May 30, 2016

The Jungle Book History | تاريخ "كتاب الغابة"٠



  تيارات                             
   محمد رُضــا                                                                 

  "كتاب الغابة" يستلهم الأدب ويُـلهم المخرجين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

|*| في "كتاب الغابة" إستلهام من رواية كلاسيكية ذات تاريخ طويل والفيلم بنفسه ليس مجرد إعادة لفيلم ديزني الكرتوني السابق  |*|             

الغابة التي يستخدمها فيلم «كتاب الغابة» لا مكان لها في الواقع. لم يسافر فريق العمل إلى الهند أو إلى أفريقيا ولا حتى للبرازيل. كله مصنوع على الكومبيوتر والنتيجة، على شبهها ببعض ما في الغابة الأفريقية من تضاريس وطبيعة، إلا أن أشكال أشجارها ودكانة مواقعها مختلفة عن أي موقع معروف والغاية هي تضخيم المكان للإيحاء بحدة المخاطر التي تحيط ببطله، وبما أن الغابة هي كل ما في الفيلم من مواقع، فإنها تلعب دوراً أساسياً وفاعلاً لا يقل أهمية عن دور الغابة في أفلام طارزان مثلاً. 
بطل الفيلم هو صبي موغلي (يقوم به صبي بخلفية تلفزيونية محدودة أسمه نيل سَـثي) الذي فقد طريقه طفلاً في الغابة فتبناه قطيع من الذئاب حتى إذا أصبح صبياً عايش المغامرات التي يسردها الفيلم هنا وقوامها أن الفهد الفتّـاك شري خان (صوت إدريس ألبا) الذي كان قتل والد موغلي يبحث عنه في كل مكان  لكي يقتله. حيوانات الغابة الأخرى، في معظمها، تحب موغلي ولا تتمنّـى له الموت لذا تنصحه بأن يترك الغابة، لكن موغلي لا يستجيب لذلك. أحد الحيوانات القليلة الأخرى التي تكن العداء للصبي هو الأفعى الضخمة كا (صوت سكارلت جوهانسن).  ما يمنع الصبي من مغادرة الغابة التي باتت تشكل خطراً عليه، هو أنه لا يعرف شيئاً عن البشر. لمؤازرته هناك الفهد الأسود باغيرا (بن كينغسلي) الذي يتابع تحركاته وينصحه لما هو خير له.

في جلّـها، هي ذات الحكاية التي شاهدها الجيل السابق في العام 1967 في فيلم من الرسوم المتحركة أنتجته ديزني أيضاً بالعنوان ذاته. لكن إذا كانت الحكاية متقاربة فإن الفيلم الجديد ينضح بآخر التطوّرات الكومبيوغرافيكية الباهرة. لم تعد المسألة هنا رسماً أو حتى مؤثرات خاصّـة. حيوانات هذا الفيلم تتحرك على نحو طبيعي بأحجام أغلبها واقعي وحين تتكلم فإن الناتج ليس كوميدياً بل مرتبطاً بالرغبة في إبقاء كل شخصياتها واقعية حتى وإن كان من البدهي جداً أن كل شيء نراه هنا هو فانتازيا خيالية كبيرة.


الهندي الوحيد
لجانب أن كل الأحداث تقع في الغابة فإن الإنسان الوحيد في هذا الفيلم هو موغلي نفسه. الباقون حيوانات متعددة. هذا لم يكن شأن رواية جوزف روديارد كيبلينغ الذي وُلد في الهند سنة 1865 وتوفي في موطن والديه، بريطانيا، سنة 1936 على الرغم من أن الفيلم الحالي مقتبس من تلك الرواية. فالحكاية الأصلية تشمل شخصيات بشرية أخرى عديدة، وموغلي يقود الأحداث لكن ليس وحيداً في ذلك، والحيوانات  المحيطة به تفهم عليه لكنها لا تتحدّث إليه. إلى ذلك، فإن الموقع ليس حكراً على الغابة وحدها بل تتوزّع بين الغابة وبين إحدى قراها. 
في الرواية التي صدرت كسلسلة بدءاً من العام 1891 تنقسم الأحداث ما بين القرية والصبي. يظهر لنا الكتاب الأول كيف أن موغلي الذي يعيش في قرية هندية يمشي صوب عمق الغابة مسافة طويلة قبل أن يجده ذئب ويضمّـه إلى جروه. في ذلك الحين كان النمر شري خان قد قتل والده الذي انطلق يبحث عنه ولم تبق سوى الأم الثكلى.
بعد سنوات سيلقي أهل القرية القبض على الصبي وتتدخل الأم لكي تحميه من شرور رجال القرية الذين اعتبروه شيطاناً. لكن موغلي لا يستطيع أن يتأقلم كبشر ويهرب مجدداً إلى الغابة حيث يكتشف كنزاً من الذهب يثير جشع ثلاثة رجال (شقيق المرأة التي تبنته وحلاق وزبونه) فيحصلون على موقع الذهب ثم يبدأ كل بقتل الآخر للإنفراد بالثروة، مع ما في ذلك من مفادات أخلاقية.
في العام 1942 عندما قرر المخرج سلطان كوردا وشقيقه ألكسندر تحقيق فيلم عن تلك الرواية إختارا الإلتزام بالأصل، قدر الإمكان طبعاً، وإنجاز فيلم يُـمتع الصغار والكبار على حد سواء. النتيجة كانت «كتاب الغابة» الذي اختير لبطولته الممثل الهندي سابو واختير لكونه ظهر بنجاح في فيلم أدغال آخر هو «صبي الفيل» (1937) ثم في فيلم أخرجه كوردا سنة 1938 بعنوان «طبول». وكان لسابو ظهور بالغ النجاح في «لص بغداد» سنة 1940 ومنه دلف إلى «كتاب الغابة».
كل أفلامه بعد ذلك (وعددها الإجمالي 25 فيلماً) دارت إما حول شخصية عربية أو هندية أو أفريقية أو في كنه مغامرات عربية أو هندية غالباً ومنها «ليالي عربية» (1942) و«إمرأة كوبرا» (1944) و«أغنية الهند» (1949) ثم «بغداد» (1952) وهو مات في الحادية والعشرين من عمره سنة 1963، وهو العام الذي صوّر فيه آخر أفلامه «نمر يمشي».
سابو لم يكن ممثلاً جيّـداً، لكن باقي ممثلي «كتاب الغابة» كانوا مقبولين ومنهم فرانك بوليا وجون كوالِـن وباتريشيا أو رورك وجوزف كاليا. في الواقع لم يكن هناك أي ممثل هندي سوى سابو. باقي الممثلين كانوا بريطانيين. لكن من أكثر المسائل طرافة هي أنه في مطلع الفيلم نسمع أسماء شخصيات ثانوية مسلمة. ذلك عندما ينادي أحدهم على من يساعده في البحث عن الطفل المفقود فيصيح "عبدالله، محمد، علي إنطلقوا"، لكن في منتصف الفيلم نلحظ أن أهالي القرية من الهندوس الذين، علاوة على ذلك، يعبدون أصناماً بوذية!
الملاحظة الأخرى التي تكشفها نسخة سلطان كوردا تلك هي استلهامها في مشاهد من أفلام مختلفة.
المشهد الذي نرى فيه إكتشاف القرويين الثلاثة لحفرة كبيرة من الذهب تبدو ملهمة لما مرّ على شاشة «ذا هوبيت» في فصليه الأخيرين عندما يدخل أبطال الفيلم إلى قلب جبل مليء بالذهب أيضاً.
الطفل الذي ترعرع في الغابة مساق في روايات وأفلام طارزان العديدة. وكل «كتاب الغابة» هو الأرضية التي قامت عليها أفلام مثل «جومانجي» و«مدغشقر» ونسخ ديزني من «كتاب الغابة» على حد سواء.

أعداء كثيرون
لقد حلم بالغابة الأميركي إدغار رايس بورو.  عاش 75 سنة ما بين 1875 و1950 والذي وإن وضع روايات تدور في المستقبل وأخرى في حقبة رعاة البقر، إلا أنه اشتهر بروايات طارزان التي وضع منها نحو 21 مؤلّـفاً أكثر مما اشتهر بأي من رواياته الأخرى.
مثل موغلي في «كتاب الغابة» ، تربّـى طارزان في الغابة (الأفريقية هذه المرّة) منذ طفولته. موغلي تاه في الأدغال. طارزان نجا من الموت عندما تحطمت الطائرة التي كانت تقل والديه. موغلي رعاه الذئب وطارزان رعته الغوريللا. سلسلة «كتاب الغابة» حملت أحداثاً وصراعات إجتماعية أكثر مما كانت كناية عن مغامرات  بطولية، لكن «طارزان» التحم في الصراعات وحدها وقليلاً ما كان لدى رايس بورو النيّـة في الحديث عن مسائل أخلاقية أو مفادات فلسفية. 
بالنسبة للمؤلف رايس بورو، فإن الخلفية المعنية بالمحاولة الفاشلة لإعادة تأهيل طارزان في عالم متمدن باءت بالفشل. بالنسبة إلى طارزان لا يستطيع أن يخضع لقانون العادات والتقاليد الإجتماعية الأوروبية. القانون الوحيد الذي يخضع له ويمارسه هو قانون الغابة.
شبكة أعداء طارزان هي بدورها أكبر.
إنها ليست حكراً على نمر أو أفعى، بل تشمل كل حيوان ضار فهو ملك الغابة وحتى يثبت ذلك عليه مقارعة الأسود والتصدي لكل عائلة القطط من فهود ونمور وحيوانات شيتا وجاكوار وسواها.  كذلك هو لا يقهر عندما يواجه التماسيح بل يمزقها أرباً. أصدقاءه الفيلة والقردة في الأساس. ومنذ أن التقى بجين (المرأة التي جاءت لأفريقيا مع أبيها وقررت البقاء لجانب طارزان بعدما أنقذها من مختطفين) وهي أيضاً صديقته (ولاحقاً أم إبنه الصغير).
في حكايات طارزان المتعددة سنجد التوضيب ذاته: هو سعيد في ملاذه. هناك صيادون بيض ينوون بالغابة شرّاً أو لديهم خريطة لكنز ما يريدون استخراجه بأي ثمن، ثم هناك قبائل غالبها معاد يهددون سلامة البيض المسالمين الذين لابد من وجودهم أيضاً. هذا ما جعل النقاد يرون في طارزان الأبيض نموذجاً عنصرياً خصوصاً وأن تصوير القبائل السوداء لم يكن إيجابياً إلا في حدود ضيقة وعلى نطاق بضعة أفراد فقط.
أما العرب في بعض قصص طارزان، فهم شخصيات شرسة. تجار رقيق قساة يتصدى لهم طارزان ويكيل لهم على نحو من يريد إشفاء غلينه أكثر من مجرد إحلال عدالة الغابة. نجد مثالاً غير نادر على ذلك في «طارزان الذي لا يخاف» (Fearless Tarzan) الذي أخرجه روبرت هيل وقام ببطولته باستر كراب سنة 1933.
فهناك ذلك المشهد نسمع فيه رجلاً ينادي «عبدل» (إختصار ما لكلمتي عبدالله). تنتقل اللقطة إلى عبدل هذا فإذا به يحمل السوط يلهب به أجساد الأفارقة السود الذين سُـيساقون إلى سوق النخاسة.

صوب مجاهل التاريخ
عدا «كتاب الغابة» و«طارزان»، شهدت السينما العديد من أفلام الأدغال الأخرى. في العام 1933 ذاته خرج «كينغ كونغ» لأول مرّة. الحكاية هذه المرّة كانت من مؤلف آخر هو إدغار والاس الذي اكتفى بوضع الفكرة وانطلق لتنفيذها مريان س. كوبر وإرنست ب. شووينساك. هناك باخرة صغيرة تقل فريق عمل سينمائي تابع لمنتج أسمه كارل بنهام تقترب من جزيرة مجهولة. ينزل معظم الركاب منها ومن بينهم الشقراء آلجميلة آن (فاي راي). إذ يصلون إليها يكتشفون أنها جزيرة من جزر ما قبل التاريخ، يعيش فيها قوم من ذوي البشرة السوداء. حين تخرج آن من القرية إلى الغابة يصطادها غوريللا ضخم ويقع في حبها. يواجه في سبيلها كل الحيوانات الدينوصورية الأخرى لكنها تهرب منه بمساعدة بعض المسافرين الذين يفرّون إلى الشاطئ. كينغ كونغ يطاردهم ويهدم القرية المسيّـجة بحثاً عنها. لكنه يسقط مغشيا عليه ويتم نقله إلى نيويورك حيث يتحول إلى نمرة إستعراضية إلى أن يثور فيتحرر من قيوده. يدوس المشاهدين (وهؤلاء يدوسون بعضهم بعضاً حين هروبهم) ويجد آن من جديد فيخطفها إلى قمة برج «إمباير ستايت» حيث يواجه الطائرات الحربية (موديل الفترة) قبل أن يستسلم للموت. لقد قتله الحب.
كان هذا «كينغ كونغ» الأول الذي غزلت السينما منه عدة أفلام أخرى من بطولة غوريللات ضخمة، كما تم إعادة صنعه مرّتين من دون أن تسطو على تأثير الفيلم الأبيض والأسود الأول.
أدغال ما قبل التاريخ هي أيضاً في «العالم المفقود» الذي كتبه مؤلف شرلوك هولمز، آرثر كونان دويل وتم تحقيقه لأول مرّة سنة 1925 صامتاً ثم أعيد إنتاجه بضع مرّات وكان المسودّة لفيلم ستيفن سبيلبرغ «جوراسيك بارك».
في هذه الأفلام فإن الغابة هي آخر ملجأ باق لحيوانات ما قبل التاريخ والإنسان (الأبيض) يطأ هذه الغابات بحثاً وتنقيباً ثم يهرب منها بعد مغامرات ضد أقوى الوحوش.
لكن للغابات أغراض أخرى في الأفلام. ففي حين هي مرتع لمغامرات مع وضد الحيوانات، كما الحال في النسخ المختلفة من «كتاب الغابة» وهي مكمن وحوش ما قبل التاريخ في «العالم المفقود» و«جيروسيك بارك»، قد تكون مواقع حرب الإنسان ضد الإنسان كما في «سترة معدنية كاملة» لستانلي كوبريك (1987) وفي ثلة كبيرة من الأفلام التي تم تحقيقها عن الحرب الأميركية- الفييتنامية وتلك التي خاضتها أميركا في الفيليبين وتايلاند وكوريا (يكفينا هنا «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا، 1979).
كذلك قد تأتي في غمار مواقع غير محسوبة تعيش فيها أرواح وأشباح ومخلوقات غير محسوبة مثلما شاهدنا في «مفترس» لجون ماكتيرنن حول أرنولد شوارتزنيغر يقود فريقاً من المحاربين في غابة مسكونة بوحش جاء من عالم آخر. وهي مرتبطة بحرب العصابات في «وحوش بلا أمّـة» (لغاري فوكوناغا، 2015) وملجأ بعيد عن المخاطر والحضارات معاً في «الشاطئ» (لبيتر بويل، 2000) ثم مجرد ديكور من المخاوف الميثالوجية والسياسية كما في فيلم «متاهة بان» لغويليرمو دل تورو (2006).
على الرغم من هذا التنوّع الذي يمكن الإستطراد فيه إلى ما لانهاية، إلا أن الغابة تبقى المعقل الذي لا تود دخوله إلا في الأفلام.


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular