Jun 13, 2015

وداعاً يا كريستوفر لي | محمد رُضــا


مات أفضل دراكولا...
كريستوفر لي أو حكاية أفضل مصاص دماء في العالم 


قبل ثلاث سنوات التقى زميل يعمل في صحيفة لبنانية الممثل كريستوفر لي لإجراء مقابلة. بعد ثلاث أو أربعة أسئلة، ثار عليه الممثل وقال له: "هل ستدور كل أسئلتك حول أفلام دراكولا؟ لقد مثلت أدواراً متعددة وأكثر بكثير من ذلك الدور".
كريستوفر، الذي رحل يوم الأحد الماضي عن 93 سنة، معه حق. 
لقد مثّـل 211 فيلماً إمتدت من العام 1948 إلى العام الماضي وكان مفترضاً به الظهور في في دور رئيس في فيلم دنماركي بعنوان «الحادي عشر» مع أوما ثورمان وإيزابل لوكاس في البطولة. عدد الأفلام التي أدّى فيها شخصية دراكولا لا تزيد عن عشرة بدأت سنة 1958 بفيلم «رعب دراكولا» Horror of Dracula (إخراج ترنس فيشر لحساب شركة هامر الإنكليزية التي تخصصت في شخصيات الرعب الكلاسيكية) وانتهت بلمسة فرنسية عندما قام ببطولة «دراكولا وإبنه» لحساب المخرج الفرنسي أدوار مولينارو سنة 1976.
في الوقت ذاته، الزميل معذور. 
حول العالم وفي كل مكان وحتى في عناوين المواقع والصحف كافّـة اقترن إسم كريستوفر لي بإسم شخصية دراكولا وحده. صحيح أنه لعب مئتين دور آخر، لكنه دراكولا كان ودراكولا سيبقى.
لابد أن لهذا القِـران سبب أبلغ مما تبديه الكلمات ذاتها.
سواه لعب دراكولا أيضاً، لكنه الوحيد الذي اشتهر به أكثر من سواه.
أهو الزي الإرستقراطي الذي ظهر به مرّة بعد مرّة؟ الرداء الأسود الذي يلفّـه؟ القامة الطويلة التي تؤكد سطوته؟ عيناه النافذتان كما لو أنهما سيكسران بؤرة الكاميرا؟ أم كل هذه مجتمعة وفوقها ذلك القدر من إمتلاك المقوّمات الأدائية التي تجعل من دراكولا شخصية مرعبة أكثر مما تبديه كمجرد شخصية شريرة؟
على الأرجح بالطبع كل هذه العوامل ومعها أن أفلام هامر المرعبة (التي شملت أيضاً حكايات من آرثر كونان دويل وشخصيات مثل وحش فرانكنستاين والرجل- الذئب والدكتور جيكل ومستر هايد والعديد من المشتقات المختلفة) كانت جادّة في خطاها لترتيب بيت الرعب ترتيباً تفتقر إليه معظم الأفلام المماثلة المنتجة في هوليوود. 
أفلام دراكولا التي مثلها كريستوفر لي لحساب شركة هامر لم تكن مصنوعة للترفيه، بل للتصديق. لم تعرف شخصيات ثانوية تثير المرح وتطلق النكات، ولم تصور مطاردات سيارات أو مشاهد معارك نارية. إنه دراكولا، أمير الظلام الذي لا يمكن قهره إلا عندما ينجز عدوّه الأول، دكتور فان هلسينغ (بيتر كوشينغ)، معجزة في آخر لحظة. 
الإثنان كانا عدوّان مثاليان في أكثر من فيلم معاً: الأول مصاص دماء يرمز لكل ما هو للشر المطلق. الثاني إرادة الخير المطلق. إذا ما تواجها فإن الأول هو الأكثر تمتعاً بالقدرة البدنية والقتالية. لا قدرة لدكتور هاسلينغ (أو سواه) على مواجهته. لذا وجب إستخدام الطرق الثلاث الوحيدة للإجهاز على دراكولا: وتد يُـدق في قلبه وهو نائم، إشغاله حتى يطلع عليه نور النهار أو حرقه برفع الصليب في وجهه… ودكتور هاسلينغ استخدم الوسائل الثلاث. مع ذلك، كان دراكولا يعود بعد كل مرّة بناءاً على طلب المشاهدين.

حُـذف من المونتاج
وُلد في السابع والعشرين من مايو (أيار) سنة 1922 في حي بلغرافيا في لندن. أمه كونتيسا إيطالية ووالده هو جندي أسمه جيفري ترولوب لي. بعد أربع سنوات من ولادته تطلّق الإثنان. تزوّجت أمه ثم تطلّقت من جديد. آنذاك كان أصبح طالباً في معهد لندني في الرابعة عشر من عمره وبعد ثلاث سنوات، إنضم إلى سلاح الطيران الملكي البريطاني حيث اشترك في معارك الحرب العالمية الثانية. النبذ المنشورة في بعض الكتب التي تناولت حياته (مثل «التاريخ السينمائي الرسمي لكريستوفر لي» لجوناثان ريغبي و«كنز كريستوفر لي من الرعب» لمورت دروكر) مرّت على تلك السنين الشابة من حياته بسرعة كما لو أنها حوت ما أراد الممثل إخفاءه. لا تفسير مثلاً لماذا تم صرفه من الخدمة مبكراً. أو لماذا لم يواصل الدراسة أساساً؟ أو ما الذي دفع الممثل لي للإتجاه بعد الحرب مباشرة إلى التمثيل.
مهما يكن فإنه أقدم على الإلتحاق بتدريبات تمثيل كانت تقيمها شركة «رانك» (أشهر شركات الإنتاج والتوزيع البريطانية آنذاك) ولو أنه فشل في طرح نفسه كممثل رومانسي ناجح. اتجه إلى التلفزيون في الخمسينات (الوسيط الذي مثل له نحو خمسين فيلم تضاف فوق الـ 211 فيلم مثلها للسينما) لكن التجربة كانت صعبة. كان يطمح للبطولة لكن البطولة لم تكن تطمح إليه، إن لم يكن لشيء فلأنه من الصعب أن تجد ممثلة بطوله المفرط (195 سنتم) عليها أن تشرأب بعنقها إلى الأعلى لكي تتحدّث إليه، فما البال بتقبيله مثلاً؟ أو أن يكون الأطول بين كل الممثلين الآخرين. لذلك أساساً وجد "لي" نفسه في محفل من الأدوار الثانوية حتى من بعد أن بدأ الظهور بصورة متزايدة في الأفلام السينمائية.
استخدمه في الأربعينات ومطلع الخمسينات رهط من المخرجين البريطانيين بينهم ترنس يونغ (أفلام جيمس بوند الأولى لاحقاً) وتشارلز فرند وباسيل ديردن. وجلبه الممثل- المخرج لورنس أوليفييه ليحمل الرمح في بلاط هاملت في نسخته من الرواية الشكسبيرية المعروفة (1948) وفي «ساراباند» (1949)  لعب شخصية رجل شرطة لكن مشاهده حُـذفت في المونتاج.  
أدواره في الخمسينات بقيت مساندة وصغيرة أدّى في عدد منها أدواراً عسكرية: هو ضابط بحرية بريطاني في «أبطال كوكليشل» (لجوزيه فيرير، 1955) وكابتن نازي في «فخ ليلي» (مايكل باول، 1957) والملازم بارني في الفيلم الأميركي «إنتصار مر» (نيكولاس راي، 1957).

دراكولا والنمط
الإحتكاك الأول لكريستوفر لي في فيلم رعب من أعمال شركة هامر ورد أيضاً سنة 1957 عندما وجده المخرج ترنس فيشر (ممن تخصصوا بأفلام الرعب آنذاك شأن بيتر ساسدي وفريدي فرنسيس وسواهما) مناسباً للعب شخصية الوحش الذي ابتدعه العالم الشاذ فرانكنستاين في «لعنة فرانكنستاين». والمرة الثانية التي التقى فيها "لي" مع المخرج فيشر كانت المرّة الأولى التي لعب فيها الأول شخصية الكونت دراكولا وذلك في «رعب دراكولا».
"أولئك الذين جاؤوا لإنهاء حكمه المرعب، سقطوا ضحايا له"، يقول الإعلان عن ذلك الفيلم الذي كان، بمعايير ذلك الحين والى حد كبير بمعايير فن سينما الرعب إلى اليوم، عملاً مفزعاً كما لم تشهده السينما من قبل. 
فجأة وقبل أن يظهر "لي" في فيلم آخر من سلسلة دراكولا، وجد نفسه عرضة للتجاذب في أفلام رعب مختلفة فظهر في «أروقة الرعب» (روبرت داي، 1958) و«تابوت مصاص الدماء» (للإيطالي ستينو، 1959) كما أصبح شرير رواية آرثر كونان «كلب باسكرفيل» مع بيتر كوشينغ في دور شرلوك هولمز (فيشر، 1959) وبقي تحت إدارة ترنس فيشر وبصحبة بيتر كوشينغ في «المومياء»، لاعباً دور الفرعوني «خريص» ودور المومياء التي تفلت من عقالها لتضرب أعضاء البعثة البريطانية المنقّـبة عن أسرار توت عنخ أمون.
لكنها شخصية دراكولا التي التصقت به لا غيرها حتى من بعد عشرات أفلام الخوف والجريمة التي لعبها ما بين 1958 و1966 حيث عاد لشخصية دراكولا مرّة جديدة في فيلم بعنوان «دراكولا: أمير الظلام» للمخرج ذاته.
فريدي فرنسيس استلم المهمّـة عن ترنس فيشر بعد عامين في «دراكولا ارتفع من القبر» وبيتر ساسدي تناوب بعد ذلك عندما أخرج لكريستوفر لي «طعم دم دراكولا».
آنذاك، في تلك الستينات الداكنة، بدأ كريستوفر لي يتطلّـع للخروج من تلك الصورة النمطية التي التصقت به. لم يكن بذلك يتحدّى دوره في دراكولا وما بناه من شهرة بل كل أدواره المرعبة الأخرى. ومسعاه بدأ بالنجاح في منتصف الأربعينات وبدأنا نشاهده في أفلام تتبع سينمات مختلفة عن سينما الرعب. ظهر في «الفرسان الثلاثة» ثم «الفرسان الأربعة» (كلاهما لرتشارد لستر) ووجدناه شرير فيلم جيمس بوند (وأسمه ساكارامانغا) في «الرجل ذو المسدس الذهبي» (غاي هاملتون، 1974) كما في «مطار 77» الكوارثي (جيري جامسون، 1977) ورحل إلى فيلم مغامرات تقع أحداثه في باكستان عبر «قوافل» (جيمس فارغو، 1978) وبل وجد طريقه لفيلم من إخراج ستيفن سبيلبرغ هو «1941» وآخر بعنوان «مغامرة عربية» لاعباً دور خليفة (1979).
ليس أن أدوار الرعب تركته في سلام، بل مثّـل العديد منها في السبعينات والثمانينات مع فرق بأنها باتت أميركية (منها «منزل الظلال الطويلة» و«هاولينغو«قناع القاتل» و«غرملينز 2»). في سن الثمانين لعب دوراً رئيسياً في »ستارز وورز 2- هجوم الكلونز» وكان فخوراً بأنه مثل كل مشاهد القتال بالسيف بنفسه "كلها مثلتها من دون بديل". كما قال مضيفاً "هناك ذكر لي في موسوعة غينيس كأكثر ممثل مبارز"، لكن أحداً لم يتحقق في هذا الموضوع.
كريستوفر لي، برعب أو بدونه، كان ممثلاً جيداً. الأفلام التي لعبها في السنوات الأخيرة (ومنها دوريه المحدودين في «ذا هوبيت» الأول والثاني) لا تشي بقدراته الفعلية. اللقطات بعيدة. الإستخدام لإسمه وشكله وليس لفنه. لكنه على الأقل كان تذكيراً لمشاهدي جيله وما بعد بأعماله العديدة خلال كل سنوات حياته.
في مطلع الثمانينات زار وزوجته القاهرة بدعوة من مهرجانها السينمائي. 
على عكس ما توقع، وجد أن الصحافة المصرية لم تكترث لوجوده. قليلون من طلبوا مقابلته و، كما قال لي بابتسامة عريضة حينها، "هذا لم يزعجني، لأنني أتوق إلى الراحة ففي كل مهرجان أحضره أجد بإنتظاري عشرات الصحافيين".
في اليوم التالي، بعدما ساح في الأهرام زار المعابد البعيدة في الكرنك والأقصر. في اليوم الثالث صرنا نتناول الغداء وأحيانا العشاء نحن الثلاثة… أنا أيضاً لم يكن أحد يود مقابلتي!
تحدث عما كتبت أعلاه. وتذكر زميله كوشينغ ومخرجي شركة هامر، وتحدث عن دوره في فيلم بوند وعن سينما الرعب في تلك الفترة:
"هذا لم يعد رعباً، صار تخويفاً. هل تعلم ما أقصده؟ الرعب عليه أن يتسلل إليك لا أن يفرض نفسه عليك. الآن يستخدمون العنف وسيلة ويريقون الكثير من الدماء، لكن لا مجال للمقارنة بينها وبين أفلام هامر".
والحال لا يزال كما وصفه إلى اليوم.




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular