Mar 31, 2017

A Director's Chair 

الحيرة والغيرة والطبيعة الساحرة في سينما ترنس مالك

محمد رُضـا

بينما يصر المخرج ترنس مالك على تحقيق أفلامه بالأسلوب البصري الذي يريده، وبالصياغة الفنية التي يحبذها على سواها، يزداد إرتياب نقاد السينما الغربيين بقدراته وموهبته ويرتفع عدد الذين يطالبونه بالكف عن تفضيل "تصوير أغراضه الخاصة على السرد" أو، كما كتب أحدهم أيضاً "منح تصوير الطبيعة الأفضلية فوق شخصياته وحكاياته".
لكن من المحتمل جداً، وحسب أفلام مالك الأخيرة، أن يكون النقاد الغربيون هم الكسالى في تلقي الفيلم وتفسيره أو أن تكون الأفلام الترفيهية التي يشاهدونها ليل نهار هي التي احتلت ملكياتهم التعبيرية وقدراتهم على الإستلهام.
فيلم مالك الجديد «أغنية لأغنية» فتح نقاشاً منذ عرضه الأول في حفل افتتاح مهرجان «ساوث باي ساوثوست» ومقبل على المزيد من النقاش النقدي مع اقتراب موعد عرضه العالمي بعدما بوشر بعرضه قبل نحو أسبوع في الولايات المتحدة وكندا.



معظم النقاد الذي نقرأ لهم هذه الأيام يعتقدون أن ترنس مالك زادها. لا يحاول أن يصيغ ما يمكن فهم أو هضم مراده عندما يترك شخصياته خارج الكادر وينطلق بعيداً عنهم وهم ما زالوا يتكلمون، أو حين يقطع على الماء والشجر في كل مناسبة متاحة. ما الذي يريد قوله؟ لماذا لا يسرد الحكاية كما هي وكما يفعل الآخرون؟ لماذا يترك ممثليه كما لو أنهم قطع ديكور جانبية عوض أن يسند إليهم مهاماً فعلية؟

موسيقا جامعة
بكلمة واحدة: لو فعل ترنس مالك ما يطلب منه لما بات ترنس مالك. لما حافظ على فرادته. أكثر من هذا، لو فعل لتخلى عن طريقته في صياغته الفنية التي لا مثيل لها اليوم في أي مكان؟ ألم يعد المخرج قادراً على أن يختلف؟
في هذه المرّة، عبر «أغنية لأغنية» اختار مالك الذهاب إلى مدينة أوستن التكساسية، تلك التي ترعرع فيها وتعلم في بعض مدارسها. لا يعمد إلى المدينة ذاتها بل يصوّر مهرجاناً موسيقياً فعلياً ويستخدمه كخلفية لحكاية عاطفية بين بطلة الفيلم فاي (روني مارا) وبين كوك (مايكل فاسبيندر). هي مغنية وهو منتج موسيقي. هذا قبل أن تتعرّف على بي ڤي (رايان غوزلينغ) وهو موسيقار شاب يحاول صعود درجات الشهرة، تلك التي يبدو كوك كما لو أنه ولد فوقها. يخلق مالك من هذا الثالوث ما يود سرده عن عالم الموسيقا والشخصيات التي تعيشه. في الوقت الذي يصور فيه علاقات العاطفة غير المستقرة وما تحدثه من مشاعر غيرة أو حيرة، يقوم بإبطال الحاجة إلى الحبكة التقليدية كما عادته.

 SONG TO SONG

بذلك يبدو الفيلم كما لو أنه عن الأشياء أكثر من صانعي الأشياء. عن الجوانب المتحوّلة إلى أسس والأسس التي تتراجع لتحل محل الجوانب. هذا في الوقت الذي تتصاعد فيه الخلفية أغاني حديثة لداي أنتوورد وكلاوس وايز وباتي سميث (التي لديها كذلك شخصية تؤديها) جنباً إلى جنب مقطوعات موسيقة كلاسيكية لفرانشيسكو لوبيكا وغوستاف مولر (السيمفونية الثانية).
هذا في الوقت الذي تبقى فيه بوصلة المخرج موجهة صوب الدور الذي تؤديه مارا. هي الوسيط الجامع بين كل ما يرد من الفيلم ومركز لقاء الشخصيات الأخرى كون الفيلم يعمد إلى الإفصاع عن ذكرياتها العاطفية ليسبر غورها وغور باقي الشخصيات. وهذا بعض التغيير عما ورد في أفلام مالك السابقة عندما كان الرجل، وليس المرأة، محط عناية المخرج الأساسية.
أما استخداماته الموسيقية والغنائية فهي تلعب دور المذكرات المكتوبة. تدلف بطلة الفيلم ويدلف الفيلم معها إلى الماضي عبر الأغنية ويعود إلى الحاضر عبر سواها. 
الرحلة الحقيقية هي تلك التي خاضها ترنس مالك في سنوات حرفته الـ 44. خلالها أنجز، حتى الآن، تسعة أفلام طويلة واحد منها كان التسجيلي المحتفل بالحياة من دون ضوابط السينما التعليمية وهو «نزهة زمنية: رحلة حياة» (Voyage of Time: Life's Journey).
بداية ترنس مالك كانت ناجحة عندما قام سنة 1983 بتحقيق »بادلاندز» بطولة مارتن شين وسيسي سبايسك وورون أوتس. كل ما هو ترنس مالك بدأ هنا بما في ذلك حبه لتوفير صوت يصاحب الصورة. أناس من الفيلم تروي ما هو أكثر من مجرد تعليق، بل هو ليس تعليقاً على الإطلاق لأن ما نسمعه هو شرح حال تنبري له إحدى الشخصيات ما يربط أجزاء الفيلم ببعضها البعض. 
كان قصة حب بين شاب أسمه كيت (شين) يعمل في جمع القمامة وهولي (سبايسك) يتدخل فيها والدها فيطرد كيت ويقتل كلب هولي عقاباً لها. لكنها تقرر الهرب مع من تحب ما يتسبب في مشاجرة بين الرجلين تنتهي بمقتل الأب. هذا هو «الدم الأول» الذي ما أن يقع حتى يحوّل بطله، بموافقة فتاته، إلى قاتل متسلسل حتى من دون دوافع واضحة. عنوان الفيلم يعني «الأرض القاحلة» التي لا تصلح للزرع ولا لنمو ما عليها، وهو عنوان مزدوج المعنى هنا إذ أن هذا هو حال بطل الفيلم كما حال الظروف المحيطة به. 

حين هجم الجراد
رغم حب النقاد لهذا الفيلم إلا أن مالك غاب خمس سنوات قبل أن يعود عام 1978  لكي يقدم فيلمه الثاني «أيام الجنة»
المنطلق مماثل مع الفيلم الأول: بِـل (رتشارد غير) شاب أرعن يقتل رئيسه في المصنع الذي يعمل فيه ويهرب مع صديقته آبي (بروك أدامز) وشقيقته ليندا (ليندا مانز) إلى تكساس. لكن فعلي القتل والهروب هما كل ما يجمع- قصصياًبين الفيلمينبعد ذلك ينتقل الفيلم بأسره إلى عالم آخر تقع أحداثه في ولاية تكساس عندما يبدأ بِـل العمل في مزرعة صاحبها رجل (يقدمه الفيلم بلا إسم ويؤديه سام شيبرد) وهذا الأخير يقع في حب آبي بعدما اعتقد أنها شقيقة بِـل (كما أوهماه). يشجع بِـل فتاته على الزواج من صاحب المزرعة بعدما علم أنه لن يعيش طويلاً بغاية أن ترث مزرعته. 

 BADLANDS  
المشاهد الداخلية محدودة والخارجية كثيرة وموحية. هناك فصل مهم من الأحداث يستغله المخرج بصرياً على نحو نافذ. إنه الفصل الذي يقع عندما يهجم الجراد على المحاصيل يلتهمها. إنه الفصل نفسه الذي ينبري فيه صاحب المزرعة للدفاع عن محصوله وتتبلور الأحداث العاطفية إلى ذروتها عندما يكتشف أن بِـل ليس شقيق آبي وأنه كان ضحية خداع. 
مدير تصوير هذا الفيلم كان الكوبي الراحل نستور ألمندروس الذي لا يمكن تصوّر هذا الفيلم من دون تقدير رؤيته البصرية الجمالية الخالصة. تلك المشاهد الطبيعية اللمكان تتحول، كما الخال في أفلام مالك اللاحقة، إلى جزد من الحكاية المروية. يوظّـفها المخرج للتواصل بينها وبين الروحانيات التي تكشف عن حبه للبحث في الدين والميثالوجيات معاً. 
عشرون سنة أخرى مرّت قبل أن يقرر ترنس مالك العودة إلى العمل. خلالها كان الإعجاب الكبير ما زال قائماً وإن بات مهدداً بالنسيان. فيلم العودة، سنة 1998، كان نقلة تجاوزت ما سبق على حسنات فيلميه الأولين. فيلم حربي عنوانه «الخط الأحمر النحيف» خرج في السنة ذاتها الذي أتم فيها ستيفن سبيلبرغ إنجاز فيلمه الحربي الآخر «إنقاذ المجنّـد رايان». فيلم سبيلبرغ تصدّر العناوين، لكن فيلم مالك إحتفظ باليد الأعلى فنيا. 
فيلم سبيلبرغ كان مذهلاً في ربع ساعته الأولى أو نحوها عندم يفتح المخرج المعروف على حاملات الجنود الأميركيين وهي تصل إلى شواطئ النورماندي تحت وابل من القذائف الألمانية. جنود كثيرون يقضون حال نزولهم من الحاملات المائية وأكثر منهم الذين يُــقتلون حال وصولهم إلى رمال الشاطئ. المنحى الواقعي نتيجة تنفيذ رائع في دقته وتصميمه وتصويره وتوليفه.
لكن فيلم مالك يتجاوز روعة التنفيذ إلى روعة فن التنفيذ. هنا التصميم والتصوير والمونتاج عناصر مربوطة جيداً بفكرة أعلى منالاً لفنان يستخدم الحرب لطرح أفكار إنسانية كبيرة وسط دمار وجحيم الحرب العالمية الثانية مبقياً على الوتيرة التشويقية وعلى قوة المشاهد التي تنقلنا ما بين مواقع القتال بكل عنفها وحدتها. 

 THE THIN RED LINE   

أحداث «الخيط الأحمر الرفيع» تقع فوق جزيرة غوادال في المحيط الأطلسي. يتم تعريفنا بشخصيات الفيلم من المجند ولش (شون بن) والكولونيل تول (نك نولتي)  والمجند وت (جيم كافييزل). هؤلاء يمثلون الجوانب الأولى لخضم الشخصيات الأخرى التي تجد نفسها، في اليوم التالي، في أتون المعركة الطاحنة ضد القوات اليابانية المتمركزة جيداً في مواقع مدروسة. المعركة الأولى التي تقع قرب منتصف الفيلم هي ذروته على صعيد الحبكة. تجمع في دقاذقها الطويلة واقعية القتال والموت وترتفع عما حققته السينما الحربية في معظم إنتاجاتها (من أفضل أفلام الحرب مباشرة بعد «القيامة الآن» لفرنسيس فورد كوبولا).

غياب في الطبيعة
توارى المخرج سبعة أعوام هذه المرّة وعاد بفيلم عنوانه «العالم الجديد». فيلم في التاريخ من دون أن يكون فيلماً تاريخياً. ينطلق من حكاية ذات أساس واقعي ليبحر في جوانب شخصياتها وهي تبحث عن مستقبل لها. 
السنة هي 1607. أميركا (الجزء الشرقي من الولايات المتحدة كما نعرفها الآن)، بعد نحو 115 سنة على وصول كريستوفر كولمبوس لشواطئها وقبل  172 سنة على بدء حرب الإستقلال. الشمهد الأول هو لوصول ثلاث سفن حربية (من طراز ذلك الزمن) إلى شواطئ ولاية فرجينيا ممثلة الغزو العسكري الأول. الحملة يقودها الكابتن نيوبورت (كريستوفر بلامر) الذي يطلب من ضابطه الأول، كابتن سميث (كولين فارل) القيام بعملية استكشاف للمنطقة المحيطة بموقع النزول. كان الكابتن حكم على سميث بالإعدام لحادث لا يسبر المخرج غوره وقع على ظهر السفينة. نيوبورت لم ينفذ الحكم لكن إيفاده في مهمّـة خطرة قد لا يعود منها ربما يكون سبيل التخلص منه. وبالفعل يحيط المواطنون الأصليون، من قبيلة باواتان، بالجنود المصاحبين للضابط ويقتلونهم لكنهم يبقون على حياته هو. خلال إقامته في مخيماتهم يتعرف على الجميلة بوكاهانتس (كوريانكا كليشر)، إبنة رئيس  القبيلة، ويقعان في الحب. 
بعد عودته إلى المعسكر تتدخل لا للحاق به فقط، بل لإنقاذ الحامية من الموت جوعاً (هناك إيحاء قوي بأن بعض رجال الحامية انقلبوا إلى آكلي لحوم بشرية). بعد ذلك هي على استعداد للعودة مع الضابط إلى بريطانيا وقبول حياة جديدة يتابعها المخرج كنسيج من ملاحظاته العميقة حول الإختلافات الثقافية التي يستطيع الحب وحده التغلب عليها.

يلتقط المخرج الحياة البيئية كما كانت، وكما تزال على ضفاف النهر ذو الإسم الهندي، شيكاهوميني الغارق في التاريخ. وكما في أفلامه اللاحقة على الأخص، يترك الحكاية أكثر من مرّة ويغيب في ثنايا الطبيعة ووجدانياتها الروحانية ولو أن التوازن بين الدراما وبين الإهتمامات الوجدانية تلك ليست متوازناً أو مكتملاً على النحو الذي نراه لاحقاً في «شجرة المعرفة» و«إلى العجب».
على ذلك، تتماسك المعاني جيدا. هذا الفيلم حول تلك البرادة التي يرمز إليها كل ما هو أصلي وأصيل، وعن التأثير البشع الذي حمله المستوطنون الجدد وطينة الصدام السريع بين العالمين القديم والحديث وما نتج عنه. كل هذا يبقى في نطاق ما هو مرتسم في ثنايا العرض قابلاً للقراءة بقليل من التمعن.
«شجرة الحياة» (2011) هي تحفة المخرج الفعلية. لذلك الوقت صاغت أفلام مالك كلها رؤيته الفلسفية حول الحياة. إنفصل، في غالبيتها، عن الشخوص لتصوير مجرى نهر صغير أو شجرة شاهقة أو طائ بعيد. لكنه هن، وضمن رغبته عرض الحياة كما بدأت وكما هي اليوم وإيصال رسالة تواصل تلاحمي بين الإنسان في مختلف عصور وجوده، ينفصل عن الحكاية لأكثر من أربعين دقيقة (من أصل 139 دقيقة هي مدة الفيلم) متحدثاً بإيمان واضح عن إبداع الخالق وجمال ذلك الإبدتاع. يصوّر الكون البعيد وأعماق البحر ويجوب الأرض والكواكب والأزمنة ويذهب في كل إتجاه من شأنه تقديم صورة بانورامية للحياة كما نعرفها و-غالباً- كما لا نعرفها أيضاً. 
فيلم فلسفي وشعري وجمالي وفني في آن ولاحقاً دراما عائلية تقع في خمسينات القرن الماضي وتدور عن الأب الصارم (براد بت) وعلاقته مع أكبر أبنائه جاك  (شون بن) الذي نراه وقد أصبح (في الزمن الحاضر) شخصاً يعيش المدينة محمّـلاً بالأسئلة الغامضة التي عادة ما تدور في جوانب شخصيات المخرج الرجالية كلها.
هي المرّة الثانية التي اشتغل فيها مالك مع مدير التصوير إيمانويل لوبيسكي (الذي صوّر له فيلمه السابق «العالم الجديد» وما زال معه في «أغنية لأغنية»). الكاميرا تتيح للفيلم ما لم تتحه لفيلم آخر تحت إدارة لوبيسكي العبقرية فإذا بها تموج وتطير وتسبح فوق ما تصوّره. تلتقي مع المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي في كيفية تحويل المعتاد إلى حقل إبداع. كلا المخرجين (مالك وتاركوفسكي) يحب الموسيقا ويحب الماء ويحب التعليق الصوتي المصاحب. كلاهما يترك للكاميرا تصوير الطبيعية. تاركوڤسكي أكثر تأملاً ومالك أكثر تشكيلا، لكن مفهومهما للعمل ولدور التوليف المتباعد (قطع قليل) متشابه.

رسم بالكاميرا
من هذا الفيلم، دلف مالك إلى «إلى العجب» (2012) فيلم غريب من حيث أنه يكاد لا يعرف القصّـة على لإطلاقالعناصر التي تبرر اعتبار الفيلم روائياً أقل حضوراً من أي فيلم سابق له. رغم ذلك، ليس «إلى العجب» فيلما تسجيلياً والحقيقة نه لا يشبه فيلماً سبقه ولن يكون هناك فيلم يشبهه لاحقاً. 
الكاميرا هي عينا رجل (بن أفلك) ينظر إلى كيفما أراد إلى أي إتجاه يرغب والكاميرا مطواعة لما يريد. ترتفع إلى السماء أو تهبط إلى الأرض، تماماً كما نفعل نحن حين نتطلع إلى الأعلى أو نعود إلى حيث نقف. تماماً كما لو كانت الكاميرا التجسيد الآلي لروح بطل الفيلم. لكنها لن تستمر طويلاً في ذلك بل ستنفصل عن هذا الرجل المتسائل وتمضي لتلتهم الأرض المنبسطة نا وتطوير فوقها هناك وتسبح وتعوم أو تلعب تحت سطح الماء. 
بطله واقع في حب مزدوج مع أولغا كوريالينكو من ناحية وراتشل أدامز من ناحية أخرى ولا يجد الجواب العاطفي عند أي منهما. هناك أيضاً حكاية الراهب كوينتانا (خافييه باردم) الذي يطرح أسئلة وجودية لا مستقر لها في نفسه. يعيش أزمة مبادئ تنهش في قناعاته ومبادئه. 
فيلم جريء آخر مصر على أن يشكل السينما كما يريد المخرج تشكيلها. وهذا ينتقل مرّة أخرى إلى فيلمه «فارس الكٌـبّـة» (Knight of Cups) الذي أنجزه قبل عامين.
ساعتان من لرسم بالكاميرا والنثر الفلسفي والمشاعر الروحية. خلاصته نبذ العالم الذي نعيش وطريقته استقدام شاب وصل إلى كل شيء (هوليوود، الشهرة، النساء) لكنه لم يصل بعد إلى روحه. إنه فارس الشارة التي ترمز، في بعض الطقوس، إلى المسيحية. شخص تاه من دون أن يدري ثم أدرك توهانه فاستدرج نفسه إلى القاع إذ لم يجد حلاً إلا من بعد أن سمح للروحانيات أن تغمره وتنقذه.
كاتب السيناريو ريك (كرستيان بايل) يعيش مطلع نجاحاته في هوليوود. يحيا حياة الليل. مقبل على السهر والحفلات الصاخبة. يحضر، في واحد من المشاهد، مناقشة للسيناريو الذي قام بكتابته.  يدخل ملهى ليلياً للرقص ويجالس الراقصة مستمتعاً بحديثها له. لديه صديقة يتركها (ناتالي بورتمان) لسواها (فريدا بينتو) ثم يغيّـر هذه لسواها أيضاً (تيريزا بالمر) علماً بأن المخرج سينهي سرد هذا الجانب من حياة بطله بلقاء متجدد مع مطلّـقته (كايت بلانشيت).

  TO THE WONDER  

لكن كل هذه العلاقات هي جانب واحد من شخصية تبحث عن ذاتها وما حدث لحالها منذ أن سعت لتصبح ما أرادت أن تصبح عليه. نسمع صاحبها، بطل الفيلم، يتساءل أكثر من مرّة عمن أراد أن يكون ولماذا لم يتحقق؟ إنه غير راض ومحمّـل بمعاناة إحتواء العلاقة المتشرذمة بينه وبين شقيقه (وس بنتلي) وبينهما وبين والدهما (برايان دَنَـهي) الذي كان ممثلاً و، بدوره، لم يحقق ما انطلق في مطلع حياته لتحقيقه.
في مشاهد «فارس الكُـبّـة» الكثير من ذلك الوميض الروحاني الذي يبحث عنه البطل ويجده حوله سريعاً في أشكال بسيطة شتّى مثل الشمس الغاربة فوق الماء أو خلف السحب ومثل إنعكاس الأشعة على سطح الماء ومثل النور المتداخل بين أوراق الشجر التي تتحرك بفعل هواء قليل.
بذلك انتقل إلى فيلمه التسجيلي الذي عرضه مهرجان فنيسيا في الخريف الفائت وهو «نزهة زمنية: رحلة حياة» الذي خصّـه لإلتقاط الحياة على الأرض مع تمهيد لرحلة بين الكواكب. ليس فيلماً تعليمياً وليس عملاً من تلك التي تعرضها محطات «ناشنال جيوغرافيك» بل رحلة، بالفعل، في الزمان والمكان وعلى النحو الذي يحب ترنس مالك ممارسته بعيداً عن أي قيود.

هذا سهل في فيلم من هذا النوع من فيلم روائي، لكن مالك، يحافظ على فرادته واستقلاليته مغذياً أعماله بألوف اللقطات ومئات الحركات البصرية. يعمد إلى الطبيعة ويمزجها بالماضي والحاضر ويضمها جميعاً إلى منوال ساحر من الأفكار الثرية المنفّـذة فنياً بطلاقة رسام لديه المال والوقت والكاميرا ليلعب بها جميعاً.

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular