أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jan 22, 2015

هوليوود والعرب: الحرب العراقية | نقص المناعة في الذوق السينمائي | سيسيل ب. دمنتي | خوذة ذهبية لجاك بيكر | فاتن حمامة | كتاب تاريخ السينما في مئة فيلم | جوائز لندن فيلم سيركل | غاليري: مشاهد من السينما الصامتة

الغلاف: من فيلم برايان دي بالما: "منقّـح"
السنة 9 | العدد 875 
m.rouda@gmx.com  
رئيس التحرير: محمد رُضـا
مساهمون (حسب أبجدية الدول):
الأردن: عدنان مدانات، مهنّـد النابلسي | ألمانيا:  قيس الزبيدي| السعودية: خالد الربيع.| السويد: ميسر المسكي | لبنان: ندى إسماعيل | مصر: رامي عبد الرازق، شريف حمدي، شريف عوض |الولايات المتحدة: جورج شمشوم

 هوليوود والعرب   |    محمد رُضـا

كلينت ايستوود يشعلها من جديد
الحرب العراقية جمعت النقائض واختلفت في المضامين
American Sniper

بعد هدوء نسبي، تنطلق الحرب العراقية على شاشات السينما الأميركية من جديد. فيلم جديد عنوانه «قنّـاص أميركي» يسرد حكاية شخصية لجندي أميركي حقيقي أسمه كريس كايل، شارك في الحملة الأميركية على العراق (ما يسمّـى بالحرب العراقية الثانية) وقام الممثل برادلي كوبر بشراء الحقوق والمشاركة في إنتاج الفيلم الذي قام بإخراجه كلينت ايستوود.
الحرب الأميركية- العراقية التي بدأت سنة 2003 بهدف إقصاء الرئيس السابق صدّام حسين عن السُـلطة وإلقاء القبض عليه ومحاكمته، كانت شهدت العديد من الأفلام حولها في الفترة التي امتدت من 2005 إلى 2010. ليس أن بعض الأفلام لم تتحقق قبل ذلك التاريخ أو بعده، بل شهدت الفترة المذكورة فورة إهتمام كبير نتج عنها أكثر من 20 فيلم  تناولت الحرب ذاتها أو تأثيراتها على الأميركيين العائدين أو لمجرد وضع وصف لخلفية بطل فيلم أكشن سريع. من أهم تلك الأفلام كان «خزنة الألم» وStop-Loss. كلاهما سنة 2008 وكلاهما من إخراج إمرأتين هما، على التوالي، كاثلين بيغيلو وكمبرلي بيرس. قبلهما بعام قام المخرج برايان دي بالما بتحقيق «منقح» Redacted وأخرج إيرل موريس فيلمه التسجيلي «إجراءات قياسية وعملاتية» Standing and Operating Procedure 
هذا من قبل وصول مخرجين آخرين للمشاركة في وضع بعض النقاط على بعض الحروف ومنهم الأيرلندي بول غرينغراس في «منطقة خضراء» والبريطاني كن لوتش في «طريق أيرلندي» وكلاهما سنة 2010.
كما الحال مع الحرب الفييتنامية، إنقسمت كل الأفلام المذكورة والعديد من الأفلام الأخرى التي اتصلت بتلك الحرب ما بين مؤيد ومعارض. هذا الإنقسام كان عادياً ومتوقّـعاً بين أفلام وجدت الحرب الفييتنامية مأساة تدحرجت فيها الولايات المتحدة حتى احترقت أصابعها فيهاالعودة للوطن» لهال آشبي، «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس كوبولا و«خسائر حرب» لبرايان دي بالما) وأخرى مؤيدة القبّـعات الخضر» لجون واين و«فتيان الفرقة سي» لسيدني ج. فيوري الخ…).

جمهور شاهد كل شيء
لكن الحرب العراقية تميّـزت عن حروب أميركا السابقة، ومنها حرب فييتنام، في أنها وقعت في زمن تستطيع فيه أن تكون كاميرات التصوير موجودة في قلب المعارك تنقل على الهواء مباشرة ما يدور. هذا ما حد من نجاح الأفلام التي تناولت الحرب العراقية سواء أيدتها أو عارضتها. فالقاعدة العريضة من الناس كانت، بحلول النصف الثاني من العقد الأول من هذا القرن) اكتفت بما شاهدته. وصلت إلى قناعاتها ولم يعد لديها أسئلة ملحّـة يتكلّـف الواحد منها عشر دولارات لشراء تذكرة لدخول السينما. 
The Hurt Locker 

وليس صحيحاً أن الأفلام المناوئة للحرب العراقية، مثل «ستوب/لوس» أو «خزنة الألم» هي وحدها التي ابتعد عنها الجمهور، إذ لم يحالف النجاح أفلاماً مؤيدة، على نحو واضح أو خفي، تلك الحرب كما حال «لعبة عادلة» لدوغ ليمان و«وطن الشجعان» لإروين وينكلر.
مع فيلم كلينت ايستوود «قنّـاص أميركي» تعود مسألة الحرب العراقية إلى الواجهة. الفيلم سورع بعرضه في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي ليلحق بترشيحات الأوسكار التي تنص على أن يكون الفيلم عرض في بلاده خلال العام الفائت (2014 في هذه الحالة) لكي يستطيع اللحاق بالأوسكار. العرض كان محدوداً وخلال هذا الأسبوع سينتقل إلى عدد أكبر من الصالات. مستوى الإقبال عليه غير معروف، لكن الحديث عنه لم ينتظر شيوع عروضه بل انطلق مؤيداً هنا ومهاجماً هناك.
«قنّـاص أميركي» (نقدنا أدناه) في واقعه فيلم يميني يتبع سيرة حياة الجندي كريس كايل الذي منح وسامين فضّـيين عن خدماته العسكرية في حرب العراق ووصف بأنه صاحب أعلى رقم في قتل الأعداء (162 حالة مؤكدة قد تصل إلى 200). ايستوود، بمرجوعه وثقافته اليمينية ينقل ما ورد في كتاب كايل (الذي قُـتل في حادثة إطلاق نار في الولايات المتحدة بعد عودته من جولته الرابعة من الخدمة) الذي لا يحتاج إلى جهد لمعرفة موقع قلب كاتبه من تلك الحرب. بعد صفحات قليلة من الفصل الأول، كتب كايل قائلاً واصفاً العراقيين:
"كثيرون وأنا منهم وصفنا العدو بــ «المتوحشين». كم كنت أتمنّـى لو قتلت منهم عدداً أكبر، ليس لتسجيل رقم بل لأنني أؤمن بعالم أفضل من دون متوحشين يقتلون أرواحاً أميركية".

على طرفي نقيض
المنظور اختلف مراراً وتكراراً، وأحد أهم ملامح السينما الأميركية سعتها لأن تنتقد أو تؤيد على راحتها ومن دون أن يتّـهم أحد الآخر بالنعوت السلبية. لم يصف أحد برايان دي بالما بأنه معاد لأميركا كونه أدان بشدّة الممارسات الأميركية في العراق في «منقّـح» ولن يتعدّ الأمر بالنسبة لفيلم ايستوود أكثر من إبداء وجهة نظر لها شعبيّـتها في الولايات المتحدة وخارجها ولها معارضيها أيضاً في كل مكان.
ما يفرّق الأفلام ويجمعها هو قدر من التحليل الفكري الذي يمنح العمل السينمائي (أي عمل) قيمته الضمنية. إذا ما تم سكب هذا التحليل في حرفة جيّـدة ساهم في رفعه بصرف النظر عن الرأي الخاص الذي يقف وراءه. هذا ما ميّـز فيلم كاثلين بيغيلو «خزنة الألم» (2008): صاغت عملاً يعايش ما يواجهه الجندي الأميركي من مخاطر في العراق. طبعاً كثيرون هاجموه لأنه "لم يتحدّث عن العراقيين وما يواجهونه" لكن هذا ليس مطلوباً من المخرج، ولا حتى من السينما الأميركية، بل مطلوب من السينما والسينمائيين العراقيين وربما يحدث في يوم ما.
The Grace is Gone

«منقّـح» هو الفيلم المعارض تماماً لـ «خزنة الألم» علماً بأن برايان دي بالما استخدم الأدوات ذاتها: الكاميرا الرقمية المحمولة. الإقتراب الحثيث من حياة المجنّدين الأميركيين والرصد الكامل لعملياتهم. لكن في حين أن اهتمام بيغيلو كان لتأييد الجهد الفردي الأميركي، صب دي بالما اهتمامه على نقد ذلك الجهد الفردي وجهد السياسة الأميركية ككل.
والعديد من الأفلام لم ترد أن تبحث في الحرب بل في تبعاتها: أفلام مثل «وطن الشجعان» لإروين وينكلر و«النعمة مضت» لجيمس ستراوس و«في وادي إيلاه» لبول هاجيز أريد لها أن ترصد ما الذي يحدث بعد عودة المقاتل الأميركي من المعركة الدامية وادي إيلاه») أو كيف يمكن لزوج فقد زوجته في تلك الحرب أن يشق وولديه طريقه إلى مستقبله من دونها النعمة مضت»).
في معظم الأحوال التي تتحدّث عن عودة جندي من الحرب نجد أن ذلك الجندي، وكما الحال في «قنّـاص أميركي» أيضاً، يعود إلى فراغ لم يكن يتوقّـعه. يخفق في التعايش، وكما في فيلم «ستوب/لوس» الرائع، يقرر أن مكانه لا يزال في أتون الحرب وليس في السلام. لقد حولته منه تلك الحرب إلى البندقية التي يحملها. 


[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014



No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system