Jun 7, 2015

سينما الأندرويد | أنجح 10 مخرجين عرب اليوم | أين اختفت أغاني الأفلام المصرية؟ | حوار مع د. أمل الجمل | 5 أفلام جاسوسية جديدة |


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما الخيال-العلمي
محمد رُضـا  

 الإنسان الإلكتروني يتمرّد على العبودية 

من «بلايد رانر» لريدلي سكوت إلى «إكس
 ماشينا» لدينا موديلات للبشر المصنوعون
(أندرويدز) يتوقون للحرية ويحبون الحياة!

Ex-Machina

Ex-Machina ليس بالفيلم الذي كان يستحق ذلك الإحتفاء الذي ووجه به. بعض الإحتفاء يعود إلى إختلافه عن السائد طبعاً. هو فيلم هاديء النبرة بلا مشاهد أكشن ومؤثرات عملاقة، حول الشاب  (دومنول غليسون) الذي انتدب ليجري مقابلة مع مخلوق صناعي بمقومات ذكاء وبشكل إنسانيين ("أندرويد"). هناك يكتشف إنه أسير لعبة يحاول صانع الأندرويد (أوسكار أيزاك) استخدامه فيها للوصول بإبتكاره إلى أعلى نقطة ممكنة من القدرة على صنع الإنسان الكامل. 
في الوقت ذاته، تلك الأندرويد (الأنثى، وتقوم بها أليسا ڤيكاندر) تفهم تماماً ما يحدث وهي من الذكاء ومن كمال الأحاسيس بحيث باتت تتطلع إلى الحريّـة.
المضمون هو الذي لا غبار عليه، لكن معالجته (ربما ضمن الميزانية المحدودة) هي التي تجعله بارداً منتمياً إلى فصيل من أفلام الخيال- العلمي الذي يحتاج إلى ترقيع في مساحات قليلة لكنها مهمّـة.
لكن «إكس ماشينا» ليس هنا للحكم له أو عليه، بل للإمساك بذلك الخيط من عجينته الفكرية لأجل النظر إلى ما وراءها. وما لدينا عدة طروحات تأتي مع هذا الفعل.
أولاً: أن الإنسان اختار وداوم صنع الإنسان الإلكتروني أو الأوتوماتيكي أو المخلوق المنصاع له.
ثانياً: أن المخلوق الصناعي ذاك، لديه رغبة حثيثة في التمرّد والسيطرة على القرار.
ثالثاً: أن كل النهايات قد تحقق أجزاءاً من رغبة المخلوقات الصناعية لكنها لا تحقق لها كل ما تطلبه.

 أتهم «غولم" بأنه معاد للسامية والأسباب واضحة
ليس أقلها نكتة حول السبب الذي من أجله تاه 
اليهود في الصحراء لأربعين سنة  

لماذا يرغب الإنسان في صنع إنسان آخر؟ وهل يستطيع؟
الجواب من آخره: لا يستطيع. لكن ذلك لا يعني إنه لا يحاول وفي السينما والرواية أكثر من الحياة. صحيح إنه صنع الروبوتس لكن هذا ليس أندرويد. الفارق أن «الروبوت» جهاز إلكتروني حاسوبي مبرمج بحدود الإستفادة التوظيفية. لا حياة فيه (أساساً).
أندرويد هو الذي يُصنع وفي البال منح حياة لكل ذلك الكائن المؤلّـف من الإلكترون والمبرمج لأن يقوم بأعمال مختلفة إنطلاقاً من رغبته هو. إنه لا ينفّـذ تبعاً للأوامر دائماً، يبقى تحت الإشراف، ويبقى مبرمجاً، لكنه يُـمنح (مثل العبد) حرية محدودة.
مخلوق د. فرانكنستاين (حسب الكاتبة ماري شيلي) كان من هذا النوع. آنذاك (أواخر القرن التاسع عشر عندما تم تأليف الرواية) لم يكن العلم سمح بمعرفة الوسيلة التقنية لسبر غور هذا الموضوع. ما كان على د. فرانكنستاين فعله هو بتر أعضاء مختلفة من جثث عدّة لتشكيل مخلوقه واستخدام الطاقة الكهربائية لزرع الروح فيه. 
الغاية، أو بعضها على الأقل، هي تقديم فعل مرعب للقاريء، ولاحقاً للمشاهد. لكن حتى من قبل ذلك، وفي أساطير اليهود، تم استخدام مخلوق يدافع عن اليهود في وجه أعدائهم. 
المخلوق كان أسمه «غولَـم» Golem وفي الأسطورة أنه وحش مصنوع من طين بناءاً على تعاويذ وشعائر دينية لحاخام يهودي مجري (خلال القرن السادس عشر) استطلع النجوم حول حال اليهود ثم طلب من جني إسمه استاروث تمكينه من صنع هذا المخلوق وكان له ما أراد.  مهمّـة «الغولم» هي الإنتقام من غير اليهود إذا ما أرادوا باليهود شرّاً. 

• شاهد: كيف يُثير "إكس ماشينا" مخاوفنا من المستقبل: 

في العام 1920 قام المخرج الألماني بول وَغَـنر بتحقيق هذا الفيلم وفيه يقوم حاخام أسمه لاو (ألبرت شتاينروك) بصنع الوحش الطيني (مثّـله وغَـنَر نفسه) مهمّـته الإنتقام من القيصر رودولف (ماكس كرونرت) الذي كان أمر بترحيل اليهود من مدينة براغ. لكن غولَـم يقع في حب إمرأة أسمها مريم (ليدا سالمونوفا) وتكون السبب في عودته صنماً. اليهود يبحثون عنه ويعتبرون أن غولَـم زادها إذ شمل إنتقامه اليهود وغير اليهود أيضاً  ويفرحون عندما يعود صنماً  ويحملونه معهم إلى «الغيتو» الذي يعيشون فيه ويغلقون الباب على أنفسهم. 

• شاهد: فيلم «ذ غولَم» كاملاً: 


التشابه وارد بالطبع بين رواية ماري شيلي من حيث الفكرة. لكن «غولَـم» يحمل في طيّـاته، وفي أحداث الفيلم، الدعوة للإنتقام من غير اليهود. لذلك تم إتهام الفيلم بأنه معاد للسامية. يحمل الفيلم نكتة تُـلقى في مجلس الإمبراطور  تساعد على هذا التفسير مفادها أن اليهود جالوا في الصحراء لأربعين سنة "لأن أحدهم أضاع قرشاً كانوا يبحثون عنه". ثم هناك التطوّر الدرامي الذي ينقلب عبره الوحش على عقبيه ليقتل اليهود أيضاً بعدما تمرّد على صانعه وأسباب صنعه.
بالمقارنة، فإن رواية «فرنكنستاين» ومعظم الأفلام التي اقتبست عنها، تتحدّث عن وحش صُـنع لغاية علمية لكنه خرج عن طوره وأخذ يهاجم الأبرياء وما أمام صانعه سوى مطاردته للقضاء عليه. على الرغم من خلو الفيلم من العنصر الديني (بإستثناء الإيحاء بقدرة الإنسان على صنع إنسان بروح) إلا أن إسم العالم يوحي بأنه عالم يهودي (فرانكنستاين) ما يجعل الربط بين الرواية وبين «غولَـم» أكثر وروداً.

  في فيلم سبيلبرغ لن يموت ديڤيد
لكن العالم هو الذي سيتغيّـر  

لكنه تمرّد المخلوق في الحالتين. كذلك في حالات كثيرة لاحقة بما فيها تلك المسجلة في فيلم «إكس ماشينا» لأن تلك المرأة الجميلة التي قام العالِـم بصنعها (وهي واحدة من أخريات) تفهم ما يكفي لإطلاق رغبتها في الخلاص من قبضة الإنسان والإنطلاق إلى عالم الحياة الأرحب. والنهاية تظهر ذلك بوضوح، إذ هي أنهت علاقتها بالرجلين الآدميين (العالم والتلميذ المنتدب) وخرجت من المختبر البارد الذي عاشت فيه إلى العالم الكبير وهناك طائرة مروحية في السماء ستنقلها (كون الطيّـار لا يعرف حقيقتها) إلى المدينة حيث ستعيش. لن تنجب، لكنها قد لا تموت وقد تتحوّل إلى تلك المرأة التي نراها في فيلم منفصل هو «عصر أدالين» للي تولان كريجر الذي يتحدّث عن إمرأة توقف عمرها عند سن شابّ منذ خمسين سنة أو نحوها.

الفكرة الأنثوية في «إكس ماشينا» ليست استثنائية إذا شئنا النظر إلى الأصول. فإذا ما  خلق الله حواء من ضلع آدم لماذا لا يمكن للإنسان أن يخلق حواء أخرى من كيانه هو (هذا الكيان يتماثل والضلع)
هذا الفيلم ومعظم الأفلام الأخرى التي تتمحور حول هذا الوضع لاتتعاطى الدين. تستطيع أن تفتح نافذة تطل منها على الدين لكن هذا عائد إليك وإلى قناعتك بفتح هذه النافذة. هذا نوع أكيد من الإستطراد في التفكير وليس ما يحتويه الفيلم في صلبه. الحال ذاته في فيلم ستيفن سبيلبرغ الأخاذ «ذكاء إصطناعي» A.I: Artificial Intelligence سنة 2001
هذا الفيلم خال من التمرد أو الحاجة إليه.

• شاهد: مشهد تخلي الزوجة عن الصبي الأندرويد في "ذكاء إصطناعي": 


إختار المخرج لبطله إسم ديڤيد (لا نخال أن السبب مجهول ولو أنه ليس ذا تأثير درامي) وقام به الممثل (الصبي آنذاك) هايلي جووَل أوزمنت. نتعرّف عليه في حضن عائلة قامت بتبنيه. كون الأحداث تقع في المستقبل حيث يتم صنع أندرويدز (مثله) وبيعه إلى العائلات خصوصاً تلك المحرومة من الأولاد، يضعنا بسهولة وسط الحالة المشادة (أساساً في رواية «سوبربويز يبقون صالحين طوال الصيف» أو Superboys Last All Summer Long للمؤلف برايان ألديس). لكن تلك العائلة (يقودها الزوج سام روباردس والزوجة فرنسيس أو كونور) تتخلّـى عن هذا الصبي الذي ابتاعته عندما تجد أن إبنها العضوي ليس بحاجة إليه وأن العداء سيتحكم في العلاقة بينهما. الحل هو أن تأخذ ديڤيد إلى خارج المدينة حيث ستتركه لمصيره. هناك يتعرف على جيغولو جو (جود لو) المصنوع لإرضاء النساء، لكنه الآن محكوم عليه بالإعدام بعد إشراكه في ألعاب رياضية كتلك الرومانية في العصور الغابرة.
الفيلم ينتهي بفصل تقع أحداثه بعيداً في المستقبل. ديڤيد لن يموت بل العالم هو الذي سيتغيّـر بعد الكارثة.

  في فيلم ريدلي سكوت السُـلطة 
تدرك أنها تريد أن تحكم بدون منازع  

ما بين «ذكاء إصطناعي» و«إكس ماشينا»، كذلك بينهما وبين «2001: أوديسا الفضاء» للعبقري ستانلي كوبريك، وفيلم «هي» لسبايك جونز (2013) وأفلام أخرى، علاقة متفرعة أخرى. 
ديڤيد لن يتمرد كحال الأندرويد في «إكس ماشينا» أو العقل الحاسوبي الكبير في «أوديسا الفضاء»، بل سينتمي إلى الرغبة في الحياة كحال الأندرويدز في كل هذه الأفلام. الإنسان منا يبدو أكثر استعداداً للإنتحار (فعلياً أو بهدم ذاته ومحيطه) من الأندرويدز. هذا الأخير يتشبّـه بالحيوانات من حيث إنه لا يسعى ليموت بل للحياة على عكس الإنسان الذي إن لم يجد طريقة لقتل نفسه قتل الآخر إنساناً كان أو حيواناً أو شجراً أو بيئة.
وهو يوجه، في حالة «غولَـم» و«فرانكنستاين» ما يخلقه ليقوم بهذا القتل قبل أن يتمرّد الوحش وينقض على صاحبه في «غولَـم» أو قبل أن يصحو الإنسان من مغبة ما فعل ويسعى لقتل ما صنعه فرنكسنتاين»).
هذا الطلب للحياة موجود على نحو رائع في فيلم «بلايد رَنر» Blade Runner (أو «راكض النصل» إذا ما أردت العنوان الحرفي). الفيلم الذي حققه ريدلي سكوت سنة 1982
هو أيضاً فيلم مصنوع عن قصّـة خيال علمية. المؤلف هو فيليب ك. دِك وحملت عنواناً رائعاً في إيحاءاته: "هل يحلم الأندرويد بالغنم الإلكتروني؟" [Do Androids Dream of Electronic Sheep?].
Blade Runner شون يونغ في

في سنة صنع الفيلم كان هناك 27 سنة تفصله عن العام الذي تدور الأحداث فيه وهو العام 2019 (العام الذي بات على مقربة). لوس أنجيليس أصبحت مدينة خانقة يعيش فيها الإنسان والأندرويد جنباً إلى جنب تحت سحاب من التلوّث الطاغي. لكن الإنسان هو صاحب القرار رغم أنه أقل قدرة وذكاءاً من الأندرويد. وعندما يحين وقت البحث عما إذا كان الأندرويد سيقومون بتمرّد ما يتم إرسال الصياد ريك (هاريسون فورد) للبحث عن الأندرويد المتورطين في هذه "الإنتفاضة" وقتلهم. لكن هل ريك نفسه أندرويد؟ 
الصورة الواصلة إلينا تعكس حالات غريبة: كل الشخوص البشرية عابسة ومتجهمة وبلا عاطفة. كل الشخوص الإلكترونية- المصنوعة (بإتقان) على شكل إنسان تستحق الحياة وتحبها وتريد أن تعيش. 
في هذا الفيلم تنجلي أبعاد سياسية رائعة: العالم بات بلا مستقبل. يشبه معسكرات الإبادة. هناك ثورة. هناك قاتل محترف وظّـفه النظام للنيل من قادة هذا التمرّد لإبقاء الحال كما هو عليه لأنه الحال الذي يرضي النظام الذي صنع عبيداً من الأندرويدز ويريد الحفاظ عليهم على هذا النحو والوسيلة هي قتل المتمردين منهم.
كل هذه الأفلام مشتركة تقترح ما يلي:
الإنسان يريد أن يلعب دور الخالق سبحانه. يعتقد، بل بعضهم يؤمن، بأنه يستطيع، لكن ليس هناك من فيلم من بين ما طرحناه هنا إستطاع منح الإنسان تلك القدرة. إنه كما لو أن سعي الإنسان (المتمثّـل بالعالِـم وصاحب السلطة وصانع الروبوتس والأندرويد) لا يأتي بأكثر من نتائج فورية تعكس في النهاية عجزه عن الكمال. 

• شاهد: المشهد النهائي من Blade Runner 



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular