أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 8, 2015

سينما الكوارث • محمد رُضا |


  سينما الكوارث تعددت أسبابها وأفضلها من بطولات جماعية  
 سواء أكانوا مجموعة من متسلقي الجبال (كما في الفيلم الجديد «إيڤرست» أو قصّـة سعي بطل واحد لإنقاذ عائلته من زلزال مدمّـر («سان أندرياس» فإن لسينما الكوارث تاريخ طويل وناجح | محمد رُضا 
Everest

|*| بيت سلّـم داكن الإضاءة. النيران تشتعل في الجانب البعيد المقابل. خمسة رجال أطفاء يحاولون إخمادها. فجأة يقع إنفجار وتنتشر نيران جديدة على جوانب المكان وينهار السقف فوق أربعة من رجال الأطفاء. الخامس يستنجد بأن الوضع خطير.
لقطة ليلية من الخارج: النار تشتعل في واحد من الأدوار العليا في ناطحة سحاب. الطابق كله يحترق. 
لقطة أخرى إلى المكان الأول: رجال أطفاء يصلون ويبدأوا بإزالة السقف المنهدم فوق زملائهم.

هذا هو واحد من مشاهد الذروة في «برج الجحيم» The Towering Inferno وهو المشهد الذي ينص السيناريو الذي وضعه الكاتب المرموق سترلينغ سيلفانت (نقلاً عن ثلاثة كتب لثلاثة مؤلفين) أنه وقع في الدور 81. لاحقاً ما ستنتقل النيران إلى أدوار أخرى مهددة لا رجال الأطفاء وحدهم، بل كذلك رهط كبير من الساكنين في الطوابق العليا حيث لا مهرب سوى مصاعد المباني التي قد تنقطع بمن تحملهم وتهوى أو مصاعد الإطفاء المعلّـقة التي  يتأخر وصولها إلى ما قبل نهاية الفيلم… أو- في مشاهد سابقة لحالات انتحار شوهدت في كارثة 2001- بإلقاء البعض لأنفسهم من عل.

حواس عاطفية
مخرج الفيلم هو البريطاني جون غيلرمين الذي توفي في اليوم الأخير من سبتمبر (أيلول) هذا العام. أيامها لم يكن هناك أي تقنية دجيتال والسقف المنهار وإن لم يكن من الباطون المسلّـح إلا أنه انهار فعلاً فوق الممثلين والنيران التي كانوا يواجهونها حقيقية. 
الفيلم، الذي تم تحقيقه سنة 1974 من بطولة ستيف ماكوين وبول نيومان ووليام هولدن وفاي داناواي وفرد استير ومجموعة كبيرة من الممثلين المساندين، كان أحد النجاحات الكبيرة في هوليوود في ذلك العام. تكلّـف 14 مليون دولار فقط (شيء كهذا يكلف اليوم 150 مليون دولار) وبلغت إيراداته الأميركية فقط 116 مليون دولار عندما كان سعر التذكرة لا يتجاوز الخمس دولارات أو أقل.
هناك 47 سنة بين هذا الفيلم (من بين أبرز الأفلام الـ38 التي حققها غيلرمين ما بين بريطانيا والولايات المتحدة) وبين الفيلم الكوارثي الحالي «إيفرست» حيث الخوف من الأعالي يطل من جديد ممثلاً هذه المرّة بفريق من متسلّـقي الجبال يتحدّون إيفرست ويدفعون ثمن تحديهم أرواحاً وعاهات. على عكس هذا الفيلم، أحداث «إيفرست»، كما أخرجها بالتازار كورماكور من بطولة جاسون كلارك وجوش برولين وكايرا نايتلي وروبن رايت وإميلي واتسون من بين آخرين.
في الواقع سينما الكوارث كانت دائماً قادرة على اللعب على الحواس العاطفية. لقد تعلّم الإنسان أن الأرض ليست طيّـعة لما يريد. الأجواء لا يمكن التحكم بها. الزلازل لا يمكن رصدها مسبقاً. الفيضانات قد تحدث خلال ساعة واحدة من هطول مطر شديد. الحرائق قد تشتعل والتسونامي قد يقع وفي أسوأ الأحوال النيازك قد تقع.
السينما قدّمت كل احتمال ممكن أكثر من مرّة. أول مرّة في فيلم تسجيلي تم تصويره من قبل مجهول سنة 1906 إثر الزلزال الكبير الذي ضرب سان فرانسيسكو. لربع ساعة تجول الكاميرا في المدينة المضروبة. تلتقط مشاهد الحياة في الأماكن العديدة المتضررة وبعد تلك التي لم تتضرر كثيراً. 
San Andreas

المسافة بعيدة جدّاً بين ذلك الفيلم وبين ذلك الذي شوهد في ربيع هذا العام بعنوان «سان أندرياس» حيث الزلزال يعاود ضرب سان فرانسيسكو، هذه المرّة بكل ما لدى خيال صانعيه من عجز على تصوير الواقع. ما يحدث هو ابتهاج بالدمار وببطولة فرد واحد (دواين جونسون) على إنقاذ عائلته الأولى بالمعروف في هذه الحالة. الحقائق البسيطة (مثل أن لا أحد يستطيع المشي خلال الزلزال فما البال بالركض؟) أهملت والبطولة الفردية غطّـت على التراجيديا الأكبر.
هذا لم يكن شأن فيلم كوارثي آخر من حقبة أعمال الثمانينات وهو «زلزال» الذي حققه مارك روبسون في العام 1974 أيضاً عن سيناريو شارك في كتابته ماريو بوزو الذي كان نجماً جديداً في الكتابة بعد نجاح «العراب» لفرنسيس فورد كوبولا قبل عامين.
الكارثة إجتماعية كاملة في «زلزال» الذي قاد بطولته كل من جورج كندي وشارلتون هستون وآفا غاردنر وجنفييف بوجولد من بين آخرين. وهي شاملة لا بطولة فيها، فالكل ضحية والجميع يضع الآخر في سعيه لإنقاذه من براثن الموت بإستثناء شخصية واحدة كان لابد أن تلعب دور الشرير منتهز الفرص.
بحراً وجواً
على غراره، وقبل عامين من إنجازه، ضربت الكارثة باخرة سياحية ضخمة في «مغامرة بوسايدون». سترلينغ سوليفانت وضع السيناريو بالمشاركة مع آخرين وأخرجه إنكليزي آخر هو رونالد نيم مع جين هاكمن وارنست بورغنين وشيلي ونترز في البطولة.
الباخرة الضخمة تغرق والماء يدخلها وتنقلب رأساً على عقب. سريعاً ما يتبدّى معسكران واحد بقيادة هاكمن والآخر بقيادة بورغنين وكل منهما يعتقد أنه يعرف سبيل النجاة من هذا المأزق.
رونالد نيم مسؤول أيضاً عن فيلم كوارثي آخر هو «نيزك» حيث يتوجه نيزك كبير يبلغ عرضه نحو ثماني كيلومترات صوب الأرض. العالم شون كونيري أمامه مهمّـة كبيرة وخطرة يؤازره فيها هنري فوندا وكارل مالدن ونتالي وود.
وما بين السماء والأرض، وعلى النحو الجماعي ذاته من تعدد المصائر، شاهدنا «مطار» (1970) لجورج سيتون وهنري هاذاواي وبطولة بيرت لانكاستر ودين مارتن وجورج كندي والمجال هنا جوي إذ أن الطائرة التي أقلعت من الشرق وستحط في الغرب مهددة بنهاية وخيمة.
 منذ «تايتانك» لجيمس كاميرون (1997) وافلام الكوارث صارت أكبر حجماً لجمهور ما عاد يرضى بالتقنيات والخدع السابقة. هذا مفهوم في عصر بات يمكن لمشاهد في الثانية عشر تأليف لعبته الكوارثية على الفيديو وإدارتها ليل نهار. 
في الأعوام الثلاث الأخيرة مثلاً شاهدنا كل كارثة يمكن التفكير بها مترجمة على الشاشة بحكايات وصور مضخّـمة من حوادث الطائرات («طائرة مخطوفة») إلى عواصف رملية عاتية («في العاصفة») ومن دمار «بومباي» إلى «في قلب البحر» وصولاً إلى «سان أندرياس» و«الباقون» حول وقوع يوم القيامة ذاته.

Towering Inferno

فيلم غيلرمين «البرج الجهنمي» نال ثلاثة أوسكارات (في التصوير والمونتاج والموسيقى) و«تايتنك» قشّ إحدى عشر أوسكاراً (من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل تصوير وأفضل مونتاجلكن هذا النوع من الأفلام عادة لا يحصد أوسكارات كثيرة بل يبقى في متناول الترفيه الجماهيري وحده.

المخرج الذي رحل قبل يومين، جون غيلرمين، إشتغل على أفلام كبيرة أخرى ولو غالباً مختلفة فأنجز «بلو ماكس» (1966) و«كينغ كونغ (1976) و«شافت في أفريقيا»، لكن عمله على «البرج الجهنمي» ما زال من بين أفضل ما حققه ومن بين أفضل أفلام الكوارث للآن.

1 comment:

  1. صدق لم أشاهد معظم الأفلام التي ذكرت؟ صدقاً أفلام يجب عدم تفويتها.
    عبدالله العيبان

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system