أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Apr 26, 2016

غاي هاملتون منح جيمس بوند النجاح الحقيقي الأول


  مخرج                                                                    
 محمد رُضــا                                                                                                    
رحيل المخرج الذي وضع جيمس بوند على سكة النجاح
 غاي هاملتون أخرج الحربي والبوليسي والجاسوسي

|*|  غاي هاملتون، المخرج البريطاني الذي توفي قبل أيام، وضع جيمس بوند على سكّـة النجاح، وحقق أفضل أعماله في ثلاثة عقود


على الرغم من أن المراجع المطبوعة والإلكترونية تصف أعماله الأولى في السينما كـ «مساعد مخرج» إلا أن المخرج غاي هاملتون، الذي رحل في العشرين من هذا الشهر عن 93 سنة، كان  يعتبر نفسه «مخرج مساعد» بما يعنيه ذلك من فارق دقيق. قال ذات مرة لمحدّثه: "الحيلة البارعة هي أن لا تكون مساعد مخرج، بل أن تصبح مخرجاً مساعداً"
عنى بذلك أن يكون إلى جانب المخرج ليؤمن له ما يطلبه فنياً عوض أن يكون الشخص المسؤول عن تأمين حاجات إدارية فقط. في كل الأحوال، كان على هاملتون العمل خمس سنوات، من العام 1947،  مساعداً قبل أن يُعهد إليه إنجاز الفيلم الأول كمخرج سنة 1952. ثم إثني عشر سنة بعد ذلك قبل أن تتاح له فرصة تحقيق «غولدفينغر»، الفيلم الثالث في سلسلة جيمس بوند، وأفضل الأفلام الثلاث الأولى.

فعل ترفيهي
وُلد غاي هاملتون في باريس في  16 سبتمبر/ أيلول سنة 1922 كون والده عمل ملحقاً صحافياً للسفارة البريطانية في فرنسا. أظهر ميولاً صوب السينما عندما عمل مساعداً للمخرج البرازيلي ألبرتو كافالكانتي الذي حقق أفلامه في إطار السينما البرازيلية والفرنسية من أيام السينما الصامتة، ثم البريطانية من منتصف الثلاثينات (مات سنة 1982 عن 104 سنوات). ذلك الفيلم كان تشويقياً بوليسياً بعنوان «أصبحت مجرماً» ومن بطولة تريفور هوارد. بعده انتقل هاملتون ليعمل مساعداً للفرنسي جوليان دوفيفييه عندما قرر ذاك  تحقيق نسخته من رواية ليو تولستوي «آنا كارنينا» كإنتاج بريطاني.
كان دوفيفييه مخرجاً بارزاً في الحقبة التي سبقت ثم تلت مباشرة الإحتلال الألماني لفرنسا، لكنه لم يكن المخرج البارز الوحيد الذي عمل هاملتون تحت مطلته. في العام التالي وجد نفسه معاوناً للمخرج البريطاني كارول ريد في «المحبوب الساقط» The Fallen Idol ولاحقاً عمل مساعداً للمخرج نفسه في كلاسيكيته الشهيرة «الرجل الثالث» (1949). وبعد ثلاث سنوات عمل تحت إدارته مرّة ثالثة في «جزر منبوذة» (عن رواية لجوزف كونراد ومن بطولة تريفور هوارد أيضاً)
في هذا الفيلم الثالث مع كارول ريد دور لممثلة جزائرية لم تنل الكثير من الشهرة أسمها كريمة. حسب الموسوعات، كان دورها المساند في «جزر منبوذة» أول أفلامها وبعده مثّـلت في نحو خمسة عشر فيلماً. لكن اشتراكها في ذلك الفيلم الأول لها كان مناسبة تعرّف على مساعد المخرج هاملتون وهو تعارف إنتهى بالزواج منه.
المخرج الأميركي اللامع جون هيوستون أخذه على المركب العابر للنهر الأفريقي في فيلمه الجيد «الملكة الأفريقية» مع هومفري بوغارت وكاثرين هيبورن.
عند هذا الحد كان هاملتون قد اكتسب ما يحتاجه لخطوته التالية وهي أن يصبح مخرجاً والنتيجة قيامه بتحقيق ثالث إقتباس عن رواية إدغار والاس «الشبيه» The Ringer سنة 1952 والنتيجة كانت من الجودة بحيث انطلق منه لتحقيق أفلام تشويقية وبوليسية أخرى من بينها «جريمة يوم الإثنين» (1952) و«المتدخل» (1952) و«نداء المتحري» (1953). هذه الأفلام وأفلام هذه الفترة (الخمسينات) كانت مجزية بالنسبة للمخرج الذي سارع إلى تبني مبدأ أن الفيلم فعل ترفيهي عليه أن ينجز بحرفة فنية صحيحة. لذلك لا نجد بين هذه الأفلام المذكورة، أو سواها مثل «قصة كولديتز» (1955) و«لمسة استحواذ» (1959) و«جنازة في برلين» (1966) ما يذكر من ضعف أو هنّـات.
على ذلك، كانت هناك تجربة واحدة أخفقت في التبلور جيداً وغاي هاملتون لم يكن سعيداً بها. في العام 1959 أختير هاملتون لتحقيق فيلم كبير بعنوان «تلميذ الشيطان»، مزيج من الكوميديا عن مسرحية جورج برنارد شو تم إسناد بطولتها إلى النجمين الأميركيين بيرت لانكاستر وكيرك دوغلاس. كلاهما نرجسيان شهيران حاولا التدخل في عمل هاملتون، لكنه قاوم ذلك وحافظ على مسافته منهما ولو أن الضرر كان واضحاً حين العرض إذ جاء الفيلم فاتراً وخال من الإثارة.
فيلم آخر حققه هاملتون تعرّض لمشاكل، إنما مختلفة. في العام 1964 قام بتحقيق فيلم من بطولة روبرت ميتشوم عنوانه «رجل في الوسط»، لكن الرقابة البريطانية لم تجز الفيلم ومنع من العرض إلى أن تم حذف مشاهد جنسية. 

بوند الأفضل
في العام نفسه، سنحت لغاي هاملتون الفرصة الذهبية: تحقيق فيلم من بطولة الشخصية الجاسوسية جيمس بوند. كانت هذه الفرصة واتته قبل عامين عندما كان الإنتاج يستعد لإطلاق الفيلمين الأولين من السلسلة «دكتور نو» و«من روسيا مع الحب» وتم التقدم إلى هاملتون بطلب إخراجهما، لكن هاملتون آنذاك لم يكن مستعداً للسفر لأسباب بقيت مجهولة، فاعتذر ما دفع بالإنتاج للتوجه إلى البريطاني ترنس يونغ للغاية.

"No, Mr. Bond. I expect you to die'

الفيلمان المذكوران كانا تمهيداً لما بعد، لكنهما لم ينجزا النجاح الكبير الذي توخاه منتجا السلسلة ألبرت بروكولي وهاري سولتزمان (لاحقاً ما انفصلا). ما جعلهما يلجآن إلى غاي هاملتون مرّة أخرى لتحقيق الفيلم الثالث من السلسلة وهو «غولدفينغر» وهذا لم يدع الفرصة تفوته هذه المرّة الذي شمل تصويره مواقع في بريطانيا وسويسرا والولايات المتحدة.
«غولدفينغر» أكثر تكاملاً من الفيلمين السابقين. الحرفة أكثر جودة بدءاً من استخدام أغنية شيرلي باسي الشهيرة (بالإسم نفسه) على خلفية متماوجة من اللون الذهبي إلى تنفيذ المعارك الأخيرة داخل قلعة فورت نوكس الأميركية تبعاً للحكاية.
لكن أحد أهم أسباب قوّته، الإعتناء الكبير بشخصية المجرم الأول كما أدّاه الألماني  الرائع غيرت فروبي. 
إنه شون كونيري من جديد مكتشفاً خطّـة الملياردير المكنّـى بـ «غولدفينغر» (تصفه الأغنية فتقول: "قلبه من ذهب، يحب الذهب، الذهب فقط» وتنتهي بإعادة العبارة عدة مرات) لسرقة مستودع الخزينة الأميركية نفسها. يحاول بوند كسب ثقة غولدفينغر بالتعرّف عليه، لكن غولدفينغر يعلم من هو وفي مشهد أخاذ، بعدما تم القبض على بوند وربطه فوق طاولة من حديد على أن يمر فوق جسده وميض من اللايزر يشطره إلى نصفين، يحاول بوند، خائفاً، كسب الوقت فيقول: "هل تتوقع مني أن أقول شيئاً وأنا في هذه الحالة؟" فيرد عليه غيرت فروبي بثقة: No, Mr. Bond. I expect you to die لا مستر بوند، أتوقع لك أن تموت»).
مثير أيضاً مساعد غولدفينغر القاتل الياباني (هارولد ساكاتا) الذي يعتمر قبعة فولاذية إذا ما رماها على إنسان قطع رأسه. طبعاً، كان لابد من أن ينجو بوند في كل مرّة ومن كل مأزق، وهذا مؤسف لأن عدوّيه كاناً أفضل منه في معركتي التخطيط والقتال.
نال «غولدفينغر» نجاحاً كبيراً تجاوز نجاح الفيلمين السابقين وتم التعاقد معه على الفيلم الرابع «الماس للأبد (1971) لكن هاملتون طلب بعض الوقت ريثما ينتهي من فيلمين من خارج السلسلة. أولهما الفيلم الجاسوسي غير البوندي «جنازة في برلين»  الذي يتبع سلسلة هاري بالمر كما أداها بنجاح مايكل كاين والفيلم الحربي الضخم «معركة بريطانيا» (1969).
شهد «الماس للأبد» (1971) نجاحاً مضطرداً لهاملتون في لعبة بوند كذلك لم يخل فيلمه البوندي الثالث «عش ودع الموت» (1973) من حسنات ولو أنه بات تلقائياً أكثر مما يجب. لكن النتيجة في المرّة الرابعة كانت أفضل من الثالثة وذلك عندما حقق فيلمه الأخير في هذه السلسلة وهو «الرجل ذو المسدس الذهبي» (1974) هذه المرة مع بوند جديد هو روجر مور بعدما قرر كونيري الإعتزال.  ثم كان من المفترض قيام هاملتون بإخراج بوند خامس له هو «الجاسوس الذي أحبني» لكن المهمّـة ذهبت إلى لويس غيلبرت.

جوهرة
بعد هذه الجولة عاد هاملتون إلى الفيلم الحربي فأخرج «قوّة عشرة من نافارون» (1978) مع روبرت شو وباربرا باخ (من إكتشافات بوند) وإدوارد فوكس وفرانكو نيرو وهاريسون فورد. ثم مال إلى رواية أغاثا كريستي «المرآة انشرخت» التي قامت ببطولتها أنجيلا لانسبوري، وبعده نفّـذ عملاً  لغزياً موازيا كتبه المسرحي أنطوني شافر لكنه لم ينجز النجاح المتوخى.
في منتصف الثمانينات عاد هاملتون إلى سينما الأكشن الجاسوسية. هذه المرّة عرضت عليه شركة أميركية تحقيق فيلم يكون بمثابة «بايلوت» لسلسلة جديدة من الأفلام مأخوذة عن رواية «المدمر» لرتشارد سابير. العنوان المختار لللفيلم هو «ريمو ويليامر: المغامرة تبدأ». كل شيء كان في مكانه بإستثناء أن الفيلم كان طري الجوانب وطويل التمهيد حتى إذا حان وقت التسخين كان الفيلم وصل إلى نهايته. بالتالي انتكس المشروع و«المغامرة تبدأ» أنتهت أيضاً عند هذا الحد.


أدرك هاملتون، وكان بلغ الثالثة والستين من العمر إنه يريد أن يتوقف. وبالفعل أنجز فيلما واحداً بعد ذلك (كوميديا بعنوان «جرب هذا للقياس» Try This for Size) لكن أحداً لم يعره اهتماماً. 
أعمال هاملتون في الخمسينات كانت من الجودة الحرفية والفنية بحيث قادته إلى أفلام الستينات والسبعينات الأكبر حجماً والأقوى عرضاً. وكلا هذين العقدين هما أفضل سنوات حياة هاملتون المهنية. 
في الشأن ذاته فإن «غولدفينغر» هو الجوهرة الذهبية فعلاً في حياة المخرج. وعلى الرغم من تعدد وتمدد أفلام بوند من ذلك الحين إلى اليوم، إلا أنه يبقى النموذج الأصلح لعمل يختزل كل بوند إلى عميل بالكاد يستطيع أن يبقى حيّـاً. 




No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system