سوبرمان في الأساس مصوّراً صحافياً يرتكب أخطاءاً بدهية. حين يكشف عن بذلته الزرقاء يتحول إلى «سوبرهيرو». باتمان هو الثري الهادئ ذي التصرفات المنطوية. حين تدق ساعة العمل هو القوة الخارقة التي لا مثيل لها. توني ستارك في الحياة المنقلب إلى آيرون مان في الشخصية الممتدة.

المرأة المناوئة
حين يأتي الأمر إلى شخصية بطلة «شبح في الصدفة» فإن المسألة أكثر عمقاً. ما سبق من شخصيات رجالية هو التفسير الهيـّـن وغير المعمّق لحالة شيزوفرانية. أما بالنسبة لشخصية سكارلت جوهانسن، فإنها الوجهان المتناقضان لا يعرفان حدوداً فاصلة. هما صلب شخصية واحدة تجمع في جذورها بقايا حياتها الأولى والكثير مما هي عليه الآن.
والإختلاف يمتد ليشمل جوانب أخرى.
حتى سنوات قريبة لم يقبل مشاهدو الأفلام على البطولات النسائية التي من هذا النوع. الفشل أصاب العديد من المحاولات السابقة. فيلم «ووندروومان» الذي سنشاهده بعد أسابيع قليلة استغرق التحضير عليه سنوات عديدة كذلك «الشبح في الصدفة»، لكن الوضع الآن تغير ما يتجاوب مع توجه شعبي عام بعدم الإعتراف بفوارق جنسية بين الذكر والأنثى. بذلك يمكن للمرأة أن تكون مناوئة للرجل في كامل صفاته وبكل استعدادها. ليس عليها أن تغري الرجل (كما في الأفلام البوليسية في الأربعينات) لكي تتغلب عليه. تستطيع أن تفعل ذلك بالسلاح نفسه الذي يجيده: فنون القتال والأسلحة والقوة البدنية.
المرأة التي كانت دائماً ما تقف إما وراء الرجل لكي تساعده وإما ضده لكي تقضي عليه، كانت تستخدم في ذلك حنان الأولى وضعف الثانية والسلاح الوحيد الذي تجيده في الحالة الثانية وهو الإغراء.
الآن هذا لا يحدث. لا المرأة تحتاج لسلاح الأنوثة ولا الرجل صار يطلبه أساساً. مساواة من حيث لا تخدم المطلوب وليس على النحو الذي طالما طالبت به المرأة من حقوق متكافئة، بل هي الآن تنتزع ما تريده بالقوّة. 
في هذا الوضع، فأن الآية أصبحت معكوسة: الرجل الطيب هو الذي يقف في الخلفية. السيء هو العدو. هي البطلة.
بما أن كل هذه الشخصيات البطولية نتاج حافز خوف نفسي يتصنّـع البطولة وينشدها درءاً للخطر، فإن كلمات إدغار ألان بو تعود إلى الصدارة عندما نلحظ أن ثيماته المبنية على هذا المنحى، هي في واقعها دفاعاً عن بقاء الشخصيات التي تقود رواياته عقلانية في وسط ما هو غير عقلاني على الإطلاق. أبطاله هم المضاد لشخصيات البطولة الخارقة لأن تلك هي نتاج الجنون وليس الإنعكاس الحقيقي للبطولة.
نظرة واحدة على الطريقة التي تؤدي بها سكارلت جوهانسن دوريهما في «لوسي» و«شبح في الصدفة» تحيلنا إلى هذا المفهوم مجسداً. سكارلت تبدو واجمة. داخلية المشاعر. فاترة حيال الآخر بصرف النظر عن هويته. تستخدم أسلحتها من دون تردد خوفاً من ضعف الفاعلية إذا ما ترددت والتردد هو التفكير والتفكير سيحيل الشخصية إلى الواقع وهذا ما لا ترغب به.
في كل ذلك، المشاهد الذي يدخل أفلام اليوم التي على هذه الشاكلة يجد نفسه في صندوق محكم الإغلاق. المسألة ما عادت، منذ زمن، مجرد أنه ينشد مشاهدة الأبطال وأفعالهم لأنه أضعف من أن يتماثل بهم ما يدعوه لطلب القوّة من الخيال الماثل، ولا هي مسألة إعجاب بمواقفهم الضمنية مثل إحلال العدالة والدفاع عن أمن الأرض وحياة الناس، بل كل هذا ما عاد مهمّـاً بالدرجة التي كان عليه سابقاً. 
ما هو مهم هو أن المشاهد بات يشترك في الإيمان بفاعلية هذه البطولات وحدها. بذلك تحوّل من متابع لها يتسلّـى بها ويحلم عبرها، إلى شخصيات يؤمن بأنها تمثّـل الواقع الذي يجب أن يكون. بذلك، وكما أفصح ألان بو، فإن وعي المشاهد  بالخرافة خدم زيادة إيمانه بها عوض أن يضع حدّاً لها.


مهرجان تريبيكا 2017 | محاكاة الأفلام المصرية | أفلام برايان فوربس | فيلموغرافيا: روبرت ردفورد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 98 فيلم وثلاث مسابقات مهرجان تريبيكا يبتعد...