أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Feb 22, 2015

عشر حقائق حول الأوسكار | من نتوقع ومن نفضل | ميسر المسكي عن «يومان وليلة» | حلقة جديدة من «الناقد وفلسفة الفيلم | ملاحظات حول فيلم «سولاريس»- تاركوڤسكي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السنة 9 | العدد 880 
m.rouda@gmx.com  
رئيس التحرير: محمد رُضـا
مساهمون (حسب أبجدية الدول):
الأردن: عدنان مدانات، مهنّـد النابلسي | ألمانيا:  قيس الزبيدي| السعودية: خالد الربيع| السويد: ميسر المسكي | لبنان: ندى إسماعيل | مصر: رامي عبد الرازق، شريف حمدي، شريف عوض |الولايات المتحدة: جورج شمشوم | ندى الشيخ 

الليلة عيد السينما الكبير
 عشرة حقائق مثيرة وغريبة حول جائزة الأوسكار 

حتى الآن، تداول الإعلام، هنا كما حول العالم، كل ما يمكن تداوله حول أوسكار العام 2015 الذي سيوزّع الليلة (الأحد) في لوس أنجيليس. فهل يمكن أن يكون هناك ما لم يتحدّث أحد فيه حول هذه الجائزة العملاقة بين الجوائز؟
ماذا لو طرح المتابع مثلاً ما إذا كان الأوسكار ذا قيمة فعلية نابع من تأثير حقيقي على حال السينما وشؤونها؟ هل يمد الفائز فعلاً بمكانة لم يكن قد اكتسبها، إذا لم يفز من قبل، أو تضيف على مكانته فيما لو سبق له وأن فاز بها؟
هل الفيلم الذي يخرج بالأوسكار هو الأفضل فعلاً؟ وما هي دلالات ذلك؟ ثم هل يساعده ذلك في جمع ملايين أخرى من السوق؟
ثم نحن العرب ما علاقتنا بالأوسكار ولماذا كل هذا الإهتمام، وأحيانا التهييج، المستمر بما ستؤول إليه النتائج من بعد اهتمام مماثل بالترشيحات وتحليلها ومحاولة كل منا رسم صورته الخاصّـة حولها؟ وبالتالي، هل الإهتمام بالأوسكار ترف لا نستحقه أو إنشغال عن الكتابات الأكثر فنية والأوسع فائدة ثقافية؟
هذه الأسئلة وسواها يمكن توزيعها في عشرة حقائق محددة وسبر غورها لإجابة واحدة ونهائية. لكن ذلك لن يكون نيلاً من أهمية الأوسكار ولا تعزيزاً له. المناسبة التي تبلغ 87 سنة من العمر هذه الليلة وتتناقلها مئات المحطات التلفزيونية (كاملة أو جزئية) حول العالم وتنشغل بها عشرات ألوف المواقع الإخبارية والترفيهية وصلت منذ عقود طويلة إلى سن النضج وأسست لنفسها الصرح الذي تحتله اليوم أحبّـها البعض أو لم يفعل. 
لكن بما أن الأوسكار على مثل هذه السعة والحضور، فإن البحث فيه ومحاولة فك لغز نجاحه سيستمر وهو ما يتمناه كأي فائز يريد من المجتمع الذي يحتفي به أن يفعل. بكلمات أخرى، لو لم تكن كل تلك الكتابات والإهتمامات موجودة لسبب أو لآخر، لكان الأوسكار حدثاً مختلفاً في الحجم وفي الإقبال وربما في الأهمية أيضاً.
الحقائق المشار إليها تنشد أن تمنح المسألة صورة وافية وعريضة لا لتجيب على الأسئلة الكثيرة التي يرددها البعض كل سنة، بل أيضاً لتعريفنا بالسبب الذي من أجله صارت ليلة الأوسكار أشبه بليلة عيد وطني في أكثر من مكان.

1 الأوسكار إحتفال هوليوودي إكتسب العالمية

يقع فندق روزفلت في النصف الشرقي من  «هوليوود بوليفارد»،  على مقربة من تقاطع الشارع مع شارع عريض آخر أسمه هايلاند. البناية الكبيرة التي تحمل رقم 7000 والتي بُـنيت سنة 1927 تبدو اليوم قديمة، لكن لا شيء قديم عندما يأتي الأمر إلى سعر غرفها الفاخرة التي تتراوح بين 400 و550 دولار حسب نوع الغرفة. طبعاً ليس أغلى فندق في العالم لكن الكثير من زبائنه يجدونه مناسباً كموقع وكقيمة كما كذكرى. ففيه تم لمجموعة من السينمائيين (17 رجلاً وسيّدة واحدة)، من منتجين ومخرجين وأصحاب ستديوهات، عقد أول حفلة توزيع جائزة الأوسكار. حفلة حضرها أكثر من 250 فرداً بقليل وامتدت … ربع ساعة كاملة. 
التحضير للحفل بدأ عندما كان الممثل دوغلاس فيربانكس رئيس أكاديمية العلوم والفنون السينمائية التي تم إنشاؤها قبل عامين، وتم الإعلان عن الفائزين قبل ثلاثة أشهر من موعد الحفل في السادس عشر من مايو/ أيار 1929. قبل أن تتعلّـم كيف تبقي النتائج سرّاً حتى حين إعلانها.
تلك كانت البداية والغاية منها كانت واضحة: قيام صناعات هوليوود السينمائية بإهداء جوائزها المسمّـاة بالأوسكار لمن ينتمي إليها، أي من العاملين في تلك الصناعات داخل هوليوود. أما من كان يعزف ألحانه السينمائية خارج المدينة داخل أميركا أو خارج الولايات المتحدة الأميركية فلم تكن له حصّـة من هذه الإحتفالات
لكن ما بدأ محلياً اكتسب أهمية عالمية على نحو تدرّجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وما انطلق كإحتفال هوليوودي بنفسها وبمن فيها، تحوّل إلى مناسبة تثير إهتمام العالم بعد تلك الحرب قبل أن تصبح عيداً سينمائياً يشترك فيه العالم إسهاماً (ترشيحاته من الأفلام) أو إستقبالاً. هذا من دون أن يتخلّـى الأوسكار عن انتمائه للأكاديمية التي تضم حالياً 6000 عضو أو نحو ذلك من ممثلين ومخرجين ومنتجين ومصوّرين وكتّـاب وكل فريق أساسي آخر يعمل ضمن الصناعة. أعضاء الأكاديمية معظمهم أميركيون، لكن الباقين هم من انتسب إليها كونه يعمل داخل هوليوود. بالتالي لا زالت تعبّـر عن آراء كل هؤلاء أساساً وليس عن آراء أتراب أخرى من المهتمين بشؤون السينما.

2 الممثلون  أناس عاديون يفرحون بالفوز
ميريل ستريب

هل انزعجت ميريل ستريب، المرشّـحة حالياً عن دورها المساند في فيلم «داخل الغابة»،  مرّة واحدة كونها رشّـحت 19 مرّة من العام 1978 عن فيلم «صائد الغزلان»؟ لا. هل كانت تتمنّـى لو فازت بأكثر من الأوسكارات الثلاث التي فازت بها حتى الآن؟ نعم. 
واقع الحال أن الممثلين، في معظمهم (أي بإستثناء من لديه سبباً غير مألوف)  يتمنّـون لو أن رذاذ الترشيحات يصيبهم. وحين يجدون أنفسهم من بين المرشّـحين يحلمون بالفوز. هذا طبيعي كونهم بشر في الأساس، وكل منا يحب أن يفوز بتقدير كبير كهذا، ولأنهم في لعبة السينما التي تحتاج إلى مواهبهم لتخرطها في آلتها الصناعية والمالية.
بندكيت كمبرباتش، الممثل المرشّـح اليوم عن دوره في «لعبة المحاكاة» قال لهذا الناقد قبل أسابيع غير بعيدة عندما كان يروّج لفيلمه في لندن: "ليس أنني لا أمانع إذا ما ربحت الأوسكار، بل أريده. هو مطلب لي". حين سؤاله عن سبب أنه مطلب قال: "لأنني ممثل والممثل يستحق التقدير ولأن الأوسكار هو منتهى الفوز بالنسبة لأي منا نحن الممثلين ولأي من المشاركين الآخرين. لا أقول أنني استحقه أكثر من سواي في هذه المسابقة فهذا أمر يقرره المصوّتون. ما أقوله وبصراحة: أنا أريد الفوز واعتقد أنني جدير به".
مايكل كيتون المرشّـح عن دوره في «بيردمان» كان أكثر دبلوماسية في الواقع إذ قال: "يكفيني أنني أحد الخمسة المرشحين. هذا وحده مكافأة كبيرة لجهودي كممثل".


3 الأوسكار لا يضمن للممثل أجراً أعلى

من الإعتقادات الشائعة القول أن الفائز بالأوسكار ما أن يتلقى الجائزة بيد حتى يوعز باليد الأخرى لمدير أعماله برفع أجره. هذا غير صحيح. الممثل الفائز قد يستفيد من سعي شركات الإنتاج للتعاقد معه، لكن هذا ليس مضموناً. غوينيث بولترو، من بعد فوزها بأوسكار أفضل ممثلة عن «شكسبير عاشقاً (1999) لم تصبح أكثر نشاطاً وطلباً مما كانت عليه من قبل. ريز وذرسبون التي فازت بالأوسكار ذاته سنة 2006 عن دورها في Walk the Line لم تردمها العروض وجورج كلوني الذي فاز عن «سيريانا» بأوسكار أفضل ممثل مساند، كان أصبح نجماً لامعاً قبل ذلك التاريخ ولم يفده ذلك الأوسكار مادياً على الإطلاق. وجارد ليتو، الذي فاز بالجائزة نفسها في العام الماضي عن دوره المساند في «دالاس بايرز كلوب» ليس لديه عرض واحد إلى اليوم.
لكن ومع كل هذا فإن الممثلين وباقي العاملين في السينما يتمنون الفوز بالأوسكار لقيمته الفنية والمعنوية. ليس هناك خياراً بين الفوز وعدمه لو كان لدى أي منهم القدرة على التأثير في مجرى التصويت لصالحه.
في هذا النطاق، فإن مرشحي اليوم يستحقّـون التقدير على نحو جامع وإن كان بعضهم أبلى أفضل من سواه. مايكل كيتون بيردمان») انتظر مثل هذا التكريم طويلاً. بندكت كمبرباتش يرى، عن حق، أن دوره في «لعبة المحاكاة» هو أعلى بذل فني قام به لليوم. ستيف كارل فوكسكاتشر») وضع كل ما لديه من موهبة. برادلي كوبر قناص أميركي») أحب المشروع لدرجة أنه اشتراه على نفقته أولاً وإيدي ردماين نظرية كل شيء») سبر غور دوره كمقعد وفي باله أولاً إجادة الدور بحد ذاته. والحال ذاته مع الممثلات الإناث ماريون كوتيار وفيليسيتي جونز وروزاموند بايك وجوليان مور وريز وذرسبون.  ليس أن الأوسكار لا يرد على البال، لكنه ليس السبب الذي من أجله يقوم الممثل بالتمثيل.

4 نجاح شباك التذاكر ليس شرطاً مادياً

لكن الإعتقاد الأكثر شيوعاً مما سبق القول بأن الأفلام التي تربح الأوسكار هي تلك التي تحقق إيرادات مالية كبيرة، بمعنى أن الأكاديمية تنظر إلى نتائج السوق وتختار الفيلم الناجح تبعاً لما أنجزه من نجاح، ولاحقاً ما يستفيد الفيلم، على نحو كبير، من جائزته فيزيد من إيراداته على نحو مضاعف.
BIRDMAN

خذ هذا العام مثلاً: أربعة من الأفلام المرشّـحة لأوسكار أفضل فيلم، وهي «بيردمان» و«نظرية كل شيء» و«صبا» و«ويبلاش» لم يحقق الواحد منها أكثر من 40 مليون دولار. «ويبلاش» في الواقع أنجز حتى الأسبوع الماضي 11 مليون دولار فقط. ثلاثة أفلام أخرى أنجزت أرقاماً أعلى هي «سلما» (47 مليون دولار) و«ذا غراند بودابست هوتيل» (59 مليون دولار) و«لعبة المحاكاة« (78 مليون دولار). وهذه أرقام عادية جدّاً. واحد فقط حقق أرقاماً رابحة وكبيرة هو «قناص أميركي» (312 مليون دولار داخل أميركا حتى اليوم)
الوضع الفعلي له مستويين أولهما أن «بيردمان» هو المرشّـح الأول وهو لم ينجز فوق المتوقع منه. وثانيهما، أن كل هذه الأفلام أنجزت إيراداتها قبل إعلان الترشيحات. بالنسبة لبعضها بيردمان» و«لعبة المحاكاة») شهد نشاطاً شكّـل 20 إلى 25 بالمئة على ما كان كل منها حققه قبل الترشيحات، لكنه لم يقفز إلى أرقام مضاعفة بمجرد إعلان ترشيحه كذلك سوف لن ينجز الأوسكار له إلا تجدداً نسبياً في سوق المبيعات السينمائية.
والأمر ينطبق على فيلم كلينت ايستوود: إلى أن أعلنت الترشيحات الرسمية كان «قناص أميركي» أنجز 30 بالمئة من إيراداته. نجاحه الكبير الحالي يعود إلى موضوعه وليس ضامناً لفوزه.
ولا يتطلّب الأمر سوى مراجعة سنوات الأوسكار السابقة. يكفي مثلاً أن أوسكار أفضل فيلم سنة 2010 ذهب إلى «خزنة الألم» الذي لم تتجاوز إيراداته قبل وبعد النتيجة أكثر من 50 مليون دولار، بينما أخفق منافسه «أفاتار» في نيل الأوسكار رغم أنه أنجز قبل موعد النتائج نحو مليار و500 مليون دولار أضاف فوقها، بعد فشله، ملياراً آخر و300 مليون دولار.

5 … ولكن الجائزة قد تذهب لمن لا يستحق

نجد أنه في كل مناسبة تمنح فيها جوائز سينمائية، سواء أكانت مناسبة سنوية تقيمها مؤسسة أكاديمية بريطانية أو أوروبية أو أميركية، أو كانت مهرجاناً سينمائياً أن الإختلاف حاصل بين ثلاث فرقاء: إن أعجبت  لجان الإختيار والتحكيم بفيلم أو بموهبة ومنحته جائزتها فإن النتيجة قد لا تعجب الجمهور، وإذا ما أعجبت الجمهور فقد لا تعجب النقاد. 
تحديداً هذا العام، إذا ما فاز «قناص أميركي» بموقفه اليميني الذي تناقلته وسائط الإعلام، فهو سيشكل بهجة لدى الجمهور وشكوى لدى النقاد. أما إذا فاز، «صبا» فإنه سيثير قبول النقاد وعدم مبالاة الجمهور الذي غاب معظمه عن حضور هذا الفيلم أساساً لأنه ليس فيلماً للفئة العامّـة باديء ذي بدء.
على صعيد فني بحت، يمكن استخراج عشرات الأمثلة لأفلام ومواهب فازت بينما كان من بين المنافسين من يستحق أن يفوز أكثر منها. مثلاً في العام 1948 فاز فيلم إيليا كازان «إتفاق جنتلماني» بأوسكار أفضل فيلم وهو فيلم مشهود له بالتصدي للمعاداة للسامية، لكن في ترشيحات ذلك العام كان هناك فيلم أفضل منه فنياً وأكثر عمقاً في تصديه ذاك هو «كروسفاير» (Crossfire)، لكنه لم يفز.
المخرج توم جونز فاز عن فيلمه «توم جونز» سنة 1964 لكن ألم يكن فيلم «ثمانية ونصف» لفديريكو فيلليني أفضل منه؟ وهل كان فوز الممثل سيدني بواتييه في العام ذاته عن «براعم في الحقل» مستحقاً أكثر من أداء ألبرت فيني في «توم جونز» أم تدخلت عوامل الرغبة في تكريم ممثل أفرو-أميركي؟
ثم لماذا تم ترشيح ألان أركين لأوسكار أفضل ممثل سنة 1967 بينما استحق سيدني بواتييه نفسه الترشيح (على الأقل) عن دوره في «في حرارة الليل»؟ وهل فوز المخرج ألفونسو كوارون في العام الماضي بأوسكار أفضل إخراج (عن «جاذبية») يعكس الحقيقة عندما ننظر إلى الجهد الذي بذله مارتن سكورسيزي في «ذئب وول ستريت» أو البساطة الصعبة التي حققها ألكسندر باين عن «نبراسكا»؟ وهل استحق توم هانكس استبعاده من ترشيحات أفضل تمثيل رجالي عن دوره في «كابتن فيليبس»؟ ولماذا غاب كلياً روبرت ردفورد ممثلاً وسي جي شاندور مخرجاً وفيلمهما «كله ضاع» عن هذه المسابقات الرئيسية الثلاث؟
إنها في نهاية المطاف آراء والأكاديمية تضم كل أطياف العاملين في الصناعة ما عدا أساتذة السينما ونقادها. لا عجب أنه لو نظرنا إلى تاريخ الجائزة لواجهتنا مثل هذه الأسئلة منتشرة في معظم سنواتها.

6 الأوسكار إحتفاء بفن الإخراج

رغم ما سبق، فإن الأوسكار إحتفاء بقدرة مخرجي الأفلام على تقديم ما هو خاص ومختلف وذي بصمة نوعية وأسلوبية.
لو نظرنا بإمعان إلى المرشّـحين في هذه الخانة هذا العام ولما بعد الأسماء المشاركة، نجد بانوراما جميلة من الأساليب والنوعيات وأحاديث بعضها ذاتي أكثر من سواه، وبعضها الآخر بارع في نواحي مختلفة عن بعضها الآخر.
إنهم رتشارد لينكلاتر عن «صبا» وأليخاندرو غونزاليز إيناريتو عن «بيردمان» وبَـنِـت ميلر عن «فوكسكاتشر» ووس أندرسون عن «ذا غراند بودابست هوتيل» ومورتن تيلدام عن «لعبة المحاكاة».
THE IMITATION GAME تشارلز دانس (اليمين) وبنديكت كمبرباتش في

النروجي تيلدام (وهو ليس من كبار مخرجي بلاده كما كتب بعض الزملاء) مرشّـح عن «لعبة المحاكاة» ومنهجه هو أكثر مناهج المخرجين المذكورين سعياً لإرضاء القطاع العام من المشاهدين، وهو القطاع الذي يتألّـف منه ألوف من أعضاء الأكاديمية أيضاً، ولو أن ذلك لن يضمن فوزه أو فوز فيلمه بالأوسكار. إنه فيلم جيّـد بحدود يتعثر بخيوط السيناريو التي كان من المفترض أن تبقى بسيطة وفي غايات الفيلم المتعددة (بيوغرافي، مثلية جنسية، حكاية وطنية، الخ…).
مخرج آخر هدف إلى السوق نفسه لكن مع نتائج فنية أعلى هو بَـنِـت ميلر. فيلمه «فوكسكاتشر» مفتوح على أكثر من أفق لكنه أكثر انضباطاً وسرده أكثر تركيزاً من فيلم تيلدام
الثلاثة الآخرون اشتغلوا على براعاتهم الفنية التي قلّـما خانوها: رتشارد لينكلاتر في «صبا» عمد إلى تصوير تسلسل زمني كامل لحكايته وشخصياته. على مدى 12 سنة أو نحوها، صوّر ممثليه في ثلاث فترات منتظراً ثم ملتقطاً نمو كل منهم على مدى سنوات. وس أندرسن اشتغل على أسلوبه التصميمي المزيّـن بالألوان وبالحكاية التي لا تتبع منهجاً سردياً سهلاً (ولو أن هذا الفيلم أسهل للمتابعة من أعمال سابقة له). أما إيناريتو فقد ارتفع بأسلوب عمله ومعالجته البصرية والكلية عن كل ما عداه عامداً لإنجاز فيلم ما زال خاصّـاً وذاتياً. 
كل هذا يمنحنا نحن المشاهدين الفرصة للتعرّف على أساليب عمل عبر المقارنة. فيلم وراء آخر يبرز كل ذلك التعدد في الفهم والتعبير وطريقة معالجة الموضوع ولأي سبب وبأي أسلوب. 


7 الأوسكار ليس للنقاد

رغم كل ذلك، الأوسكار ليس للنقاد. 
نعم يستطيعون الغرف من بئره اليوم كما في الأمس. مراجعته فيلماً فيلماً وجائزة جائزة لكنه ليس المرجع الذي يشفي غلين معظمهم. عن صواب، لا يستطيعون سوى ملاحظة أن عدداً كبيراً من الأفلام المستحقة لم تفز (وكثيراً ما لم ترشّـح أساساً) كذلك عدداً أكبر من المخرجين والممثلين والكتاب والمصوّرين. 
لكن النقاد اليوم منشغلون بالأوسكار كالعادة. ومن لا يفعل فإنه على الأقل ينتظر ساعة إعلان الجوائز لكي يرى من فاز ومن اكتفى بالتصفيق للفائز. أصبح الأمر لا مفر منه خصوصاً مع عدم وجود مناسبات قويّـة أو بديلة. 
فعلى كثرة المناسبات المماثلة (جوائز الغولدن غلوبس، بافتا، الإتحاد الأوروبي الخ…) لا يزال الأوسكار أشبه بالأب الكبير الذي لن يتجاوز عمره (وقيمته) أحد. وتبعاً لضروريات إعلامية سيكتب، إن لم يكن قبل النتائج فبعدها، عن الأوسكار وانطباعاته وآرائه. 
ليس هناك خطأ في ذلك. الخطأ في عدمه، لأن الناقد- بصرف النظر عن موهبته وقدراته- لا يستطيع أن ينفخ في الهواء. عليه أن يكتب لجمهور والجمهور يريد أن يعرف. في الباطن، يزدري العديد من النقاد (العرب وغير العرب) الأوسكار. يرونه فعلاً سلبياً لا يستحق هذا الإهتمام الكبير. في الظاهر، لا ينتظر الأوسكار شهادة تقدير من النقاد بل يفرض حضوره بسبب حضوره الكبير بين ملايين المشاهدين والمتابعين. 

8 الجمهور غير حيادي

إذ يتابع الملايين حول العالم أخبار الأوسكار ثم يضيف ملايين أخرى لمتابعة نتائجه فإن الأوسكار ظاهرة لا تخلو من الغرابة: في الوقت الذي للأولمبياد إحتفاله، ولكل رياضة حفلتها السنوية التي قد تمتد لأيام. وفي الوقت الذي للعلوم المعرفية والعلوم الإنسانية جائزتها السنوية المعروفة بـ "نوبل"، كما للأدب جائزته الكبرى المشهورة بـ «بوليتزر»، فإن للسينما هذا اليوم من السنة. يختلف الجمهور من حقل لآخر (هل يتابع الجمهور الرياضي ترشيحات «نوبل» مثلاً؟) إلا أن فرقائه يلتقون حول هذه الجائزة السنوية وفوقهم هواة السينما الذين لا يكترثون للمناسبات غير السينمائية.
الجمهور غير حيادي في هذا المجال. معظمه شاهد طوال العام أفلاماً كثيرة. قرابة 45 بالمئة من المشاهدين يذهبون لصالات السينما مرّة واحدة في الأسبوع تليهم النسبة التي تؤم صالات السينما بمعدل مرّتين في الأسبوع وفي المركز الثالث الفئة التي تشاهد فيلماً واحداً كل ثلاثة أسابيع أو كل شهر.
المحيّـر في الأمر هو التالي: معظم ملايين المشاهدين من الصين إلى جنوب أفريقيا ومن مصر إلى البرازيل، لم يشاهد، أو يكترث لأن يشاهد، أي من الأفلام الثمانية المرشّحة للأوسكار هذا العام، كما هو الحال نفسه في أي من الأعوام السابقة منذ ثلاثين سنة على الأقل. ما يدفع للسؤال إذاً عن سبب هذا الإهتمام في نهاية الأمر؟ 
إن سألت رجل الشارع فغالباً ما تجده مهتم بالأوسكار لكنه لم يشاهد أي من تلك الأفلام. يحب أن يرى روبرت دوفول يربح أوسكار أفضل ممثل مساند عن دوره في «القاضي»، لكنه لم يشاهد ذلك الفيلم لكي يتأكد من أن دوفول هو من يستحق الجائزة أم لا.
من ناحية أخرى، الأوسكار هو أكبر جائزة سينمائية تحقق نجاحها على التلفزيون. لولاه، ولدينا التاريخ ليحكم، لما اكتسبت كل هذا الشيوع. الأكاديمية تهرع في اليوم التالي لتقصّـي نبأ واحد فقط: كم هي نسبة مشاهدة الحفلة المبثوثة على شاشات محطة ABC الأميركية؟ هل ارتفعت؟ هل انخفضت؟ إنها تصرف ملايين الدولارات على التنظيم بينما معدّل صرف ستديوهات هوليوود على كل فيلم يتم ترشيحه يبلغ 100 مليون دولار. هل هذا جنون؟ أم هو عين العقل؟
للمناسبة، فإن أرقام عدد المشاهدين في العام الماضي ارتفعت (داخل الولايات المتحدة) إلى 43 مليون و700 ألف مشاهد تلفزيوني وهو رقم يزيد عن الرقم المسجل سنة 2013 بـ 3 ملايين و300 ألف مشاهد. بذلك أيضاً، فإن النسبة المسجّـلة في العام الماضي كانت الأعلى طوال السنوات العشر الأخيرة.

9 حكاية البليون

الإقبال ليس أميركياً فحسب ولو أن المقياس الأميركي هو الأهم والأسرع حضوراً  وانتشاراً في التداول الإعلامي تماماً مثل «توب تن» الأفلام كل أسبوع على الرغم من أن لكل بلد «توب تن» خاص به. 
لكن ما هو مثير ومثار حلقات النقاش والإحتفال في الولايات المتحدة لا يعني أنه كذلك حول العالم. صحيح أن المتابعين في القارات الخمس يصلون إلى بضع عشرات الملايين، لكن هؤلاء يبقون نسبة ضئيلة ما يعني أن ما يشكّـل عصب حياة بالنسبة للفنانين ولهواة السينما والمثقفين والنقاد في بعض أرجاء هذا العالم، لا زال بعيداً عن أن يعني الكثير بالنسبة للغالبية. 
في العام 2005 وقف مخرج فيلم الرسوم المتحركة Finding Nemo أندرو ستانتون، ليستلم أوسكاره في هذه الفئة وقال متوجهاً لزوجته: "كتبت التالي عندما كنت طالباً في الكليه. الآن أستطيع أن أقول أمام بليون مشاهد حول العام: أحبك".
كلمات رائعة لا ريب أن الزوجة واجهته بتأثر كبير وبدمع انهمر من مقلتيها وهي تردد في ذاتها «وأنا أيضاً أحبك يا أندرو». 
لكن هذا الرقم مغالى به بنسبة 956 مليون مرّة في أفضل الأحوال. كيف نعلم ذلك؟ لو أن عدد المشاهدين في العام الماضي بين الأميركيين بلغ 43 مليونا و700  ألف مشاهد (رقم موثوق) فإن هذا يعني أن 15 بالمئة من الشعب الأميركي شاهد حفلة الأوسكار. فإذا ما طبّـقنا النسبة ذاتها حول العالم (نحو ثمانية مليار نسمة) فإن ذلك يعني أن 960 مليون نسمة خارج الولايات المتحدة شاهدت حفلة الأوسكار في العام الماضي، وعدد يقترب من هذا الرقم سيشاهده الليلة. هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً.
قبل ذلك بعشر سنوات أوردت الأكاديمية الرقم ذاته متحدّثة عن مليار مشاهد. هذا ما دفع الكوميدي الراحل روبين وليامز (الذي سيعرض الحفل صوره في الفقرة الحزينة التي تورد السينمائيين الراحلين في العام الماضي) للسخرية قائلاً: "بليون؟ هذا أكثر مما تصرفه السيدة ماركوس (إيميلدا ماركوس زوجة رئيس جمهورية الفيليبين آنذاك) في الأسبوع".

10 لكننا ما زلنا نحب الأوسكار

بإعتبار كل ما سبق، فإن المرء قد يبدأ بإتخاذ مسافة من هذه الجائزة التي تضخمّـت أهميّـتها عبر عقود الزمن. السؤال حول قيمتها الفنية الفعلية يبقى اليوم كما بقي بالأمس. لكن هذا سوف لن يغيّـر شيئاً من مكانتها. 
من بداية الأوسكار، في ذلك الفندق الأثري، وإلى العام الماضي، وزّعت الأكاديمية قرابة 3000 تمثال (تحديداً 2947 أوسكاراً) وعاشت، كالسينما التي تمثّـلها، من دون هوان يُذكر. نعم تأرجح تعداد المشاهدين في سنوات مضت، لكنها بقيت بؤرة الإهتمام الأول بين كل الجوائز والمناسبات السينمائية. وصحيح أن هناك جوائز كثيرة انطلقت في أثرها حتى ازدحم الحاضر بها، إلا أنها تبدو أمام الأوسكار مثل موجات الشاطيء الخفيفة ترطب الرمال وترتطم بالصخور ثم تتلاشى. 
عربياً، ولابد للمرء أن يعود إلى عرقه وجمهوره، نحن ما زلنا في نقاش أفلاطوني حول الأوسكار. نقبل الحديث فيه إعلامياً لكن الكثيرين يعمد إلى تشريحه وليس تحليله. يرتاب بقيمته ثم يمضي الوقت متابعاً له في الوقت ذاته. إنها شيزوفرانيا من نوع خاص ربما تمليها الظروف. لكن القلّـة منا تحب الأوسكار وفرصه وتفرح بمن يفوز إذا ما كان على هواها وتغتاظ إذا لم يفز. 
لقد كبر الأوسكار ولم يشب بعد. ما زال المناسبة الأكبر التي تلتقي تحت مظّـتها جهود عام كامل في أكثر من حقل وشأن كل منها هو جزء من الصناعة محلية كانت أم عالمية. وما أن تنتهي الحفلة بإعلان النتائج حتى يبدأ تفكيرنا بالحفلة المقبلة. 




[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


1 comment:

Disqus Shortname

Comments system