May 30, 2016

CANNES 2016 FILM REVIEWS -5: The Handmaid ***, The Neon Demon **1/2, Paterson ***, | مفارقات الإبهار التقني في سينما اليوم

  أفلام مهرجان "كان"                                                         
 5-CANNES 2016 FILMS           

بالإضافة إلى ما سبق نشره هنا وفي "فيلم ريدر"، هذه مجموعة من أفلام أخرى مباشرة من مهرجان "كان" السينمائي الدولي المقام حالياً

 Handmaiden, The                                                                              
  الخادمة   (Ah-ga-ssi)             ★★★★                                                                                                       
                       
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج بارك تشان-ووك    Park Chan-wook
دراما عاطفية [إقتباس أدبي]  | ألوان  (128 د
كوريا الجنوبية (2016) |  مهرجانات: كان 
إنتاجMoho Films
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إقتباس عن رواية ڤكتورية يتحول إلى حبكة جنسية كورية- يابانية

الفيلم الجديد لبارك تشان-ووك مقتبس عن رواية Fingersmith («خصيص أصابع») التي وضعتها البريطانية سارا ووترز سنة 2002 وتم إقتباسها في مسلسل بثّـته BBC سنة 2005. الحبكات والمفارقات التي في الرواية التي تقع أحداثها في العصر الڤكتوري، تختلف عن تلك التي اعتمدها المخرج الكوري. الحب المثلي في الرواية محاط بدوافع أكثر مما هو فج ومقحم، لكن تشان-ووك، الذي سبق له وأشاد عالمه على إقحام المشاهدين عوض مخاطبتهم، ألغى كل ذلك مقابل قسط وفير من مشاهد سحاقية.
في الفيلم (الذي تقع أحداثه في كوريا الثلاثينات) تقبل سوكي (كيم تاي-ري) مهمّـة العمل كخادمة لدى السيدة هايدكو (كيم من-هي). هذه إمرأة يابانية من عائلة ثرية والخطّـة وضعها الكونت الشاب (ها جونغ-وو) وتقتضي بأن يزرع في البيت الخادمة سوكي على أن تعمل لاستمالة هايدكو له حتى يمكنه الزواج منها ثم إدخالها المصح النفسي بتهمة الجنون لكي يرثها (حبكة الرواية الأساسية). لكن هايدكو تميل، عوض ذلك إلى الخادمة ذاتها والإثنتان تتبادلان الحب. بعد ذلك، هي مسألة أي منهما ستستطيع أن تنفذ بحياتها من خطط الكونت. هنا يختلف الفيلم عن باقي حبكة الكاتبة ووترز فكل من هايدكو وسوكي تتبادلان تهمة الجنون نتيجة الشعور بأن الكونت ضحك عليهما معاً. يتخلل الأحداث العديد من مشاهد الفلاشباك التي تفيد هنا وتمنع سلاسة الفيلم في مطارح أخرى.
للفيلم حسناته على صعيد تصميم المناظر وتصميم أزياء، لكنه أقل إجادة حين يأتي الأمر إلى سرد حكاية ربما ستكون أكثر تأثيراً لو استغنت عن كل البذخ في تناول الأحداث أو استبدلت بعضه في تأسيس بعض الواقع عوضاً. ليس هناك حياة تستنشقها شخصيات هذا الفيلم (أو أي فيلم آخر حققه المخرج). بالأحرى ليس الهواء ذاته الذي نستنشقه نحن. بارك تشان-ووك يهتم كثيراً بخلق حالات جنسية (مطارحات غرامية أو أفعال سادية) بصورة توصف بالجريئة، لكن ما يسبقها ليس بعيداً مطلقاً عما يسبق عادة فيلم بورنو من صفر في التبرير. هذا ما يجعل من تقسيم الفيلم إلى وجهتي نظر، كل منهما تحتل نصفاً منه، أقل أهمية في خانة الإبداع مما قد يُـعتقد. يبدو كما لو أن الغاية هي إعادة سرد بعض المواقف من وجهة نظر قد تضيف بعض التفاصيل لكنها تؤكد ما سبق طرحه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
★★★★★
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما شوهد من أفلام تشان-ووك:
Sympathy for Mr. Vengeance (2002) ***, Oldboy (2003)***, Lady Vengeance (2005) **, Thirst (2009)**, Stoker (2013) ***, The Handmaid (2016) **
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 The Neon Demon                       
  شيطان النيون              ★★★★                                      
                                                                                                                     
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج نيكولاس ويندينغ رفن    Nicholas Winding Refn
رعب [هوليوود]  | ألوان  (118 د
دنمارك (2016) |  مهرجانات:  كان، لندن | عروض: دولية
إنتاج Space Rocket Nation
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عالم جذّاب لكنه بلاستيكي في فيلم متكلّـف

يبدأ المخرج نيكولاس ويندينغ رفن فيلمه الجديد بمشهد لبطلته إيلي فانينغ مستلقية على كنبة طويلة والدم ينزف من رقبتها إلى الأرض حيث كوّن بركة صغيرة. لا تتحرك. يدعك المخرج تعتقد بأننا وصلنا متأخرين. لقد ماتت وانتهى الأمر. المشهد مصمم بعناية ومصوّر بعناية أكبر (مديرة التصوير ناتاشا براير). يبدو كما لو أنه لوحة فنية أقرب إلى الرسم في أصولها. إضاءة أساسية على الطرف الأيسر حيث رأس الممثلة وداكنة فيما بعد. إيلي ترتدي سترة وسروالاً قصيراً من الجلد الأسود اللامع. فجأة تنهض إيلي من مكانها. تمسح المادة السائلة التي لعبت دور الدم. ندخل وراءها الحمام حيث تكمل مسح الدم وضبط الماكياج. لكن ماذا عن المشهد الأول؟ لماذا هو؟ كيف ينتمي؟. 
فنياً هي نقطة بداية عالية توحي بالكثير مما سيقع وبل تناسب ما ستؤول إليه حال بطلة الفيلم جيسي (فانينغ) عند النهاية فتاة جميلة بلا عيوب في الملامح أو الشكل. وشقراء جداً. هي في السادسة عشر من عمرها، لكن المرأة التي تدير وكالة لتوريد عارضات الأزياء (كرستينا هندركس) ستطلب منها الإدعاء بأنها في الثامنة عشر من عمرها. لاحقاً ستدّعي بأنها لا تعرف شيئاً عن الحب وأنها بريئة تماماً من الضغوط النفسية والعاطفية التي تشاهدها على محيا وفي تصرّفات ثلاثة عارضات غيورات حسودات يردن التخلص منها. هذه الغيرة والوضع النفسي والعاطفي غير المستقر للبطلة يؤديان إلى فصل ممقت وبالغ الدكانة وعلى قدر كبير من العنف غير المبرر. ناصية المخرج هنا هو أنه يريد "تفنين" العنف. لذلك يرتكز على الإضاءة والألوان وحركات ممثلين غير واقعية وشخصيات مهزوزة في معظمها (كلها في الواقع).
هناك علاقة، في هذا الفيلم، بين الشر والألوان. اللون الأسود للخطر. الأصفر للشر. الأحمر للعنف. والألوان الثلاثة تتكرر: تمشي جيسي صوب غرفتها في ذلك «الموتيل» المتواضع الذي تعيش فيه ليلاً. الأنوار ليست كافية لإضاءته جيداً. تصل إلى باب شقتها. تفتحه. تحاول إشعال النور لا يشتعل. الخطر صاحبها من الشارع إلى الشقة. فجأة ترى شيئاً. وبعد أن تطلب النجدة من مدير الفندق (كيانو ريفز في دور محدود) يتبين أن هناك قط جبلي وحشي أصفر اللون في داخل الشقة. لا نعرف كيف دخل وكيف عطّـل الإضاءة ولا كيف قفل الباب بعدما فتحته جيسي أول مرّة.
المشهد الأخير من الفيلم هو سوداوي وأحمر مع بعض الأصفر، لكن الناتج في النهاية هو عمل مدع ومتكلّـف. روبرت ألتمن الراحل تعامل مع عالم نساء الأزياء بكل شوائبه بفيلم أفضل وأبهى عنوانه Ready to Wear سنة 1994.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  من مقابلة: 
"عمى الألوان لا يعني أن كل الألوان تصبح ملغاة، لكنها جميعاً تتضرر بنسب متفاوتة. المسألة بالنسبة لي هي كيف يمكن لي قلب هذا العجز إلى قوّة. حين كنت فتى صغيراً كنت أسعى جهدي لكي أبدو طبيعياً كباقي الأولاد، لكني لاحقاً قررت أن ذلك لن يكون هدفي في الحياة بل تحويل هذه الإعاقة لصالحي. إلى قوّة تعمل لي وليس ضدي".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 Paterson   
 باترسون                      ★★★★★                        

                     
                                                                                                               
إخراج جيم جارموش      Jim Jarmusch
دراما   | ألوان  (112 د
الولايات المتحدة (2016) | مهرجانات: كان، سيدني، كارلوڤي ڤاري، تورنتو
إنتاجAmazon Studios
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 أرهابيون بيض أميركيون على سبيل التنويع

 باترسون هو إسم الشخصية الأولى في الفيلم (يؤديها أدام درايڤر) وإسم البلدة الصغيرة التي يعيش فيها والتي تقع في ولاية نيوجيرسي. الأول سائق حافلة عاملة (أوتوبيس) متزوج من لورا (غولشفته فاراحاني) والثانية بمثابة الموقع الأكبر محيطاً من البيت الذي يشمل الرجل وزوجته. لكنه ليس أكبر بكثير. ما نراه من المدينة مقتصد تبعاً لحكاية مقتصدة لم تتطلب الكثير لإتمامها على هذا النحو. بطلها يترك البيت لزوجته ويتوجه لعمله القريب مشياً. يستقل الحافلة ويبدأ روحاته وغدواته في شوارع قليلة مع وقفات غداء. مساءاً يعود إلى البيت. يأخذ كلبه في فسحة قريبة تنتهي بوصولهما إلى الحانة حيث يربطه بعمود ويدخل كنف مكان إجتماعي هادئ. 
لكن المخرج المستقل جيم جارموش (يارموش لدى الذين لا ينطقون الإسم أميركياً) يتوسع قليلاً في حكايته فباترسون يكتب الشعر صباح كل يوم وفي النهاية يلتقي بسائح ياباني قرأ له بعض ما نشره وأعجبه. الزوجة تأخذ ركنا صغيراً من الفيلم. لا تعمل بل سعيدة بكونها زوجة تشغل وقتها في تحويل الديكور إلى لونين فقط (أبيض وأسود) قدر المستطاع. في الحانة التي يتوجه إليها باترسون ليلياً هناك شخصيات أخرى بعضها لديه حكاية عاطفية تبقى ثانوية (رجل يحب إمرأة يتصالح معها حينا ويختلفان حيناً وذات مرّة يهدد بمسدس نكتشف إنه ليس سلاحاً حقيقياً)
 أكثر حدث يقع لباترسون نفسه هو ذلك اليوم الذي تتعطل الحافلة وهي مليئة بالركاب. ليس هناك ذروة درامية بل تصوير أفقي لحياة الرجل الذي يهوى كتابة الشعر وإلقائه. لكن في هذا الهدوء رتابة غير مستحسنة. إنه شيء أن يميل مخرج لتقديم حياة عادية وشيء آخر أن ترتاح على بساط عاديتها لدرجة أنها لا تجد الكثير مما تقوله. هذا الوضع، لأجل تبيانه، يمكن مقارنته بفيلم أميركي مستقل آخر حققه ديڤيد لينش سنة 1999  بعنوان The Straight Story حيث القصّـة ليست أكثر من رحلة بجرار زراعي صغير يقوم بها رجل عجوز (الراحل رتشارد فرانسوورث) ليلتقي بشقيقه القاطن في بلدة صغيرة في ولاية أخرى. لكن الرحلة ذاتها مليئة بالإيحاءات ودلالات الحياة في حين أن فيلم جارموش يؤسس شخصياته ويوعز لها بوقائع غير حدثية ولا ملهمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفضل جارموش (من أصل 21 فيلم كمخرج)
Stranger Than Paradise (1983), Down By Law (1986), Mystery Train (1989), Dead Man (1995), Ghost Dog (1999)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 





  نوافذ                              
   عدنان مدانات                                                                  
مفارقات الإبهار التقني في سينما اليوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإبهار التقني بات يشكل هدفا رئيسيا في الصناعة السينمائية العالمية التي تهدف إلى الربح التجاري و تتوجه نحو جيل الشباب، أي جيل رواد صالات السينما، وهذا الإبهار التقني هو ما برعت السينما الأمريكية في تقديمه وتطويره وصولا إلى الأفلام الثلاثية الأبعاد بل والرباعية والتي يجري تجنيد مئات الخبراء من المصممين الرقميين من أجل تنفيذها وتطويرها، وهو أصبح هدفا يحمل قيمته في ذاته حتى ولو كان ذلك يتم على حساب ما تطرحه الأفلام من أفكار أو ما تتضمنه من رؤى فنية.
الإبهار التقني كان صفة ملازمة للسينما منذ بداية اختراعها، فالسينما أصلا اختراع تقني أبهر المشاهدين الأوائل بقدرته على تقديم صور الواقع المادي في حركتها، لكن الإبهار التقني اتخذ بعدا خاصا منذ الأفلام التي صنعها الساحر و المخرج الفرنسي الرائد جورج ميليس في السنوات الأولى من القرن العشرين، والتي مزج فيها بين تقنيات السينما البدائية آنذاك وتقنيات الألعاب السحرية الأكثر تطورا.
كان منطلق جورج ميليس في علاقته بالسينما الاستفادة منها في عروضه السحرية التي كان يقدمها في مسرحه الخاص ، ولهذا لم يكن للموضوع ولقصة الفيلم في بداية تجربته أي اعتبار خاص . في السنوات اللاحقة التي بدأ فيها ميليس يبتعد عن دور الساحر ويتورط أكثر فأكثر في دور المخرج السينمائي، خاصة بعد فيلمه الشهير" رحلة إلى القمر"، وهو أول أفلام الخيال العلمي في تاريخ السينما، صار الإبهار التقني يحتاج إلى مواضيع وقصص ملائمة له، وهذا ما مهد الطريق أمام التطورات اللاحقة في حقل السينما الروائية التي انتقلت قيادة دفتها إلى أمريكا وجعلت منها صناعة ذات رواج وتأثير في كافة أنحاء المعمورة، فصارت بالضرورة تبحث عن قصص غرائبية تتضمن مغامرات تجري تحت أعماق البحر أو فيها وحوش تخرج من باطن الأرض أو مخلوقات عجيبة تغزو الأرض وتهدد قاطنيها من البشر، وغير ذلك من مخاطر تثير الرعب في النفوس، وصارت تكتشف، بالمقابل تقنيات الخدع البصرية (صارت في العصر الرقمي تسمى مؤثرات)، التي تساعد على تجسيد هذه الأجواء الغرائبية بصورة مقنعة ومؤثرة.
واصلت السينما الأمريكية إنتاج وتطوير صناعة هذا النمط من الأفلام على مدى تاريخها مستفيدة من واقع أن هذه الأفلام ظلت، وبنسب متفاوتة، تحقق أرباحا بشكل عام. لكن هذا التطوير المتوازن بين القصص والتقنيات الهادفة إلى التحكم بانفعالات جماهير المشاهدين بواسطة الخدع البصرية و المؤثرات الخاصة بدأ مع الأيام يشوبه بعض الاختلال، ذلك أنه خلال هذه السنوات، ونتيجة ازدياد وعي المشاهدين وتراكم خبراتهم في مجال استقبال الأفلام، استنفذت قصص ومضامين تلك الأفلام إمكانياتها وأغراضها وظلت تراوح في مكانها من حيث مواضيعها وأبنيها السردية وشخصياتها المقسمة إلى فئتين متصارعتين دوما ، فئة الأشرار( بشرا كانوا أم وحوشا أم مخلوقات حية غير أرضية)، وفئة الأخيار الذين يكسبون المعركة في نهاية المطاف
هذا في حين أن تقنيات السينما، خاصة ما يتعلق منها بالمؤثرات الخاصة ظلت تتطور بشكل متسارع وبقفزات طويلة يوما إثر يوم، وحققت، خاصة بفضل الثورة الرقمية، إنجازات غير مسبوقة، إنجازات لا تقف عند حد وتعد بالمزيد، لا على المدى البعيد بل الرقيب والقريب جدا. وهكذا، في حين بات أفق المواضيع والقصص التي تعالجها أفلام الإثارة محدودا، فبعض الأفلام مجرد نسخ تعيد إنتاج أفلام قديمة أنتجت مرارا في السابق، كما هو الأمر بالنسبة لحكاية غرق السفينة " تايتانيك " التي حظيت خلال تاريخ السينما بعدد كبير من الأفلام، وبعضها يتكرر من فيلم إلى فيلم على شكل سلاسل سينمائية، كما هو الأمر بالنسبة لسلسلة أفلام كوارث الطائرات و أفلام حرب النجوم و كذلك سلسلة أفلام "باتمان" و " الرجل العنكبوت" و"هاري بورتر " وغيرها من السلاسل الفيلمية، التي ظلت مواضيعها متشابهة تفقد تأثيرها مع كل نسخة جديدة من السلسلة، فيما تسير تقنياتها في طريق يقود نحو آفاق متجددة تبهر جماهير مشاهدي السينما الباحثين فيها عن الإثارة بقدرتها على تجسيد اكثر التخيلات غرابة وتحويلها إلى صور تقلد الواقع إلى درجة توهم بواقعيتها.
هذه المسيرة المتجددة للتقنيات في السينما ليست فقط نتاج التطور والثورة الرقمية بل بشكل أساس لأنها تلعب دورا بالغ الأهمية في اقتصاديات صناعة السينما، فهي تشكل ضرورة ملحة لإثارة فضول المشاهدين الذين يمكن أن يصبح المستوى الراهن للمؤثرات البصرية عاديا رتيبا بالنسبة لهم، خاصة مع تكرارها من فيلم لفيلم، مما يحتم على صناعة السينما البحث عن الجديد الذي يمكن أن يشحن فضول المشاهدين ويدفعهم نحو الإقبال على التفرج على الأفلام الجديدة، مشكلة الابهار التقني انه ما أن يعتاده الجمهور حتى يفقد تأثيره وهذا ينطبق على الإبهار التقني بالمطلق كما ينطبق عليه في كل فيلم على حدة، وهذا ما يجعل من الحاجة إلى تطويره مطلبا دائم التجدد.
ومن نافل القول هنا أن الدعاية المكثفة المبرمجة تلعب دورا أساسيا في التأثير على العقول وآليات استقبال جماهير المشاهدين لكل "حدث" جديد في مجال صناعة الأفلام وبالذات المؤثرات البصرية والسمعية الرقمية الخاصة، دورا يمكن تشبيهه بعمليات غسل الدماغ أو التنويم المغناطيسي.
ما يساعد ويدعم صناعة السينما في إثارة فضول جماهير المشاهدين نحو ما يستجد من تطبيقات على المؤثرات الخاصة الرقمية في الأفلام هو كون التكنولوجيا الرقمية ومنتجاتها المتبدلة المتجددة دوما  قد صارت هوسا عاما مشتركا بين منتجيها ومستهلكيها، الأمر الذي جعل ممكنا وصف زمننا الحالي بأنه عصر يجري فيه تقديس التكنولوجيا الرقمية الخاصة بالمؤثرات البصرية التي تسعى للإدهاش كما لو انها صنم معبود.
المفارقة هنا تمكن في ان تقنيات المؤثرات الخاصة، كما يجري استعمالها في السينما التجارية، صارت تحتل المرتبة الأولى في أولويات صناعة السينما التجارية الاستهلاكية مقابل تراجع دور الحكاية ذات المضمون الغني والفكر العميق، ما يعكس بدوره تناقضا ما بين العقل العلمي الذي يطور هذه التقنيات والعقل غير العلمي (إن صح التعبير) الذي يستخدم هذه التقنيات في صنع أفلام متخلفة عفليا عن هذه التقنيات.

أليكم نموذجا عن هذا التخلف لن تعجزوا عن ملاحظته في ألاف الأفلام الموجهة للكبار وللصغار على حد سواء: البطل الطيب يدخل في نهاية الفيلم في معركة مع البطل الشرير، معركة يستخدم فيها الاثنان أسلحة عجيبة متطورة تطلق الليزر المدمر، تارة يسيطر البطل  الطيب وتارة أخرى يتغلب الشرير عليه (مع أن المشاهدين يعرفون لمن تكون الغلبة في النهاية) ولأن هذه الأسلحة العجيبة تعجز عن حسم المعركة يستبدلها الخصمان بالقتال التقليدي الذي يعتمد على اللكمات والركلات وفنون الكاراتية والكونغ فو!

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular