أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 2, 2015

"ظلال وأشباح" | مساهمون: قيس الزبيدي، عدنان مدانات، رامي عبدالرازق، ميسر المسكي، مهند النابلسي | رئيس التحرير: محمد رُضا


  الفيلم وفلسفة الناقد 
 الحضور الدائم (والفادح) للأيديولوجيا    
محمد رُضــا

 ليس هناك من فيلم بلا سياسة لكن- المخيف- أن نصل إلى زمن سياسي لا سينما فيه. إلى أن تضع متغيرات المنطقة العربية أوزارها ونرى ما الذي سيحدث لها، هذا المقال الأول في سلسلة جديدة يدور حول كيف يؤثر المنهج الأيديولوجي، أيما كان، على السينما ومشاهديها.
ليني رايفنشال أثناء تصوير "إنتصار الإرادة"٠


تحف بنا المخاطر التي تتسبب بها المواقف السياسية والأيديولوجية للأمم كافّـة. المقصود بنحن تحديداً ثلاث مستويات: الشعوب بشكل عام، المثقفون والسينمائيون والفنانون والمبدعون كافة  بشكل خاص ثم نقاد السينما وقراء السينما الجادين على نحو أخص. هذه الحروب إذا ما استمرت، أتت على باقي الفرص المتاحة أمام كل واحد من هذه المستويات للتقدم. لا يغر كثيراً الشعور بأن الأمور تمشي في سبيلها: سائق التاكسي لا يزال يعمل، الخبّـاز لا يزال يخبز، الموظف المصرفي لا يزال يداوم على عمله وصاحب المتجر لا يزال يفتح متجره في الساعة التاسعة صباحاً. كل هذا هو جزء من آلية لا يمكن لها أن تتوقّـف، لكن النهوض بها وبالتالي تقدّم أصحابها في العمل والإستقرار الإقتصادي هو الذي يتوقف وبالتالي النمو العام بأسره.
بحسب من سيكتب له النصر في هذه المعارك الدائرة حولنا فإن الثقافة، بالمطلق، مهددة على نحو أو آخر. كل فريق (حكومي أو ثوري وما بينهما) سيسعى لتقويض قدر كبير من الحريات التي يحتاجها المرء لينتقل من نقطة تفكير إلى نقطة تنفيذ. وإذا ما ارتفع نجم الجماعات التكفيرية وتم إيصالهم إلى سدّة الحكم فإن الإبداع الثقافي من بين أمور أخرى كثيرة، أيديولوجية وفكرية وحياتية، سيندحر. ربما تمكن البعض من مزاولة نشاطات سينمائية أو ثقافية تحت الأرض، لكن هذا لن يكون سهلاً على الإطلاق. كان أمراً صعباً مزاولة نشاطات تحت أرضية في عصور الحكم الإستبدادي للنازية والشيوعية والسلطات اللاتينية آنذاك. الآن، وفي عالم من التقنيات المعقّدة التي ستبقيها الفاشية الجديدة في متناول يدها للكشف عن المبدعين لإعدامهم، فإن مزاولة هذه النشاطات سيكون أصعب.

الوضع مناسبة لا للبحث في تفاصيل أزماته الحاضرة، بل للإنتقال بالموضوع برمّـته إلى الجانب النظري من فن السينما في مواجهة الإيمان الأيديولوجي، سواء أكان دينياً أو سياسياً أو إقتصادياً علماً بأن الثلاثة تلتقي في أكثر من تقاطع. 
الأيديولوجية في أبسط تكوين لها هي مجموعة متناسقة من الأفكار تنتمي إلى منهج موحّـد. حسب نشأة الكلمة ذاتها في فرنسا القرن الثامن عشر هي «علم الأفكار» هذا العلم، حسب الفيلسوف الفرنسي دستوت دي ترايسي، تؤلّـف منهجاً محدداً لما تؤمن به أو تتبناه من أو بسبب هذا العلم. المدلول شمل نواح عدّة في الحياة الإنسانية والأرجح أنه يعود إلى ما قبل نشوء الكلمة. الأنبياء، باستخدام تعابير اليوم، آمنوا بأيديولوجيا والكفّـار الذين لم يؤمنوا بهم آمنوا، بالتالي، بأيديولوجيا مختلفة (مناهضة عموماً).
في القرن التاسع عشر توالت الأيديولوجيات السياسية الأكثر اختلافاً وتناقضاً فيما بينها بالطبع. الرأسمالية من ناحية والشيوعية من ناحية والإشتراكية في الوسط. على صعد أخرى هناك أيديولوجيات فكرية (ولو أنها ممتزجة بالسياسية عضوياً) مثل الفوضوية والليبرالية (مقابل الإلتزام المحافظ).

•  ليس صحيحاً أن المخرج لا يختار بل
يُـفرض عليه… ليس بالمعنى المحدد
على الأقل • 

شغل كل مبدع، من الرسام على الجدران (غرافيتي) إلى المخرج السينمائي وما عداهما، ينطلق من رؤيته. رؤيته تنتمي إلى أيديولوجيا. هذا الإنتماء يحدد الإفراز الإبداعي على نحو مباشر. الفرد الملتزم دينيا بثوابته لا يمكن أن ينحت تمثالاً لإمرأة عارية والمؤمن بالرأسمالية منهجاً سوف لن يصنع فيلماً عن حقوق العمّـال والفلاحين أو عن قضايا تخدم الوجهة اليسارية والعكس صحيح. بالتالي، الأيديولوجيا تؤسس لشكل العلاقة بين المبدع وبين إبداعه. حتى في النقد السينمائي.

حين ترعرعت في الستينات، كان الهبّـات السياسية تشغل كل المثقفين. المنفتحون على كل التجارب الإنسانية كانوا فئة محدودة. من هنا تم وصف بعضهم بـ "السينيفيل" وليس من باب الإعجاب بل من باب الإدانة على أساس أن هؤلاء بلا قضايا سياسية أو أيديولوجيات (سأبحث ماهية "السينيفيلية" في كتابة لاحقة). معظم المثقفين كانوا على ثلاثة فئات: ليبراليين وناصريين وشيوعيين. الفريق الرابع كان ملتزم ومحافظ يميني لكن وجوده في الإعلام والفعل الثقافي لم يكن فاعلاً بالقدر ذاته. ليس لأن قاعدة اليمين صغيرة، بل لأنه يؤمن- على نحو كبير- بالفعل الرأسمالي والفعل الرأسمالي لن يصنع فناً إلا إذا كان المصنوع يخدمه مادياً. 
ضمن هذا المفهوم لا يمانع في أن يؤجر صالته إلى مهرجان للسينما البديلة إذا ما كانت هذه السينما ستدر على الصالة حدها الأدنى من الإيراد وفوق ذلك الحد من الربح. بل لن يمانع (إلا إذا كان حزبياً) من إنتاج فيلم من إخراج سينمائي معروف بيساريّـته علماً بأنه لن يلتقي معه على المنهج.
من هذه الناحية تحرر من تبعية الأيديولوجيا التي ينتمي إليها أكثر من تحرر اليساري الذي يلتزم بقضايا نابعة من الأيديولوجيا المناوئة. سابقاً كان الناشر الأول لا يمانع من أن يقبض من أي نظام  آمن به أو لم يؤمن. بينما الناشر اليساري كان أكثر التزاماً لأنه دائماً ما اعتقد أن الرسالة هي الأهم من رأسمالمال علماً بأن رأسالمال إذا ما توفر سيؤمن له نشر الرسالة.
نشر الرسالة من أهم أساليب العمل الأيديولوجي. ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى كانت بحاجة إلى تأسيس شعبي كاسح للفكرة النازية. وهي استخدمت السينما في الثلاثينات لهذه الغاية واستخدمتها بنجاح. ليني رايفنشتال لم تكن عضوة في الحزب النازي، لكنها صنعت أفلاماً تخدم النازية بلا ريب إنتصار الإرادة»، 1935 و«أولومبيا» بجزأيه، 1938) وتم توجيه هذه الأفلام إلى الشعب الألماني في زخم التفعيل  للأيديولوجيا النازية. حين دخلت ألمانيا الحرب العالمية الثانية دخلتها بتأييد شعبي تبنّـى كل الشعارات المطروحة.
خلي بالك من زوزو

هذا، من بين أمثلة أخرى في العديد من النظم والحالات، تفعيل للسينما تحت غطاء أيديولوجي. ليس صحيحاً أن السينمائي لا يختار بل يُـفرض عليه، ليس بالمعنى المحدد لهذه العبارة، على الأقل. لأنه يستطيع أن يرفض ويبقى في منزله، أو يقبل مقرراً تمرير نقده من تحت رادار الرقيب، أو الهجرة إلى مركز آخر لصناعة السينما كما فعل أكثر من سينمائي ألماني تحت الضغط (منهم أرنست لوبيتش وفريتز لانغ على سبيل المثال فقط). لكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك مؤمنون طبعاً بالنظم التي يعملون لصالحها، بالتالي بالأيديولوجيات المختلفة (القومية العربية، الإشتراكية، الشيوعية، الرأسمالية الخ…).

المقولة التي سادت منذ عقود بأن كل فيلم هو فيلم سياسي شاء أم أبى كانت صحيحة. «خللي بالك من زوزو» لحسن الإمام كان فعلاً سياسياً- أيديولوجياً يؤمن بتحييد السينما لكنه يصب في صالح المنهج الرأسمالي الوطني بقدر ما كان «أغنية على الممر» لعلي عبدالخالق الذي خرج للعرض في العام ذاته (1972). تفسير الأول أن الراقصة ذات القلب الأبيض ما زالت طموحة لدخول الجامعة وبناء حياة جديدة. تحاول التستر على ماضيها عندما تقع في الحب لكن حين ينكشف هذا الماضي على المجتمع أن يقرر إذا ما كان سيمنحها الفرصة أو لا. بما أن الحبيب الذي ينقذها من الأثرياء فإن الحل يأتي عن طريقه وليس عن طريقها. لكن بكلمات أخرى لا يقولها الفيلم مباشرة: لا سبيل لنضال إجتماعي أو طبقي ولا دور للثقافة عموماً. الحل بيد الأثرياء. الأثرياء سواء أكانوا معارضين للسُـلطة أو مؤيدين لها.



•  "أغنية على الممر" إدانة للهزيمة من ناحية
ومن أخرى إعلاء لشأن النضال الفردي" • 

في المقابل لا يخفي «أغنية على الممر» مقصده: هو أكثر فخراً بالإنتماء إلى موقف سياسي. خكاية مجموعة من الجنود وجدوا أنفسهم وقد باتوا داخل حدود العدو الإسرائيلي. يستطيعون التراجع لكن إذا ما فعلوا سمحوا للقوات الإسرائيلية (والفيلم يقع خلال حرب 1967) بالتقدّم.

أغنية على الممر/ لعلي عبد الخالق

بصرف النظر عن موقف الحبكة من الحرب (لاحظ أن مؤلّـف القصّـة علي سالم طبّـع مع إسرائيل وكاتب السيناريو مصطفى محرّم من المناوئين لها ورسالة الفيلم مزدوجة: من ناحية إدانة للهزيمة ومن ناحية أخرى إعلاء لشأن النضال الفردي) كل من الفيلمين انطلق من أيديولوجية مختلفة قبل أن يخرج لكي يُـحاكم سياسياً. فيلم حسن الإمام إنطلق من تراث للسينما المصرية (وإن شئنا التوسع الجماهيرية عموماً) آمن بأن السينما ترفيه وفيلم عبدالخالق انطلق من اعتباره أن الفيلم يجب أن يلعب دوراً حاسماً في قضايا الوطن. الأول بالتالي، ولأن الترفيه المجرد يعادي الواقع، لازم المواقف الدرامية والعاطفية التي تؤمن للجمهور الترفيه الموعود، بينما أمّ الثاني موضوعه بعيداً عن القوالب التقليدية في هذا الشأن. 

ينقلنا ذلك إلى وضع ملازم للسينما الموسيقية- الغنائية التي ينتمي إليها، كنوعية حكائية، «خلي بالك من زوزو»: بوجه غالب، السينما الموسيقية- الغنائية (ونسميها استعراضية إيجازاً) هي سينما تطلب من الجمهور أن لا يكترث للواقع. ليس هناك في الواقع موسيقا تهبط بأدواتها وألحانها من السماء لينطلق محمد فوزي (في أي من أفلامه في الخمسينات مثلاً) في الغناء. على ذلك لا يمنع ذلك من أن يسمع الناظر إلى الفيلم الموسيقا ويشاهد المغني (أو المغنية) وهو يغني وربما تم خلق راقصة تتمايل على أنغام موسيقا غائبة عن الحضور المرئي. 
لكن حتى ولو كان المغني يقف على المسرح ووراءه فرقة كاملة (تصوّر فريد الأطرش مثلاً) فإن الغاية واحدة: إدخال عنصر الموسيقا والغناء ليضمن ترفيهاً أعلى للمشاهد وذلك على حساب الحقيقة والأهم من الحقيقة (لأن السينما والحقيقة متباعدان لحد التناقض على أكثر من نحو بإستثناء النحو الذي طالب به سينمائيو الثورة الشيوعية وعمدوا إليه) هي الغاية: ها أنت تجمع الناس تحت سقف صالة واحدة وتقطع الدراما الواقعة لتقدم أغنية ما يحوّل الإهتمام ولو إلى حين من متابعة قصّـة/ قضية (ولكل فيلم قضية) إلى استخدام حواسه العاطفية لمتابعة أغنية هي إما فرحة وإما حزينة. صحيح أنها في الحالتين تؤدي وظيفة تأييد ما ورد في الدراما (خسر حبيبته فسيغني حزيناً، عادت إليه سيغني فرحاً…) لكنها منفصلة عن الدراما بحد ذاتها ولا تنخلط.
الأفلام الموسيقية القائمة بأسرها على الكثير من الإستعراضات هي أيضاً مغازلة للحواس العاطفية. في «برودواي ميلودي» [هاري بيامونت، 1930] تأسيس لفحوى الأفلام الهوليوودية الإستعراضية التي سارت عليها أفلام غير هوليوودية إستعراضية. حكاية عاطفية حول شقيقتين تبحثان عن فرصة للوقوف على خشبة المسرح الإستعراضي في برودواي فتلتحقان بفرقة وتشهدان التجاذب العاطفي إذ يحاول البعض الوصول إلى إحداهما (أنيتا بايج) في حين أن شقيقتها الكبرى (باسي لَـڤ) تدرك ما يدور وتحاول تجنيب شقيقتها السقوط في المطب. أليس هذا موضوعاً حسن إمامياً جاهزاً؟ لا بالحكاية وحدها بل بالنمط ذاته. 
ما يفعله الفيلم الإستعراضي هو قطع فاصل مباشر بين ما يظهر على الشاشة وبين الواقع الذي جاء منه المشاهد. طبعاً، معظم الأفلام من الأنواع الأخرى تفعل ذلك لكن الفيلم الإستعراضي يستخدم فنوناً أخرى (الرقص، الغناء، الموسيقا) لكي يساعد على إتقان حالة الوهم. 
طبعاً من البدهي أن ليس كل الأفلام الموسيقية هي ملهاة لا تخرج عن هذا المنوال، «قصّـة الجانب الغربي» [روبرت وايز وجيروم روبينز، 1961) من بين تلك القليلة المختلفة كونها حملت رسالة هي تعبير عن أيديولوجية مختلفة.

يتضمن الشغل على الفيلم (أي فيلم) بحسب الأيديولوجية التي يمثّـلها اللغة السينمائية ذاتها. وسأحاول العودة إلى هذا الجانب في الحلقة المقبلة.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015



No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system