Sep 26, 2015

هؤلاء!: وحوش القنابل النووية الذين عاثوا في الأرض دماراً | حوار مع السينمائي طلال عفيفي • أمل الجمل |

–––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––

  المخرج السوداني حسين شريف كما رآه طلال عفيفي
––  مقابلة  –––––––––––––––––––––––––––––––––––
أمل الجمل  
––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––––
طلال عفيفي

|*| "أنا مُـلون،  كل عمل فني له فرادته. ألوّن لنفسي في الأساس، وأنظر لنفسي كملون، لكني أيضاً جئت إلى العالم كمُخرج".
إنها كلمات حسين شريف (1934- 2005) المثقف السوداني الذي برزت أهم إبداعاته في فترة الستينيات والسبعينيات وهو ينتمي لسينما المؤلف، مثلما عمل في الرسم والتلوين والترجمة وكتابة الشعر. ظهرت أول معارضه التشكيلية عام 1958، أما أعماله السينمائية فبدأت في مستهل السبعينيات بتجربة أظهرت شغفه المبكر بالمضامين الأفريقية للهوية السودانية ونقصد بها فيلم "جدع النار" وعن ذلك الفيلم يقول السينمائي السوداني طلال عفيفي "لم تكن "روح" حسين شريف وأسلوبيته قد تكونت في هذا العمل، الذي كان توثيقاً مباشراً للرقصات والاحتفالات الجماعية لقبيلة "الأنقسنا" التي تعيش جنوب النيل الأزرق". 
أما فيلمه "انتزاع الكهرمان" الذي يعتبر علامة بارزة في تاريخ السينما السودانية فجاء، كما يصفه طلال، محتشداً بالإيحاءات والتعابير كما أنه حمل لغة سينمائية رفيعة تعتمد على الاختزال والإشارة والغرائبية أكثر الوقت مع اهتمامه بالبعد الاجتماعي المعاصر، تحمل العديد من ملامح التاريخ السوداني بل والأفريقي بشكل بارع، عبر مجموعة فاتنة من الرموز التي تلمع عنها قصص الرق والاستعمار والفقر والحروب والدمار والموت في نسق لا يخلو من الشاعرية على خلفية شريط الصوت يتضمن نشيداً صوفياً كأنه لسان حال هذه المدينة والبشرية المحزون، فقد كان حسين يهتم بالإنشاد والتعبير الحركي كإضافة للخصائص التي ميزت أسلوبه على امتداد أعماله، مثلما اتسم أسلوبه بالتركيز على الجسد البشري كراوي يعبر عن نفسه بشكل خاص ومنفرد.

السطور القليلة السابقة هي مجرد تحية عابرة لشخصية سينمائية تستحق الدراسة وتأمل أعمالها وأثرها على جيل وربما أجيال، إنها تحية بمناسبة ذكرى مولد حسين شريف الذي لفت انتباهنا إليها السينمائي السوداني طلال عفيفي عندما كتب على صفحات التواصل الاجتماعي فيسبوك
"مساء الخير أيها الأمير، اليوم ذكرى عيد ميلادك يا حسين شريف، كل عام والبشرية بخير.. نمر بظروف حالكة لكن الحياة تسير. حاجات كثيرة تعلمناها منك تُزهر هنا وهناك، وتتسلق الحوائط والجدران. أفتقدك جداً، وكل الأمكنة التي كنت فيها تفتقدك، وكل الحاجات الصغيرة تسأل عنك. السلام لروحك الطيبة الكبيرة المُعلمة." 

لكن من هو طلال عفيفي ذلك السينمائي الوفي، وما هي علاقته بحسين شريف؟ 
طلال من مواليد ألمانيا عام 76، ترجع أصوله إلى النوبة، فوالدته مصرية، ووالده سوداني. التقيا عندما كانا يدرسان في هامبورج بألمانيا. كانت هي تدرس العلوم السياسية وكان هو يدرس الطب

عندما سألته أثناء حوارنا عن ماذا تمثل له ألمانيا؟ أجابني: هي المكان الذي منحني الفرصة أن أكون موجود في الحياة، ولدت في ظروف صعبة، كان عمري 6 أشهر، فهناك أسبغوا علي الرعاية والحنان الطبي حتى قدرت أن أواصل. كان والدي يعمل في مستشفى هناك فعشت طفولتي وذكرياتي، وأول إحساس لي بالاختلاف بدأ هناك بسب أن لوني أسمر، وأني قادم من خلفية مغايرة. سواء في الروضة أو الكنيسة

أمل الجملهل كان تأثير الإحساس بالاختلاف سلبي أم إيجابي؟
طلال: على المدى القصير كان تأثيراً سلبياً لكن على المدى الطويل كان إيجابياً.. 
بمعنى؟؟
طلال: على المدى القصير كنت كطفل حساس، يتراكم عنده أحاسيس، يشعر بالنقص، ويرفض الذهاب إلى الروضة ليلعب مع الأطفال، لكن على المدى الطويل لأنه في ألمانيا يعتقدون أنني أسود، وفي السودان يعتقدون أنني أبيض، وفي مصر يعتقدون أنني سوداني، فهذا خلق عندي انتماء للثقافات الثلاث فإذا كانوا يطردوني بهذا الاختلاف وأشياء أخرى كالشعور بالنقص فأنا قلت: لا.. كل منكم عنده مورد ثقافي واحد أما أنا فعندي ثلاثة موارد ثقافية تمنحني الغنى والثراء.

أمل لكن، ألم يخلق هذا لك هذا إحساس بالغربة والاغتراب في الأعماق؟؟
طلال: طبيعي طول الوقت أن تشعر بالاغتراب، نتيجة طبيعة تكوينك الشخصية ككل، ونتيجة طبيعة اهتمامك، حتى بين أهلك والأسرة والعشيرة، وحتى بين أبناء جيلك في المدرسة فأنت تشعر بالاغتراب، بالنسبة لي كانت حالة فيها إيجابيات كثيرة.  

أمل:  ومتى كانت العودة لأرض الأجداد أو الرحيل عن ألمانيا؟ 
طلال: رجعت وعمري 6 سنوات، عام 83 ، لأعيش تربية جديدة، وقيم جديدة، وأجواء جديدة، وأكل جديد، وحياة جديدة. في ألمانيا طوال 6 سنين كانت كل الأشياء مسخرة لكي ألعب، حياتي كانت لعب في لعب، أما في السودان لما كنت ألعب كنت أُعاقب، لأن التربية هنا لابد أن تكون كطفل هادئ وأن تكون رجل منذ الطفولة، فأسلوب التربية بالسودان على العكس تماما لما كان عليه في ألمانيا. كنت أتخض لما جدي يضربني لأني ألعب. هنا تُربيك العائلة الممتدة، يعني الخطأ الواحد يُعاقبك عليه 15 شخص، كل واحد يعاقب، إنها التربية الجماعية. استمر الحال هكذا لمدة عام حتى انتقلنا من بيت جدي إلى بيتنا المستقل.

أمل:  ولماذا عاد والديك من ألمانيا؟
طلال: ما سمعته أنهما أتخذا قرارا بالرجوع، فإما الرجوع الأن، أو البقاء. فإذا قرروا الرجوع فليكن الآن والأطفال عمرهم ست سنوات، حتى لا يتورط الأطفال في موضوع الانتماء أو الدخول في صراع إذا ما تمت العودة في سن أكبر من ذلك

أمل: وأنت شخصيا عندما تفكر في هذا هل كنت تتمنى البقاء في ألمانيا أم أنك سعيد بالعودة للسودان؟
طلال: أنا مبسوط لأن عندي هذه الطفولة بذكرياتها، وكنت قادر على رؤية السودان بعين مختلفة، ومبسوط لأني الآن قادر على رؤية ألمانيا من عين مختلفة، وربما لو كنت بقيت هناك.. ربما ستكون الإجابة مختلفة.

أمل: متى بدأ حبك للسينما؟ هل كانت البداية من التصوير؟
طلال: في البداية خُلقت عندي حالة، وأرضية ما، نتيجة طريقة أمي في تربيتنا. كانت حريصة على قراءة القصص المصورة لنا، وعلى أن نأخذ وقتا في تأمل الصور. لما رجعنا مصر كانت هناك المكتبة الخضراء للكيلاني وهى مكتبة مصورة، ثم بعد ذلك كانت مهتمة بأن تجعلنا نزور المتاحف والقلعة ومتاحف الآثار. وكذلك في السودان، كنا نزور معارض الفنون الجميلة ومعارض التخرج. هذا خلق عندي نوع من الارتباط بالصيغ البصرية المختلفة. بعد ذلك لما كبرنا اتجهت لموضوع الفيديو، فكانت تحضر أفلام جميلة منها بيت الأشباح لإيزابيل الليندي، وتحول الفيلم عندي لعالم ساحر يفتح الباب لتحولات الشخصية.. فالتحولات في حياتي والسياقات التي ذهبت فيها كان لها علاقة بما شاهدت من أفلام وما قرأت من كتب. ليس التأثر البسيط أو التقليد، لكن تفهم ما، تعاطف إضافي لقضية ما، لما روحت إسكندرية أحببت السينما وكنت أقرأ عن السينما.  
حسين شريف 

أمل: هل تدين بالفضل لأحدهم في ذلك؟
طلال: في عام 99 تعرفت على مخرج سوداني اسمه حسين شريف كان مقيم في القاهرة. هو من أدخلني عالم السينما، أو ما يعرف بالمطبخ السينمائي. في بيته عرفت الاسكريبت، وحضرت بروفات الترابيزة، واجتماعاته مع ممثلين، ومديرين التصوير. من هنا حصل ارتباطي الحقيقي بهذا العالم، فقد كان حسين شريف مخرج وثائقي وروائي، وكان شاعر وفنان تشكيلي أفريقي مهم

أمل: حسين شريف هو صاحب فيلم "تراب وياقوت" الذي يحكي عن الغربة؟
طلال: نعم، إنه هو. أنا تعرفت عليه من خلال هذا الفيلم، وأنا كنت الممثل الرئيسي فيه.. بعد وفاته في 2005 حصل لي نوع من الحزن والغضب والاكتئاب، لكن لدي رغبة شديدة في إحياء ما قام به في مشروع "تراب وياقوت". 
أمل: هل تفكر في إنجاز المشروع؟ 
طلال: لا.. صعب إكمال ما بدأه هو، لأنه كان فنان عنده نبرة شاعرية بهذه الدرجة، بعد وفاة صاحبه يكون الأمر معقد كثيراً، كأنه فنان تشكيلي كبير مات قبل أن يكمل لوحته فلا يجوز أن يأتي صديقه ليكملها.

أمل: هل التصوير أنجز منه الكثير؟
طلال: انتهى من التصوير كله. المونتاج فقط هو ما تبق. لكنه لم يكن يكتب سكريبت، فهو الوحيد الذي يعرف إيقاع الفيلم ويملك روحه.. نحن لا نقدر عليه. لكن هناك فكرة أن نعمل فيلم عن الفيلم ونسرد بداخله ما قام به حسين

أمل: ما هي الخطوات التي قمت بها أنت بعد ذلك؟ 
طلال: في البدء انتابتني صدمت. كنت متأرجح لفترة، ودخلت مع مجموعات وجماعات سينمائية مثل جمعية نقاد السينما المصريين في 36 شارع شريف لفترة، أو جمعيات أخرى غيرها. واقتربت من الأستاذ علي بدرخان. لم أعمل معه لكني اقتربت منه، وهنا في السودان عملت مع مجموعة الفيلم السوداني. طرقت أبواب مختلفة بطرق مختلفة، من باب أنواع مختلفة من العلاقات وتكوين أصدقاء، بالإضافة أنني كنت أعمل في مجال حقوق الإنسان، ومناهضة التعذيب لفترة

أمل: عندك مشروع فيلم عن مدينة الإسكندرية ترغب في صنعه، ماذا عنه؟
طلال: هذا حلمي، فقد عشت في الإسكندرية سنين بسيطة لكنها مؤثرة جدا في حياتي، بل يمكن أن تكون هي السنين الأكثر خصوبة ونماء وتأثيراً على وجداني وروحي. لما كبرت وأصبحت بعيد أصبحت أنظر إليها بعين الشوق والشغف. يمكن القول أنها المكان، لا، بل ليس المكان الذي أريد الرجوع إليه وفقط، ولكن هي أيضاً العمر الذي أُريد أن أرجع إليه. فطبيعي أن أفكر في أن أعمل عنها فيلماً يتضمن أشياءً مختلفة؛ عن الإسكندرية الجديدة، والإسكندرية الكوزموبولتين، عن الإسكندرية الخاصة بنا، بمشاعرنا وحياتنا، وبالفعل بدأت مجموعة من الحوارات والتصوير الخارجي هناك. سيكون عملا وثائقياً، وضعت له عنوان "فيروز". أنجزت تقريباً ربعه منذ سنة ونصف، ولكني تعطلت عن استكماله بسبب إدارة مؤسسة "سودان فيلم فاكتوري"، فالعمل بها منهك، وفي خضم ترتيبات لأجل المخرجات والمخرجين الآخرين ليُنجزوا أفلاهم



* د. أمل الجمل: ناقدة وباحثة سينمائية مصرية من المساهمين في "ظلال وأشباح"


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular