أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 5, 2015

شكسبير، أغاثا كريستي وآخرون الأكثر مبيعاً من الأحياء

Shakespeare Forever...

سيناريوهات عن أعمال مؤلفين رحلوا 
  وليام شكسبير الأنجح وستيفن كينغ وحيد الأحياء
محمد رُضــا 

مع بدء العروض التجارية لفيلم «ماكبث» لجوستين كورزيل وبطولة مايكل فاسبيندر، في دور ماكبث ذاته، تكون السينما حققت ما لا يقل عن 830 فيلم أقتبست من أعمال الكاتب البريطاني الكبير وليام شكسبير. وبما أن العام المقبل هو العام الـ 400 على وفاته، فإن الإنتاجات السينمائية تزخر من الآن وحتى نهاية السنة ما بعد المقبلة، بعشرات الأفلام المقتبسة عن أعماله.
بالإضافة إلى الرقم الذي يشمل أفلاماً صامتة من العقد الأول من القرن الماضي، هناك 17 فيلماً جديداً إما في مرحلة التصوير، من بينها «حلم منتصف ليلة صيف» و«هاملت»، أو في مرحلة ما بعد التصوير، مثل «هاملت» آخر، و«ماكبث» آخر وفيلمين عن مسرحية «روميو وجولييت». هناك أيضاً 19 مشروعاً ما زالت إما في طور الكتابة أو في طور التحضير المسبق مباشرة للتصوير مثل «رتشارد الثاني» وثلاثة أفلام عن «هاملت» وواحد عن «الملك لير».
Macbeth

830 فيلم من مصدر واحد، أيما كان هذا المصدر، هو عدد هائل بلا ريب. وشكسبير يتصدر قائمة كتاب العالم، الأحياء منهم والأموات، نسبة لعدد الأفلام المقتبسة عن أعماله، يليه الروسي  أنطون تشيخوف (320 فيلم). وفي المرتبة الثالثة تشارلز ديكنز (300 فيلم) وفي المرتبة الرابعة الفرنسي ألكسندر دوما (243 فيلماً) ثم الأميركي (الأول بين مواطنيه) إدغار ألان بو (240 فيلماً).

درجات
ما يجعل الإعتماد على هذه الأسماء، التي رحل أصحابها وتركوها ذخيرة للإنسانية جمعاء، متكرراً على هذا النحو هو، تحديداً، ذلك الأرث الأدبي الكبير الذي تركه كل واحد من هؤلاء المؤلفين والذي لا تستطيع السينما إلا والعودة إليه على نحو دائم. 
الجامع بالطبع أن شكسبير وتشيخوف وديكنز ودوما وألان بو رحلوا عن دنيانا قبل قرون (أقربهم رحيلاً هو أنطون تشيخوف سنة 1904). لكن بإحصاء الكتاب الآخرين الأكثر تمتعاً بحياة سينمائية مديدة، نجد أن جميعهم من المركز السادس (البريطاني روبرت لويس ستيفنسون) إلى السابع عشر (الفرنسي جول فيرن) من الموتى أيضاً ومن بينهم الهولندي هانز كرستيان أندرسون وموليير وإدغار والاس وأو. هنري وفيودور دوستويفسكي وفكتور هوغو.
أول كاتب ما زال حياً يرد القائمة المؤلّـفة من 25 إسماً هو الأميركي ستيفن كينغ الذي يشاركه المركز الثامن عشر الكاتب الفرنسي الراحل جورج سيمنون (127 عملاً لكل منهما) ثم أغاثا كريستي (126 عملاً حتى الآن).
ستيفن كينغ هو أيضاً الوحيد في قائمتنا ما يعني أن 24 مؤلفاً من أصل 25 مؤلفاً من أكثر الكتاب الذين تحوّلت أعمالهم إلى أفلام هم من الموتى. هذا بحد ذاته يحمل دلالات مهمّـة من بينها أن السينما لا تزال تبحث، كلما أتيحت لإنتاجاتها الفرصة، عن أعمال أدبية تستحق الخلود وتجد أن الكتّـاب السابقين هم أفضل من أمّـن هذا الشرط إلى اليوم. لا يمكن، بالتالي، الإعتقاد أن الغاية تجارية محضة. أي تفعيل جديد لرواية مارك تواين «مغامرات توم سوير» التي انتقلت وحدها إلى السينما فيما لا يقل عن 25 مرة (أولها سنة 1916) سوف لن يلق بالاً كبيراً إلا بشروط مكلفة. كذلك الحال فيما لو فكّـرت هوليوود بالعودة إلى مغامرات الكاتب إدغار والاس أو دراميات أوسكار وايلد.
Murder on the Orient Express

في الواقع، معظم أفلام وليام شكسبير لا يمكن القول عنها أنها حققت إيرادات عالية أو كبيرة، لكن الذي يحرك صانعو السينما للعودة إليه هو ذلك التجسيد الكوني الشاسع لما أورده من شخصيات وأبعاد ومفاهيم. كذلك الحال بالنسبة لكل الأعمال الأدبية التي تم تحويلها عن أي من هؤلاء الكتاب الخالدين.

العودة إلى كريستي
على أن عدم توقع إيرادات كبيرة، توازي نصف ما يمكن لفيلم من نوع «ستار وورز» أو «ألعاب الجوع» تحقيقه في أسابيع قليلة، لا يردع المنتجين عن تقديم هذه الأعمال مجدداً. وبخلاف ما تم ويتم  تصويره من أعمال وليام شكسبير حالياً، هناك هجمة كبيرة الآن على أعمال الكاتبة البوليسية أغاثا كريستي التي توفيت سنة 1976 بعد أن وضعت، من بين ما وضعت، 66 رواية بوليسية هي إما من بطولة الحشرية جين ماربل أو من بطولة تحريها الفرنسي هركول بوارو لجانب عدد آخر من التحريين الذين وُلدوا بقلمها ولم يتمتعوا بالشهرة ذاتها التي تمتع بها بوارو أو ماربل.
في سوق الكتب هي الأكثر مبيعاً بين كل أترابها (الراحلون منهم والأحياء) إذ تجاوز عدد مبيعاتها من الروايات ملياري نسخة. في السينما، هي أم لـ 126 فيلم اقتبست من أعمالها بالإضافة إلى فيلم جديد ينطلق للتصوير قريباً مأخوذاً عن روايتها «التحريون السريون» وآخر ما زال طور الكتابة هو إعادة لأحد أشهر الأفلام التي اقتبست عن رواياتها وهو «جريمة في قطار الشرق السريع»
هذه الإقتباسات تتم بمعرفة «أغاثا كريستي ليمتد» وهي شركة تجارية بريطانية تشرف على الحقوق القانونية وعلى كل من يرغب في اقتباس عمل من أعمال المؤلفة بحث الموضوع معها أولاً. وهي، أي الشركة، عيّـنت مؤسسة خاصة للإشراف على الإتصالات ومتابعة الإجراءات بعدما بلغ عدد العروض التي تتلقاها، حسب مصدر الشركة، ما بين  20 و30 عرضاً في الشهر الواحد.
وعدوى التواصل مع مواهب الراحلين تمددت صوب الراحلين من سنوات قريبة مثل ستيف لارسون، وهو مؤلف بوليسي سويدي مات عن خمسين سنة عام 2004 بعدما استوحت السينما أربعة أعمال لها من مؤلّـفاته (أشهرها «الفتاة ذات الوشم التنين») وفي سبيلها لإقتباس عمله الأخير «الفتاة في شبكة العنكبوت» الذي بيعت منه 200 ألف نسخة في الأسبوع الأول من صدور الكتاب باللغة الإنكليزية.
ومع خروج فيلم «سبكتر» في سلسلة جيمس بوند الشهيرة، من المفيد التذكير بأن الأعمال المستوحاة من  وعن شخصيته تلك بلغت 13 فيلماً بعدما تم استنفاذ كل ما ألّـفه بنفسه من روايات بوندية الى الشاشة (عددها 14 رواية). هذا بالإضافة إلى ظهور 25 رواية تنتمي إلى شخصية بوند لم يكتبها هو بل كتبها آخرون بالإتفاق مع ورثته أولاً.
وقبل أشهر قليلة تم إطلاق رواية جديدة موقعة بإسم الكاتبة هاربر لي بعنوان «إذهب ودبّـر حارساً» (Go Set a Watchman). هاربر لي ما زالت على قيد الحياة، وهي التي وضعت روايتها الشهيرة «لقتل طائر مغرد» الذي تحوّل إلى فيلم كلاسيكي جيد على يدي روبرت موليغان، لكنها لم تعد قادرة على التأليف إذ بلغت التاسعة والثمانين من العمر ومصابة بالطرش والعمى، لكن الرواية الجديدة (باعت مليونا و100 ألف نسخة في أقل من أسبوع) هي بدورها استدعاء لمؤلف من عهد مضى وإعادة تأهيله لأجيال جديدة وأزمنة مغايرة لتلك التي عاشها وكتب خلالها أعماله.
وكالحالات جميعاً، لا تنتظر السينما طويلاً قبل أن تندفع لإقتباس عمل من هذا النوع إذ أن «إذهب ودبّـر حارساً» آيلة للإنتقال إلى الشاشة الكبيرة في العام 2017.

كل هذا النشاط الشديد الذي ينهل من أعمال الراحلين من حقب متباينة، ليس له مثيل في السينما العربية. بعد فترة من الإنقضاض على روايات نجيب محفوظ كما اتفق (حوّلوا في الثمانينات إلى أفلام فتوّة فقط) نضب المعين وانفض الجمهور. ليس أن السينما العربية تشكو من طلاق مؤبد بينها وبين المصادر الأدبية، بل يجاورها في ذلك التلفزيون الذي يصرف وينتقي مما في حوزة مؤلفي اليوم مفضلاً التكرار والإعادة وابتداع الأجزاء على عمل واحد ذي مصدر أدبي.

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system