أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 30, 2016

Beyond the Mountains and the Hills • Mohammed Rouda



  برا الكادر                                        
   محمد رُضــا                                                                 

«ما وراء الجبال والهضاب"
 يسار إسرائيلي كيمينه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

|*|  فيلم  إيران كوليرين «ما وراء الجبال والهضاب» دراما حول إسرائيل التي عليها أن تبقى قوية متحدة حتى ولو كانت على خطأ |*|                           

سقطت قدرة معظم النقد العربي على التمييز بين القصّـة المروية وأحداثها وبين المضمون البعيد أكثر من مرة. الأفلام التي تمر أمام العيون المراقبة تستقر تبعاً للرغبة في تفسيرها وليس لما هي عليه في حالات كثيرة.
واحد من هذه الحالات كانت سنة 2007 عندما قام المخرج الإسرائيلي إيران كوليرين بتقديم فيلمه الأول «زيارة الفرقة» The Band's Visit الذي جال مهرجانات كثيرة وشارك في قسم «نظرة ما» في مهرجان "كانالذي يعاود إستقبال فيلمه الثالث «ما وراء الجبال والهضاب» Beyond the Mountains and the Hills
تناول «زيارة الفرقة» حكاية فرقة من البوليس المصري تصل إلى إسرائيل لكي تقدم حفلة في «المركز الثقافي العربي» أو كما يعلنه الفيلم The Arab Cultural Centre علماً بأن لا وجود لهذا المركز بل هناك آخر، في حيفا، أسمه The Arab Culture Association. لكن عوض أن تصل إلى البلدة التي تقصدها تأخذ الحافلة الخطأ وتحط في بلدة صغيرة أخرى تعيش في سبات الأيام بعيداً عن زحام المدينة ومشاكلها.
بعد ذلك هي عملية تعارف وتقارب بين العازفين المنتمين إلى البوليس المصري (بثيابهم القشيبة ومظهرهم الأقل من رسمي) وبين سكان البلدة الإسرائيلية ينتج عنها تخاطب ود وفك عقدة العذرية لأصغر الأفراد سناً واللقاء على حب الموسيقا والفن.

منح الفيلم المنادين بالتطبيع وبالسلام، من عرب وغير عرب، الكثير من أسباب الرضا. هذا فيلم يقدّم الشعبين (أو لمن يرمز إليهما) المتجاورين وكيف أنهما في الواقع مرتبطان بتاريخ متقارب وثقافة متشابهة. أتخيل أحد النقاد العرب في يوميته وهو يقفز من مكانه عدّة مرات متحمساً ومعجباً. آخرون كتبوا في المجال ذاته معتبرين أن الفيلم بنصّـه هذا يوفر أرضية مشتركة للتفاهم والسلام. 
أكثر من ذلك من اعتبر أن المخرج إنما ينتمي إلى اليسار الإسرائيلي، ذلك الذي ينتمي إليه إيران آخر هو إيران ريكليس وأموس غيتاي وآفي مغربي من بين آخرين.
صحيح أن الفيلم يوفر لمشاهديه نظرة ملؤها إعجاب الإسرائيليين بالموسيقا المصرية وحب بعضهم الفطري للقادم الغريب، لكن ما لم يُـر حينها أن الشخصيات المصرية (وقد أداها فلسطينيون) هي شخصيات متوجسة، خائفة، معقدة وحذرة في الغالب. مداركها الثقافية محدودة وترحيبها بالتبادل الثقافي أكثر محدودية.
ما يتركه الفيلم حاضراً أمام المتلقي هو أن الشعب الإسرائيلي هو المحب للسلام وهو المرحّـب بالضيف العربي ومن زار ثقافاته قبل ذلك ويقدّرها. الأفراد العرب هم مجموعة من المشاعر الطيّبة فوق أخرى غير مستقرّة.
لا يوجد في الفيلم حالة نزاع جادة فعلية واحدة تمنح المشاهد بحثاً سياسياً مختلفاً. بعض الشخصيات اليهودية في العمل رمادية إلى حين لكن معظمها أبيض. بعض الشخصيات المصرية تبدو غير مستعدة لمصافحة الإسرائيلي، لكن معظمهم ليس لديه مشكلة في التواصل والتلاقي. من لا يقدم على ذلك يخسر وحده. لكن هذا أكثر ما يوفره الفيلم من بحث واقعي في أسس العلاقة بين مصر وإسرائيل ما يوعز بأن لا وجود لأي طروحات وقضايا عالقة بين شعبين. 

فيلم كوليرين الجديد «ما وراء الجبال والهضاب» (لا يوجد جبل وهناك هضبة واحدةعمل مراوغ آخر. في الأساس، لدينا عائلة إسرائيلية مؤلفة من أربعة أفراد: الأب كان قائداً عسكرياً يحاول الآن الإندماج في الحياة المدنية. الزوجة مدرّسة.  والولدان ما زالا في مرحلة المراهقة. محاولة الأب الإنماج في الحياة المدنية تبوء بالفشل. هو غير راض عن عالم يجد نفسه فيه وحيداً. المستوطنة التي يعيش فيها تقع عند نهاية هضبة تفصلها عن بلدة فلسطينية بطريق عام.  ذات يوم يخرج ليلاً من منزله. يوقف سيارته ويطلق النار أمامه. ربما من دون قصد يصيب شابّـاً فلسطينياً ويقتله. هو لا يعرف ذلك إلا في اليوم التالي. إنه الشاب نفسه الذي كانت إبنة الإسرائيلي تعرّفت عليه وهي تقطع المسافة إلى بيت عائلة الفلسطيني لكي تعزي بوفاته. هناك يلتقيها شاب ويتودد إليها تحت إسم عماد لتكتشف أن إسمه الحقيقي عمر. المخابرات الإسرائيلية تعرف أنها تقابل ذلك الشاب وتطلب من أبيها إقناعها بأن تتحول إلى جاسوسة وهي توافق. 
في خلال ذلك الزوجة تنام مع أحد طلابها. الإبن يقتل يهودياً من عمره. على ذلك، لا يستطيع المخرج إيران كوليرين إلا وختام الفيلم بعائلة سعيدة متحابة وموحدة تميل رقصاً على أنغام موسيقا تصدح في ملعب رياضي. قبل ذلك كانت الزوجة أخبرت زوجها بأنها خانته وجوابه هو «لنضع ما حدث وراءنا. نحن شعب طيب».
ما علاقة الطيبة بالموقف الأخلاقي هو واحد من أسئلة كثيرة لا يعمل الفيلم على طرحها بل يضعها أمامنا كوقائع. ليس هناك من مبررات لأي تصرّف لا لخيانة الزوجة ولا لقيام الإبن بقتل زميل له ولا لمسايرة الفتاة للفلسطينيين ثم تجسسها عليهم. الفجوات السردية غير منطقية وتترك العديد مما يخفق الفيلم في الإحاطة به إذا ما كانت الرغبة هي توفير عمل ذا قيمة.
حين يصل الأمر إلى الموضوع الفلسطيني نجد المخرج لديه صورة نمطية كسيحة لهما. إنهما (الشاب الذي قضى والشاب الذي يخلفه حضوراً) منزويان تحت ستار غامض من الدوافع. ربما هما ليسا «إرهابيين» لكنهما يتصرّفان على هذا النحو والفيلم (وأبطاله) عليهم أن يصدقوا رواية المخابرات الإسرائيلية. كذلك، هما شخصان غير جديران بالثقة حتى وإن لم يكنا إرهابيين. نظراتهما تشي بجوع الذئب للحم الطريدة (الفتاة).
مثل «زيارة الفرقة»، «ما وراء الجبال والهضاب» فيلم رجعي. أقل منه نجاحاً في توفير معالجة صحيحة فنياً وصائبة كموضوع. في كليهما فشل في الإقتراب من المسألة العربية-الإسرائيلية بشقيها الفلسطيني أو المصري. وفي كليهما استغلال للمادة للوصول إلى طرح باهت حول الإسرائيلي الآمن والجميل.



No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system