أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 24, 2014

عودة السينما الصامتة عربياً وعالمياً


 العدد  867 * السنة 8 
  عملاً بمبدأ الصمت من ذهب:
 مخرجو اليوم يجدون في السينما الصامتة ملاذاً للتعبير

السينما الصامتة إلا من أصوات
المؤثرات المختلفة تعود كاشفة
عن حب للصورة… أو ربما هــذا
هو الدافع | محمد رُضــا
باب الوداع

من الأخطاء الشائعة القول أن أول فيلم ناطق كان «مغني الجاز» The Jazz Singer سنة 1927 للمخرج ألان كروسلاند وبالتالي فإن الفيلم، الذي تحدّث عن رجل يتحدّى تقاليد العائلة اليهودية التي ينتمي إليها وينخرط في سلك الغناء، بنى جزءاً كبيراً من سمعته على هذا الأساس. لكن هناك عدم دقّـة في هذا الإعتبار سها عنها العديد من الكتّـاب وحتى المؤرخين. فالفيلم الذي قام ببطولته آل جولسن وأنتجته وورنر، كان- ولا يزال- فيلماً صامتاً في الأساس. الناطق هو أجزاء من الفيلم تحتوي على قيام جولسن بتقديم فقرات غنائية. 
كذلك سبق لألان كروسلاند أن غمر تجربة الصوت في فيلمه الأسبق «دون جوان» (1926) من دون أن يُـثير ذلك أي اهتمام لدى الباحثين. ذلك الفيلم لم يكن غنائياً، لكنه تضمن مشاهد ناطقة على أي حال. 
لكن الأهم أن الفرنسي كليمان موريس حقق سنة 1900 (أي قبل 26 سنة كاملة على إطلاق «دون جوان» نسخته من «سيرانو دو برجيراك» الذي صاحبه حوار صوتي واضح. طبعاً في كل هذه الأفلام كان الصوت مصاحب على شريط منفصل وعلى هيئة تجارب، هذا من بعد العديد من المحاولات ذات الأثر المحدود التي أقدم عليها مهندسون وفنيون غربيون بغاية تحقيق أفلام ناطقة بدأت قبل نهاية القرن التاسع عشر، أي بعد سنوات قليلة من إطلاق السينما ذاتها.

جيل جديد صامت
غاية الصمت لم تكن اختياراً في ذلك الحين بل أمراً مفروضاً. تلك التجارب، وحتى العام 1927، كانت جادّة في سبيل تقديم فيلم ناطق كما هو مصوّر. «مغني الجاز» هو أول استقطاب تجاري (كما أن أفلام لوميير كانت أول استقطاب تجاري وإن لم تكن أولى الأفلام، بل بعد 7 سنوات من اختراع الفيلم) لهذه المحاولة ومع نجاحها بدأ تحوّل تدريجي سريع من الفيلم الصامت إلى الناطق. المخرجون الذين تمنّـعوا آنذاك في الإنجراف صوب النطق (ومن بينهم ألفرد هيتشكوك ولاحقاً تشارلي تشابلن) أدركوا أنه لا يمكن مقاومة عوامل التغيير. السينما الناطقة وُجدت لتبقى وبقيت من حينها السائدة.
على ذلك، نتابع اليوم عدداً ملحوظاً من الأفلام التي تختار الصمت سبيلاً. على عكس أفلام الأمس، هذا الصمت الذي يعرض عبره المخرجون تجاربهم، هو إختيار وليس فرضاً. وليس صحيحاً أن عودة الفيلم الصامت بدأت مع «الفنان» للفرنسي ميشيل هازانافيشوس سنة 2011. هذا لأن الروسي ألكسندر سوخوروف قام به كاملاً سنة 1997 عندما حقق «أم وإبن».
وقبل ذلك قام الكوميدي الفرنسي جاك تاتي بتحقيق بعض أعماله صامتة (من بينها «عمي» و«عطلة السيد أولو» في الخمسينات والمخرج الهندي سينغيتام شرينفازا راو قام سنة 1987 بتقديم فيلم كوميدي بعنوان «بوشباك» صامتاً.
الموجة الجديدة تتضمن أفلاماً عربية: «فرش وغطا» لأحمد عبدالله و«باب الوداع» لكريم حنفي. الأول استخدم الأصوات البشرية وحوارات إنما من شخصيات ثانوية والزم بطله آسر ياسين الصمت المطبق. الثاني كله بلا حوار. هناك تعليقات مسموعة، لكن الحوار ملغى من الإعتبار.
كذلك تتضمن فيلماً هندياً جديداً هو «شغّالو الحب»  Labour of Love لأديتا فيكرام سنغوبتا وفيلماً روسياً بعنوان «تجربة» لألكسندر كوت وآخر من جورجيا (بمساهمة دول أوروبية وآسيوية أخرى) عنوانه «جزيرة الذرة» لمخرجه جورج أفاشفيلي. هذه الثلاثة عرضها مهرجان «أبوظبي» السينمائي الأخير وكانت حديث المشتغلين بالنقد وثقافة السينما.

قواعد سينما الأمس
على أن الغاية من استخدام الصمت يختلف من فيلم إلى آخر. كذلك مقدار الصمت نفسه.
على عكس الأفلام الصامتة الأولى التي كانت لا تستطيع تسجيل تعليق أو إستخدام الأصوات والمؤثرات الطبيعية، هذه الحديثة لا تستطيع أن تنتج فيلماً صامتاً فعلياً. لا يوجد سبب فني (ناهيك عن ضرورة درامية) للإمتناع عن تسجيل صوت الباب إذا تم فتحه أو إغلاقه، أو صوت السيارات في الشوارع أو الموسيقى الآتية من المذياع وسواها. ما تختاره غالباً هو أن تبقي أبطالها صامتين. الحوار سيقلل، في هذه الحالة، من قيمة أي بعد نفسي، عاطفي أو وجداني يختاره المخرج لفيلمه. وفي حالات أخرى، سوف لن يُضيـف شيئاً على ما كان الحوار سيقوم به.
Corn Island

«الفنان» في واقعه تقليداً لأفلام العشرينات الصامتة. والتبرير موجود بالفعل: تقع أحداثه في عهد السينما الصامتة ما يجعل صمته متماشياً مع صمت السينما القديمة التي يقلدها. وحين ينطق في مشهد واحد فهو في المشهد الذي يعرضه المخرج كشريط مصوّر داخل فيلمه
الأسباني بابلو برغر صنع فيلماً أكثر أصالة من حيث أنه لم يكن تقليداً بل اختياراً: «سنو وايت» (2012) مصنوع على قواعد السينما الصامتة. وحين السؤال عن ذلك الإختيار فإن الجواب الذي يبديه الفيلم هو حريّـة المخرج في إختيار فن التعبير.
ما يميّـز هذا الفيلم أيضاً هو أنه ليس مجرّد حكاية مؤلّـفة بل هي إستعادة لرواية أطفال شهيرة لا يمكن تصوّرها من دون حوارات وربما أغان تقوم شخصيات الفيلم بتقديمها. بذلك خرج بابلو بالفعل على كل تقليد.
وهذا نراه ينطلي على تجربة المخرجين المصريين أحمد عبدالله في «فرش وغطا» وكمال حنفي في «باب الوداع» مع إختلاف أن الأول يضع بطله في وسط الجماعات البشرية التي ينخرط بها والثاني يختار شكلاً منتمياً إلى الروسيين أندريه تاركوفسكي وألكسندر سوخوروف و(المجري) بيلا تار يلج فيه الحل الصامت الذي يرغب استخدامه.

بلا إضافة
في مرات كثيرة لا يمكن إلا وملاحظة أنه ليس من الممكن لفيلم صامت حديث تجاهل واقع الحياة. هل يمكن لأب وإبنته في «تجربة» أن يعيشا في مكان واحد كل الوقت من دون أن يتكلّـما معاً؟ كذلك الحال بالنسبة لـ «جزيرة الذرة»: عجوز وإبنته (ولاحقاً رجل آخر) يتشاركون في الحياة فوق مرتفع صغير من الأرض لا تزيد مساحته عن بضعة أمتار و… لا يتحدّث أي منهم للآخر.
هنا ما على الشكل المختار أن يتدخل: «باب الوداع» مشغول بأسره كفيلم وجدانيات وتصميم مناظره ولقطاته يجيء ليؤكد على الفواصل بين عوالم الجدة والأم والإبن. كذلك فإن موضوع «شغالو الحب» مناسب: هذان زوجان لا يلتقيان. هو ينام في النهار ويعمل في الليل وهي تعمل في النهار وتنام في الليل. يعملان دائماً (ولو في مصنع واحد). الصمت هنا يجيء لإثبات حال عائلي واجتماعي، بالإضافة إلى حقيقة أن أي حوار بين شخصيّـتيه وأناس آخرين لا قيمة له لو تم ولا إضافة.
في «تانغو الشيطان» لبيلا تار (1994) هناك حوار مترام هنا وهناك على مدى 7 ساعات و45 دقيقة هي مدّة عرض الفيلم. هذا قمّـة في استخدام الصمت الذي يؤلف ويلف غالبية المشاهد. وهو عاد إلى المنوال نفسه في فيلمه الأخير «حصان تورينو» (2013). السؤال الرئيس في حالته لا يختلف عنه في معظم الأعمال الأخرى: ماذا كان الحوار سيضيف إلى المَشاهد أو إلى المُشاهد: ويأتي الجواب حاسماً: لا شيء وذلك حسب الحكمة التي تقول «إذا كان الكلام من فضّـة فالسكوت من ذهب».



 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system