أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 30, 2016

أمور شخصية • أمل الجمل


ظلال  و أشباح
السنة 11 | العدد: 912
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقدحار جاف صيفاًأحمد حسونة | أمور شخصيةأمل الجمل | ما وراء الجبال والهضابمحمد رُضا • آراء: مفارقات الإبهار التقني في سينما اليومعدنان مدانات • تحقيقاتكيف خسر تشابلن أميركامحمد رُضا | كتاب الغابة من سابو إلى ديزنيمحمد رُضا 
In EnglishBen Affleck talks about "Batman v Superman"Serge Rakhlin | Film NotesMohammed Rouda
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  نقد فيلم                                           
   أمل الجمل                                                                   

«أمور شخصية» لمها حاج
فلسطيني الهوية، إسرائيلي الجنسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

|*| توفّـر الناقدة قراءتها لما وراء فيلم يطرح لدى البعض إشكالات حول هوية المخرجة الفلسطينية وهوية الفيلم كمنتج إسرائيلي |*|                           

في الكتالوج الخاص بمهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والستين الممتدة من 11-22 مايو الجاري تم تصنيف "أمور شخصيةعلى أنه شريط سينمائي إسرائيلي، والسبب في ذلك النسب ليس بسبب الإنتاج الإسرائيلي الذي عن طريقه خرج الفيلم للنور، لكن يبدو أنه جاء تطبيقاً لتصريح تييري فريمو الذي أكد - في المؤتمر الصحفي قبل افتتاح هذه الدورة بعدة أيام - أن "المهرجان قام بتصنّيف هوية الفيلم وفق هوية مخرجه"، والكتالوج الخاص بالمهرجان يذكر أيضاً أن مها حاج أبو العسل إسرائيلية الجنسية من الناصرة ومن هنا اكتسب الفيلم هوية مخرجته.
ما نعرفه وما كان يتم الإعلان عنه طوال الوقت يُؤكد أن المخرجة فلسطينية من عرب 48، فهل يتم التعامل مع عرب 48 على أنهم إسرائيليين؟ ولماذا لم تحتج المخرجة؟ بينما رفضت المخرجة سها عراف صاحبة فيلم "فيلا توماأن يتم التعامل معها على أنها إسرائيلية وأصرت طوال الوقت على أن تصف فيلمها بأنه فلسطيني وبأنها هي أيضاً فلسطينية وذلك عندما عُرض الفيلم في مهرجان البندقية قبل عامين؟ مثلما دخلت في صراع مع الجهات الإسرائيلية المنتجة بسبب هذا الإصرار، وتعرضت للهجوم العنيف من قبل الكثير من النقاد العرب لأنها وافقت على أن تنتج فيلمها بأموال إسرائيلية، رغم أن موضوع الفيلم فلسطيني تماماً وليس به أي مجاملة لدولة إسرائيل.   

رغم ما سبق لا أنكر أنني شاهدت لها من قبل الفيلم الروائي القصير «برتقال» الذي فاز بجائزة الجمهور في «مهرجان مونبلييه» 2012، وأعجبني قدرتها على البناء السردي المحمل بالرمز بأسلوب سينمائي سهل بسيط وعميق من دون افتعالهنا، في دورة كان التاسعة والستين تشارك مها بفيلمها الروائي الطويل الأول «أمور شخصية» ضمن مسابقة قسم "نظرة خاصة" ضمن سبعة عشر فيلما من ثلاثة عشر بلدا هي فرنسا وإيطاليا وهولندا وفنلندا ورومانيا وروسيا والولايات المتحدة والأرجنتين واليابان وسنغافورة وايران، وإلى جانب الفيلم المصري "اشتباكللمخرج محمد دياب في ثاني تجربة إخراجية له بعد ثماني تجارب في كتابة السيناريو الروائي الطويل. كما تنافس مها حاج أو العسل على جائزة الكاميرا الذهبية التي تمنح جائزة للفيلم الأول، وهى الجائزة التي ظهرت للوجود  عندما تولى الناقد الفرنسي جيل جاكوب مهام عمله في المهرجان كأمين عام إذ ابتكر مسابقة "الكاميرا الذهبية"، وكذلك أنشأ قسم "نظرة خاصةعام 1978 والتي تتمثل أهميتها في أنها تحتفي بالأعمال الأولى، وخطوة لتشجيع المواهب الصاعدة.  
يبحث فيلم "أمور شخصيةفي إشكالية فتور العلاقات العائلية لثلاثة أجيال من الفلسطينيين المشتتين يجمع بينهم الإحساس بالغربة والاغتراب؛، الجيل الأول تُمثله الجدة العجوز المصابة بداء الزهايمر والتي تفعل أشياء غريبة لكنها تتحول إلى كائن طفولي عندما يأتيها صوت أسمهان العذب أثناء غنائها، بينما سمر زوجة حفيدها جورج تضيق بها ولا تطيق سماع حكاياتها، والحفيد نفسه الذي يعمل ميكانيكي سيارات لا يمنحها كثيراً من الوقت وإن كان يتعامل معها برقة، بينما علاقته بزوجته سمر الحامل في شهورها الأخيرة يشوبها الانفصال الروحي وعدم التواصل رغم استسلامه ومسالمته وانشغاله بحلم يستحوذ عليه هو رؤية البحر والبقاء على شاطئه، خصوصاً بعد أن تم ترشيحه لأداء دور بفيلم سينمائي فيحاول أصدقاءه - في مشهد ساخر خفيف الظل - إقناعه برفض المشاركة في العمل لنه من المحتمل أن يكون الدور ضد القضية الفلسطينية وربما يكون الدور لشخصية إرهابي.  
    ويُـمثل الجيل الثالث أيضاً اثنين من الإخوة – طارق وهشام شقيقي سمر - أحدهما هشام مقيم بالسويد ولا نعرف طبيعة عمله على وجه التحديد، فقط نراه في مشاهد باردة في سكن شديد البرودة اعلى المستوى المعنوي وجارة عجوز مع كلبها والتي يفصل بينهما جبال ثلجية رغم أنهما فعليا لا يفصلهما سوى جدار هش ورقيقأما طارق فمخرج مسرحي قرر الهرب من عالم والديه وحصارهما وتدخلهما في حياته ورتابة وملل حياتهما بأن يعيش في رام الله وهو أيضاً – واستمراراً لشخصيته في التنصل من تحمل المسئولية - يرفض محاولات أخته لتزويجه من الفتاة الجميلة ميساء الواقعة في غرامه والتي تحاول هي الأخرى معه لكنه يتعامل معها ببرود وجفاء حتى أنهما أثناء سفرهما من رام الله إلى القدس وعند أحد المعابر الإسرائيلية عندما يستوقفهما جنود الاحتلال ويسألوا طارق عن طبيعة العلاقة بينهما فيرد بأنها مجرد صديقة، مما يُغضب ميساء وتقرر أن تترك السيارة والعبور بمفردها وهى في حالة غضب شديد مما يسبب الذعر للجنود الواقفين على الحاجز متخيلين أنهما إزاء عمل إرهابي ويتم القبض علي الأثنين، وأثناء احتجازهما طويلاً في الغرفة المغلقة حيث يتم مراقبتهما يبدأن في التدريب على رقصة التانجو في مشهد ظريف، ومع تلك الرقصة يبدأ ذوبان الجليد العاطفي الذي كان يغمر طارق، ورغم عدم واقعية المشهد لكن تم إخراجه وأدائه تمثيلياً بطريقة متقنة وتلقائية.  
أما الجيل الثاني فيمثله زوجان عجوزان يعيشان في الناصرة هما والدا طارق وهشام وسمر، يقضي الزوج ساعات نهاره وليله أما جهاز الكومبيوتر، ويتعامل مع زوجته بأسلوب جاف، وكأنها خادمة ثم يتذمر ويشكو من نفورها منه وجفائها معه واكتفائها بممارسة شغل التريكو وطهي الأنواع التقليدية من الطعام ومشاهدة المسلسلات التليفزيونية، فيشكو طويلاً لابنته سمر وابنه هشام ويطلب منهما مساعدته والحديث إلى والدتهما فيدعوهما هشام لزيارته في السويد على أن يستأجر لهما بيتا على البحيرة لتغيير الجو النفسي لهما، فيصطحب الزوجان معهما الغربة والانفصال الروحي ومعانتهما، ويُواصلان نفس الطقوس التقليدية، فتغيير المكان ليس كافيا لتغيير الأفراد والأحرى بهم أن يُغيروا من دواخلهم.   

الحوارات بالفيلم ليست كثيرة، إذ تعتمد المخرجة على التعبير البصري ولغة العيون والإيماءات الجسدية، وتُعد أقوى الشخصيات التي تم رسمها بالفيلم هى شخصية سمر وطارق وميساء والجدة وجورج بكل تفاصيلها الإنسانية الكاشفة لأعماق كل منهم، أما شخصية هشام فتعاني الكثير من التكرار الممل والافتعال، وكذلك كثير من مشاهد الزوجين العجوزين مما ساهم في ترهل الإيقاع في بعض مناطق الفيلم الذي شارك في بطولته ميساء عبد الهادي ودريد لداوي وعامر حليحل وحنان حلوكما أن التصالح وذوبان الجليد بين الزوجين المسنين فجأة جاء مفتعلاً غير مفهوم، ومع ذلك لا يمكن إنكار أن المخرجة مها حاج أبو العسل تمتلك موهبة سينمائية وسيكون لها شأن في الفن السابع وبصمة في السينما الفلسطينية لو نجحت مستقبلا في اختيار السيناريو المتقن.  

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system