أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Mar 5, 2016

السينما التسجيلية في العام 2015: أوجاع الحياة الإجتماعية برزت في أكثر من فيلم جيد

 السينما التسجيلية في 2015 
أوجاع الحياة الإجتماعية برزت في أكثر من فيلم جيد

 محمد رُضــا

الفيلم الأفريقي "مقطوع"٠
في الوقت الذي لا يزال الفيلم التسجيلي العربي يجهد في سبيل الحصول على مساحته المحقة من الإهتمام، وذلك على الرغم من تعدد المناسبات والمهرجانات السنوية التي تقدّمه اليوم جنباً إلى جنب الأفلام الروائية، يتمتع هذا الكيان القائم من الأفلام غرباً بمساحة كبيرة من النجاح إعلامياً وجماهيرياً ونقدياً.
بطبيعة حال الأمور السائدة، ليس النجاح هو ذاته مع نجاح أفلام الأكشن والفانتازيا الأميركية، لكن لن يكون صعباً على أي متابع ملاحظة كيف أن السينما التسجيلية (وثائقية كانت أو ريبورتاجية مثلاً) تعيش أفضل حالاتها على أكثر من صعيد.
العام المنصرم، 2015، عزز هذا الحال على قدم المساواة مع الأعوام القريبة الماضية مع إضافة مهمّـة هي عودة المخرج الإنتقادي الأميركي مايكل مور إلى الساحة بعد غياب بضع سنوات. إنه المخرج الذي أسهم إسهاماً كبيراً، ومنذ سنوات، في تحويل الفيلم التسجيلي من حالة حصار يعيشها وسط لا مبالاة الجمهور السائد، إلى تجربة حيوية تنضم إلى المعروض من أفلام الصالات التجارية وتجذب إليها اهتمام النقاد وجزء لا يستهان به من المشاهدين في الوقت ذاته. 
آخر فيلم حققه كان «الرأسمالية: قصّـة حب» وذلك سنة 2009، أي بعد عام واحد من الإنهيار الإقتصادي. هناك حط في شارع وول ستريت في نيويورك وصرخ منادياً أقطاب المؤسسات المصرفية الذين تسببوا في الأزمة الإقتصادية من دون أن يدفعوا أي ثمن (بل تم تعويضهم في الواقع) أن يواجهوه لأنه سيقوم بإلقاء القبض عليهم تبعاً لما يُـعرف قانونياً بـ Citizen Arrest
(ما يمكن ترجمته إلى "حق المواطن في إلقاء القبض") الفيلم الجديد هو «أين نغزو تالياً؟» (Where to Invade Next?
العنوان لا يرسم علاقة بين الفيلم وبين البنتاغون فقط، بل هو يجسد سخرية من واقع حال شامل. مور، الذي يظهر في كل أفلامه، يحمل العلم الأميركي وينتقل في عدد من الدول ليغرزه أو ليعكس مدلوله على المحيط الخارجي. بذلك يلبس المخرج عنوان الفيلم، فهو الأميركي الغازي مع مفارقة إنه في كل ذلك يسخر من السياستين الخارجية والإقتصادية للولايات المتحدة. الأولى بالنظر إلى الشعوب الأخرى (حتى الأوروبية) نظرة فوقية، والثانية بالنظر إلى الإستقرار الإقتصادي الذي تعيشه دول الغرب قياساً بمثيله في الولايات المتحدة.
للتدليل على ذلك، يزور المخرج عائلات في منازلها ومرضى في المستشفيات وسجناء في سجونهم ويقارن بين كل هذا، وسواه، وبين الوضع الموازي (وليس المساوي) الذي تعيشه القطاعات المذكورة في الولايات المتحدة.

ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=
بما أن الموضوع هنا ليس عن هذا الفيلم الواحد، الذي سأعود إليه في نقد منفصل، بل عن بعض أفضل أو أهم ما شوهد من أفلام تسجيلية في العام المنصرم، فإن الإنتقال إلى الأفلام الأخرى يتيح لنا نظرة واسعة على السبب الذي من أجله يمكن اعتبار سنة 2015 أكثر من مجرد سنة عابرة في تاريخ ونشاط الفيلم التسجيلي.
والمواضيع متنوعّـة ولو أن تلك التي على علاقة بالسياسة عموماً أو بالمجتمعات من زاوية سياسية أو إقتصادية تبقى غالبة كالعادة. وهناك سبب مهم لذلك هو كثرة المشاكل التي يعاني منها هذا العالم حالياً من حروب وعنصرية عرقية وعنصرية دينية وأوضاع أمنية ومشاكل بيئية وأخرى معيشية. من يتابع ما عرضته مهرجانات عالمية متخصصة مثل «جيهالافا» في جمهورية التشيك ومهرجان IDFA في هولاندا ومهرجان مونتريال للفيلم التسجيلي العالمي في كندا ومهرجان لايبزغ في ألمانيا، لجانب ما تم عرضه في كبار المهرجانات العالمية غير المتخصصة مثل برلين وكان ودبي وفينسيا ولوكارنو، سيجد الكثير من تلك المشاكل يحتل أفق تلك العروض كافّـة.
مايكل مور كما في فيلمه الجديد «أين نغزو تالياً؟»٠

في الواقع، كل فيلم من تلك اللافتة في العام الماضي، يتّـصل صميمياً بوضع من أوضاع الحياة الإجتماعية حتى وإن كان الموضوع محض فردي كما الحال في الفيلم الجيّـد الذي أخرجه البرازيلي وولتر سايلس عن المخرج الصيني جيا شانغي بعنوان «جيا شانغي: رجل من فينيانغ».
لا يستطيع مخرج عمد إلى تحقيق أكثر من فيلم في السياسة وشخصياتها (مثل «سنترال ستايشن» و«مفكرة الموتورسايكل» من بين أخرى ) إلا وأن يوظف الفرصة لتحقيق فيلم عن مخرج آخر عُـرف بانشغاله في دراسة البيئة الإقتصادية لبلاده، لأجل البحث في تلك الآراء والمفاهيم التي تبنّـاها المخرج-موضوع الفيلم- في أعماله. لذا يأتي «جيا شانغي: رجل من فينيانغ» حاشداً للملاحظات التي يعايشها المخرج الصيني الآن وتنعكس في فيلم سايلس. شانغي يعود إلى المدينة التي وُلد فيها راثياً، كما في أفلامه هو، التقدّم العمراني الذي يفقد المدينة هويّـتها ومتحدّثاً عن منع فيلمه الأخير «لمسة خطيئة» (2013) من العرض الداخلي. أكثر من أي مخرج صيني آخر، حرص جيا شانغي (أو شانغي جيا كما يطلق الصينيون أسم العائلة قبل إسم الفرد) على متابعة أوجاع عالمه في «حياة راكدة» (2006) و«سيتي 24» من بين أخرى. فيلمه الممنوع كان روائياً يدمج المشاهد في أكثر من قصّـة كل منها تعبر عن وجع إجتماعي مختلف.
«بهيموث»، للصيني زانغ ليانغ هو أيضاً من النوع ذاته. عُـرض للمرة الأولى في مهرجان فنيسيا، ثم استلهمه مهرجان دبي الأخير متيحاً للمشاهدين متابعة عمل مدروس وبلا تعليق صوتي من المخرج أو من يمثّـله.
هناك في بعض بقاع شمالية بعيدة قامت الحكومة الصينية ببناء مدينة تجاور مناجم الفحم على أساس استغلالها في الإقتصاد الوطني كمصدر للطاقة لكي تواجه شروط التطوّر الصناعي الحاصل وزيادة عدد السكان المرتفع أصلاً. لكن فيلم زاو ليانغ التسجيلي الجيد ليس في وارد تصوير عمل دعائي حول ما حققته الصين من إنجازات صناعية أو إقتصادية، ولا هو "ريبورتاج" عن هذه المناجم. على العكس تماماً، هو نظرة صارمة وباردة في الوقت ذاته على الثمن الباهظ الذي يدفعه العمّـال في سياق عملهم تحت الأرض وفوقها. مشهداً وراء مشهد تتبدى المآسي الصامتة لهؤلاء العمّال. وخلال ذلك يعكس المخرج حال المراعي المانغولية الجميلة وهي تحاصر الريفيين ورعاة المواشي وتهدد البيئة بلا هوادة… أما تلك المدينة التي تم بناؤها، فالمشهد الأخير يأتيك بالجواب.
ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=ـ=

مثل هذه الأوجاع منتشرة ومشتركة في وبين الكثير من الدول التي لا تتمتع بالقوّة الإقتصادية التي تمثلها الصين أو الولايات المتحدة الأميركية. لم تعد المسألة مسألة دول نامية، بل هي مسألة دول توقف نموّها تنضم إلى دول قد لن تشهد من النمو أكثر مما حققته. 
نظرة على فيلم «الزيارة»، وهو فيلم مصري قصير (43 دقيقة) عرضه مهرجان جيهلافا التشيكي من إخراج ناديا منير ومروان عمارة، يكشف عما يرد في فيلم «توك توك» الذي شوهد في مهرجان القاهرة وعرض قبل ذلك في مهرجان Hot Docs في مدينة تورنتو، كندا. كلاهما يلتقي وأفلام مثل البلجيكي «تذكري أسمك يا بابل» Remember Your Name, Babylon لماري برومان وبرام فان كوانبيرغ حول مشكلة الهجرة ومستنقع الوحدة والإحباط. «في الإنتقال» (In Transit) وهو فيلم كرتوني، غير روائي للمخرج ألبرت مايلس عرضه مهرجان ترايبيكا، ويدور حول هجرة داخلية من المدن إلى الصحارى الأميركية تالياً حكايات أفراد آثروا العيش بعيداً وعلى نحو معزول، يلتقي، ولو على صعيد عزلة الناس وحزنهم، و«مستعمرة» (Colony) وهو فيلم تركي لغورسان كلتك الذي يصوّر ذلك التاريخ الإشكالي منذ إنقسام قبرص إلى دولتين.
هذا وسيل من الأفلام الجيدة الأخرى التي تناولت، مثل «مستعمرة»، تبعات ما يحدث في مناطق العالم المختلفة إثر كل تحوّل سياسي أو نكبة. لدينا مثلا الفيلم الجيد من دانييلا أباد وميغويل سالازار «رسالة إلى ظل» (كولمبيا) حول ما أصاب اليسار في كولمبيا من نكسة بوفاة هكتور أباد (قد يكون من أصل عربي) الذي اغتيل تبعاً لمواقفه في الثمانينات علماً بإنه لم يكن، كما يؤكد الفيلم، عضواً بأي حزب أو فصيلة مناوئة للسلطة آنذاك.
بارز أيضاً في هذا الإتجاه فيلم ينظر إلى مسألة الهجرة من زاوية مختلفة. إنه «مقطوع» (Stranded ومعناها الدقيق الذي يجد نفسه مقطوعاً من المال في موقع أو في بلد غريب)، فيلم صيني/ دنماركي/ سويدي لمانز مانسون حول ذلك الأفريقي الذي حط في بيكينغ ليستورد ملابس وحقائب إلى بلاده لكن ماله يتبخـر ووحدته تزداد وعالمه يطبق عليه من غير قدرة لا على العودة ولا على البقاء.
في مثل أوضاعنا الإجتماعية المنتشرة حول أنحاء العالم المختلفة، لا عجب أن يكون الهم المعيشي والإقتصادي هو السائد، لجانب أحوال السياسة والأمن المباشرين. كل هذه تمنح المتابع صورة واضحة عن أي عالم بتنا نعيش فيه اليوم حيث، وعلى حد قول المخرج سبايك لي في فيلمه الجديد «شي-راك» (جمع بين كلمتي Chicgo وIraq) «السجون مزوّدة بأحدث تقنيات الكومبيوتر بينما المدارس تعاني من فقر التمويل».

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system