أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 31, 2015

سان أندرياس: الزلازل في السينما • محمد رُضا | ما هو المونتاج • قيس الزبيدي | الإستشراق السينمائي • عدنان مدانات | حوارات نقدية • صلاح سرميني | مهرجانات • شريف عوض | نظرة جديدة على «الأزرق اللون الأكثر دفئا» • ناهد زكي

Issue 890 | Year 10
«سان أندرياس» يضرب هوليوود من جديد
 محمد رُضـا 

زلزال «سان أندرياس» متوقع منذ عقود لكنه لم يحدث بعد
ولو أن هوليوود تتنبأ به دوما. الفيلم الجديد آخر التبؤات. ما 
 لو وقع بالفعل؟ هل سيكون شبيهاً بما حشده فيلم «سان
أندرياس» الجديد؟ ماذا عن أفلام أخرى صوّرت إحتمالات هذا
الزلزال؟ محمد رُضــا يجيب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انطلق يوم الجمعة الماضي  فيلم «سان أندرياس». فيلم كوارثي من إخراج براد بيتون، الذي لم يسبق له أن أخرج فيلماً بهذا الحجم، ومن بطولة كارلا غويغينو وبول جياماتي ودواين جونسون. 47 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا تم تحقيقها في ثلاثة أيام والعد لم ينته بعد.
إنها مناسبة للراغبين في مشاهدة فيلم حول ما الذي يمكن أن يحدث للبشر ولمدينة لوس أنجيليس بأسرها، بل لكل ولاية كاليفورنيا إذا ما وقع الزلزال المنتظر على خط «سان أندرياس» الشهير وحسبما يتوقع العلماء المتخصصون. 
ببساطة، سوف تُـمحى المدينة كما لو لم تكن. الزلزال والهزات التالية ستكون من القوّة، ينبؤنا الفيلم، بحيث أن عدد الضحايا سيكون بالملايين وحجم الدمار هائل والقصص الإنسانية لمن يقاد له الخروج حيّـاً مفجعة.
خط الزلزال المسمّـى بـ «سان أندرياس» من أكثر الخطوط خطراً. يمتد لنحو 2000 كيلومتر على طول ساحل كاليفورنيا من الشمال (حيث تقع مدينة سان فرانسيسكو الذي ضربها زلزال قوي في العام 1906 تم تصويره فيلماً تسجيلياً ونتج عنها مقتل ألوف وحرائق هائلة ودمار شامل) إلى الجنوب متجاوزاً مدينة لوس أنجيليس إلى داخل المكسيك. وهو يتفرع إلى ثلاثة خطوط كل منها بحجم وقوّة يختلف عن الآخر لكن إذا ما وقع الزلزال فيها جميعاً تضاعفت آثاره إلى ما يتجاوز آثار وحجم الزلزال الأخير الذي ضرب النيبال بسهولة، خصوصاً وأن المنطقة ساحلية ما يعني أن هناك خطر «تسونامي» لا يقل ضراوة.

على البحر
لا يمكن فصل التكهنات العلمية عن هذا الفيلم لأنه مبني عليها وعلى حقيقة أن هزّات أرضية تضرب كاليفورنيا (ولوس أنجيليس بالذات) من حين لآخر. في الواقع، تلك الشقوق التي تطالعنا على معظم طرقات المدينة ليست نتيجة إهمال البلدية أو إستخدامها زفتا يتفسّـخ بعد سنين، بل نتيجة تلك الهزات التي تتراوح درجاتها بين الخفيف والمعتدل ودائما الملموس. نظرة واحدة لتلك المنازل الفارهة التي بُـنيت على التلال الشمالية الفاصلة بين لوس أنجيليس ومدينة بيربانك وفوق جبال سانست بوليفارد وجوارها، تجعلك تدرك أن زلزالاً كبيراً (وليس بالضرورة ضخماً كما في الفيلم) سيقذف بها إلى الوديان الجميلة تحتها. بضع منازل منها سبق وأن عانت من تفتت الأرض من تحتها عندما شهدت المدينة، قبل أكثر من عشر سنوات، شتاءاً غزيراً غير مسبوق جرف التلال من تحتها. 
ما البال لو أن الجحيم حدث والزلزال كان مدمّراً وهائلاً؟
خطّـة لكس لوثر، شرير فيلم «سوبرمان» سنة 1978 بُـنيت على ذلك الإحتمال. جين هاكمان قام بأداء تلك الشخصية وقال لسوبرمان (الراحل كريستوفر ريف) شارحاً طريقته في العمل: "اشتريت الكثير من الأراضي في ولاية أريزونا لأنني سأقوم بإحداث ذلك الزلزال الرهيب. ستختفي ولاية كاليفورنيا ما سيرفع سعر الأراضي في أريزونا التي ستصبح على البحر".
لكن قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات، حسبت هوليوود حساباً لزلزال مدمّـر يصيب مدينة السينما العالمية وموطن النجوم والاستديوهات عندما صنعت فيلماً عنوانه «زلزال» من بطولة شارلتون هستون وجورج كندي وآفا غاردنر وجنيفييف بوجولد والعديد من الممثلين المعروفين الآخرين. بتقنية ذلك الحين تم تزويد صالات السينما حول العالم (بما فيها صالة الكونكورد في بيروت حيث شاهدت ذلك الفيلم أول مرّة) بنظام يجعل الزلزال الواقع على الشاشة محسوساً في الصالة نفسها. 
الفيلم نفسه كان مدهشاً (أخرجه مارك روبسون) ومخيفاً. لم ينتج عنه هجرة أهل المدينة هاربين ردءاً للخطر، لكنه أثار بين الملايين تلك المخاوف. ولم يكن الأول من نوعه، ولو أن الأفلام السابقة لم تقتل المدينة ومن فيها بالزلزال فقط، بل بواسطة مخاطر وكوارث أخرى أيضاً. 
في «غزاة ناهشو الجسد» (دون سيغال، 1956) تشهد بلدة كاليفورنية صغيرة سقوط مطر يحمل بذرات تنمو بفعل الشتاء وتتحوّل إلى شرانق وهذه تسطو على النائمين بحيث تحتل أجسادهم. في نهاية الفيلم لا يبقى سوى بطله (كَـفن مكارثي) حياً وها هو يركض فوق الطريق الرئيسي الذي يتوجه صوب مدينة سان فرانسيسكو محذّراً الناس من وجود تلك المخلوقات… لكن أحداً لا يعيره إهتماماً كون حكايته غير قابلة للتصديق.

حرب شوارع
بعده، في الستينات، تصوّر ألفرد هيتشكوك أن نهاية كاليفورنيا ستكون تحت مناقيد طيور النورس والغربان. سنة 1963 أخرج «الطيور»: ألوف من تلك الطيور الجارحة تشترك في الهجوم على بلدة قرب سان فرانسيسكو. تنقض على الناس من دون تمييز بوحشية وتقضي على من استطاعت منهم من دون تبرير مفهوم. البلدة، كما الحال في «غزو ناهشو الجسد»، ليست سوى مجرد البداية والفيلم يتركنا متوقعين أن احتلال تلك الطيور (الأليفة؟) للبلدة ما هو إلا تمهيد لاحتلال المدينة الأكبر ومن يدري ربما أميركا والعالم فيما بعد.
والزلزال وقع في لوس أنجيليس عام 1993 ضمن أحداث فيلم روبرت ألتمن «اختصارات»، وانتقل جون كاربنتر بنا سنة 1996 إلى المدينة ذاتها مهدّمة في «الهروب من لوس أنجيليس» وبعد عام شاهدناها تتعرض لبركان عنيف في «بركان» إخراج ميك جاكسون مع دون شيدل وتومي لي جونز وآن هش. بينما غزتها مخلوقات عنيفة من الفضاء في «معركة: لوس أنجيليس»  ولا ينقذ ما تبقّـى منها سوى العسكري الذي خدم في الحرب العراقية وخرج بتجربة في حرب الشوارع.
قبل ذلك ببضع سنوات (1999) أمطرت ضفادع في فيلم بول توماس أندرسون «ماغنوليا» وقبل ذلك كانت مسرحاً لأمطار نووية في «الميل الأخير» (1988). وكل هذا بإستثناء أفلام صغيرة الشأن ذهبت في طريق أشرطة الفيديو وأسطوانات الدجيتال مباشرة من دون أن تمر على الشاشات الكبيرة.
بالتالي، إذا لم تقض هوليوود على لوس أنجيليس بطريقة معيّـنة، فهناك طرق أخرى متنوعة. إن لم يكن دماراً نووياً فهو دمار الوحوش الفضائية وإن لم يكن هؤلاء فإنتشار الفيروس بين الطيور أو بين الأشخاص. ولا ننسى كيف سبح «غودزيللا» الأخير المسافة من اليابان إلى ساحل كاليفورنيا وهاجم ثاني أكبر مدنها، سان فرانسيسكو، ولولا إيقافه لأكمل على لوس أنجيليس ذاتها.
لكن «سان أندرياس» يذهب في شأن أبعد.

سترى الدمار حقيقياً قدر الإمكان. لم تنتج المؤثرات عملاً من هذا النوع يصوّر مدينة منكوبة ومقلوبة رأس على عقب بهذا الحجم من قبل، ولا سفناً ضخمة تحملها الأمواج العاتية كما لو كانت أعواد كبريت وترميها في قلب المدينة… ليس بعيداً عن مركز أكاديمية العلوم والفنون السينمائية موزعة الأوسكار.

إنها السينما تبني حكايتها على احتمالات قويّـة لتثير الإعجاب والخوف معاً. الإعجاب بالمشاهد الكبيرة والخوف من أن يقع ذلك في الواقع وعوض خروج المشاهدين من صالة السينما بسلام، تحيط بهم الكارثة حيث الحقيقة ما زالت أكثر فداحة.

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system