Dec 19, 2014

المكان في أفلام سجيلية حديثة | وجهان للسينما الرقمية | مهرجان دبي: النهايات | جان رنوار في هوليوود 2 | برتولت بريشت والسينما 2 | هل سرق «ألعاب الجوع» فكرته من فيلم ياباني؟



المكان في سينما اليوم هو كل شيء
حياة المدن تلوّن السينما التسجيلية بأطيافها 
 محمد رُضـا 

"ما عطيتن صوتك، ما تعطيُـن أرضك"، يقول ذلك الشعار المكتوب على اليافطة الذي يطالع المخرجة اللبنانية رين متري كلما خرجت من بيتها في فرن الشبّـاك، كما تذكر في فيلمها التسجيلي الجديد «لي قبور في هذه الأرض».
النصيحة التي يعبّـر عنها هذا الشعار تبدو صائبة، لكن صوابها هو أمر ثانوي بالنسبة إليها. تجد العبارة معادية وصادمة إذ تسعى لتأصيل الخوف عند الفئة التي تتوجه العبارة لها وهو، كما تذكر أيضاً، ما وجدت أن فرقاء النزاع في لبنان عمدوا عليه حيناً بعد حين لأجل إثارة النعرات أو الدعوة لمعاداة الغير عوض التعرّف على الآخر والتواصل معه.
لكن لجانب هذه الملاحظة السياسية التي تكمن في الشعار وتعريف المخرجة متري بها ووجهة نظرها حولها، وهي من بين ملاحظات كثيرة أخرى، فإن الفيلم يبحث في المكان. واحد من عدّة أفلام تسجيلية عربية في السنوات القريبة تركّـز على المكان كمحور لما تتعاطى معه من قضايا. 

هنا بيروت. هناك القاهرة. هذه دمشق أو بغداد. أو قد يكون المكان مدينة أصغر أو حتى قرية أو ربما بيت واحد كما في فيلم «روشميا» لسليم أبو جبل أو مدرسة كما في فيلم يحيى العبدالله «المجلس».
في «لي قبور في هذه الأرض» تقص المخرجة حكايتها مع المكان ومن خلاله الكثير من الأزمنة. هي جاءت من بلدة جنوبية مسيحية صغيرة أسمها عير المير تقع شرقي صيدا. حين كانت لا تزال صغيرة والحرب الأهلية بدأت، أضطرت عائلتها للهجرة والنزوح. إختارت جونية، لكن الجيران والكثير من أبناء البلدة الجميلة والوديعة إختاروا بلدة جزين ومنطقتها. لاحقاً ما اضطرت الأم لبيع الأرض، والآن تنوي العائلة بيع البيت. لكن، وكما يقول الفيلم، بيع الأرض أقل إيلاماً من بيع البيت.  البيت هو المحيط من الداخل. المكان الذي تأوي إليه الحقول والجبال والأشجار. الغرف التي يكبر فيها البشر وتعيش بين جدرانها الذكريات.
«لي قبور  في هذه الأرض» ليس فيلم ذكريات عاطفية عن الأمس، بل فيلم أسئلة تطرحها المخرجة حول مصير العلاقات الإنسانية بين الفئات المختلفة. بين مواطنين مشتركين في الحياة في بلد واحد، إلى مواطنين منتمين إلى طوائف غير متشاركة. عن التغيير الديموغرافي للحياة وانكماش هذه الطائفة أو تلك الفئة في مقابل توسع الطائفة أو تلك الفئة. عن مئات السنين من التعايش المهدور في بضعة عقود.

بين المدينة والقرية
«المجلس» له علاقة مختلفة مع المكان. المكان هو مدرسة تقع في المدينة. المدرسة تجمع، في هذا الفيلم الأردني للمخرج عبدالله، صاحب الفيلم الناجح «الجمعة الأخيرة» قبل سنوات ليست بالبعيدة، طلاب على اهتمامات وشؤون ومشارب مختلفة. هي بدورها لا تؤدي إلى لم الشمل والتعارف. المدرسة التي يسجل المخرج حياتها في فصل دراسي واحد، تشهد منازعات وخلافات بين الطلاب تبدو في الظاهر صبيانية، لكنها في عمقها إنعكاس لعقليات مختلفة تتحارب. اتجاهات صغيرة قد تطفو مستقبلاً أو قد تكون نتيجة إتجاهات أكبر ورثها الطلاب من البيت والشارع. ما يهم المخرج هو البرهنة على أن الحياة الطالبية هي جزء من الحياة الإجتماعية وأن الإخلاص للعمل الذي يتحلّـى به بعض المسؤولين في تلك المدرسة المختلطة لا يكفي لإنجاح المهام في تفريخ شبّـان قادرين على الخروج من الدراسة إلى فعل البناء على نحو إيجابي.
هناك شؤون أخرى. مزبلة قريبة من المدرسة تخفق الإدارة في إتخاذ الموقف حيالها، وحين تفعل لا يتغير شيء يذكر. في الواقع نهاية الفيلم تجسّـد أن الوضع باق كما هو عليه. ها هي المزبلة قائمة رغم القرارات التي لم تنفّـذ وربما لن تنفّـذ.
من المدينة والبلدة إلى المدرسة ثم إلى البيت.
في فيلم «روشميا» الفلسطيني من إخراج سليم أبو الجبل حالة خاصّـة.
هناك زوجان عجوزان يعيشان في كوخ صغير يقع في وادي روشميا بالقرب من حيفا. كلاهما هاجر من موقع سابق لينتهيا في هذا الكوخ الذي يقع تحت جدار جبلي شاهق وتحت كتف طريق تربط حيفا بسواها. هناك تحاول البلدية الإسرائيلية شق وبناء نفق يسهّـل حركة السير. لكن هذا البناء سوف لن يتم إلا بهدم ذلك الكوخ. هذا أمر قضائي لا مرد عنه. لا يهم ما يتفوّه به الزوج وزوجته من مبررات ولا كل ذلك القدر من التمسّـك بالحق المهدور. الطريق سيفتح. النفق سيمر. الهدم في المحيط قائم وفي نهاية الفيلم سيصل إلى الكوخ ليجد الزوجين نفسيهما على قارعة الطريق مع ما استطاعا حمله من حقائب. الزوج لا يزال يهدد ويتوعد. حالة منتشرة بين الجميع هذه الأيام يلخّـصها الفيلم في ساعة وعشر دقائق معظمها تكرار لما سبق لكنها في النهاية مثيرة للحزن.

العراق والعالم
الفيلم التسجيلي الذي نجح في الخروج من المكان الواحد ليبحث عن ذات مخرجه في أماكن عدّة وبنجاح هو الفيلم العراقي- السويسري- الألماني- الإماراتي «أوديسا عراقية». فيلم تسجيلي من النوع الوثائقي الذي يتعاطى التاريخ والتاريخ الشخصي لبطله. مثل «لي قبور في هذه الأرض» يتحدّث عن تجربة مخرجه في القضايا المطروحة والمثارة.
يعجبك في هذا الفيلم ذلك البذل الكبير والدقيق الذي صرفه المخرج لتحقيق هذا العمل، تأليفاً وتشكيلاً وكجمع للمعلومات ثم لتنفيذ هذا الكم الكبير من الساعات المصوّرة سواء أكانت مقابلات أو لقطات إضافية خاصّـة بالفيلم ثم مزجها (بتوليف جيّـد أشرفت عليه صوفي برونر) بالمواد الوثائقية المستخدمة بدقة لا يعيبها سوى عدم قدرته على التخلّـص من نصف ساعة أو نحوها رغم أنه الإمكانية متوفرة.
ينطلق سمير (أسمه الكامل سمير جمال الدين) من التعريف بأقاربه المنتشرين حول العالم: ستة أعمام، عشرون أولاد عم وخمسة أشقاء وهو يختص بمتابعة ما حدث لخمسة من أقاربه الذين تركوا العراق على مراحل وكل إلى بلاد مختلفة حول العالم. في كشفه لما حدث لأفراد العائلة وأقاربها يتابع المخرج بمقابلاته كل ما يجسد الحرمان والتشتت والإحباط الذي أصابه ومن يستطلعهم ويقابلهم أمام الكاميرا. وهو إذ يفعل ذلك يفتح دفاتر الجميع وتواريخهم الخاصّـة فإذا بالمشاهد أمام حشد من الشخصيات التي تعاطت والسياسة على نحو حثيث ما عرّضهم لنقمة المسؤولين في العراق و-أحياناً- خارجه. في غمار ذلك يكشف عن تجارب إنسانية متواصلة مؤلمة ولو أن المخرج لا يسعى، تحديداً، لمعالجة عاطفية.  يسبر المخرج غور التاريخ العراقي الحديث من أيام الإحتلال البريطاني إلى نهاية النظام البعثي. وفي حين أنه ينتقد غياب الحريّـة والنزعة للسُـلطة وغياب الديمقراطية في كل العهود إلا أنه يسدد لنظام صدّام حسين أكثر نقده وما يعرضه من أسباب (وصور) تستدعي الموافقة على ذلك النقد. تعليق المخرج واف وهاديء، لكن تلك الكلمات المكتوبة عربياً وإنكليزياً على الشاشة تتكرر وتظهر على نحو شبه متواصل فاقدة القيمة خلال دقائق محدودة. 



[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular