أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jul 11, 2015

عن مذكرات فاتن حمامة • ميساء آق بيق | معلومات سينمائية ناقصة • عدنان مدانات | «مخيال» لمحمد سلمان • صلاح سرميني | «لومومبا» لراوول بِك • مهند النابلسي | أغاني رمضان في السينما • محمود قاسم | موسيقا جيمس هورنر • محمد رُضا | مهرجان مرسيليا • شريف عوض

____________________________________________________________________


زميلنا الناقد قيس الزبيدي  له دور بطولة 
أمام جود لو، جاسون ستراثن وميريسا ماكارثي في
Spy


____________________________________________________________________


 40 سنة على Jaws 
ما بين «جوز» و«جيروسيك وورلد» علاقات مثيرة | محمد رُضا

 المشهد  

تذكّـر هذا المشهد. إن لم تشاهده شاهده الآن: 
قاعة إجتماعات كبيرة مفروشة بأثاث فكتوري من الخشب مع ثريا كبيرة فوق الطاولة العريضة التي اصطفت عليها 18 مصباحاً أخضر اللون. تلاحظ وجود رجلين كل منهما على رأس الطاولة متقابلين عن بعد.. واحد جالس والآخر يمشي من رأس الطاولة إلى الستائر شبه المفتوحة ويغلقها تماماً. أصبحت الغرفة معتمة. يعود الرجل إلى مكانه لكنه لا يجلس. لأربع دقائق سيلقي خطبة على مسمعي هذا الرجل الجالس. أهم ما فيها بالنسبة لموضوعنا هنا هو التالي: 
"العرب أخذوا بلايين الدولارات من هذا البلد (أميركا) والآن عليهم أن يعيدوها. إنه مد وجزر (…). أنت رجل عجوز يفكر على نحو الأمم والشعوب. ليس هناك أمم. ليس هناك شعوب. ليس هناك روس وليس هناك عرب. ليس هناك عوالم ثالثة. ليس هناك غرب. هناك نظام شمولي للأنظمة كلها. نظام داخلي عريض مختلط متداخل، متعدد التنوع، متعدد السيادة من الدولارات (….) العالم هو بزنس".
الخطاب طويل (تستطيع مشاهدته هنا: https://www.youtube.com/watch?v=NKkRDMil0bw). 
وهو يرد في النصف الثاني من فيلم «نتوورك» لسيدني لوميت (1976). الخطيب هو رئيس مجلس إدارة المحطّـة التلفزيونية التي يعمل فيها الثاني. الأول هو الممثل الرائع الذي ما زال غير مقدّر حق قدره ند بيتي، والثاني الممثل المعروف بيتر فينش وحسب الفيلم دعا المذيع فينش إلى ثورة على الأوضاع الإقتصادية حيث العرب يخططون للسيطرة على الإعلام طالباً من الجمهور أن يتحرك مطالباً بصيانة الحريّـة.
ناهيك عن تهمة أن العرب سحبوا أرصدتهم من أميركا وأنهم يخططون للسيطرة على الإعلام الأميركي، وهي تهم عدائية تناسب صغار العقول، فإن ما قيمة الخطاب العليا هو ذلك التحديد المسبق لما بات واقعاً اليوم: ليس هناك شرق وليس هناك غرب. ليس هناك أمم أو قوميات وليس هناك شعوب. هناك الدولار (بأشكاله ومسمياته المختلفة) منذ (وربما من قبل) أن يصبح العالم قرية كبيرة. 
باقي المشهد  (الذي كتبه إبن العم بادي تشايفسكي) يذكر رؤية رئيس مجلس الإدارة للعالم متنبئاً بأنه سيقضي، تبعاً للنظام الجديد، على الفقر والجوع. 
طبعاً نعرف الآن أن هذا لم يحصل. في كل مدينة أفريقية وفي عموم الهند وسواها مطاعم ماكدونالد، لكن الجوع لا يزال ينخر معدات الملايين والمجاعة منتشرة تخف هنا وتقوى هناك. 
لكن النظام الواحد المتمحور حول الدولار أمر فعلي. من كان يقول أن الصين ستصبح دولة رأسمالية من دون أن تضطر لتغيير نظامها الشيوعي؟ كيف تم لها ذلك؟ لا أدري لكنها كانت من الفطنة بحيث أدركت أن هناك طريقة أخرى للسيطرة على العالم: التسلّـح بالدولار.

 الدولار الصيني وجوراسيك وورلد   
99 مليون دولار حقنت بها الصين ساعد فيلم ستيفن سبيلبرغ في أيام افتتاحه الأولى هناك. سعر التذكرة ما يوازي ستة دولار ونصف (أعلى من معدّله بالنسبة للأفلام الصينية ذاتها) وهو باع 15 مليون و700 ألف تذكرة في فترة إفتتاحه.
دعوني أقلب آخر الأخبار عنه وسأعود إليكم….
……………………………………………..
في مدى أسبوعين من عروض الفيلم الصينية أنجز الفيلم 200 مليون دولار (تجاوز البليون دولار حول العالم). هذا وهناك شرير من أصل صيني في الفيلم أسمه د. هنري وو (ب د وونغ) يتسبب في مقتل العديد من الضحايا عندما يسمح لعلمه بأن يتجاوز الحد المقبول فيخلق الوحش غير القابل للردع.
العلاقة بين «نتوورك» و«جوراسيك وورلد» هي أن الثاني يؤكد على ما ورد في الفيلم الأول. العالم بات جيباً صغيراً لنظام الأقوى. الصراعات الدائرة حالياً قد تكون بين طوائف وشعوب وأمم إنما الغاية هو تفتيتها. تعال كل ماكدونالد عندي لكن لا تطلب مني إطعامك مجاناً إذا لم تكن تملك ثمن وجبة.
لكن فيلم ستيفن سبيلبرغ ليس مبنياً ليكون رديفاً أو تابعاً لفيلم «نتوورك». هذا لم يخطر لصانعيه على بال. ما ورد هو ذلك التشابه مع فيلم آخر وُلد قبل 40 سنة (1975) وعنوانه «جوز» Jaws المخرج كان أيضاً سبيلبرغ. شركة الإنتاج كانت أيضاً يونيڤرسال. لكن «جوز» هو أفضل من «جوراسيك وورلد». طبعاً كلاهما أنجز إيرادات مربحة (مضاعفة بالنسبة للفيلم الحديث) لكن العلاقة بينهما تمضي لما أبعد من كل ذلك.
أعلم أن سبيلبرغ ليس مخرج «جوراسيك وورلد». حققه كولين تريڤورو لكنه ليس فيلم تريڤورو إلا من حيث التنفيذ. أصابع المنتج سبيلبرغ في كل قرار استراتيجي والمشروع لم يبدأ التصوير إلا من بعد أن استخدم سبيلبرغ المكواة عليه. بصمات سبيلبرغ هي تلك التي تتراءى طوال الفيلم وليس بصمات مخرجه. هذا بلا هوية خاصّـة ولا الفيلم يمكن أن يُـكنّـى به إلا تعريفياً (فيلم من إخراج… الخ..).

 شاهدت «جوز» على الباخرة الحربية   

شاهدت «جوز» أول مرّة بعد عام من إنتاجه. كنت تسللت (والكلمة غير مبالغ فيها) إلى باخرة أميركية حربية كانت تنقل رعايا أجانب من بيروت التي بدأت تتمزّق تحت القصف. أنا لست أجنبياً، لكني كنت أعرف صديقاً يعمل بالسفارة الأميركية في بيروت. ذهبت إليه. المكتب مقفر. القاعة خالية. خرج إليّ متسائلاً، قلت له: "غداً هناك باخرة حربية أميركية  لإجلاء الرعايا الأجانب ستبحر من بيروت وأريد أن أكون عليها".
تطلّـب الأمر ورقة. في صبيحة اليوم التالي كنت أحد ركابها.
في تلك الليلة الأولى لي هناك (نمت مع نحو مئة نازح أوروبي في جناح أعد خصيصاً) شاهدت «جوز» على شاشة التلفزيون. لم أسع للحكم له أو عليه. أول ما نزلت في أثينا بعد يومين وجدته معروضاً في إحدى صالاتها. دخلته. أعتقد أنني دخلت الصالة قبل أن أجد فندقاً آوي إليه.
كان مذهلاً على أكثر من نحو. جيّد هو أمر آخر.
لابد أن كثيرين من القراء يعرفون القصّـة:
بلدة أميركية صغيرة أسمها أميتي فوق جزيرة صغيرة بالإسم نفسه. الصيف على المشارف. الناس يفترشون رمال البحر. الأولاد يلعبون فيه. الكبار يسبحون. سمكة قرش كبيرة تريد أن تأكل. حين يصطاد البعض السمكة الكبيرة يفرح الجميع فهي هاجمت بعض الضحايا. لكن الشريف برودي (روي شايدر) واثق من أنها ليست ذاتها السمكة الكبرى. يطلب خبيرا أسمه هوبر (رتشارد درايفوس) وصياداً متمرّساً أسمه كوينت (روبرت شو) هذا في الوقت الذي يحاول فيه إقناع المحافظ  (موراي هاملتون) بإغلاق الشاطيء. وهذا يرفض لأن الموسم السياحي في مطلعه وسيقضي على «البزنس». إلى أن يدرك المحافظ أن برودي على حق يكون القرش التهم عدّة ضحايا. برودي وهوبر وكوينت في البحر لاصطياده.
القصّـة ليست شبيهة بأي قصّـة وردت في أجزاء «جوراسيك» لكن مفاداتها قريبة.
في الجوهر، وكما سبق لي أن ذكرت في نقدي للفيلم سابقاً، «جوراسيك وورلد» (ولننطلق منه)، و«جوز» يدوران حول وضع إقتصادي واحد: خطر يهدد الناس. دعوة لإغلاق المكان الذي قصدوه للترفيه (في «جوراسيك وورلد» هو طبعاً جزيرة خصصت لتكون مدينة ملاهي الدينوصورات). الرأسمال ممثلاً بالمؤسسة الإقتصادية التي تدير المشروع، تمانع. الضحايا تقع. الوحش يُـقتل في النهاية (أو هكذا يُـعتقد لأن أجزاء «جوز» التي تلاحقت وأجزاء «جوراسيك» التي تتابعت لا تريد إغلاق الكتاب.
هناك تشابهات أخرى: العلاقة بين الثنائي الراشد الذكر والأنثى مضطربة.
في «جوز» (وسأتناول الفيلم الأول في السلسلة فقط) هناك خلاف مبطّـن بين الشريف وزوجته (لورين غاري). كلاهما يحاول إنقاذ إبنهما لكن برودي يحاول أيضاً إنقاذ الناس بأسرها. في «جوراسيك وورلد» خبير الدينوصورات (دور مضحك) أووَن (كريس برات) كان يعرف المديرة التنفيذية للمشروع وأسمها كلير (برايس دالاس هوارد) وانفصلا بخلاف (يتم تلخيصه إلى بضعة أسطر). العلاقتان في الفيلمين متوترتان. كذلك العلاقة بين معظم الأزواج والأصحاب في أفلام سبيلبرغ الأخرى (مثل «لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إمبراطورية الشمس» و«مبارزة» بين أخرى). هذا يعود إلى شأنين متّصلين لدى ستيفن سبيلبرغ: والداه لم يكنا على وفاق. الثاني (لا علاقة له بهما لكن له علاقة بأفلام سبيلبرغ) ترعرع على حب الدهشة. 
والرابط بين «جوز» و«جوراسيك وورلد» هو حب الإدهاش وفي هذا السبيل فإن المغالاة هي سبيل سريع وموثوق لإحداث ذلك: 25 قدم (نحو ثمانية أمتار) طول سمكة القرش اللئيمة في «جوز». الوحش الكاسر في «جوراسيك وورلد» (والوحوش التي وردت في الأجزاء الثلاثة السابقة من المسلسل) هي على مستوى من القوّة والحجم والفتك يرتفع ويزداد من جزء لآخر. ربما الجزء المقبل سيكون أعلى شأناً. 
في «جوز» هناك حكاية بين هلالين حول شخصية كوينت: كان جنديا سابقاً في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان وبعد هزيمة في البحر وجد كوينت وبعض الناجين أنفسهم يذودون عن أنفسهم خطر أسماك القرش. هذا ما يحمله في «جوز» على حقد أعمى على سمكة القرش. لا يريد صيدها لإنقاذ البشر بل حقداً عليها تبعاً لتجربته التي ولدت في رحم الحرب ضد اليابان.
في «جوراسيك بارك» هناك العالم الصيني. 

 ايهما أفضل أم أن التاريخ يعيد نفسه؟  

تم إطلاق «جوز» في الولايات المتحدة في الرابع من تموز/ يوليو 1975 وهو يوم الإستقلال. ميزانيته 12 مليون دولار. إيراداته (بأسعار تذاكر ذلك الحين) 260 مليون دولار في أميركا ومجموع إيراداته العالمية 475 مليوناً. قلب المعادلات لأن العادة قبله أن يتم عرض الأفلام الصغيرة أو المعادة في الصيف. سبيلبرغ وآلة الفيلم الإنتاجية والدعائية قررا أن يأتي العرض صيفاً: الإقبال كان ضخماً. من ذلك العام وصاعداً صيف السينما أصبح الموسم الأكثر درّاً للمال. «جيروسيك وورلد» يؤكد ذلك.
لكن التالي هو لب الحديث والموضوع بأسره: في حين أن هذين الفيلمين ينتقدان الجشع الذي يقود إلى تجاوز التجارة الحد الأدنى من تأمين شروط الأمان. «البزنس» يسود. وعندما يفيق رأسمال على آثار جشعه يكون الوقت قد فات (ويجب أن يفوت وإلا لما كان هناك فيلم يوظف الخسائر البشرية كمادة ترفيهية) والضحايا تساقطت.
هذا ليس إدانة لرأسالمال، وسبيلبرغ ليس مناوئاً. ما يدينه في الفيلم يمارسه في السينما من خلال استخدام الحالات الماثلة (ضحايا، وحوش، آلام الخ…) كمادة للترفيه. محافظ مدينة أمتي يريد إرضاء بزنس أصحاب المتاجر والمشاريع. صاحب مشروع «جوراسيك» الأول (رتشارد أتنبورو) يريد استغلال الجزيرة لتحويلها إلى مركز ترفيهي. هذا يتحقق في الجزء الرابع. جنباً إلى جنب، يمشي سبيلبرغ مع البزنس. في أفلامه هذه المال ضد السلامة الإنسانية. الأفلام ذاتها المال ضد الفن.
لي على «جوز» مآخذ عدّة، لكنه فيلم أفضل بعدة مراحل من عدة جوانب بالمقارنة مع «جيروسيك وورلد». الشخصيات في الفيلم السابق متينة. الأدوار الأولى لها. صراعاتها ضد الوحش تبرز ما يتفاعل في داخلها. لكل واحد من الصيادين الثلاثة حكاية ومضمون. القرش يبدو كما لو كان يعلم ذلك ويريد قتل الذات الفردية في نصف الساعة الأخيرة.
في «جورسيك وورلد» الشخصيات البشرية مصنوعة لكي تركض هنا وهناك وتخاطر وتخاف وترتعب. الوحوش لا تفرق معها من تأكل. انتهى الفيلم. 
ما غيّـره سبيلبرغ من نظرة السينما إلى الصيف، جاء بالتوازي مع محاولة تقليده وتطوير الأفلام التشويقية (خصوصاً) إلى أعمال ميكانيكية. البشر لا قصص لديهم. البطولة للوحوش من كل الأنواع. الفيلم ليس عملاً للفن وليس حتى عملاً للفن والترفيه، بل للترفيه فقط.  



بيرت لانكاستر
لقطة من 1900 لبرناردو برتولوتشي
(1976)


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015

____________________________________________________________________

2 comments:

  1. لماذا لم نعد نقرأ مقالات مهند النابلسي الشيقة والمفيدة؟

    ReplyDelete
  2. يبدو أنه في عالمنا العربي البائس لا شيء جيد يدوم

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system