أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 1, 2014

هذا العدد: مهرجان قرطاج 2014 | قيس الزبيدي عن بريشت | جان رنوار | DVD لمهند النابلسي | ثلاثة كلاسيكيكيات خيال علمية| محمد رُضـا عن الكاتبة ب. د. جيمس


* السينما اليوم 

 الفضاء الشاسع مغلق ولا هروب…   محمد رُضــا  

ثلاثة أفلام عبر تاريخ السينما الطويل تعاملت مع
الفضاء كسجن كبير يحيط بنا. على سعته شكّل
خطراً على الإنسان وتنبّـأ بفشل التكنولوجيا على
المدى البعيد.

ما زال فيلم روبرت وايز «اليوم الذي  توقفت فيه الأرض» When Earth Stood Still المنتج سنة 1951 أول محاولة جديرة للحديث عن مخلوقات فضائية مسالمة تحط على الأرض. 
على عكس عشرات الأفلام قبل ذلك التاريخ وبعده، لم يكن فيلم وايز، المأخوذ عن صرخة في كتاب لهاري بايتس تدعو إلى نبذ الخلافات على الأرض، حول وحوش ومخلوقات فضائية تهاجم كوكبنا لتقويضه أو سرقته. كذلك لم يكن من بين تلك التي تصوّر رحلات فضائية لكواكب بعيدة لأهداف علمية تنقلب نتائجها وبالاً عندما تكتشف أن للكواكب الأخرى بيئتها الخاصّـة التي لا قدرة للإنسان أن يعيش فوقها.
The Day The Earth Stood Still

«اليوم الذي توقّـفت فيه الأرض» تحدّث عن مركبة فضائية تحط وخروج مخلوق (على هيئة إنسان) من المركبة (الممثل مايكل ريني) لينصح أهل الأرض بإيقاف التجاذب والتهديد بالسلاح النووي مردداً في مشهدين أن أهل الكواكب الأخرى قلقون حيال ما يحدث فوق هذا الكوكب الذي فشل أهله العيش فوقه بسلام.
رسالة جميلة بلا ريب، لكنها مسالمة. ليس أن الفيلم لم يلق أي رواج، لكنه كان رواجاً محدوداً. تقدير كبير من المثقفين والنقاد وقبول عادي من الجمهور. في العام ذاته قام هوارد هوكس وكرستيان نيبي بتحقيق «الشيء من العالم الآخر» الذي صوّر وحشاً فضائياً يحاول النيل من بعثة علمية في القطب الشمالي. أكثر منه عداوة لمخلوقات الفضاء «غزاة من المريخ» لويليام منزيز كاميرون و«حرب العوالم» لبرايان هسكين و«جاء من العالم الآخر» لجاك أرنولد، وكلها عرضت بعد عامين على «اليوم الذي توقّـفت فيه الأرض».

فضاء مجهول ومكلف
مرّت 31 سنة على تلك الدعوة للسلام قبل أن ينجز ستيفن سبيلبرغ فيلمه «إي. تي: الخارج عن الأرض» (1982) وهو قدّم، بدوره، صورة "لطيفة" عن ذلك المخلوق الخاص والبريء القادم، خطأ، من العالم الآخر. قبله ببضع سنين قدّم «لقاءات قريبة من النوع الآخر» (1977) حيث لا خوف من الفضاء وأهله. كلاهما فاز بمختلف النجاحات الممكنة لفيلم فهذا ستيفن سبيلبرغ الذي يستطيع دمج الرسالة بالترفيه والتجاذب العاطفي وصولاً إلى كل فئات المشاهدين.

لكن إذ تنقسم هذه الأفلام- أيضاً- إلى أعمال تدور على الأرض وأخرى تقع خارج الأرض، فإن النجاح المبهر الذي ينجزه حالياً «بين النجوم» (Interstellar) أكبر من أن يمر عليه المرء مروراً عابراً. ليس أنه أنجز حتى الآن 500 مليون دولار حول الأرض فقط، بل لأنه، وكما ذكرت في مقال سابق عنه، إنجاز على المستويين الفني والتقني قل نظيره.
هو من تلك التي تسافر إلى الفضاء لبحثه وتقصيه. المغامرة بالتالي تترك الأرض وما عليها من مشاكل حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل بعيداً عما يقع لعالمه الذي وُلد فوقه. تسبر غور فضاء مجهول أو، بالأحرى، ما زال مجهولاً على الرغم من ترليون من الدولارات التي صرفت على محاولة إكتشافه. 
هناك شجاعة كبيرة محسوبة لكل من قام بهذه الرحلة المختلفة من قبل. تلك الأفلام التي كان طموحها الإصطدام بـ "حضارة" مختلفة ومعادية للإنسان الوجهة المريخ»، 2004 أو «دارك ستار»، 1974 مثلاً) لاستثمارها لدى جمهور متعطش لفحوى المغامرة من تشويق ومطاردات وسلاح ليزر، ليست موضع نظر هنا لأن الأفلام المغايرة التي قدّمت معالجة عميقة حول الوجود الإنساني وتأملات فلسفية في حاضره ومستقبله لا تزيد عن بضعة أعمال يتقدّمها «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) وتشمل «سولاريس» لأندريه تاركوفسكي و«بين النجوم» لكريستوفر نولان. هناك أخرى منجزة بإتقان مثل «أفاتار» لجيمس كاميرون (2009) و«جاذبية» لألفونسو كوارون (2013)، لكن الثلاثة المذكورة هي أهم أعمال سينمائية (أميركيان وروسي) حول العالم الخارجي من زاوية وجودية.
2001: A Space Odyssey

تأملات وجودية 
«2001: أوديسا الفضاء» كان، تحديداً، حول ذكاء الإنسان في بلوغ المستقبل وكل تحدياته واستنباط عقل إفتراضي يسيطر عليه (قبل أن يسيطر ذاك على عقل الإنسان) في مقابل انهيار أخلاقياته الإجتماعية. نجاح وفشل متلازمين. صعود وهبوط متوازيين. عقل الإنسان ولّـد الوحش الذي سيحاول إخضاعه. وفي الفيلم ثورتان: الأولى للقردة التي إكتشفت معنى «السلاح» والكومبيوتر (هال) الذي وجد أنه يستطيع، وقد تجاوز الذكاء الإنساني، الإستقلال عنه. كل ذلك، وسواه، من الرسالات والتفاصيل التي تحويها، تم تدجينه في عمل ممهور بإبداع تكنولوجي مبهر. الذكاء الذي يمارسه الإنسان في الفيلم متعاوناً، في مطلع الأمر، مع التكنولوجيا هو ذاته الذي مارسه المخرج متعاوناً مع أفضل ما استطاعت التكنولوجيا توفيره في مجال المؤثرات البصرية.
Solaris

«سولاريس» يختلف. لديه بعض التكنولوجيا، لكن المخرج لا يريدها للإبهار. هو نأى بنفسه عن المجاراة، ولو أن الروس حينها رددوا أن «سولاريس» هو رد على فيلم كوبريك المذكور). الهم في «سولاريس» هو هم وجداني بالكامل. هم يلتقي وذاك الذي في «2001: أوديسا الفضاء» من حيث أنه يتعامل مع التقدّم في الفضاء على حساب مشاعر الإنسان وحاجته للجذور. نصف الساعة الأولى هي أرضية: العالم الذي سيطلب منه الصعود إلى الفضاء الخارجي لمعرفة أسباب إنتحار علماء موجودون في مركبة تطفو، يتأمل الأرض كتأمل الفيلم لها: النباتات القصيرة والأشجار الطويلة. النهر. المطر. الحياة التي يبدو حزينا لتوديعها. كذلك العائلة وطينة العلاقات الخاصّـة. في الفضاء لا وجود لأي شيء من هذا القبيل، بل إكتشاف لوضع يزور فيه الماضي المضمحل في غياهب البال والضمير الإنسان من جديد ليسأله عن أفعاله.
«بين النجوم» يبتعد، كحكاية عن هذين الوضعين وإن يقترب من الفيلمين المذكورين من حيث بحثه المرهف عن الحقيقة في الفضاء الشاسع. الأرض، هنا، لم تعد صالحة للحياة. الإنسان مطالب لأن يغادرها. الرحلة هي رحلة بحث عن مكان بديل لكن هناك من خطط لها وهو مدرك تماماً أنه ليس هناك أي كوكب بديل. الموت المطبق يكمن على الأرض وعلى إرتفاع ألوف السنوات الضوئية فوقها.
Interstellar

أي مشهد من أي فيلم يكتفي بتصوير مركبة تجوب ظلام الفضاء بصمت، يتعامل مباشرة والذهن البشري في الصالة. أنت لا تستطيع تحمّـل مصعد يتوقف بك بين الطوابق لدقيقه. ماذا تفعل لو كنت بين الكواكب لدهر؟ الفارق أن ذلك الظلام الفضائي يدفعك للتأمل. هذا من قبل أن يتحوّل هذا التأمل إلى رعب.
يكفي ذلك المجهول الذي يصوّره «بين النجوم» بجدارة. في الفضاء، لا تعلم ما الذي يمكن أن يحدث. لكن حتى ولو لم يقع أي حدث، فإن السكون ذاته هو خطر ماحق لا هروب منه.


[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

1 comment:

  1. لاحظت وأنا أقرأ في الارشيف أنك عام 2009 قمت المثناء على فيلم
    The Curious Case of Benjamin Button
    وتتويجه بتصنيف *****
    لكن في حديثك عن فلم فينشر الاخير فتاة مختفية
    عطيته ***1/2 ، لا أعلم هل المشاهدة الثانية غيرت رأيك للفيلم .

    هل مهرجان برلين تحسن خلال خمس سنوات من الأفلام الي عرضها
    عام 2009 كنت تذم كيف مهرجان مثله يعرض أفلام مثل
    The International و Notorious

    اخر نقطة أتكلم عنها اليوم وهي عن الفقرات الجانبية
    من المجلة حيث لاحظت أنك عندما تكتب فقرة جديدة
    لا يحفظ الموقع في الأرشيف المقالات القديمة
    كمثال أنت كتبت حاليا عن فيلم دلافين الاماراتي
    وعندما تقوم بإزالته وكتابة مراجعة اخرى
    فإن المحتوى لا بحفظ لسبب لا أعرفه
    وبحثت عن مقالات كتبتها في نفس الجانب مقالات قديمة ولم أجدها .

    محمد الجطيلي . الرياض

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system