أوراق ناقد

إفتقاد الأنثى الجميلة



|*| تقود ميلا جوفوفيتش البطولة في Residential Evil الجديد وتقوم بمهام عشرة رجال من وزن آرنولد شوارتزنيغر او دولف لندرغرن. وسبق لجنيفر لورنس أن أبادت كل الأعداء في عالم المستقبل في سلسلة «ألعاب الجوع». أما دايزي ريدلي فهي أنقذت في «ستار وورز: القوّة تستيقظ» كل الممثلين الرئيسيين الأول. وفعلتها فيليسيتي جونز في «روغ وان: حكاية ستار وورز» فلولاها لشاهدنا فيلماً آخر يتعثر فيه معظم الرجال عن تقديم ما أقدمت عليه.


|*| الأمثلة كثيرة ومتعددة وفيها جميعاً تؤول البطولات الفعلية للمرأة بينما البطل الذكوري التقليدي بات ينتمي إلى أيام ما كان هاريسون فورد شاباً يمثل سلسلة «إنديانا جونز». وأفلام ول سميث وجوني دب وبروس ويليس وبراد بت وجون ترافولتا وليام نيسون (وكلهم مثلوا مؤخراً أفلاماً تعكس شخصيات قوية) سقطت في خانة النجاح المتوسط أو الفشل الكبير. آخرون، مثل مات دامون وتوم كروز، يجهدون ويبتكرون لكي يبقوا عائمين بنجاح. روبرت داوني جونيور إذا لعب «آيرون مان» نجح. أي فيلم آخر يسقط في بالوعة. وجوني دب إذا مثّـل «قراصنة الكاريبي» طلعت أسهمته، أما إذا لعب دوراً جاداً فلا أحد يريد أن يراه.


|*| معنى الكلام أن السينما باتت «للستات» (بإستعارة عنوان فيلم كاملة أبوذكري الجديد «يوم للستات») يجلن فيها ويصلن ويضربن أعتى الرجال. أتحدث وأنا بت أخشى أن تتقدم التكنولوجيا بحيث تخرج الممثلات من الشاشة لتضربني لأني أتحيّـز للمرأة- الأنثى الجميلة بعقلها وشخصيتها وليس بساعدها.


|*| المسألة في الواقع ليست تنافساً بين الجنسين، بل تماثلاً يفضي إلى نوع من الرجولة المؤنثّـة والأنوثة المسترجلة. الرجل صار أكثر حساسية وخجلاً والمرأة هي الأقوى والأشد فتكاً. أما الصورة الكلاسيكية للرجل الواثق من نفسه بهتت من قلة الإستعمال.


May 13, 2016

Cannes 2016 (1) مهرجان كان السينمائي (1)


  Cannes 2016                                                                    
 محمد رُضــا                                                                                                    
كيف كان فيلم الإفتتاح؟
 وودي ألن مازال ساخراً… إنما الضحك خفيف


 عندما انتهى عرض فيلم وودي ألن الجديد «كافيه سوسيتي» بعد ساعة و35 دقيقة في الحفلة الصباحية المخصصة للنقاد، صفّـق البعض بفتور والتزمت الغالبية الصمت. حين الإستماع إلى تعليقات بعضهم حال الخروج من القاعة الكبيرة، تتناهى إليك الكلمات التي تعبر عن الشعور بأن الفيلم لم يدخل خانة الإعجاب والكلمات المستخدمة هي من نوع «محبِـط»، «مكرَر»، «عادي» و«يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يفعل».
في الحقيقة، يريد الفيلم أن يقول شيئاً ويفعل، لكنه ليس شيئاً جديداً. أي شخص شاهد خمسة أفلام للمخرج ألن سيكتشف أن ما يقوله هنا ما هو إلا ترداد لما قاله في أحد هذه الأفلام الخمسة التي شاهدها سابقاً إن لم يكن كلها.
حكايته، إذا ما نزعت قشورها، تتبلور عن الحيرة المعتادة في أفلامه بين حب وآخر. بطلنا شاب يعرفه الفيلم (صوت وودي ألن) بأنه من عائلة يهودية نيويوركية يصبو لدخول هوليوود من بابها الواسع. إنها حقبة الثلاثينات التي كان كل شيء ممكن الحدوث فيها ولو أن ذلك يعتمد على العلاقات التي يمكن للقادم اللجوء إليها.
في حالة بوبي (جسي وايزنبيرغ) لديه عم أسمه فيليب (ستيف كارِل) من كبار أصحاب وكالات إدارة المواهب. متزوج منذ 25 سنة وناجح في عمله ونافذ في قراراته وثري. شقيقته تتصل به من نيويورك وتقول له أن إبنها في طريقه إليه. لكن فيليب غير متحمس للقائه. ينشغل عنه لثلاثة أسابيع لعل الشاب ييأس ويعود إلى حيث أتى. لكن إبن شقيقته لم ييأس وهو مستعد لأي عمل، كما قال لعمه حين التقاه في نهاية المطاف. فيليب يعيّـن إمرأة جميلة أسمها ڤوني (كرستن ستيوارت) لتعريف بوبي بالأماكن على أن يدعوه إلى الحفلات الساهرة لعله يتعرّف على أهل السينما. بوبي يقع في غرام ڤوني التي تصده بادئ الأمر على أساس أن لديها صديقاً. 
لكن الحقيقة هي أنها على علاقة مع عمه فيليب الذي يخبرها بأنه سيطلق زوجته ليتزوّج منها. حين يفعل بعد تردد يدوم لنصف ساعة، ينتقل بوبي عائداً إلى نيويورك ليشارك أخيه بن (كوري ستول) إدارة الملهى الليلي. هناك يتعرف بعد فترة طويلة على ڤيرونيكا (كَـلي روباك) ويتزوّج منها. فجأة ها هي ڤوني تعود إلى حياته من جديد عندما جاءت بصحبة زوجها. بوبي يخون زوجته معها لكن ڤوني ستفضل العودة إلى زوجها والحياة التي تعودت عليها في هوليوود. 
هناك، عند نهاية الفيلم، مشهدين يعبّـران عن  فراغ كل منهما وبحجم واحد  (لقطة قريبة متوسطة). الأولى لجيسي وهو ينظر بعيداً كمن يسترجع حياته، والثانية لڤوني وهي تفعل الشيء ذاته لكنها تغمض عيناها كما لو أن الصور تتراءى لها إذا ما فعلت. هناك شيء عالق في سماء النهاية في هذا الفيلم لا يريد المخرج تحديده لكن المحتمل أيضاً إنه لا يعرف ما هو.

حياة بلا تكملة
التكرار الأعم هو في انتقال شخصيات الفيلم الأساسية في عواطفها غير المستقرة. فيليب يريد ترك زوجته. يتراجع. ڤوني حينها تفتح قلبها لبوبي. فيليب يغير رأيه ويطلق زوجته. ڤوني تختاره هو. بوبي وحيداً ثم يتعرف على فيرونيكا. ثم كل شيء يعود إلى سابق توهانه عندما يلتقي بوبي بحبيته السابقة التي تردد له ما قالته له سابقاً "أنا حائرة". إنه منوال شبه دائم في أفلام ألن يتحسّـن وضعه بعض الأحيان عندما تكون هناك حكاية أكثر إثارة للإهتمام، كما كان الحال، مثلاً، في «رصاص فوق برودواي» و«سكوب» و«فيكي كريستينا برشلونة» ومؤخراً «بلو جاسمين». أما السمة الغالبة فهي دورانه الدائم حول موضوع الحب كونه ليس نهاية العواطف بل بداية تغييرها.


«كافيه سوسيتي» ثري في صورته. هناك دائماً حركة تقع تشد الإهتمام، لكن الوقع يبقى فاتراً معظم الوقت. إنه كما لو أن وودي يقدم الحبكة التي يريد والقصة التي ينشد والشخصيات التي يفضل ثم يخفق في إيصال مفاد مثير لها جميعاً. يترك، هذه المرة أكثر من مرات أخرى، جمهوره منتظراً بلورة حقيقية ما لا تقع.
هناك خطوط جانبية. بن، شقيق بوبي، رجل عصابات يتخلص من أعدائه بقتلهم. ولدي رجال يقومون بذلك على تقاليد عصابات شيكاغو ونيويورك في تلك الحقبة. وألن هو كثير النقد لليهود. بن في النهاية وقد حكم عليه بالإعدام يقرر أن يصبح مسيحياً لأن الديانة اليهودية لا تؤمن بالآخرة وهو يرفض أن يكون عاش حياته بلا تكملة، كما يقول الفيلم. في مشاهد أخرى يثير التهكم ذاته الذي عمد إليه في «تفكيك هاري» (1997) وهو من الأفلام التي قام ببطولتها. فيه تشكو شقيقته من أنه ليس يهودياً مؤمناً. هنا تشكو والدة بوبي من أن والده ليس مؤمناً.
لكن المنحى المتكرر الآخر يكمن فيما هو أبعد.
من اللقطة الأولى لجيسي وايزنبيرغ تدرك أن الفيلم سيكون من تلك المرّات التي على الممثل الأول أن يتكلم ويتحرك ويتصرف كما كان وودي ألن يفعل عندما كان لا يزال يمثل في الأفلام، إنما بطلاقة وإجادة أفضل. هنا ليس فقط أن وودي يضع في شخصياته (هيو جاكمان في «سكوب»، كولين فارل في «حلم كاساندرا»، أووَن ويلسون في «منتصف الليل في باريس» الخ…) شخصيته هو ويديرها بالإستناد لمعرفته نفسه. وهي تستجيب. إذا تمنيت أن ترى جيسي أيزنبيرغ على حقيقته عليك أن تبحث عن فيلم آخر.
في ثاني مشاهده مع المرأة التي ستصبح زوجته فيرونيكا، تجد تشابهاً بين ما تقوم به والصورة المجسدة للممثلة دايان كيتون عندما كانت بطلة أفلام ألن في الثمانينات. الحركات ذاتها والطريقة نفسها في التصرف.
كل ذلك كان يمكن القبول به لولا أن الفيلم لا يبتعد بدوره عن ناصية تلك الأعمال المتوقعة للمخرج.  ما كان يتوقعه المشاهد من فيلم لألن يدخل فيه غمار الثلاثينات الهوليوودية، يتبلور إلى مناسبة لعرض الحكاية العاطفية ذاتها ومن دون حبكة ضرورية. 
هذه هي المرّة الثانية عشر التي يشترك فيها المخرج في مهرجان كان، ودائماً خارج المسابقة. لكن المرء له الحق في التساؤل عما لو أن هذا الفيلم اشترك في المسابقة فعلاً، هل كان سيفوز؟ لا أعتقد.
بذا، ينضم فيلم الإفتتاح إلى تلك الأفلام التي افتتحت دورات كان سابقة من حيث كونه خيبة أمل غير محسوبة.



 عندما انتهى عرض فيلم وودي ألن الجديد «كافيه سوسيتي» بعد ساعة و35 دقيقة في الحفلة الصباحية المخصصة للنقاد، صفّـق البعض بفتور والتزمت الغالبية الصمت. حين الإستماع إلى تعليقات بعضهم حال الخروج من القاعة الكبيرة، تتناهى إليك الكلمات التي تعبر عن الشعور بأن الفيلم لم يدخل خانة الإعجاب والكلمات المستخدمة هي من نوع «محبِـط»، «مكرَر»، «عادي» و«يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يفعل».
في الحقيقة، يريد الفيلم أن يقول شيئاً ويفعل، لكنه ليس شيئاً جديداً. أي شخص شاهد خمسة أفلام للمخرج ألن سيكتشف أن ما يقوله هنا ما هو إلا ترداد لما قاله في أحد هذه الأفلام الخمسة التي شاهدها سابقاً إن لم يكن كلها.
حكايته، إذا ما نزعت قشورها، تتبلور عن الحيرة المعتادة في أفلامه بين حب وآخر. بطلنا شاب يعرفه الفيلم (صوت وودي ألن) بأنه من عائلة يهودية نيويوركية يصبو لدخول هوليوود من بابها الواسع. إنها حقبة الثلاثينات التي كان كل شيء ممكن الحدوث فيها ولو أن ذلك يعتمد على العلاقات التي يمكن للقادم اللجوء إليها.
في حالة بوبي (جسي وايزنبيرغ) لديه عم أسمه فيليب (ستيف كارِل) من كبار أصحاب وكالات إدارة المواهب. متزوج منذ 25 سنة وناجح في عمله ونافذ في قراراته وثري. شقيقته تتصل به من نيويورك وتقول له أن إبنها في طريقه إليه. لكن فيليب غير متحمس للقائه. ينشغل عنه لثلاثة أسابيع لعل الشاب ييأس ويعود إلى حيث أتى. لكن إبن شقيقته لم ييأس وهو مستعد لأي عمل، كما قال لعمه حين التقاه في نهاية المطاف. فيليب يعيّـن إمرأة جميلة أسمها ڤوني (كرستن ستيوارت) لتعريف بوبي بالأماكن على أن يدعوه إلى الحفلات الساهرة لعله يتعرّف على أهل السينما. بوبي يقع في غرام ڤوني التي تصده بادئ الأمر على أساس أن لديها صديقاً. 
لكن الحقيقة هي أنها على علاقة مع عمه فيليب الذي يخبرها بأنه سيطلق زوجته ليتزوّج منها. حين يفعل بعد تردد يدوم لنصف ساعة، ينتقل بوبي عائداً إلى نيويورك ليشارك أخيه بن (كوري ستول) إدارة الملهى الليلي. هناك يتعرف بعد فترة طويلة على ڤيرونيكا (كَـلي روباك) ويتزوّج منها. فجأة ها هي ڤوني تعود إلى حياته من جديد عندما جاءت بصحبة زوجها. بوبي يخون زوجته معها لكن ڤوني ستفضل العودة إلى زوجها والحياة التي تعودت عليها في هوليوود. 
هناك، عند نهاية الفيلم، مشهدين يعبّـران عن  فراغ كل منهما وبحجم واحد  (لقطة قريبة متوسطة). الأولى لجيسي وهو ينظر بعيداً كمن يسترجع حياته، والثانية لڤوني وهي تفعل الشيء ذاته لكنها تغمض عيناها كما لو أن الصور تتراءى لها إذا ما فعلت. هناك شيء عالق في سماء النهاية في هذا الفيلم لا يريد المخرج تحديده لكن المحتمل أيضاً إنه لا يعرف ما هو.

حياة بلا تكملة
التكرار الأعم هو في انتقال شخصيات الفيلم الأساسية في عواطفها غير المستقرة. فيليب يريد ترك زوجته. يتراجع. ڤوني حينها تفتح قلبها لبوبي. فيليب يغير رأيه ويطلق زوجته. ڤوني تختاره هو. بوبي وحيداً ثم يتعرف على فيرونيكا. ثم كل شيء يعود إلى سابق توهانه عندما يلتقي بوبي بحبيته السابقة التي تردد له ما قالته له سابقاً "أنا حائرة". إنه منوال شبه دائم في أفلام ألن يتحسّـن وضعه بعض الأحيان عندما تكون هناك حكاية أكثر إثارة للإهتمام، كما كان الحال، مثلاً، في «رصاص فوق برودواي» و«سكوب» و«فيكي كريستينا برشلونة» ومؤخراً «بلو جاسمين». أما السمة الغالبة فهي دورانه الدائم حول موضوع الحب كونه ليس نهاية العواطف بل بداية تغييرها.
«كافيه سوسيتي» ثري في صورته. هناك دائماً حركة تقع تشد الإهتمام، لكن الوقع يبقى فاتراً معظم الوقت. إنه كما لو أن وودي يقدم الحبكة التي يريد والقصة التي ينشد والشخصيات التي يفضل ثم يخفق في إيصال مفاد مثير لها جميعاً. يترك، هذه المرة أكثر من مرات أخرى، جمهوره منتظراً بلورة حقيقية ما لا تقع.
هناك خطوط جانبية. بن، شقيق بوبي، رجل عصابات يتخلص من أعدائه بقتلهم. ولدي رجال يقومون بذلك على تقاليد عصابات شيكاغو ونيويورك في تلك الحقبة. وألن هو كثير النقد لليهود. بن في النهاية وقد حكم عليه بالإعدام يقرر أن يصبح مسيحياً لأن الديانة اليهودية لا تؤمن بالآخرة وهو يرفض أن يكون عاش حياته بلا تكملة، كما يقول الفيلم. في مشاهد أخرى يثير التهكم ذاته الذي عمد إليه في «تفكيك هاري» (1997) وهو من الأفلام التي قام ببطولتها. فيه تشكو شقيقته من أنه ليس يهودياً مؤمناً. هنا تشكو والدة بوبي من أن والده ليس مؤمناً.
لكن المنحى المتكرر الآخر يكمن فيما هو أبعد.
من اللقطة الأولى لجيسي وايزنبيرغ تدرك أن الفيلم سيكون من تلك المرّات التي على الممثل الأول أن يتكلم ويتحرك ويتصرف كما كان وودي ألن يفعل عندما كان لا يزال يمثل في الأفلام، إنما بطلاقة وإجادة أفضل. هنا ليس فقط أن وودي يضع في شخصياته (هيو جاكمان في «سكوب»، كولين فارل في «حلم كاساندرا»، أووَن ويلسون في «منتصف الليل في باريس» الخ…) شخصيته هو ويديرها بالإستناد لمعرفته نفسه. وهي تستجيب. إذا تمنيت أن ترى جيسي أيزنبيرغ على حقيقته عليك أن تبحث عن فيلم آخر.
في ثاني مشاهده مع المرأة التي ستصبح زوجته فيرونيكا، تجد تشابهاً بين ما تقوم به والصورة المجسدة للممثلة دايان كيتون عندما كانت بطلة أفلام ألن في الثمانينات. الحركات ذاتها والطريقة نفسها في التصرف.
كل ذلك كان يمكن القبول به لولا أن الفيلم لا يبتعد بدوره عن ناصية تلك الأعمال المتوقعة للمخرج.  ما كان يتوقعه المشاهد من فيلم لألن يدخل فيه غمار الثلاثينات الهوليوودية، يتبلور إلى مناسبة لعرض الحكاية العاطفية ذاتها ومن دون حبكة ضرورية. 
هذه هي المرّة الثانية عشر التي يشترك فيها المخرج في مهرجان كان، ودائماً خارج المسابقة. لكن المرء له الحق في التساؤل عما لو أن هذا الفيلم اشترك في المسابقة فعلاً، هل كان سيفوز؟ لا أعتقد.
بذا، ينضم فيلم الإفتتاح إلى تلك الأفلام التي افتتحت دورات كان سابقة من حيث كونه خيبة أمل غير محسوبة.

 عندما انتهى عرض فيلم وودي ألن الجديد «كافيه سوسيتي» بعد ساعة و35 دقيقة في الحفلة الصباحية المخصصة للنقاد، صفّـق البعض بفتور والتزمت الغالبية الصمت. حين الإستماع إلى تعليقات بعضهم حال الخروج من القاعة الكبيرة، تتناهى إليك الكلمات التي تعبر عن الشعور بأن الفيلم لم يدخل خانة الإعجاب والكلمات المستخدمة هي من نوع «محبِـط»، «مكرَر»، «عادي» و«يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يفعل».
في الحقيقة، يريد الفيلم أن يقول شيئاً ويفعل، لكنه ليس شيئاً جديداً. أي شخص شاهد خمسة أفلام للمخرج ألن سيكتشف أن ما يقوله هنا ما هو إلا ترداد لما قاله في أحد هذه الأفلام الخمسة التي شاهدها سابقاً إن لم يكن كلها.
حكايته، إذا ما نزعت قشورها، تتبلور عن الحيرة المعتادة في أفلامه بين حب وآخر. بطلنا شاب يعرفه الفيلم (صوت وودي ألن) بأنه من عائلة يهودية نيويوركية يصبو لدخول هوليوود من بابها الواسع. إنها حقبة الثلاثينات التي كان كل شيء ممكن الحدوث فيها ولو أن ذلك يعتمد على العلاقات التي يمكن للقادم اللجوء إليها.
في حالة بوبي (جسي وايزنبيرغ) لديه عم أسمه فيليب (ستيف كارِل) من كبار أصحاب وكالات إدارة المواهب. متزوج منذ 25 سنة وناجح في عمله ونافذ في قراراته وثري. شقيقته تتصل به من نيويورك وتقول له أن إبنها في طريقه إليه. لكن فيليب غير متحمس للقائه. ينشغل عنه لثلاثة أسابيع لعل الشاب ييأس ويعود إلى حيث أتى. لكن إبن شقيقته لم ييأس وهو مستعد لأي عمل، كما قال لعمه حين التقاه في نهاية المطاف. فيليب يعيّـن إمرأة جميلة أسمها ڤوني (كرستن ستيوارت) لتعريف بوبي بالأماكن على أن يدعوه إلى الحفلات الساهرة لعله يتعرّف على أهل السينما. بوبي يقع في غرام ڤوني التي تصده بادئ الأمر على أساس أن لديها صديقاً. 
لكن الحقيقة هي أنها على علاقة مع عمه فيليب الذي يخبرها بأنه سيطلق زوجته ليتزوّج منها. حين يفعل بعد تردد يدوم لنصف ساعة، ينتقل بوبي عائداً إلى نيويورك ليشارك أخيه بن (كوري ستول) إدارة الملهى الليلي. هناك يتعرف بعد فترة طويلة على ڤيرونيكا (كَـلي روباك) ويتزوّج منها. فجأة ها هي ڤوني تعود إلى حياته من جديد عندما جاءت بصحبة زوجها. بوبي يخون زوجته معها لكن ڤوني ستفضل العودة إلى زوجها والحياة التي تعودت عليها في هوليوود. 
هناك، عند نهاية الفيلم، مشهدين يعبّـران عن  فراغ كل منهما وبحجم واحد  (لقطة قريبة متوسطة). الأولى لجيسي وهو ينظر بعيداً كمن يسترجع حياته، والثانية لڤوني وهي تفعل الشيء ذاته لكنها تغمض عيناها كما لو أن الصور تتراءى لها إذا ما فعلت. هناك شيء عالق في سماء النهاية في هذا الفيلم لا يريد المخرج تحديده لكن المحتمل أيضاً إنه لا يعرف ما هو.

حياة بلا تكملة
التكرار الأعم هو في انتقال شخصيات الفيلم الأساسية في عواطفها غير المستقرة. فيليب يريد ترك زوجته. يتراجع. ڤوني حينها تفتح قلبها لبوبي. فيليب يغير رأيه ويطلق زوجته. ڤوني تختاره هو. بوبي وحيداً ثم يتعرف على فيرونيكا. ثم كل شيء يعود إلى سابق توهانه عندما يلتقي بوبي بحبيته السابقة التي تردد له ما قالته له سابقاً "أنا حائرة". إنه منوال شبه دائم في أفلام ألن يتحسّـن وضعه بعض الأحيان عندما تكون هناك حكاية أكثر إثارة للإهتمام، كما كان الحال، مثلاً، في «رصاص فوق برودواي» و«سكوب» و«فيكي كريستينا برشلونة» ومؤخراً «بلو جاسمين». أما السمة الغالبة فهي دورانه الدائم حول موضوع الحب كونه ليس نهاية العواطف بل بداية تغييرها.
«كافيه سوسيتي» ثري في صورته. هناك دائماً حركة تقع تشد الإهتمام، لكن الوقع يبقى فاتراً معظم الوقت. إنه كما لو أن وودي يقدم الحبكة التي يريد والقصة التي ينشد والشخصيات التي يفضل ثم يخفق في إيصال مفاد مثير لها جميعاً. يترك، هذه المرة أكثر من مرات أخرى، جمهوره منتظراً بلورة حقيقية ما لا تقع.
هناك خطوط جانبية. بن، شقيق بوبي، رجل عصابات يتخلص من أعدائه بقتلهم. ولدي رجال يقومون بذلك على تقاليد عصابات شيكاغو ونيويورك في تلك الحقبة. وألن هو كثير النقد لليهود. بن في النهاية وقد حكم عليه بالإعدام يقرر أن يصبح مسيحياً لأن الديانة اليهودية لا تؤمن بالآخرة وهو يرفض أن يكون عاش حياته بلا تكملة، كما يقول الفيلم. في مشاهد أخرى يثير التهكم ذاته الذي عمد إليه في «تفكيك هاري» (1997) وهو من الأفلام التي قام ببطولتها. فيه تشكو شقيقته من أنه ليس يهودياً مؤمناً. هنا تشكو والدة بوبي من أن والده ليس مؤمناً.
لكن المنحى المتكرر الآخر يكمن فيما هو أبعد.
من اللقطة الأولى لجيسي وايزنبيرغ تدرك أن الفيلم سيكون من تلك المرّات التي على الممثل الأول أن يتكلم ويتحرك ويتصرف كما كان وودي ألن يفعل عندما كان لا يزال يمثل في الأفلام، إنما بطلاقة وإجادة أفضل. هنا ليس فقط أن وودي يضع في شخصياته (هيو جاكمان في «سكوب»، كولين فارل في «حلم كاساندرا»، أووَن ويلسون في «منتصف الليل في باريس» الخ…) شخصيته هو ويديرها بالإستناد لمعرفته نفسه. وهي تستجيب. إذا تمنيت أن ترى جيسي أيزنبيرغ على حقيقته عليك أن تبحث عن فيلم آخر.
في ثاني مشاهده مع المرأة التي ستصبح زوجته فيرونيكا، تجد تشابهاً بين ما تقوم به والصورة المجسدة للممثلة دايان كيتون عندما كانت بطلة أفلام ألن في الثمانينات. الحركات ذاتها والطريقة نفسها في التصرف.
كل ذلك كان يمكن القبول به لولا أن الفيلم لا يبتعد بدوره عن ناصية تلك الأعمال المتوقعة للمخرج.  ما كان يتوقعه المشاهد من فيلم لألن يدخل فيه غمار الثلاثينات الهوليوودية، يتبلور إلى مناسبة لعرض الحكاية العاطفية ذاتها ومن دون حبكة ضرورية. 
هذه هي المرّة الثانية عشر التي يشترك فيها المخرج في مهرجان كان، ودائماً خارج المسابقة. لكن المرء له الحق في التساؤل عما لو أن هذا الفيلم اشترك في المسابقة فعلاً، هل كان سيفوز؟ لا أعتقد.
بذا، ينضم فيلم الإفتتاح إلى تلك الأفلام التي افتتحت دورات كان سابقة من حيث كونه خيبة أمل غير محسوبة.

 عندما انتهى عرض فيلم وودي ألن الجديد «كافيه سوسيتي» بعد ساعة و35 دقيقة في الحفلة الصباحية المخصصة للنقاد، صفّـق البعض بفتور والتزمت الغالبية الصمت. حين الإستماع إلى تعليقات بعضهم حال الخروج من القاعة الكبيرة، تتناهى إليك الكلمات التي تعبر عن الشعور بأن الفيلم لم يدخل خانة الإعجاب والكلمات المستخدمة هي من نوع «محبِـط»، «مكرَر»، «عادي» و«يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يفعل».
في الحقيقة، يريد الفيلم أن يقول شيئاً ويفعل، لكنه ليس شيئاً جديداً. أي شخص شاهد خمسة أفلام للمخرج ألن سيكتشف أن ما يقوله هنا ما هو إلا ترداد لما قاله في أحد هذه الأفلام الخمسة التي شاهدها سابقاً إن لم يكن كلها.
حكايته، إذا ما نزعت قشورها، تتبلور عن الحيرة المعتادة في أفلامه بين حب وآخر. بطلنا شاب يعرفه الفيلم (صوت وودي ألن) بأنه من عائلة يهودية نيويوركية يصبو لدخول هوليوود من بابها الواسع. إنها حقبة الثلاثينات التي كان كل شيء ممكن الحدوث فيها ولو أن ذلك يعتمد على العلاقات التي يمكن للقادم اللجوء إليها.
في حالة بوبي (جسي وايزنبيرغ) لديه عم أسمه فيليب (ستيف كارِل) من كبار أصحاب وكالات إدارة المواهب. متزوج منذ 25 سنة وناجح في عمله ونافذ في قراراته وثري. شقيقته تتصل به من نيويورك وتقول له أن إبنها في طريقه إليه. لكن فيليب غير متحمس للقائه. ينشغل عنه لثلاثة أسابيع لعل الشاب ييأس ويعود إلى حيث أتى. لكن إبن شقيقته لم ييأس وهو مستعد لأي عمل، كما قال لعمه حين التقاه في نهاية المطاف. فيليب يعيّـن إمرأة جميلة أسمها ڤوني (كرستن ستيوارت) لتعريف بوبي بالأماكن على أن يدعوه إلى الحفلات الساهرة لعله يتعرّف على أهل السينما. بوبي يقع في غرام ڤوني التي تصده بادئ الأمر على أساس أن لديها صديقاً. 
لكن الحقيقة هي أنها على علاقة مع عمه فيليب الذي يخبرها بأنه سيطلق زوجته ليتزوّج منها. حين يفعل بعد تردد يدوم لنصف ساعة، ينتقل بوبي عائداً إلى نيويورك ليشارك أخيه بن (كوري ستول) إدارة الملهى الليلي. هناك يتعرف بعد فترة طويلة على ڤيرونيكا (كَـلي روباك) ويتزوّج منها. فجأة ها هي ڤوني تعود إلى حياته من جديد عندما جاءت بصحبة زوجها. بوبي يخون زوجته معها لكن ڤوني ستفضل العودة إلى زوجها والحياة التي تعودت عليها في هوليوود. 
هناك، عند نهاية الفيلم، مشهدين يعبّـران عن  فراغ كل منهما وبحجم واحد  (لقطة قريبة متوسطة). الأولى لجيسي وهو ينظر بعيداً كمن يسترجع حياته، والثانية لڤوني وهي تفعل الشيء ذاته لكنها تغمض عيناها كما لو أن الصور تتراءى لها إذا ما فعلت. هناك شيء عالق في سماء النهاية في هذا الفيلم لا يريد المخرج تحديده لكن المحتمل أيضاً إنه لا يعرف ما هو.

حياة بلا تكملة
التكرار الأعم هو في انتقال شخصيات الفيلم الأساسية في عواطفها غير المستقرة. فيليب يريد ترك زوجته. يتراجع. ڤوني حينها تفتح قلبها لبوبي. فيليب يغير رأيه ويطلق زوجته. ڤوني تختاره هو. بوبي وحيداً ثم يتعرف على فيرونيكا. ثم كل شيء يعود إلى سابق توهانه عندما يلتقي بوبي بحبيته السابقة التي تردد له ما قالته له سابقاً "أنا حائرة". إنه منوال شبه دائم في أفلام ألن يتحسّـن وضعه بعض الأحيان عندما تكون هناك حكاية أكثر إثارة للإهتمام، كما كان الحال، مثلاً، في «رصاص فوق برودواي» و«سكوب» و«فيكي كريستينا برشلونة» ومؤخراً «بلو جاسمين». أما السمة الغالبة فهي دورانه الدائم حول موضوع الحب كونه ليس نهاية العواطف بل بداية تغييرها.
«كافيه سوسيتي» ثري في صورته. هناك دائماً حركة تقع تشد الإهتمام، لكن الوقع يبقى فاتراً معظم الوقت. إنه كما لو أن وودي يقدم الحبكة التي يريد والقصة التي ينشد والشخصيات التي يفضل ثم يخفق في إيصال مفاد مثير لها جميعاً. يترك، هذه المرة أكثر من مرات أخرى، جمهوره منتظراً بلورة حقيقية ما لا تقع.
هناك خطوط جانبية. بن، شقيق بوبي، رجل عصابات يتخلص من أعدائه بقتلهم. ولدي رجال يقومون بذلك على تقاليد عصابات شيكاغو ونيويورك في تلك الحقبة. وألن هو كثير النقد لليهود. بن في النهاية وقد حكم عليه بالإعدام يقرر أن يصبح مسيحياً لأن الديانة اليهودية لا تؤمن بالآخرة وهو يرفض أن يكون عاش حياته بلا تكملة، كما يقول الفيلم. في مشاهد أخرى يثير التهكم ذاته الذي عمد إليه في «تفكيك هاري» (1997) وهو من الأفلام التي قام ببطولتها. فيه تشكو شقيقته من أنه ليس يهودياً مؤمناً. هنا تشكو والدة بوبي من أن والده ليس مؤمناً.
لكن المنحى المتكرر الآخر يكمن فيما هو أبعد.
من اللقطة الأولى لجيسي وايزنبيرغ تدرك أن الفيلم سيكون من تلك المرّات التي على الممثل الأول أن يتكلم ويتحرك ويتصرف كما كان وودي ألن يفعل عندما كان لا يزال يمثل في الأفلام، إنما بطلاقة وإجادة أفضل. هنا ليس فقط أن وودي يضع في شخصياته (هيو جاكمان في «سكوب»، كولين فارل في «حلم كاساندرا»، أووَن ويلسون في «منتصف الليل في باريس» الخ…) شخصيته هو ويديرها بالإستناد لمعرفته نفسه. وهي تستجيب. إذا تمنيت أن ترى جيسي أيزنبيرغ على حقيقته عليك أن تبحث عن فيلم آخر.
في ثاني مشاهده مع المرأة التي ستصبح زوجته فيرونيكا، تجد تشابهاً بين ما تقوم به والصورة المجسدة للممثلة دايان كيتون عندما كانت بطلة أفلام ألن في الثمانينات. الحركات ذاتها والطريقة نفسها في التصرف.
كل ذلك كان يمكن القبول به لولا أن الفيلم لا يبتعد بدوره عن ناصية تلك الأعمال المتوقعة للمخرج.  ما كان يتوقعه المشاهد من فيلم لألن يدخل فيه غمار الثلاثينات الهوليوودية، يتبلور إلى مناسبة لعرض الحكاية العاطفية ذاتها ومن دون حبكة ضرورية. 
هذه هي المرّة الثانية عشر التي يشترك فيها المخرج في مهرجان كان، ودائماً خارج المسابقة. لكن المرء له الحق في التساؤل عما لو أن هذا الفيلم اشترك في المسابقة فعلاً، هل كان سيفوز؟ لا أعتقد.
بذا، ينضم فيلم الإفتتاح إلى تلك الأفلام التي افتتحت دورات كان سابقة من حيث كونه خيبة أمل غير محسوبة.

  مخرج                                                                    
 محمد رُضــا                                                                                                    
رحيل المخرج الذي وضع جيمس بوند على سكة النجاح
 غاي هاملتون أخرج الحربي والبوليسي والجاسوسي

|*|  غاي هاملتون، المخرج البريطاني الذي توفي قبل أيام، وضع جيمس بوند على سكّـة النجاح، وحقق أفضل أعماله في ثلاثة عقود
  مخرج                                                                    
 محمد رُضــا                                                                                                    
رحيل المخرج الذي وضع جيمس بوند على سكة النجاح
 غاي هاملتون أخرج الحربي والبوليسي والجاسوسي

|*|  غاي هاملتون، المخرج البريطاني الذي توفي قبل أيام، وضع جيمس بوند على سكّـة النجاح، وحقق أفضل أعماله في ثلاثة عقود

No comments:

Post a Comment