أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jun 25, 2016

إبن الحتّـة: جرأة السينما المصرية التي كانت


ظلال  و أشباح
السنة 11 | العدد: 914
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 سنوات السينما                                                                                       
 أحمد شوقي                                                                                                    
"إبن الحتة" أو…
جرأة السينما المصرية التي كانت

علمت مؤخراً أن أحد النجوم الناجحين حالياً في السينما المصرية يشترط عند إبرام تعاقد أي فيلم يلعب بطولته وجود بند في العقد يجبر منتج الفيلم على وضع وجه النجم على الأفيش الدعائي للعمل، بغض النظر عن نوع الفيلم أو مضمونه أو تصور مخرجه ومنتجه عن الصورة المُثلى لترويجه، ومن ضمنها بالطبع الأفيشات والملصقات الدعائية.
غرابة الحكاية تمكن في أن النجم المذكور هو ممثل موهوب حقاً وصاحب فيلموغرافيا جادة، يشار إليه دائماً في معظم المتابعات الصحفية بالبنان، ويُـشاد باختياراته وسعيه لأداء الأدوار الجيدة بدلاً من اللهاث وراء شباك التذاكر، وهي أوصاف صحيحة في مجملها بالمناسبة، لكن من الصعب أن تجد منطقاً متسقاً يجمعها بهذه الرغبة المحمومة في التواجد ـ بالوجه وليس غيره ـ على أفيش كل فيلم.
هذا قطعاً فهم خاطئ للعملية الإبداعية حتى لو أتى من فنان موهوب، لأنه ببساطة يسلب غيره ما يمنحه لنفسه من حق في التجريب، في الإبداع والشطط والإتيان بما هو غريب أحياناً، فقط لحساب صورته كنجم وحتى لا يقلقه لحظة أن يعمل في فيلم لن يحمل ملصقه صورة وجهه.

ما سبق ذكرني بواحد من أغرب الأعمال في تاريخ السينما المصرية السائدة، فيلم "ابن الحتة" الذي كتبه وأخرجه حسن الصيفي عام 1968 بمشاركة من نبيل غلام في القصة والحوار، وخاض فيه الممثل فريد شوقي واحداً من أكثر التجارب جرأة في مسار أي نجم جماهيري مصري: أن يسخر من شخصه الفعلي ويحطم طواعية صورته كنجم أمام محبيه.

بين الممثل والعجلاتي
الحكاية باختصار بطلها عاشور، العجلاتي الذي يجمعه تطابق شكلي وجسدي مع النجم السينمائي فريد شوقي (الذي يلعب الدورين بطبيعة الحال)، فيستخدمه المنتجون ليكون دوبلير النجم، يؤدي المشاهد العنيفة والخطرة بدلاً منه، بينما يأتي فريد ليلعب المشاهد التمثيلية، فينال المجد والشهرة وخمس آلاف جنيه أجراً، مقابل خمسة جنيهات يتقاضاها عاشور مع الكثير من الإهانة والتحقير من شأنه. لكن كل شيء ينقلب عندما يموت فريد شوقي في حادث سير بسبب رعونته في القيادة، فيضطر المخرج (محمود المليجي) ومساعده (عبد المنعم مدبولي) بالاتفاق سرا مع عاشور أن يحل محل النجم في العمل والحياة، على أن تعلن وفاة الدوبلير حفاظاً على وجود فريد شوقي ونجاحه والأفلام المعتمدة على وجوده. وكما هو متوقع في سياق سينما الستينيات السائدة في مصر يكتشف الفقير المنتقل إلى عالم الأضواء والمال بزيف ما يحدث حوله، ويقرر أن يتنازل عن كل شيء ليعود ويعترف بما حدث ليفوز بحبيبته الفقيرة (زهرة العُلا).
إذا ما استبعدنا اسم فريد شوقي من الحكاية السابقة واستبدلناه باسم وهمي لنجم شهير، سنجد أنفسنا أمام فيلم كوميدي تجاري تقليدي، يتماشى كما أوضحنا مع اتجاه السينما السائدة التي كانت تُصر على تكريس ارتباط الفقر بالأخلاق الحميدة والسعادة والرضا، في مقابل الثراء المقترن دوماً بالفساد والتعاسة. لكن تفصيلة واحدة هي كون الشخصية المذكورة في الفيلم لنجم الشباك الأول في زمن الفيلم كانت كفيلة بمنح الفيلم فرادة وأبعاد أعمق على صعيدي العمل بشكل منفرد والصناعة بشكل عام.

صناعة النجم ونجم الصناعة
على مستوى الفيلم نفسه يصبح "ابن الحتة" بوجود فريد شوقي عملاً بريختياً على بساطته، كسر الإيهام فيه أوضح من أن نحتاج لرصده: النجم يظهر بشخصه وتفاصيل مهنته، مع تغريب يفهمه الجمهور بجعل الراقصة نجوى فؤاد (التي تظهر هي الأخرى بشخصيتها الحقيقية) زوجة للنجم الشهير الذي لم تتزوجه في الواقع؛ ليُبرم الاتفاق الضمني بين الفيلم ومشاهده، بأن ما سيراه الأخير هو نسخة معدلة من الواقع، غرضها التسلية والإضحاك بطريقة غير معتادة.
لكن الاتفاق الضمني حول خيالية الأحداث لا ينفي جرأة فريد شوقي في تقديم صورة بالغة السلبية عن نفسه، فهو يظهر في الفيلم شخصاً متعجرفاً، يعامل من حوله بصلف، يؤدي عمله بتكاسل ويهدف بالأساس للربح المادي، سكير يفشل في أداء ولو مشهد أكشن وحيد من المعارك التي صنعت شهرته فيسقط في الماء ليصب غضبه على الدوبلير الذي تأخر واضطره لأداء المشهد، فيقود سيارته بغضب وجنون يقوده لحتفه فلا يهتم من حوله إلا بإيجاد بديل يضمن لهم نجاح الفيلم!
مجدداً هذه أوصاف فريد شوقي الممثل، ملك الترسو الذي كان أغلب جمهوره من العوام الذين لا يعرفون بالطبع شيئاً عن بريخت أو كسر الإيهام، والذين لم يجد نجمهم غضاضة في أن يقدم نفسه أمامهم بهذه الصورة السلبية، إيماناً منه بأنه في النهاية "نجم صناعة"، ممثل حرفته الخيال، وبقاؤه مرتبط بالجرأة والتجريب والمغامرة التي تنجح حيناً وتفشل حيناً، لكنها تحافظ على بقاء الصناعة وتجديد دمها. ولا عجب أن فريد شوقي ـ وهو الذي يختلف النقاد حول تقييم موهبته المجردة كممثل ـ مارس التمثيل والتأليف والإنتاج في ما يتجاوز ال300 فيلم سينمائي، وعاش حياته كاملة داخل السينما ومن أجلها. 
بينما على الجانب الآخر تقف "صناعة النجم" الحالية، القائمة على تدليل النجوم وتحقيق رغباتهم وأهواءهم، ليقتطع نجم العمل ما يزيد عن نصف ميزانيته، دون تحمل أي قدر ولو ضئيل من المغامرة، ليس بإنتاج أفلام كما فعل نجوم الماضي، بل حتى بأداء شخصية بعيدة عن الصورة الذهنية الإيجابية، أو في المشاركة في فيلم لن يحمل ملصقه وجهه.

فن المتعة
هذا عن قيمة الفيلم كتجربة سردية مختلفة ومغامرة تكشف جرأتها عن صناعة كانت فتية، لكنه من التكلف بمكان أن نعتبر ما سبق أهداف وضعها حسن الصيفي صوب عينيه وهو ينتج ويؤلف ويخرج "ابن الحتة"، فلا التجريب كان من سمات سينما المخرج الذي قدم ما يناهز المائة فيلم، ولا معادلة صنع الفيلم وطريقة إخراجه توحي بأكثر من الرغبة في تقديم فيلم ممتع.
الصيفي كان أحد أساطين صناعة الإمتاع البسيط، المستندة على مزج الكوميديا بالرومانسية في أفلام تروي حكايات ممتعة للمشاهد العادي، في مجملها هي إعادة تدوير لنفس الأفكار، مع استغلال النجوم الحاليين للصناعة قدر الإمكان باعتبار نجاح الفيلم التجاري قائم بالأساس على حسن توظيف طاقم تمثيله. وفي "ابن الحتة" يمكن توقع انطلاق الأمر من رغبة حسن الصيفي في تقديم تنويعة لحبكة كوميدية كلاسيكية هي حبكة الانتقال بين الطبقات التي قدمها من قبل في أفلام مثل "المليونير الفقير" و"ابن ذوات" و"ملك البترول"، مدعماً إياها بتفصيلة جديدة هي وجود فريد شوقي بشخصيته الواقعية، مع حشد أكبر عدد ممكن من نجوم الكوميديا لدعم الفيلم (حسن مصطفى ومحمد شوقي وسيف الله مختار وآخرين).
التفصيلة منحت الفيلم قيمة سردية أزعم أن صنّاعه لم يتوقعوها، وحشد النجوم ساهم في زيادة جرعة الإضحاك، لاسيما أن كسر الإيهام سمح تلقائياً بمساحة من النكات يصعب تقديمها في عمل كلاسيكي، مثل دهشة عاشور من رغبة المخرج في وجوده بعد موت فريد شوقي وتساؤله عما كان يريده أن يصير دوبليراً لشادية، وقيام صاحب القهوة (يلعب دوره توفيق الدقن) بالسعي للحصول هو الآخر على فرصة للعمل في السينما مثل جاره العجلاتي، لسبب بسيط هو بالطبع أنه يشبه الممثل الشهير توفيق الدقن!
إذا أضفنا لما سبق كون "ابن الحتة" بطبيعة الحال هو فيلم عن السينما، تدور أحداثه في كواليس صناعة الأفلام والاستوديوهات، والعلاقات بين الممثلين والمخرجين وجماعات الكومبارس والدوبلير، وهو نوع سينمائي يمتلك بطبيعته جاذبية خاصة حتى وإن تم تصوير العالم بشكل كاريكاتوري كما يحدث هنا، فسنجد أن لدينا عدد من العناصر المثالية لصناعة فيلم ممتع: تيمة كوميدية بعناصر جديدة، ممثلون محبوبون يتقدمهم نجم شعبي يظهر بصورة غير مسبوقة، كسر إيهام نتج عنه نكات ذكية، وعالم السينما المبهر دائماً لجمهوره.

أمام هذه العناصر تهون ركاكة تنفيذ بعض المشاهد، وتتابعات النهاية التي تأتي مفاجئة وتصالحية تسعد الجميع، فهذه عموماً سمات ميزت ـ أو عابت ـ هذا النوع من السينما يكاد يصعب تصوّره دونها. بل أن المشاهد الركيكة يمكن أن تكون هنا مرآة لسخرية الفيلم من سير العمل داخل صناعة السينما المصرية، وتهافت النهاية يمكن قبوله في سياقه العبثي، خاصة مع وجود ضيف شرف آخر هو المطرب الشعبي محمد طه الذي يرتجل موّالاً يروي فيه بطريقته نهاية الفيلم.

"ابن الحتة" فيلم قد لا يذكره الكثير، لكن من يراه لابد وأن يشعر بالتقدير لصناعة السينما المصرية وروادها، الأجيال التي آمنت بالمهنة وعاشت لأجلها، والرواد الذين قدموا دون وعي وخلال ممارستهم للعمل الذي يحبونه، الكثير من التجارب الفنية التي لا تزال محتفظة بمتعتها بعد مرور نصف قرن، متفردة في جرأتها التي صار من المستحيل تصوّر إقدام أحد ورثة النجومية على ما يقاربها من جنون فنّي.

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system