Mar 13, 2015

خمسون ظلاً من غراي: بين الكتاب والفيلم


 مقارنة بين الكتاب والفيلم
 »خمسون ظلاً لغراي« ساخن وبارد معاً

الرواية لم تكن أدباً والفيلم أقل مستوى مــن 
السينما التي تحتويه. أي ظل من ظلال غراي
يمكن الدفاع عنه؟ | محمد رُضـا

رواية إ ل جيمس «خمسون ظلاً لغراي» كلها سيئة، فكرة وكتابة، لكن من بين أسوأ ما فيها، وهذا أمر يجمع عليه نقاد الكتب، استخدام الكاتبة البريطانية التي لقبت في أميركا بإسم «بورنو موم»، لحوارات ركيكة المدلولات ولكلمات تتكرر مرة بمناسبة جيّـدة ثم مرات بلا مناسبة على الإطلاق.
غراي، البليونير الغامض في هذه الرواية، مكنّـى دوماً بكلمة «أدونيس». عندما تستخدم الصفة مرّة أو مرّتين تكون أبلغت رسالتك ومفادك منها، عندما تستخدمها في غالب المرّات التي يرد فيها إسم غراي، تكون "زدتها" كثيراً.
هي، الطالبة الشابة التي تعلق في هوى الشاب الثري، تلجأ دوماً إلى "آلهاتها الداخلية"، من دون أن نعرف ما هي هذه الآلهات. وهي دوما مسحورة بجمال عيني غراي، الرماديّـتين حيث تستخدم الروائية عبارة «يبرق عيناه الرماديّـتين» في أكثر من موقع. لا عجب أن الطقس بارد هذه الأيام… ستمطر بعد قليل!
وحين ترد في الرواية عبارة مثل «يضرب على ذقنه بأصابعه الطويلة الخبيرة مفكراً» تكون وصلت إلى الوضع الذي يغريك بأن تضع الكتاب جانباً ولا تفتحه بعد ذلك".
بعد رواجه وبيعه لأكثر من 70 مليون نسخة في أميركا، كما يُـقال، سارعت دور النشر لطبع كتب تحمل عناوين مشابهة تذكر بما أقدمت عليه السينما في الستينات حال نجاح أولى أفلام جيمس بوند، فإذا هناك أفلام تحمل إسم «جيمس تونت» وآخر عنوانه «العميل السري 007 ونصف» و«العميل 077» و«008: عملية إبادة» الخ
هذه المرّة الكتب التي تحاول أن تنبت كالأعشاب البرية على جانبي هذا العمل تحمل عناوين "رمادية" متعددة: "خمسون عاراً لإيرل غراي" و"ظلال رمادية» (كتابان بالعنوان نفسه واحد بإسم كليا سيمون والآخر كتبه جاسبر فورد) و«خمسون ظلا لشوارتز» الخ…


صورة لعالم آخر
الفيلم الجديد ضرب بين المعجبين بالرواية الإيروتيكية وألهب حماسهم والكثير من فضول الآخرين، لكن ليس على النحو الذي أنجزه فيلم «قنّـاص أميركي»، ورغم كل ما قيل عن فيلم كلينت ايستوود الأخير من موقف يميني وعنصري، إلا أنه يبقى عملاً أفضل بعشرات المرّات من فيلم سام تايلور- جونسون المقتبس عن الكتاب بما فيه من ركاكة.
لا يمر وقت طويل قبل أن يتحدّث الحوار بلغة الكتاب فينزع إلى استخدامات تشبه طعم  الخبز المحروق. 
يقول لها في أحد المشاهد: "أنا غير قادر على أن  أتركك". ترد عليه «لا تفعل إذاً» ثم تهوى عليه بعد ذلك بقبلة الإقناع.
وماذا عن «الآلهات الداخلية»؟
نعم موجودة! إذا لم أكن على خطأ، والفيلم يتسرّب من البال حال الخروج منه، تقول له وهي تتناول فطيرة معه في مطعم يستطيع الفقراء تحمّـل فاتورته: "نعم. آلهاتي الداخلية مرتعدة" (بالإنكليزية Yes. My Inner Goddess are thrilled).
في مشهد آخر يقول وهو ينظر في وجهها «أريد أن أرى وجهك». تريد إرجاع الفيلم الى الوراء (والعرض تم في صالة وليس على دي في دي) ربما فاتك أنه لا يرى. ويقول لها في مشهد يقع في نصف الفيلم الثاني «تريدين أن تغادري لكن جسدك يقول لي شيئاً آخر»
ذلك النصف الثاني الذي هو أسوأ ما في الفيلم. «خمسون ظلاً لغراي» يبدأ في وضع نصفي. لا هو سيء بعد ولا هو جيّـد. من تلك النقطة، وبعد نصف ساعة من ترتيب اللقاء الأول بين الطالبة الجامعية التي تريد إجراء حوار مع واحد من أغنى رجال العالم وتعرّفها عليه، ينزلق الفيلم لولبياً إلى قاع من البطء والملل. طبعاً الذين يريدون مشاهدة فيلم «ساخن»، ممن يعيش في العواصم الغربية، فإن مشاهدة الفيلم هي الدافع الرئيس الذي يجعلهم قابلين بوضع أنفسهم بين بطلي الفيلم في مشاهدهما العاطفية، لكن قلّـة من هؤلاء سيغادرون الصالة معجبين بأي منهما أو بالفيلم ككل.
ما سيأخذونه معهم، إذا لم يشاهدوا أفلاماً تصوّر عالم الأغنياء من قبل، هو مشاهد الحياة البذخة التي لابد من عرضها في الفيلم تبريراً لموقع بطله غراي الإجتماعي. هل يمكن تفويت فرصة تصويره في طائرة خاصّـة أو تصوير مكاتبه أو مبانيه أو راحات منزله؟ التفعيلة ناجحة في الكتاب والإنتاج يريدها على الشاشة لأنها تلبّـي شرطاً رئيساً من شروط نجاح العمل. في الكتاب وصف لكل هذه الأماكن المقصية بعيداً عن متناول العامّـة، وفي الفيلم إشعار بأن نمط الحياة هو نمط منعزل طبيعياً عما يعيشه معظم المشاهدين الكاسح. إذا لم يكن ذلك لغاية بيع الأحلام ذاتها التي وفّـرها من قبل فيلم رتشارد غير وجوليا روبرتس «إمرأة جميلة» الذي حققه غاري مارشال (1990)، فلغاية إتقان الأجواء وهذا هو السبب الأول بلا ريب.
لكن إتقان الأجواء له ثمن يدفعه الفيلم الذي لا يستطيع سبر غور شخصياته بل يكتفي بتصوير سياحي لها.

ركام من المواقف
في «غاتسبي العظيم» (لجاك كلايتون، 1974 وبطولة روبرت ردفورد وميا فارو عن رواية ف. سكوت فيتزجرالد) ذلك التعمّـق في حياة الثري. ذلك القدر من محاولة فهم خلفيّـته ومن أين جاء ولماذا هو مهم للفيلم وبالتالي لمشاهديه. هنا، الخلفية لا دور لها بعد تلك النتف التي نتلقاها عندما تقوم أناستاسيا (داكوتا جونسون) بإجراء مقابلة مرتبكة مع الملياردير كرستيان غراي (جايمي دورنان). ثم مع مضي الأحداث لا يوجد أي إبحار في ذاتي البطلين. صحيح إن كرستيان يحذّر أناستاسيا (أو آنا كما تطلق على نفسها) من أنه «لست من النوع الرومانسي» إلا أن هذا هو ظواهر الأمور والتمهيد لعلاقة من المفترض بها أن تخلو من الرومانسية لكنها في نهاية الأمر فيها طرف مبلول بالرومانسية قليلاً.

ربما هي رومانسية التعلّـق بمغامرة عاطفية مع فتاة من طبقة عادية بالنسبة إليه، وتعلّـقها هي بالمغامرة ذاتها مع رجل يفوقها ثراءاً. بجعل الرجل الأثرى (على عكس «المتخرّج» لمايك نيكولز عندما جذبت الثرية آن بانكروفت الطالب الجامعي دستين هوفمن إلى عرينها) هو القوّة الذكورية من الباب ذاته الذي ترفضه- عادة- المرأة الغربية اليوم.
لكن الكاتبة هي إمرأة في الوقت ذاته ما يعزز الإعتقاد بأنها حين وضعت هذا الركام من المواقف لم يكن تفكيرها منصبّـاً على هذه النقاط الإجتماعية أو السياسية (بالمفهوم الغربي للكلمة) بل على  الواردات المحتملة إذا ما تمادت في وصف العلاقة السادومازوشية بين الإثنين.
هذا الوضع يبقى أكثر أوضاع الفيلم اهتزازاً. ما كان عليه أن يبدو مثيراً جنسياً، يتمخّـض عن مشاهد سبق لسلسلة «إيمانويل» الفرنسية في الثمانينات أن تجاوزتها. حين يحذّر كرستيان الفتاة المذهولة (ساندريللا عصرية) من أنه ليس «رجل غرام» يتوقّـع القاريء ما يجده على الصفحات من وصف لما يحدث بينهما. لكن من قرأ الكتاب وشاهد الفيلم سيجد نفسه أمام نسخة مهذّبـة. وفي حين أن التهذيب أفضل من قلّـته، إلا أن الغاية هنا ليست المحافظة على الأخلاق العامّـة مطلقاً، بل البقاء تحت لحاف قانون «جمعية السينما الأميركية» MPAA الذي منح الفيلم علامة R للراشدين فقط، وكان يمكن له لو تجاوز الأعراف حمل علامة X التي ترفع سقف السن الممكن السماح له بمشاهدة الفيلم ما سيعني خسارته لنحو 50 بالمئة من مشاهديه.

المرأة كما هي
البديل المنطقي لعدم الرغبة في إيذاء الفيلم مادياً في الوقت الذي لا زال فيه يتحدّث عن تلك العلاقة الجنسية المشوبة بمواقف القوّة الذكورية على تلك الأنثوية، هو التوسّـع في دوائر متاحة على الصعيدين الشخصي، كما سبق القول، أو على الصعيد البصري. 
نعم هناك تلك المشاهد التي وصفتها بالسياحية وذلك التصوير المنمّـق والنظيف جدّاً (كما لو كانت حياة غراي تم ترتيبها للتصوير فعلاً) لكن لا تحديات تذكر في معالجة المخرج سام تايلور-جونسون (في ثاني أفلامه وهو الذي سبق له وأن أخرج فيلماً بيوغرافيا سنة 2009 بعنوان «فتى لا مكان» تحت إسم سام-تايلور وود) علاوة عن محاولة خفض السخونة من دون التسبب في البرودة.
في ذروة هذه العلاقة هناك محاولة لإثبات سيطرة الرجل على المرأة ورغبة المرأة في التمرّد عليها. لكنه تمرّد ناعم، إذا صح التعبير، كون الفيلم غارق أكثر في محاولة الإيهام باللذة المكتسبة عبر تلك العلاقة. 
في الصالات الأميركية ذاتها، يعرض حالياً فيلم الأخوين البلجيكيين جان-بيير ولوك داردين «يومان وليلة». والوهلة الأولى تفيد بأن لا علاقة على الأطلاق بين هذين الفيلمين بإستثناء أنهما إنتاج سينمائي يستخدم الأدوات التقنية ذاتها لصنعه وعرضه. لكن في حين أن الفيلم البجيكي يتحدّث عن وضع المرأة الصعب في مسار إجتماعي من الحياة المحفوفة بالبطالة والخوف منها، وفي حين أن بطلته (ماريون كوتيار) عليها أن تنبذ أي تفكير عاطفي عن بالها بينما تسعى لتأمين الأصوات الكافية بين رفاقها ورفيقات المصنع الذي تشتغل فيه لكي تستطيع الإحتفاظ بعملها، ينطلق «خمسون ظلاً لغراي» مبتعداً سنوات ضوئية عما يجول داخل أميركا أو خارجها وعن ذلك الفيلم البلجيكي الأكثر صدقاً وأمانة.
طبعاً هذا القول لا يتدخل في حق صانعي الفيلم الأميركي تقديم أي عمل يريدونه، ولا يتغاضى عن حقيقة أن السينما الأميركية لا زالت تفاجئنا بالعديد من الأفلام التي تبحث في الناس كذوات إجتماعية ونفسية عالقة في عنق زجاجة الأوضاع الإقتصادية والأزمات السياسية والعاطفية (نظرة واحدة على الأفلام التي رشحت الأوسكار تفي بذلك)، لكنه يكشف البون الشاسع بين الإهتمامين وأي من الفيلمين يتحدّث فعلياً عن وضع المرأة اليوم.
لجانب «يومان وليلة» (الفترة التي على بطلة فيلم الأخوين داردين تأمين مساندة رفاق العمل وإلا خسرت وظيفتها) هناك «فوكسكاتشر» كنموذج لكيفية قيام مخرجه (بَـنت ميلر) بالتغلب على الظواهر والدخول في عمق العلاقة بين مليادير آخر (يؤديه ستيف كارل) وبطل رياضي (شانينغ تاتوم) أراد الأول إحتوائه. في صلبها هي علاقة قوة وضعف. الأول يريد استحواذ الثاني لرغباته في الإستحواذ لا أكثر. لكن هذا «اللا أكثر» ينضوي على الملكيات العاطفية والنفسية والإجتماعية والطبقية كما الجنسية. وهنا، كما في مثال «غاتسبي العظيم»، يبرز الخلل الكبير في فيلم «خمسون ظلا لغراي» ذلك لأن هناك الكثير مما هو جدير بالبحث في كنه حكايته وشخصيّـتيه، لكن صانعي الفيلم (والمنتجون هنا هم النافذون أكثر من المخرج) كانوا حريصين على استبعاد أي شيء من هذا القبيل لضمان بيع تذاكر كثيرة.
في المستقبل، تريد الكاتبة جيمس، الإشراف بنفسها على عملية نقل الكتابين الآخرين من ثلاثيتها وهما «خمسون ظلا أغمق» و«خمسون ظلاً متحرراً»، وذلك على نحو ما قامت به مؤلّـفة ج. ك. راولينغ (لاحظ أن إ.ل جيمس تستخدم كذلك الحرفين الأولين في مقدّمة إسمها للدلالة وأسمها الحقيقي مختلف فهو إريكا ميتشل). لكن لا أدري ما الذي تستطيع أن تصرّ عليه لم ينجزه هذا الفيلم. هل تريد مشاهد أكثر عرياً أو أكثر تفصيلاً؟ شيء لا يمكن لهوليوود أن تقوم به من دون أن يخسر الفيلم من إيراداته.
لكن تدخلت أو لم تتدخل، فإن إحتمال نجاح الفيلمين المقبلين ليست مضمونة. هذا الفيلم يعطي المتطفل كل ما تطفّـل من أجله. الباقيان قد يحملان حكايتين مغايرتين لكنهما سيصبّـان في الأتون ذاته.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular