أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 22, 2015

إبن شاوول وبزنس الهولوكوست | ملف مهرجان القاهرة | سينما من: تركيا | فيلم بزنس: ديزني وصياغة الأفلام المربحة


 «إبن شاوول» و«ذا بزنس أوف هولوكوست»
ما زال رسالة تعاطف كسواه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا

ساد نقاش بين هذا الكاتب وبين الزملاء ابراهيم العريس وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة حول فيلم «إبن شاوول» الذي نال الجائزة  الكبرى في "كان" (ثاني الجوائز بعد السعفة التي ذهبت إلى فيلم «ديبان») هذه السنة ويعرض عالمياً في أكثر من مكان حالياً ويمثّـل السينما المجرية بين الأفلام المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. 
وجد الثلاثة أنني على خطأ في إعتباري أن الفيلم يؤدي إلى استخدام سياسي لمسألة إنسانية برمّـتها. قلت أن الهولوكوست لا شك وقع، لكن عدد الضحايا (ستة ملايين لا ينقصون واحداً!) مغالى به وهذا القول مستمد من مؤرخين قالوا ما مفاده أن عدد الأفران التي اكتشفت أقل بكثير من العدد الذي يتيح لستة ملايين يهودي الموت فيها. 
كذلك قالوا أن الأفران التي تم كشف النقاب عنها كانت صغيرة بحيث سوف لن تسمح بحرق ستة ملايين في مدى عامين أو ثلاثة كما أتى بذلك مؤرخون آخرون. وأضيف استنتاجين آخرين: 
أن هناك سبلاً أخرى كان يمكن لها أن تبيد من اليهود مثل هذا الرقم لو اعتمدت مثل- ووبساطة- إطلاق النار عليهم في إعدامات جماعية (عوض عملية غير منطقية لمثل هذا العدد تتضمن التجميع وإدخالهم مباني الأفران وغسلهم، كما يذكر الفيلم، ثم إدخالهم الأفران الصغيرة التي نراها).
أن عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية بلغ 60 مليون فرداً بينهم 13 إلى 20 مليون فرد ماتوا بسبب أمراض ومجاعات تفشت خلال أو بعد الحرب مباشرة. ما الذي يجعل الستة ملايين يهودي (إذا كان الرقم صحيحاً) مميزين عن سبعة ملايين يوناني وتسعة ملايين مجري و44 ملايين إيطالي و47 مليون بريطاني (ومن جنسيات الدول التي كانت تحت الحكم البريطاني آنذاك) و71 ياباني و131 مليون أميركي و169 مليون روسي أو أي من الضحايا معظمهم من المدنيين في كل دولة وفي كل حالة؟
لم أجد جواباً عند الزملاء لكن نديم جرجورة ذكر أن العدد ليس مهمّـاً وهذا هو رأيي أيضاً. يهودي واحد هو إنسان لا يستحق القتل. فما البال بمئات ألوف أو ملايين؟ في الواقع فإن مجموع عدد الموتى في الحرب العالمية الثانية بلغ  3 بالمئة من سكان العالم قضوا بسبب تلك الحرب (وقبلهم أكثر من 7 ملايين نفس قضوا في الحرب العالمية الأولى). فلماذا التمييز؟
هنا نقطة الخلاف إذ أن هناك صناعة للمذبحة وهي منحت إسرائيل مبرراً للوجود (لن أذهب حيث ذهب بعض السياسيين العرب من أن الهولوكوست كان الوسيلة التي ابتدعها الماسونيين والصهيونيين لخلق دولة في فلسطين، إذ لم أقرأ وثائق في ذلك) وهذه الصناعة أفادت إسرائيل في مجالات سياسية واقتصادية وإعلامية نتائجها ماثلة. وصناعة المذبحة أمر يكتب فيه وعنه مؤرخون يهود قبل سواهم.
ومن هنا نقطة الخلاف الأكثر اتصالاً  بالفيلم: هل الفيلم ذا صلة بـ «بزنس الهولوكوست»؟ زملائي قالوا لا وبيّـنوا. أنا قلت نعم. 

 "في نقد (المخرج) نيميش لسواه
منعطف يتوجه في نهايته إلى 
فيلمه هو"  

«إبن شاوول» الذي أنجز الجائزة الثانية في مهرجان "كان" المنتهي قبل أيام قليلة له دعامتان برتفع بهما: الأولى أنه عن الهولوكوست والثانية أنه منفّـذ بكاميرا مصنوعة من لقطة واحدة في المفهوم وليس في التنفيذ لأنها طبعاً مؤلّـفة من عدّة لقطات وعدّة مشاهد لكن الفيلم بلا فصول والكاميرا هي ذاتها من حيث تشكيل الصورة وحملها من مشهد لآخر بحيث تبدو كما لو كانت لقطة واحدة (على طريقة ألكسندر زوخوروف في «سفينة روسية» Russia Ark العام 2002 الذي استخدم لقطة واحدة بالفعل). 
من حيث أنه عن الهولوكوست، ينضم الفيلم إلى مئات الأفلام حول الموضوع. يختلف في أنه يلقي نظرة من داخل الأفران على ما يجري. نيميش، في الواقع، انتقد فيلم هولوكوست آخر هو «قائمة شيندلر» Schindler's List الذي حققه ستيفن سبيلبرغ سنة 1993. قال لصحيفة «ذ نيويورك تايمز» أن أفلام مثل ذلك الفيلم تدور عن الضحايا على نحو تقليدي لجمهور يرتاح على هذا النحو. وأن معظم الأفلام التي تناولت الهولوكوست لم تتحدّث عن الموت بل عن النجاة من الموت. وهذه الملاحظة ذاتها كان سددها المخرج سيدني بولاك في حديثه ذات مرّة.

ونيميش تلقّـى تهنئة من الداعي الأول للصلاة الدائمة على ضحايا الهولوكوست كلود لانزمان مخرج «شوواه» (1985) وقال أنه شاهد هذا الفيلم عدة مرات.
إذاً هو عن الهولوكوست، فهمنا. 
ومن دون أن نرفض أن الهولوكوست وقع  فإن في نقد نيميش لسواه منعطف يتوجه النقد في نهايته إلى فيلمه هو. فإذا كانت معظم الأفلام الأخرى عن الهولوكوست تتحدث عن الناجين وتعمد إلى تقديم شخصيات «يسهل التعاطف معها أو ضدّها» كما يقول، فإنها تتاجر بالمذبحة. تريد تشييعها لسببين، قل لثلاثة: هناك جمهور لا زال مندفعاً لمشاهدة أفلام عن الهولوكوست (جلّـه يهود ومتعاطفون) وهناك جهة يصب فيها هذا الجهد هي الفكرة الصهيونية التي لا مانع لديها من التجارة بالدم اليهودي المراق خلال النازية خدمة لأغراضها «الإستهلاكية للهولوكوست» كما يقول المؤلف اليهودي نورمان فينكلستاين في كتابه «صناعة الهولوكوست: إنعكاسات على التجارب بالمعاناة اليهودية» (نشر سنة 2000)، فإن «إبن شاوول» يصب في الغاية ذاتها مهما اختلف

ألم يكن من الممكن للشاحنات 
أن تفرغ حمولتها في البحيرة 
مباشرة؟


مقتل فرد واحد بلا وجه حق من أي دين أو عنصر أو هوية جريمة. مقتل يهودي واحد في أفران الحرق أو حتى برصاصة سعرها نصف دولار جريمة. وقع الهولوكوست (من بين هولوكوستات أخرى خلال الحرب وبعدها) وهذا مدان، لكن التجارة بالموتى كذلك فعل آثم ومدان. 
«إبن شاوول» يبني بعض رسالته على أن أي فيلم لا يسأل يوافق. إذاً في عرف هذا الفيلم «المختلف» أن هناك هذا العدد الضخم من الضحايا لكن في سياقه يقفز عن البحث ويحدد الوقائع. نسمع عبر شريط صوت ضاج مؤلّـف من وقع أقدام وأصوات حرائق وصراخ بشري ونحيب وأبواب تغلق وأخرى توصد مآل عشرات ألوف البشر. نرى من بعيد، وبشكل غير واضح، أفراناً وغرفاً وعلى نحو أقرب حشود من اليهود المقبوض عليهم قبل إرسالهم إلى النهاية الحتمية أو، كما سمّاها النازيون «الحل الأخير».
يجبرك الفيلم على أن تسأل أين يذهب كل هؤلاء الألوف إذا ما كانت الأفران حجرات صغيرة. كيف يمكن القضاء على مليون (ناهيك عن ستة ملايين) إذا كانت غرف الحرق لا تتسع إلا لبضع عشرات في وقت واحد. بالتالي، كم سيأخذ النازيون من الوقت (من السنين في الواقع) قبل أن يجهزوا على ستة ملايين بشر بهذه الطريقة. لِـمَ لم يعمد النازيون إلى تجميعهم في أماكن معينة ورشّـهم بالقاذفات؟
إذ يتجه التفكير الحر إلى هذا الإستنتاج، رغم أن الفيلم لا يقصده، يتبرع الفيلم بتقديم تناقض آخر: في أحد المشاهد نجد بطل الفيلم (غيزا روريغ) اللاهث طوال الفيلم لتنفيذ ما يطلب منه أو لتنفيذ ما يطلبه من نفسه (سنرى) يشترك مع يهود آخرين في نقل رماد الموتى من حيث أفرغت الشاحنات حمولتها إلى مياه إحدى البحيرات. ألم يكن من الممكن للشاحنات أن تفرغ حمولتها في البحيرة مباشرة؟

هذا ليس سؤالاً جانبياً بل في صميم بنية الفيلم وأغراضه. كان يمكن للشاحنات أن تفعل ذلك لكن هذا لن يكون لصالح الفيلم لأن التقسيم الوحيد الذي يتبعه هو عرض مراحل القتل النازي لليهود في الخلفية: النقل بالقطار. إدخالهم معسكرات الموت. قتلهم بالغاز، حرقهم. ثم دفن رمادهم. القصّـة هي حول شاوول الذي هو واحد من مئات اليهود المقبوض عليهم والموضوعون للخدمة في «الأوشفيتز». هم يقودون اليهود الآخرين إلى حتفهم. هم الذين ينظفون أرض المكان من الآثار. من يدفن الرفات الخ… شاوول ذات يوم يرى صبياً شاباً ما زال يتنفس. لم يمت بالغاز. يخفيه في حجرة وينطلق للبحث عن راباي يصلّـي عليه. سيمضي الفيلم من بعد ربع ساعته الأولى وحتى الدقائق قبل النهاية وهو يبحث وحين يجد يكتشف أن اليهودي الذي انقذه من الموت لكي يصلي ادعى انتمائه إلى القداسة. 

"يقود المخرج المستعدون للذهاب
معه في هذه الرحلة من أعناقهم 
كما يُـقاد شاوول"

الآن لتنفيذ هذا الفيلم، «عن كثب» كما قال المخرج، الغى نيميش المسافات التي تقوم بها الكاميرا فيما لو قصّـت الحكاية تقليدياً. الكاميرا (والفيلم صُـوّر بكاميرا فيلم 35 مم وليس دجيتال) هي ذاتها، كما سبق القول، في كل مناسبة. محمولة تلحق شاوول كيفما اتجه وتصرّف. المحيط البشري عبارة عن أصوات وصور غير واضحة. فقط عندما يقترب منه أحد يصبح مثله واضحاً. لكنه هو من تلاحقه الكاميرا من مكان إلى آخر. وهو اعتاد (وكان علينا أن نعتاد) أن يسوقه أحد من عنقه أو بالقبض على أعلى سترته وسحبه. مثل كلمة واحدة تستخدمها في مقالتك حتى يصبح تكرارها آفة، يعمد المخرج إلى ذلك التصرف طوال الوقت. ليس أنه بعيد عن التصديق، لكن مثل الذي يحلف بعزيز عليه بين كل عبارة وأخرى يزيدها ويصبح المفعول الناتج أقل قدرة على التأثير.
مثل تلك الكاميرا اللاهثة أمام ووراء وإلى جانب شخصيتها الوحيدة هناك شريط الصوت المؤلّـف من مزج كل الأصوات الممكنة. في نحو منتصف الفيلم تقريباً نسمع صوت إمرأة تصرخ ووراءها مباشرة صوت طفل يبكي. إذا لم يكن هذا استعطافاً ما يكون؟
الآتي أسوأ، لأنه إذا ما كان المطلوب من كل ذلك الضجيج الصوتي والتعنيف البصري ولهاث الكاميرا وسياسة العمل بأسره إشراك المشاهد «عن كثب» في جحيم المحرقة، فهو نجح بلا ريب. لابد أن المشاهد في نهاية المطاف يدرك أنه في حضرة فيلم يريد منه أن يضع أذنه على الأرض ويفتح عيناه على آخرهما ولا يفوّت شيئاً من العذاب الكبير الذي تعرّض إليه اليهود. على أن هذا النجاح من النوع المراوغ: يقود المخرج المستعدون للذهاب معه في هذه الرحلة من أعناقهم كما يُـقاد شاوول. لا شيء للتأمل. للتفكير وكل شيء للتأكيد أن هذا الماثل هو التاريخ. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للتاريخ وللفن معاً وقع الحدث على هذه الصورة (ربما) أو لم يقع (على الأرجح).
الفن هو أن يصل السارد (عبر الوسيط الذي يختاره، سينما، مسرح، رسم، موسيقا الخ…) إلى ما يريد قوله باحترام ملكية الآخرين وحريّـة تفكيرهم. ما أن يعمد إلى فرض حقيقته هو حتى يخسر الفن. بالتالي، ذلك التنفيذ الذي سطّر فيه النقاد، شرقا وغرباً، آيات من الثناء ليس سوى التكنيك المنفذ جيّـداً لكنه البعيد تماماً عن أن يكون فناً. ناقدة «ذ نيويورك تايمز» مانولا دارغيس تصف ذلك الفعل بقولها «ثقافياً مكروه»، وأنا معها.

تقييم 25 فيلم آخر عن الهولوكوست

1948: The Last Stage | Wanda Jakubowska (Poland) **
1955: Night and Fog | Alain Resnais (France) ***
1961: Judgment at Nuremberg | Stanley Kramer (USA) **
1969: The Diary of Anne Frank | George Stevens (USA) **
1960: ِExodus | Otto Preminger (USA)  *
1964: The Pawnbroker | Sidney Lumet  (USA) **
1976: Marathon Man | John Schlesinger (USA) **1/2
1982: Sophie's Choice | Alan J. Pakula  (USA) ***
1985: Shoah | Claude Lanzmann (UK) **
1987: Au revoir les infants | Louis Malle (France) **
1991: Life for Life | Krzysztof Zanussi (Poland) ***
1993: Schindler's List | Steven Spielberg (USA) **
1997:  Life is Beautiful | Robert Benigni (Italy) ****
1999: Sunshine | István Szabó (Hungary) **
2002: Amen | Costa-Gavras  (France/ German) **
2002: The Pianist | Roman Polanski (France) ****
2003: Rosenstrasse | Margareth von Trotta (Germany) ***
2004: The Ayran Couple | John Daly (UK) **
2004: The Ninth Day | Volker Schlödorff (Germany) ***
2007: The Counterfeiters | Stefan Ruzowitzky (Germany) *
2008: Defiance | Edward Zwick (USA) **
2008: The Boy in the Stripped Pyjamas | Mark Herman (UK/USA) **
2008: The Reader | Stephen Daldry (UK) ***
2013:  The Book Thief | Brian Percivl (Germany/ USA) *
2013: Ida | Pawel Pawlikowski (Poland)  ***



1 comment:

  1. هناك ناقد عربي ( كبييير ) وصف فيلم ابن شاؤول بأنه أعظم فيلم أول لمخرجه منذ فيلم المواطن كين لأورسون ويلز !!! وبأنه نقلة نوعية في تاريخ السينما العالمية.

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system