Feb 6, 2016

سينما لبنانية جديدة تخرج من تحت رماد الحرب | مدراء التصوير: من منهم يستحق الأوسكار؟


تزايد عدد المخرجات أهم معالمها في 2015 
 سينما لبنانية تخرج من تحت رماد الحرب
محمد رُضــا
من "روحي" لجيهان شعيب
  
حققت السينما اللبنانية إنتصارين جيدين وثمينين في العام الماضي: جائزتان جديرتان بالإهتمام نال أولهما فيلم رسوم متحركة قصير عنوانه «موج 98» لإيلي داغر عندما قطف السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير من مهرجان «كان» الماضي، والثاني «فيلم كتير كبير» لميرجان بوشعيا، الذي خطف جائزة الدورة الأخيرة من مهرجان مراكش السينمائي.
مدة عرض الفيلم ليست مشكلة أو وضع ذا أهمية خصوصاً بالنسبة لفيلم «موج 98» وهذا عائد إلى أن الفوز بسعفة من «كان» لم يقع من قبل لفيلم لبناني مطلقاً، كذلك لم يقع لفيلم عربي إلا مرّة واحدة عندما نال الجزائري محمد لخضر حامينا السعفة الذهبية سنة 1975 عن فيلمه «وقائع سنوات الجمر». ثم ليس الطول بأي أهمية عندما نتذكر أن «كان» جاء حافلاً بالأفلام القصيرة المنافسة ما يجعل توجه الجائزة إلى من فاز بها إنجازاً جديراً بالإهتمام.

فترة سوداء
إلى جانب هذين الإنتصارين، هناك حقيقة أن السينما اللبنانية منتعشة كما لو أن السماء أمطرت فوق حقل من الورد في الوقت المناسب. ففي العام 2015 تم عرض أفلام لبنانية كانت صوّرت في مطلع العام أو في العام الماضي، وهناك ما صوّر في سنة 2015 وينتظر عروضه. في الحصيلة نحو سبعة أفلام لبنانية جديدة في بلد ما زالت صناعته عرضة لظروف عديدة منها ما هو سينمائي، كإفتقار قاعدة جماهيرية ثابتة، ومنها ما هو أمني، كإفتقار البلد إلى إستقرار أمني ثابت. 
ولا ننسى عدداً كبيراً من الأفلام التي حملت راية لبنانية مشتركة مع دول عربية وغير عربية أخرى ومن أهمها أربعة أفلام طويلة من إخراج نساء هي «3000 ليلة» لمي المصري و«باريسية» لدانييل عربيد و«23 كيلومتر» لنورا كيفوركيان و«روحي» لجيهان شعيب. هذا الأخير هو أفضلها بناءاً وحنكة تنفيذ. لكن الأفلام الثلاث الأخرى جديرة بالإهتمام المتوازي ولو تعددت الأسباب. من بينها فيلم تسجيلي وحيد هو «23 كيلومتر»
من «3000 ليلة» لمي المصري

وهناك فيلم آخر جديد «جلد» لعفراء باطوس. هذا الفيلم، مثل «3000 ليلة» اعتمد على أكثر من مصدر للتمويل، فهو يحمل رايات لبنان وسوريا وتركيا والإمارات العربية المتحدة. 
المعالجات التي تؤمنها هذه الأفلام متباينة حسب مرجعية كل مخرجة وأسلوب التعبير الذي تعتمده لموضوعها، كذلك الحال بالنسبة للمخرجين الذكور الذين شاهدنا من بين أعمالهم، وعلاوة على فيلم «فيلم كتير كبير» «بالحلال» و«غدي». الأول للعائد بعد غياب طويل أسد فولدكار والثاني لمخرج جديد أسمه أمين درة.
ومع أن العديد من الأفلام اللبنانية تخطت موضوع الحرب، من دون أن تهجره تماماً، إلا أن تلك الفترة السوداء في تاريخ لبنان الحديث ماثل على أكثر من صعيد في عدد لا يستهان به من الإنتاجات اللبنانية.

من لبنان وإليه
بطلة «الباريسية» تهاجر إلى فرنسا بسبب الحرب وحال ما بعد سنواته. في حين تعود بطلة «روحي» إلى لبنان (من باريس) بحثاً عن الماضي كاشفة اللثام عن تورط عائلتها في عمليات خطف وقتل.
فيلم دانيال عربيد «باريسية»: هجرة فرنسية

«موج 98» يدور حول قطيعة سابقة لبطله الذي قرر النزول إلى الوسط التجاري للعاصمة بيروت لأول مرّة. و«23 كيلومتر» يتحدّث عن الرجل الذي اقتطعت الحرب سنوات عدّة من حياته وعندما انتهت اقتطع المرض باقيها.
هذا يُـضاف إلى ما صوّر آنفاً (سنة 2014) وتعامل باقتراب أكثر من الحرب وتبعاتها مثل الفيلمين التسجيليين «الميراث» لفيليب عرقتنجي و«لي قبور في هذه الأرض» لرين متري. أفضل الأفلام التسجيلية التي تم تحقيقها في لبنان خلال هذه الفترة.
وفيما تمّـت مشاهدته بالفعل يبرز «روحي» لجيهان شعيب كأفضل فيلم روائي طويل تمّ تحقيقه. إنه  نوع من الأفلام أنتجت مثله السينما اللبنانية العديد. ذلك النوع الذي يبحث في الحرب اللبنانية وتبعاتها على الشخوص الحاضرة. لكنه يختلف في معالجته الحانية والدقيقة لما يتفاعل في شخصيته الرئيسة من عواطف. تنتقل جيهان شعيب من الفيلم القصير إلى الفيلم الروائي الطويل بجدارة. تضع بطلتها في محوره وتجعل الجميع بمن فيهم المشاهدين، يدورون حولها. لقد عادت بعد غربة طويلة. تركت لبنان صغيرة وعادت شابة تجر تلك الحقيبة الصغيرة لتجد بيت الأهل في قرية قرب مدينة عاليه خاو ومهجور. تدخله كما لو كانت تدخل أتون متحف عابق ومهجور. سيكون هذا البيت الكبير، بتصميمه العمراني القديم، محطتها إذ لن تتركه رغم محيطها الرافض لها ورغم ما يكتنفها من اسئلة حول ماضي أسرتها وموقف أهل «الضيعة» منها. في النهاية تقرأ "نحبك يا لبنان". عبارة لا تسعى لتسجيل هدف وطني بل لتحديد قرارها بالبقاء.
ومن بين المخرجات اللبنانيات اللواتي حققن أعمالاً لافتة في السنوات القليلة الأخيرة رين متري صاحبة فيلم تسجيلي مُـنع من فرصة العرض في لبنان لأسباب غير وجيهة (كل الأسباب غير وجيهة عندما يصل الأمر إلى منع الأفلام). سبق لها وأن حققت خمسة أفلام تسجيلية، تقدّم أفضل ما حققته إلى اليوم. تنضم إلى هادي زكّـاك مرسيدس») وسيمون الهبرالحوض الخامس») وجوزف الهاشمرصاصة طايشة») ورهط كبير من السينمائيين الذين دلفوا إلى أتون هذا الموضوع على الرغم من السنوات التي تلت إنتهاء تلك الحرب فعلياً. لكنها لا تأتي لتتحدّث في شأن سبق لآخرين أن طرحوه تحديداً، بل لكي تجلب معها الرغبة الحارّة في طرح موضوع الهوية المسيحية في صراع الهويّـات الذي لازم تلك الحرب وما زال. 
تبدأ المخرجة فيلمها بالحديث عن قريتها التي تقع شرقي صيدا وأسمها عيرالمير. تقدّمها جغرافياً ثم سكانياً. أهلها مسيحيون عاشوا هناك أباً عن جد. امتلكوا المنازل المنتشرة في أرجائها والأراضي الخضراء المحيطة بها وعاشوا فيها إلى بدأت الحرب الأهلية بتهجير كل أقلية إلى حيث تكمن "أكثريتها". حين كانت رين ما زالت صغيرة، تقول في صوتها المعلّـق على ما تلتقطه من مشاهد وذكريات، شهدت اضطرار عائلتها للنزوح من عير المير إلى جونية ولو أن الكثيرين من جيران عائلتها إختاروا بلدة جزين ومنطقتها. لاحقاً اضطرت أمها لبيع الأرض. الآن ذلك البيت الذي تجوب المخرجة أرجاءه مرشّـح للبيع. لكن المخرجة لا تستسيغ ذلك. تقول أن بيع الأرض أقل إيلاماً من بيع البيت.  البيت هو المحيط من الداخل. المكان الذي تأوي إليه الحقول والجبال والأشجار. الغرف التي يكبر فيها البشر وتعيش بين جدرانها الذكريات. 
من «لي قبور في هذه الأرض» أحد أفضل الأفلام التسجيلية العربية الحديثة. إخراج رين متري


لكن «لي قبور  في هذه الأرض» ليس فيلم ذكريات عاطفية عن الأمس، بل فيلم أسئلة تطرحها المخرجة حول مصير العلاقات الإنسانية بين الفئات المختلفة. بين مواطنين مشتركين في الحياة في بلد واحد، إلى مواطنين منتمين إلى طوائف غير متشاركة. عن التغيير الديموغرافي للحياة وانكماش هذه الطائفة أو تلك الفئة في مقابل توسع الطائفة أو تلك الفئة. عن مئات السنين من التعايش المهدور في بضعة عقود. كذلك هو عن التخويف. تتوقف كثيراً عند ما تجده تأصيلاً للخوف عند طائفتها المسيحية حيال الآخر، وهو أمر لا ريب متبادل وإن ليس في مهام المخرجة أن تبحث في مدى شيوعه. تتحدث عن فرقاء السياسة اللبنانيين الذي يعمدون، حيناً بعد آخر، لأي وسيلة من شأنها إثارة النعرات الطائفية والدعوة إلى معاداة الغير عوض التعرّف إليه والتواصل معه.

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular