أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 9, 2015

الكاميرا وأمي • رشيد مشهراوي | ذ فيلم بزنس • رامي عبدالرازق | بيير باولو بازوليني • ميسر المسكي | وجهان لممثل واحد • ميساء آق بيق | فيلم واحد لا يكفي • عدنان مدانات | حوارات نقدية• صلاح سرميني | الرجلة النملة • مهند النابلسي | استنساخ الممثلين • محمد رُضــا


  1st SHOT 

لوحة من الفنان ميسر المسكي
مهداة إلى «ظلال وأشباح»

(2015)

  التفاصيل التقنية لاستنساخ الممثل من ماضيه  

محمد رُضــا
أرنولد شوارتزنيغر: جديد- قديم

شكوى البعض حيال فيلم «ترميناتور: جنيسيس» الأخير، أن أرنولد شوارتزنيغر لا يظهر إلا قليلاً في هذا الجزء الخامس من السلسلة. هذا البعض هو من المعجبين المداومين بالممثل الذي تم إسناد بطولة «ذا ترميناتور» سنة 1984 إليه. يؤلّـفون، حسب بعض الإحصاءات، نسبة الثلث أو نحوه من بين الذين قصدوا مشاهدة الفيلم الجديد عند افتتاحه قبل نحو شهر، علماً بأن الفيلم حظى بإعجاب متوسّط لدى كافّـة المشاهدين وأقل من ذلك بين النقاد الأميركيين.علماً بأن أداءه التجاري لم يطابق حسابات بيدر المنتجين فإذا بها تتوقف عند حدود المئة مليون دولار عالمياً، أي أقل من تكلفته المعلنة بـ 55 مليون دولار.
للفيلم، الذي حققه ألن تايلور، وهو جديد نسبياً في الصنعة، الكثير من مسببات الإمتعاض ودواعي الضعف التي يستحق معها ما انتهى إليه. على أن ذلك يجب أن لا يكون سبباً لتجاهل منجزات مهمّـة، على صعيد المؤثرات البصرية والخدع الكومبيوغرافيكية، حواها الفيلم المذكور. هذه بدورها جزء من آليات عمل جديدة تتطوّر بإستمرار وتتعرّض لها أفلام مختلفة التي تبرز بطولات فائقة أو شخصيات غير بشرية أو مشاهد لا يمكن للإنسان القيام بها لكنها توضّـب على هذا النحو كما لو كان ذلك ممكناً.

الممكن والمستحيل
الناحية المذكورة في «ترميناتور: جينيسيس» تعكسها، في البداية، حقيقة أن شوارتزنيغر كان هو من لعب كل مشاهده في الحلقة الأولى من ذلك الفيلم قبل ثلاثين سنة، في حين أن ظهوره هنا تم غالبه باستحداثه كتصاميم غرافيكس تستخدم نظم الكومبيوتر لرسمها وتحريكها وتجسيدها على النحو الذي شاهدناه في الفيلم. بكلمات أخرى، هو شوارتزنيغر شكلاً لكنه ليس شوارتزنيغر فعلاً.
هذا السعي لإتقان شخص ما عن طريقه إدخال خلاياه الإلكترونية (بيكسالز) إلى الكومبيوتر ثم تأليفه ليصبح شكلاً إنسانياً يشبه شوارتزنيغر شبهاً تامّـاً ليس سوى آخر ما توصّـل إليه علم الأجنّـة الحاسوبية في مجال تأليف إنسان بلا روح يتحرّك على الشاشة الكبيرة كما لو كان الإنسان الفعلي الذي تم استخلاص ملامحه وانفعالاته وحركاته منه.
الخطوات الأولى تم تأسيها قبل أكثر من عشر سنوات. 
خطوة أولى: Tron

حينها شهدت هوليوود حماساً كبيراً لفكرة صنع نسخة تامّـة للإنسان على الكومبيوتر تُـستخدم عوضاً عن الممثلين، فإذا بالبعض يطلق وعوداً من نوع أنه بالإمكان إعادة بعث جون واين أو مارلين مونرو أو سواهما من قبره ومنحه بطولة فيلم جديد. 
هذا لم يكن إدعاءاً لكن الموانع كانت ثلاثون بالمئة منها أخلاقية وسبعون بالمئة منها قانونية، فلكي يتم إعادة إحياء جون واين أو مارلون براندو أو جين مانسفيلد مثلاً يتطلّـب أخذ تصاريح وحقوق من الورثة وأفراد العائلات تجنّـباً لمقاضاة الشركات التي قد تعمد إلى مثل هذا الفعل. لقطة واحدة لألان لاد أو سبنسر ترايسي في فيلم مأخوذة من أرشيفه هي كلفة ذات بند في الميزانية، فما البال بخلق شخصية كاملة له؟
لكن السينما مضت في سبيل آخر في هذا الصدد: ما الذي يمنع إذاً من تقديم شخصيات مؤلّـفة كاملاً على الكومبيوغرافيكس لا تماثل لها مع شخصيات واقعية وإسناد بطولات كاملة لها. هذا معمول به في سينما الرسوم المتحركة وفي ألعاب الفيديو، لكن الفارق هو أنها لم تكن مطروحة للعمل على نحو كامل وبالشكل الموازي للبشرية رغم أنه في سنة 1982 تم لشركة ديزني تقديم فيلم بعنوان «ترون» تحدّث عن ولوج عن شاب تم خطفه وإدخاله نظام الكومبيوتر ليشترك في ألعابه. ما نراه ينتمي إلى سينما الرسوم، لكنه يختلف عنها في جدية محاولة منح الشخصيات أشكالاً إنسانية.
إذ مرّ الفيلم، كما أخرجه ستيفن ليزبرجر وقام بتمثيله صوتياً جف بردجز وبروس بوكسلتنر من بين آخرين،  محدثاً جلبة كبيرة آنذاك، تم إعتباره بذرة خاصّـة ليس من السهل الإقدام عليها في كل حين. الموانع كثيرة ومن بينها عدم وجود تقنيات تمكن، في ذلك الحين، من المضي قدماً في خلق جينات دجيتالية تمنح المخلوقات الإلكترونية ذلك الشكل والفعل البشري كاملاً.

ممثل بعد وفاته 
عندما عادت ديزني إلى المشروع قبل خمس سنوات، محدثة فيلماً ثانياً من السلسلة بعنوان «ترون: الإرث» دمج بين الشخصيات البشرية فعلاً وبين تلك المنفّـذة على الكومبيوتر،  كانت التطوّرات التقنية برؤوسها المختلفة تطوّرت كثيراً. تحت إدارة المخرج جوزف كوزينسكي تم إنجاز فيلم يعكس تلك التطوّرات التي  قادها جف بردجز وبروس بوكسليتنر مرّة ثانية (مع أسماء معروفة أخرى بينها مايكل شين وأوليفيا وايلد)، لكن الروح لم تكن لتؤازر هذه الصنعة. مثير في ومضاته وهيجانه البصري وغرابته، لكنه خال مما يمنحه الممثل الإنسان من مشاعر منتقاة لكل لحظة عاطفية مطلوبة.
ما فعله فريق من فنيي المؤثرات والدجيتال غرافيكس بالنسبة لفيلم «ترميناتور: جينيسيس» هو تحييد المشاعر المفقودة أساساً. شخصية شوارتزنيغر في الأساس لم تؤسس على قواعد عاطفية لأنها ليست شخصية من البشر أصلاً. هو مخلوق فضائي ينتمي إلى فصيل غريب الكيان تتجاوز قدراته الشعور العاطفي بل الفناء نفسه. من ناحية أخرى، كان هذا الرسم لهوية وطبيعة المخلوق الفضائي هدية رائعة للممثل شوارتزنيغر الذي لم يكن (وما زال حتى اليوم) غير قادر على توفير مثل هذه المشاعر لو أراد.
إنطلاقاً من هذه النقطة، فإن التجسيد الصناعي له تجاوز، بسعادة، هذه الناحية وانطلق لإتقان الحركة والتجسيد المظهري ومنحهما الهيئة التي قد تبدو للمشاهدين كما لو أن شوارتزنيغر لا يزال يمثل فعلياً كل مشاهده. بالتالي، هذا هو شوارتزنيغر على الشاشة لكنه- وفي الوقت ذاته- ليس شوارتزنيغر بل مثيل تام له تم تأليفه حاسوبياً ولا يمكن التفريق بينهما.
المنحى ليس جديداً تماماً. عندما مات الممثل بول ووكر قتيلاً بحادثة سيارة بعد أسابيع قليلة من بدء تصوير «سريع وغاضب توقف التصوير لبضعة أشهر أولاً للبحث عن حل لمشكلة أن ووكر له حضور كبير في هذا الفيلم وقد تم تصوير عدد من المشاهد الصعبة معه، وبالتالي لا يمكن الإستغناء عنه إلا بكتابة سيناريو جديد يتم فيه تدبير سبب لعدم وجوده وربما كتابة شخصية جديدة لممثل آخر مختلف تماماً. 
التقنيات تدخلت لإيجاد حل اعتبرته شركة يونيفرسال أفضل الحلول: سوف يقوم الفنيون بحياكة المشاهد الأخرى الباقية للممثل ووكر وذلك بصنع الشبيه الكامل له وزرعه في الفيلم كما يزرع الطبيب قلباً جديداً. والتجربة نجحت. قليلون من المشاهدين يستطيعون التفريق بين ووكر الأصلي وشبيهه على الشاشة. كذلك الحال مع شوارتزنيغر في فيلمه الجديد.

عضلات ذابلة
المهمّـة ليست سهلة. لا نتحدّث عن حسابات وأنظمة تتم بالضرب على الأزرار وحدها، بل عن شبكات من التقنيات التي تزداد تطوّرا وتعدداً بإضطراد. الشركة التي قامت شركة باراماونت بإسناد المهمّـة  لشركة "تكنيوكولور" التي كانت تأسست سنة 1893 عندما كانت السينما ما زالت أشباح صورية لا يعلم أحد إلى ما ستؤدي إليه. «تكنيكولور» اليوم تملك مؤسسة لصنع المؤثرات البصرية معروف بـ MPC وهذه المؤسسة التي تم استحداثها مع بدايات التوجه التقني العصري الحاصل كان أمامها أن تتغلب على الكثير من التفاصيل. أهمها أي شوارتزنيغر هو من ستقوم باستنساخه: شوارتزنيغر القديم الذي ظهر في مطلع سلسلة «ترميناتور» سنة 1984 إبن السابعة والثلاثين من العمر، أو شوارتزنيغر إبن السابعة والستين؟
بول ووكر: جيء به من الموت

الفارق لم يكن مجرد إختيار. بالإمكان، إرتأى الفنيون، القيام باختيار شوارتزنيغر الحالي وتخليصه من الإمارات والتجاعيد وكل ملامح السنين التي تراكمت عليه وتهذيبها ليبدو كما لو أنه ما زال ذلك المخلوق الذي لا يشيخ. 
لكن القرار كان العودة إلى صورته قبل 31 سنة والعمل عليها. لو أن القرار كان استخدام شوارتزنيغر الحالي لتطلب الأمر ما لا يمكن أن يُـحصى من الرتوش. شوارتزنيغر الحالي لم يعد بالهيئة ذاتها التي كان عليها سابقاً. مسألة تأليف عضلة شابّـة فوق عضلة ذابلة أو إخفاء نتوء البطن أو خطوط ما تحت العينين تتعلق بمسألة إتقان الحركات التي عليها أيضاً أن تبدو شابّة ما سيخلق فجوة ملحوظة تتسع لظهور الكثير من الإختلافات.
الطريق الذي تم إختياره ليس أقل صعوبة. كان على فريق العمل، كما يقول رئيسه شلدون ستوبساك، البحث عن كل لقطة متوفرة، متحركة أو ثابتة، لشوارتزنيغر ذلك الحين. والمتوفر في هذا الشأن كثير كونه عاش حياة فنية وإعلامية نشطة لمعظم سنوات مهنته. القصد من ذلك التعرّف على كيف كان شوارتزنيغر يتصرّف حيال كل شأن وكيف تشكلت ردّات فعله في مقابل كل تصرّف باختلاف التصرّفات أو الأفعال المواجهة. 
ما نتج عنه هو أن الحركة الواحدة لشوارتزنيغر على الشاشة، هي تأليف مرسوم على الكومبيوتر تبعاً لخطط يدوية. تلك التي تتطلب لقطات قريبة أو أخرى تتطلب «تمثيلاً»، تم استخدام نظام يسمّى بـ  Motion Capture Acting
هذا النظام يمكن استخدامه بطريقتين: إحضار الممثل إلى الاستديو وتلبيسه ملابس ضيقة تلتصق بجسمه ثم تصويره (حسب المشهد المطلوب) بثلاث أو أربع كاميرات لالتقاط كل حركة يقوم بها تبعاً للدور، ثم تمرير كل ذلك على الكومبيوتر لتأليف المشهد والممثل عليه.
الطريقة الثانية، وهي التي اعتمدها فنيو الفيلم، اتبعت الطريقة الأولى إنما باستخدام المشاهد المصوّرة سابقاً واستحداث نسخاً مختلفة منها. 

الحقيقي والمزيّـف
لكن هذا لا يعني أن شوارتزنيغر قبض أجره وهو جالس في البيت يتابع مباريات كرة القدم، بل كان حاضراً بشحمه ولحمه للعمل لأن الفيلم يرصده في ثلاثة مراحل متلاحقة هي الأربعينات ومطلع القرن واليوم. لذلك كان عليه تمثيل مشاهد تتطلّـب، كما يدرك من شاهد الفيلم، شخصه الحاضر مع إجراء الرتوش والتفاصيل المختلفة لتقوية ذلك الظهور وتغذيته على نحو جاذب يتماشى والقوّة التي عليه أن يعكسها حتى في المشاهد الحاضرة. هذا لا يعني، في الوقت ذاته، أنه صوّر، حتى في هذه المشاهد المطلوبة له فعلاً، كل لقطاته بنفسه. في أحيان كثيرة، وتبعاً لتجاوزه الستين سنة، كان لابد من بديل يقوم بالمهام ذاتها لكي ينجح نظام الـ MCA المذكور.
يتداخل كل ذلك بعمليات «الماكياج» التي لابد منها، وهذه بدورها بدأت منذ سنوات بعيدة ووصلت إلى أحد ذرواتها الكبيرة سنة 2008 عندما تم إخضاع الممثل براد بت للتأليف الغرافيكي في فيلم «القضية المثيرة للفضول لبنجامين باتون». هناك، وكما يذكر مشاهدو الفيلم، تم مسح وجه ورأس الممثل باستنساخات كثيرة كل منها تتبع عمليتي ماكياج: واحدة على الوجه ذاته، والأخرى على الوجه وقد تم استنساخه على الكومبيوتر.
هناك من يدفع صوب تحقيق أفلام يتم فيها استخدام الممثلين كموديلات لا أكثر. لكن في المواجهة تكمن موانع عدّة من بينها أن إنتشار هذه الإستخدامات له عواقبه بين الجمهور، أو كما يقول لي المنتج ماريو قصّـار الذي وقف وراء سلسلة «ترميناتور» حتى العام 2009 عندما تم تقديم الجزء الرابع: «هناك الكثير مما يستطيع الموشن غرافيكس أو الكومبيوتر غرافيكس أو سواه من تحقيقه اليوم وفي الغد. لكن الجمهور سيفضل دوماً التعامل مع الممثل الحقيقي. هذا لا يمكن الإستغناء عنه».
في دارته في منطقة بيڤرلي هيلز جال بي المنتج قصّـار ببعض ما احتفظ به من أدوات عمل لأفلامه الخيالية المختلفة من «رامبو» إلى «توتال ريكول» و«ترميناتور» وسواها (بالإضافة إلى مقتنيات كان يريد استخدامها لمشروع عن الحروب الصليبية لم ينجز حتى الآن)
المرء يستطيع أن يدرك جسامة التطوّرات التقنية التي شهدتها السينما. اليوم يمكن تأليف السيوف والبنادق والأثواب والأشجار والحيوانات والبشر معاً على شاشات الكومبيوتر وصبها في الأفلام التي نراها ماثلة أمامنا بحيث يختلط الواقع بالزيف لدرجة من الصعب التفريق بينهما. هل هذا النهر حقاً هناك؟ هل الخلفية هي فعلاً لشارع لندني؟ وهل الممثل الماثل أمامنا حقيقي أم استنساخ؟  
إذ أعود إلى سيارتي لأترك هذا المتحف الصغير، أفكر بمشاهدة فيلم قديم حيث الإجابات واضحة.


  LAST SHOT 

Amarcord
 أسمها Maria Antonietta Beluzzi وكل من شاهد «أماركورد»
للعبقري فيديريكو فيلليني يعرفها تماماً 

(1973)



1 comment:

  1. شكرًا للنقد الوافي، لم احب الفيلم هذا السناريو فيه فذلكة، بلا ذكاء. دمت بخير !

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system