أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jul 26, 2014

مئة سينمائي أسباني، بينهم ألمودوڤار، ينددون بالعدوان الإسرائيلي على غزة | برغمن | السينما البريطانية الحرّة | أوراق "كان" 1964 | الواقع الثقافي العربي | "جيرافادا" | بيرت رينولدز | جيمس غارنر |


 العدد 858 * السنة 8 

 في هذا العدد  
 على هذه الصفحة
* إنغمار برغمن يكتب عن مفهومه للسيناريو وعن الفيلم كوسيط إبداعي 
* موضوع الغلاف: التاريخ الموجز للسينما البريطانية الحرّة
*  تحقيق: خمسة أفلام حديثة عن العلاقة بين المسلمين وسواهم

 الصفحات العليا 
* عدنان مدانات يكتب عن فيلم «جيرافادا» ويراه يرمز لفلسطين حرّة.
* ميسر المسكي يقرأ بعض أهم أفلام مهرجان "كان" قبل خمسين سنة .
* تمثيل: حياة وأفلام بيرت رينولدز | محمد رُضـا
* رحيل:  جيمس غارنر: نجم الشاشتين | محمد رُضـا.
* فهم السينما: جذور نظرية "سينما المؤلف" 1 | محمد رُضا

 عواميد 
* سنوات ضوئية: مهند النابلسي يكتب عن الواقع الثقافي العربي الغريب.
* أخبار المخرجين:  الفرنسي أوليڤييه أوساياس ينتقل قريباً إلى شيكاغو
* أخبار المهرجانات: تورنتو يختار «القاضي" لفيلم الإفتتاح


 عندما تحدث إنغمار برغمن عن  الفيلم كوسيط إبداعي   
  محمد رُضــا 

في الثلاثين من هذا الشهر، سنة 2007  توفي إنغمار برغمن، أحد كبار مخرجي السينما ومن أكثرهم إثارة للنقاش. للمناسبة جمعت مقالات كتبها المخرج السويدي الشهير عن السينما أختار منها لهذا الأسبوع ما كتبه عن السيناريو ورؤيته للنص الإبداعي. ذلك الفن الذي لا زال علامة إستفهام كبيرة لدى الكثيرين. عليّ أن أقول هنا أن حديث المخرج يخص به الكاتب الموهوب، سواء أكان جديداً أو محترفاً. ذاك الذي يحاول أن يخلق عملاً فنيـاً وليس مجرد كتابة قصّـة.

"عادة ما يبدأ السيناريو بشيء خافت وغير محدد- ملاحظة عابرة أو مقوّلة متغيّـرة أو حادثة طفيفة ولكن لطيفة- شيء غير مرتبط بموقف فعلي. ربما ناتج أيضاً عن بعض الموسيقى أو عن إضاءة في شارع. شخصياً، حدث أنني استلهمت من ممثلين وضعوا الماكياج من دون أدوار يؤدونها.
كل هذه الأمثلة هي مؤثر يلمع ويختفي في جزء من الثانية، رغم ذلك يترك التأثير ما يشبه الحلم المبهج. معظم هذه الإيحاءات مثل خيوط تخرج من كيس داكن للعقل غير الواعي، إذا ما جمعتها معاً بحرص وبعناية بدأت بتكوين فيلم كامل.
أريد أن أقول أن الأمر لا يمكن أن يكون جاهزاً بل هو أقرب إلى وضع ذهني منه إلى قصّة مركّبة. 
هذه الخلية الحية تسعى من البداية لكي تنجز شكلاً. لكن حركتها قد تكون كسولة وربما غير متوازنة. لكن إذا ما كانت وهي في هذه الحالة البدائية قادرة على أن تتمتع بما يكفي من قوّة لكي تنقل نفسها إلى فكرة فيلم، أقرر حينها أن أمنحها الحياة وأبدأ بكتابة السيناريو.

السيناريو غير القابل للقراءة
الشعور بالفشل يحدث غالباً قبل أن تبدأ الكتابة. الأحلام تصبح نسيجاً عنكبوتيا. الرؤى تضمحل وتصبح رمادية وغير واضحة. والنبض يصمت. المشاعر تصبح صغيرة. أشبه بخيالات متعبة من دون قوّة أو حقيقة. حتى الآن، قررت أن أصنع فيلماً معيناً. والآن يبدأ التوتر العالي والمعقد والصعب لكي أترجم الإيقاعات والأمزجة والأجواء والتوترات والفصول والنبرات والروائح إلى كلمات وجمل إلى سيناريو يمكن قراءته أو على الأقل فهمه.
هذا صعب لكنه ليس مستحيلاً.
الأمر الأساسي هو الحوار، لكن الحوار هو مسألة حساسة قد تواجه الكاتب بالمقاومة. لقد تعلّمنا (أو يجب أن نكون قد تعلّـمنا) أن الحوار المكتوب للمسرح هو أشبه بالموسيقى غير القابلة للفهم للإنسان العادي.  لكن هذا الوضع ليس للمسرح فقط، بل أن الحوار يتطلب قدراً من الخيال في أي مناسبة وبعض الإيقاع. الإدراك بالسرعة التي على الجملة أن تُـنطق وهذه خصائص قلماً نجدها متوفّـرة لدى الكتاب.
يستطيع المرء أن يكتب حواراً، لكن إخراج كيف يمكن لهذا الحوار أن يُـلقى ويُـعامل وما الذي يحدث في الفترة بين حوارين عليه أن يبقى خارج الكتابة لأن السيناريو الذي يحتوي على تفاصيل كثيرة ليس صالحاً للقراءة.
أستطيع أن أحشر إرشادات وشخصيات وأماكن تصوير وأجواء في سيناريوهات أفلامي على نحو مفهوم إذا ما كنت كاتباً يمكن تحمّـله والقاريء على قدر معين من القدرة على القراءة، وهو ليس الأمر المعتاد دائماً.
لكن على أي حال سأصل إلى الأساسيات.

السيناريو ليس الأدب
بذلك أعني إيقاع المونتاج والعلاقة بين الصورة الواحدة والأخرى. "البعد الثالث" الذي من دونه يولد السيناريو ميّـتاً. إنتاج ميت خارج من مصنع. لا أستطيع هنا أن أعطي «مفاتيح» لحل المعضلات الإشكالية التي يتضمنها العمل على سيناريو. ومن المستحيل أن أعطي فكرة شاملة عما يمنح العمل الفني حياة. كثيراً ما عمدت إلى نوع من الترقيم لكي يمكنني من إستيعاب ظلالات ونبرات الأفكار التي ستدخل الفيلم (لا يذكر المخرج ما هي لكنه يشير بين قوسين إلى المسألة التالية: "هنا دعونا نقرر مرّة واحدة وإلى الأبد أن السيناريو السينمائي هو أساس تقني غير متكامل عملياً" ثم يضيف:)
في هذا الإطار، عليّ أن أنبّه إلى حقيقة تم تجاوزها. الفيلم ليس الشيء نفسه كالأدب. العادة الأغلب هي أن الشخصية والمادة لكل من الشكلين الفنيين في تناقض. تبيان السبب في ذلك صعب التحديد، لكنه يتعامل مع المراحل التجاوبية. الكلمة المكتوبة مقروءة ومنتمية بفعل واع وعلى علاقة مع المقدرة الفكرية، وبالتدريج تلعب على المخيلة أو المشاعر. إنه أمر مختلف تماماً عن الفيلم لأنه حين نرى فيلماً في صالة السينما فإن مداركنا تعلم أننا نتابع وهماً تم تحضيره لنا. نرتاح ونقبله بمداركنا ورغبتنا. نحضّر للطريقة التي سيقوم خيالنا باستقبال المشاهد وتأثيرها المباشر على مشاعرنا من دون أن تلمس العقل.
هناك أسباب كثيرة لماذا علينا أن نمتنع عن استلهام الروايات المنشورة، لكن الأهم هو أن البعد غير المنطقي، الذي هو قلب الأعمال الأدبية، ليس مفهوماً دائماً وهذا بدوره يقضي على البعد الخاص بالفيلم [ما يبدو مقصوداً هنا هو أن الرواية لها شرطها في تناول البعد الحدثي. إنه عمل وصفي من زاوية سردية تحوي بعدين: الراوي والحدث، لكن الراوي لم يكن هناك في المكان الذي ينقل منه حدثاً لذا فإن البعد المنطقي (الثالث؟) غائبلذلك إذا أردنا، ولابد، إقتباس مادة أدبية فإن علينا الدخول في عملية معقدة عادة ما ينتج عنها نتيجة محدودة التأثير.
أعرف عما أتحدث عنه لأنني واجهت أحكاماً "أدبية". هذا من الذكاء بالقدر نفسه لناقد موسيقي يطلب منه الحكم على معرض رسم أو لمعلق رياضي يطلب منه نقد مسرحية جديدة.  

الناقد والنقد والفيلم
حاجة الفيلم ليقدّم نفسه كشكل فني، حاجته لقاموس فني محدد، شبابه قياساً بالفنون الأخرى، ارتباطه بالحقائق الإقتصادية وتوجهه المباشر للمشاعر، يجعله معرّض لقيام النقاد بقراءته كل على طريقته. كل واحد يعتقد أنه يعتقد نفسه جاهزاً وقادراً على أن يقول أي شيء يرغب بقوله.

شخصياً لم يكن عندي أي طموح لأن أكون مؤلّـفاً. لا أتمنى أن أكتب روايات أو قصص قصيرة أو مقالات أو بيوغرافيات أو معالجات لمواضيع معينة. بالتأكيد لا أريد أن أكتب مسرحيات. صنع الأفلام هو ما يجذبني. أريد أن أصنع أفلاماً حول الحالات، التوترات، الصور، الإيقاعات والشخصيات التي في داخلي وهذا ما يثير إهتمامي. أنا صناع فيلم، لست مؤلفاً. السينما هي مساحتي التعبيرية وليس الككلمة المكتوبة. الأفلام ومراحل ولادتها المعقدة هي ما أرغب أن أقوله للبشر. أجد أنه من المهين لي أن يتم الحكم عليّ كما لو كنت كاتباً وأن يحكم على الفيلم ككتاب بينما هو فيلم. إنه مثل وصف الطائر بسمكة والنار بالماء.

كتابة السيناريو هي فترة صعبة لكنها مفيدة لأنها تحرضني على أن أبرهن منطقياً صلاحية أفكاري. بينما أقوم بذلك أجد نفسي في قبضة أوضاع صعبة. هناك نزاع بين رغبتي لأن أجد طريقة لتصوير وضع معقد ورغبتي في البساطة المتناهية. حيث أنني لا أرغب في أن يكون الفيلم إضاءة كاملة عني، أو موجه لي ولقلة من الناس، فإن الرغبة في الوصول إلى العدد الأوسع من المشاهدين تناهضها متطلبات الجمهور لها الأولوية [واضح أنه يتحدّث عن الجمهور المثقف وليس عن الجمهور السائد، كون برغمن لا يستطيع أن يلتف كثيراً حول نفسه منغلقاً على ذاته بينما يدرك أن عليه أن يلبّـي حاجة جمهوره ذاك، ما يعني إن أعماله كان يمكن لها أن تكون أكثر غموضاً لو أراد، لكنه لم يسع لذلك رغم أن غموضها كان شائعاً] 
لزمن طويل أردت أن أستخدم الوسيط الفيلمي كحكاية. هذا لا يعني أنني وجدت الشكل السردي (الذي أردته) على خطأ، بل يعني أنني اعتبرت أن الفيلم مناسب للملاحم والدراميات. أعلم بالطبع أنه عبر استخدام الفيلم نستطيع أن نأتي بعوالم لم نكن نعلم بها وبواقع ما بعد الواقع.
إنه من المهم لصناعتنا السينمائية التي تعاني منذ زمن طويل لأن تنتج أحلاماً رائعة، كوميديات مرحة، جراثيم من الأفكار وفقاعات مبدعة ومثيرة للدهشة. لا أقول أن هذه أمور لا تحدث، لكنها تحدث على مسافات بعيدة وعلى نحو غير مكتمل.


 التاريخ الموجز لـ  السينما البريطانية الحرّة   
  محمد رُضــا 

بمناسبة مرور 50 سنة على إطلاقه، تم إعادة عرض
A Hard Day's Night / «ليلة يوم صعب» الذي حققه
رتشارد لستر سنة 1964 فإذا به ينال إعجاباً لم ينـل
مثله حين عرض سابقاً. لكن المناسبة ليست حكـراً
على هذا الفيلم فقط، بل هنا فرصة للنظر إلى الفترة
التي تميّـزت بـولادة سينما جديدة. كيف؟ ولماذا؟ وما
هي مكوّنات هذه السينما ومن هم المخرجين الذيـن
حققوها؟ 
• Look Back in Anger

عنوان فيلم رتشارد لستر «ليلة يوم شاق» (أو مجهد) مأخوذ عن أغنية البيتلز التي وصلت إلى الرقم الأول في "التوب تن" البريطاني والأميركي في العام ذاته. إنها نداء للحبيبة التي يعود إليها المغني طالباً الراحة والحب بعد شغل يوم متعب. بالنسبة للفيلم هو مزيج ناجح ومبكر لتوليفة تجمع بين الروائي والتسجيلي ضمن "سينما الحقيقة" cinéma vérité تلك التي نصب أعمدتها الروسي دزيغا ڤرتوڤ وعمد إليها الكندي ميشيل برول Michel Brault في فيلمه «مرتدو أحذية الثلج» Les Requetteurs سنة 1958. الفرنسي جان روش صاغها على النحو الذي أعاد فيه إبرازها كسينما تستخرج «الحقيقة» ليس من الماثل أمامها بل من طريقة عرضها وملاءمتها. وهي بذلك عكس «السينما المباشرة» Direct Cinema ولو أن الخلط يحدث. «السينما المباشرة» هي الإعتماد على الماثل أمام الكاميرا لكي يقدّم نفسه على نحو حقيقي.
بينما أثار «ليلة يوم شاق» الإهتمام أكثر مما أثار الإعجاب النقدي، انتبه بعض النقاد البريطانيين آنذاك (بينهم رتشارد راود ونينا هيبين إلى حقيقة أن فيلم لستر في الوقت الذي لا يشكل بداية سينما بريطانية جديدة فهو يباشر نمطاً لم تعهده السينما البريطانية من قبل. خلال سنة 1964 وبينما كان المشاهدون يتابعون "الخنافس" الأربعة في حركاتهم وأفعالهم وأغانيهم، تأكد للجميع أن بعض أسباب نجاحه هو الحالة المتجددة للسينما البريطانية آنذاك. 
الفيلم بحد ذاته صنعة مزاجية على قدر كبير من الفن: لستر (الشاب حينها إذ يبلغ اليوم الثانية والثمانين من العمر) عمد إلى سينما محمولة (تستخدم الفيلم غير الملوّن) وإلى إطلاق العنان للحرية الشخصية في تصوير ما يريد. لم تكن هناك حواجز قواعدية أمامه، بل نهج من الفوضى التي لم تكن عبثية ولم تكن منظّـمة في الوقت ذاته. من المشهد الأول، عند محطة القطار، نشهد أسلوبا نشطاً وحيوياً يستخدم المونتاج للقطع السريع بين اللقطات خالقاً الإيقاع الذي يناسب شبابية المرحلة وشبابية الفرقة التي فتحت الطريق واسعاً أمام كل تلك الفرق البريطانية المخالفة لموسيقى وغناء الخمسينات. فرق مثل The Kinks, Herman Hermits, Dave Clark Five وبالطبع The Rolling Stones من بين أخرى.
• The Loneliness of a Long-Distance Runner

لكن، رتشارد لستر وكما لوحظ أعلاه، باشر نوعاً لكن السينما البريطانية كانت شهدت قبل ذلك ببضع سنوات حياة جديدة سارت بمحاذاة "الموجة الفرنسية الجديدة" لكنها اختلفت عن فلسفتها تجاه السينما وعن أسلوبها. 
في العام 1959 قام المخرج جاك كلايتون بتقديم فيلم عنوانه «غرفة علوية» (Room at the Top) مأخوذ عن رواية لجون براين. في حين أن الرواية كلاسيكية المواصفات والعناصر السردية بحيث انتمت إلى كتابات الجيل الأدبي الخمسيناتي، إلا أن المخرج أعاد صياغة هذه العناصر بأسلوب جعل الفيلم تمهيداً لسينما جديدة في تناولها مواضيع الحب والجنس والطبقية.  هذه البداية لم تكن، شكلياً، في حيوية فيلم رتشارد لستر اللاحق، لكنها إجتماعياً كانت مؤثرة كخطاب نقدي يؤكد على حدوث فاصل بين الأمس والحاضر بالنسبة لكيفية التطرّق إلى المواضيع المثارة بحرية أكبر، من دون أن تكون بصرية بالضرورة. في الوقت ذاته، الفيلم مصنوع بمخيلة من يرى أن مثل هذا الطرح يحتاج إلى طرح فني مواز يناسبه. 
في العام اللاحق، أقدم المخرجون توني رتشاردسون ولندساي أندرسون وكارل رايز يقدّمون طلائع أعمالهم القصيرة تحت عنوان واحد اختاروه (وقدّموه إلى جمهور الناشنال فيلم ثيتر في لندن تحت إسم «السينما الحرّة». الناقدة نينا هيبين كتبت لاحقاً تقول أن هذه الأفلام لم تكن بالضرورة أعمالاً جيّـدة بل كانت "أعمالاً متجددة"
في الحقيقة لندساي أندرسون كان بدأ الإخراج من نهاية الثمانينات ومع أن هذا الناقد لم يشهد كل فيلم أخرجه أندرسون من تلك الحقبة وحتى مطلع الستينات، إلا أن ما شاهده من أفلامه القصيرة (التي شكّـلت معظم ما أخرجه ما بين 1948 و1963) عبّـر عن توقه للإختلاف أسلوباً عن السائد في زمانه. هذا تحقق له كاملاً سنة 1963 عندما أخرج فيلمه الساخر This Sporting Life (تحديداً «هذه الحياة النبيلة») مع رتشارد هاريس في دور لاعب رياضي طموح يخفق في حل مشاكله العاطفية ما يؤثر على مستقبله.
لكن توني رتشاردسون سبق أندرسون في منهج السينما الجديدة عندما قام سنة 1959 بتحقيق «أنظر إلى الخلف بغضب» دراما عن مسرحية لجون أسبورن (حول موقف المثقف من الطبقة المتوسّـطة). في العام التالي، قام رتشاردسون بتحقيق فيلم آخر عن مسرحية لجون أسبورن هو «المرفّـه» The Entertainer حول كوميدي يشهد نهاية نجاحاته السابقة. 
الخطاب في هذه الأفلام الثلاثة كان طبقياً. معاد للتقسيم الطبقي الشاسع بين الأثرياء ومتوسطي الدخل والفقراء. لكن بوجود ممثلين معروفين (بكلمة أخرى: نجوم) في هذه الأفلام (لورنس هارڤي ورتشارد بيرتون ولورنس أوليڤييه) فإن الجمهور بدا غير واثق من مراد هذه الأفلام.  أو على الأقل يكمن هنا التفسير شبه الوحيد لإخفاقها.
كارل رايز (وهو وُلد في جمهورية تشيكيا قبل أن يهاجر إلى لندن صغيراً ويؤسس مع الناقد غاڤن لامبرت والمخرج لندساي أندرسون مجلة سينمائية بإسم Sequence (ما يذكّر بالمسيرة ذاتها للفرنسيين كلود شابرول وفرنسوا تروفو وجان-لوك غودار) أنجز سنة 1960 فيلما مفصلياً في السينما الحرّة هو Saturday Night and Sunday Morning من بطولة ألبرت فيني الذي كان لا يزال جديد العود في السينما. في البداية لم يكترث أحد لتمويل فيلم يدور حول بطل من الطبقة العاملة (كما كان أسمها الشائع)، لكن حين تم تحقيق الفيلم بمئة ألف جنيه (نحو 160 ألف دولار هذه الأيام) فاجأ الجميع بنجاحه غير المتوقع
كل هذه الأفلام كانت بالأبيض والأسود «اللون» الذي قيست به الواقعية الإجتماعية في ذلك الحين على الرغم من أن الأفلام ذات الألوان «الطبيعية» كان معمولاً بها آنذاك. ومثل السينما الموازية في إيطاليا (بعد الحرب العالمية الثانية) وفرنسا (والموجة الجديدة) تم التصوير في الأماكن الطبيعية وليس في الاستديوهات. كذلك فإن "الأبيض والأسود» كان عماد السينمات الأوروبية الحثيثة صوب التغيير الأخرى من إيطاليا إلى بولندا ومن تشيكوسلوفاكيا إلى فرنسا. إلى ذلك كان منهج التمثيل المطلوب، والذي حصل عليه رايز من وجود ألبرت فيني أكثر مما حصل عليه رتشاردسون من وجود لورنس أوليڤييه. الأول لم يكن معروفاً. الثاني كان ملك المسرح البريطاني. 

الآخرون
لكن رتشاردسون عاد فحقق النجاح الذي يأمله عندما أخرج «وحدة راكض المسافات الطويلة الوحيد» The Loneliness of the Long-Distance Runner سنة 1962 مع الوجه الجديد نسبياً توم كورتني وبمعية مسرحي آخر هو مايكل ردغراف. الفيلم الذي لم يستغبل نقدياً جيّداً في باديء الأمر يدور حول ذلك الصبي الذي يعاقب لسرقته مخبزاً يألو على نفسه التغلب على وضعه بالركض لمسافات طويلة حيث ينجز ما يؤهله لدخول السباقات. في السباق الأخير هناك ما يشغله ويدفعه إلى التخلي عن الفوز المأمول. 
• A Room at the Top

اشتغل رتشاردسون مع مدير التصوير الجيد وولتر لاسالي (أنجز في حياته أكثر من مئة فيلم) وهو مدير التصوير الذي انتخبه اليوناني مايكل كوكايانيس لتصوير فيلميه «إلكترا» (1962) و«زوربا اليوناني» (1964). بينهما فيلم آخر لرتشاردسون مستوحى (للمرّة الثالثة) عن مسرحية لجون أسبورن هو «توم جونز» (1963). لم يكن عن المغني توم جونز الذي لم يكن خاض غمار الغناء بعد، بل كان كوميديا حول شاب (ألبرت فيني أيضاً)  في القرن الثامن عشر على علاقة بأكثر من إمرأة من نساء المجتمع. 
بمقارنة الفيلم الثاني من أعمال السينما البريطانية الجديدة (أو الحرة) الذي أنتج سنة 1963 وهو «هذه الحياة النبيلة» للندساي أندرسون، نجد الثاني أكثر إهتماماً بالنقد الإجتماعي في صيغه الحاضرة متحدثاً عن الفساد في النوادي الرياضية. ومع أن النقاد البريطانيين أحبوا الفيلمين معاً، إلا أن «توم جونز» كان الأكثر نجاحاً. في الحقيقة، ربما كان سقوط «هذه الحياة النبيلة» تجارياً هو ما منع أندرسون من العودة إلى السينما حتى العام 1968 عندما قدّم فيلمه الأعلى قيمة من كل ما سبق له تقديمه وهو «إذا…» (1968).
إلى جانب ما سبق ذكره من مخرجين هذه قائمة بآخرين شاركوا في نهضة الفيلم البريطاني آنذاك:
جون شليسنجر John Schlesinger: 
Terminus تسجيلي يتابع نشاط محطة ووترلو في يوم عادي (1961)
A Kind of Loving: ألان بايتس في هذه الدراما حول رقي عامل من طبقة إلى أخرى يسدد فيها المخرج تحليلاً طفيفاً للوضع الجتماعي (1962) 
دزموند ديڤيز  Desmond Davis
حقق فيلمين لم أرهما إلى اليوم لكنهما منتميان لدى بعض النقاد إلى تلك السينما هما  فيلمه الأول Girl With Green Eyes (فيلمه الأول- 1964) و«I Was Happy Here (بعده بعامين).
بيتر ياتس  Peter Yates
خط لمدرسة منفصلة لكنها منتمية للإطار العام للسينما الجديدة عندما أخرج فيلمه التسجيلي- الروائي Robbery  سنة 1967. كثير من هذا المزج استخدمه أسلوبياً في فيلمه الأميركي الأول Bullit بعد عامين. 


* قريباً على "فيلم ريدر" نقد "ليلة السبت- صباح الأحد» Saturday Night- Sunday Morning لكارل رايز



 الإسلام في خمسة أفلام 
  محمد رُضــا 

تبعاً لما يدور في هـذا العالم المعوج من أوضاع، كان
طبيعياً  أن يهتم عـدد كبيـر من المخـرجين الغربيين 
بالإسلام والمسلمين، من خلال جوانب متعددة. هنا
نسلّط الضوء على خـمسة أفلام متباينة ألقت أضواءاً  
مختلفة على هذا الموضوع، ولغاية إيجابية. 
• Two Men in Town

عندما يخفق بطل فيلم «رجلان في المدينة» في إقناع أكثر أعدائه حقداً بأنه بات مسالماً ويريد شق طريقه في الحياة من دون أن يؤذي أحداً. عندما يخفق في تغيير صورته أمام القانون، ويخفق في الدفاع عن محبوبته معاً، يقدم على القتل. يحطم رأس الرجل الذي صفع زوجته ويركع فوق جثّـته مدركاً ما قام به وكيف أنه يخالف ما عاهد نفسه عليه. ينهض. يتّـجه إلى الماء ويتوضأ. هذا لأنه مسلم أميركي أسود دخل السجن مسيحياً بعدما قتل معاون الشريف، وخرج من السجن مسلماً يريد نبذ العنف.
الصورة التي أراد المخرج رشيد بوشارب تقديمها حول بطله المسلم، كما قام الأميركي فورست ويتيكر بتقديمها، ليست واضحة على الشاشة وضوحها على الورق. بالنسبة للأميركي، والأحداث تدور في ولايتها الغربية نيو مكسيكو،  يفهم أن بطل الفيلم عانى من شباب جانح وأزمة نفسية دفعته لتبني العنف. ويفهم أنه خرج من السجن يريد شق طريقه بسلام وبل يدرك أن ذلك ليس هيّـناً عليه بوجود شريف (هارفي كايتل) يكن له شعوراً عنصري الأساس. لكنه سوف لن يدرك تماماً ما علاقة الإسلام بما يحدث له. 
بكلمات أخرى، ما سبق من حيثيات الصورة الشخصية لوليام غارنت (ويتيكر) كاف من دون إدخال الدين في صلبه. الحكاية المتوفّـرة فيها النصيب المطلوب من عناصر الدراما: الأسود في مواجهة عنصرية الأبيض، السجين الباحث عن مستقبله وماضيه الذي يطارده. الرغبة في فرصة حياة جديدة أمام تعنّـت الشريف وعداوته. كل شيء كاف لدراما تتوقـّـف قوّتها على نجاح المخرج ، أي مخرج، في إتقان عملية تشبيع تلك الدراما بما تحتاجه من واقعية المواقف أو حسن التنفيذ. لماذا يُـضاف، إذاً، أن وليام غارنت، فوق كل ما سبق، اعتنق الإسلام ويريد أن يعيش بتعاليمه؟
الجواب هو أن المخرج رشيد بوشارب وشريكه في كتابة السيناريو ياسمينة خضرا اللذان اقتبسا الفيلم الفرنسي البوليسي «رجلان في المدينة» لمخرجه جوزيه جيوفاني (1974)، أرادا تقديم حكاية مسلم (لم تكن واردة في الفيلم الأصلي الذي وقعت أحداثه في باريس) يواجه ما سبق. علاوة على أوضاعه (أفرو أميركي، سجين سابق، قاتل، حياة جديدة، مستقبل واعد، قصّة حب الخ…) أرادا له أن يكون مسلماً رغبة منهما، الإفتراض الأعلى، في تقديم شخصية تنأى بما يحمله هذا العصر من تضاد. هناك مشهد يستغل فيه الشريف العنصري مسألة أن وليام تحوّل إلى الإسلام ليحذّر مواطني البلدة منه ومن الإسلام بأسره.
إذا لم تصل تلك الرغبة كاملة أو ناصعة، فإن ذلك لأن الفيلم ضمّـها ضمّـاً إلى الأسباب الأخرى التي يعاني منها بطل الفيلم مثل لونه الأسود ومثل ماضيه الداكن وإخفاقه في التحكم في نفسه وعدم فقدان السيطرة والإقدام على العنف. ضمّـها عوض أن يجعلها مقصودة بحد ذاتها ما جعلها تبدو تأكيداً على ما هو مؤكد سلفاً.

أربع مخرجات
الموضوع الإسلامي في السينما يعود إلى فجرها الأول. الأفلام دارت على جبهتين واحدة عريضة معادية، بقصد ومن دون قصد، وأخرى إيجابية، بقصد ومن دون قصد أيضاً. وبما أننا لسنا هنا في معرض تحليل الصورة ولا في قراءة التاريخ، فإن النافذة الآنية الذي يتكفّـل بفتحها فيلم المخرج الجزائري المعروف بوشارب تطل على عدد من الأفلام الأخيرة التي تسعى، مثل «رجلان في المدينة» لتقديم صورة أفضل للشخصية المسلمة، لكن من دون التباسات الصورة غير المحددة أو اللازمة.
في فيلم «هابي، الأجنبية» للمخرجة الأرجنتينية الجديدة ماريا فلورينيثيا ألفاريز، ومن إنتاج البرازيلي وولتر ساليس (نفسه المخرج المعروف)، حكاية فتاة من القرية تصل إلى مدينة بوينس آيريس بحثاً عن العمل وتحط في فندق يقع في حي عربي هي غريبة عنه وعن تقاليده الإسلامية. تجذبها مشاهد المسلمات وطريقة تعاملهن والثقافة بأسرها. فتبدأ بدراسة العربية والخوض في تعاليم الإسلام. لم تعتنق الدين الحنيف، بل تعرّفت إليه وقدّمت نفسها للبيئة العربية هناك كمسلمة. هذا لم يجنّـبها، تبعاً لأحداث الفيلم، وضعاً مزدوجاً من العواطف والأفكار، لكنها، في الوقت ذاته جعلها تقارن بين معاملة المسلمين لبعضهم البعض ومعاملة غير المسلمين لبعضهم البعض أيضاً. فجارتها تذوق الأمرّين من صديقها. 
لا تسعى المخرجة (أو ربما لم تعرف كيف تسعى) لتقديم المبرر الذاتي لانجذاب هابي (أو كما أطلقت إسم "حبيبي" على نفسها) إلى الإسلام، لكنها أحسنت التعامل معه كثقافة تستحق الإهتمام والإنجذاب وحدها، ما يجعل الفيلم يبدو نشازاً إذا ما قارنه المرء، عربياً أو غير عربي، بما نشهده اليوم من عنف متطرّف.
لسبب ما، سنجد أن المخرجات في السنوات الأخيرة كانت لهن التجارب الأكثر تجاوباً مع الرغبة في إعادة صياغة النظرة إلى المسلم قبل وبعد كارثة سبتمبر (أيلول) 2001. لجانب ماريا فلوربنيثيا ألفاريز، نجد البوسنية ياسميلا زبانيتش تواصل النقر على هذا الموضوع، ونجد الأميركية أنجلينا جولي تزوره والهندية ميرا نير تسلّـط الضوء عليه. 
في «الأصولي المتمنّـع» لميرا نير (2012) نواجه تحقيقاً يجريه الصحافي بوبي لينكولن (ليف شرايبر) مع باكستاني (ريز أحمد) يقوم فيه الأخير بسرد ما حدث له قبل وبعد العام 2001. هو يعرف أن بوبي عميل للسي آي أيه أرسلته متخفيّـاً في زي صحافي لكي يستنطق الباكستاني شانغيز حول عملية إرهابية مقبلة يعتقد أن شانغيز يعلم بها. لكن لدى الإثنين وقت طويل لاستعراض ما حدث مع شانغيز عندما قرر أن حلمه الأميركي الكبير يبدأ من لحظة تنفيذه، فترك أهله وسافر إلى أميركا حيث انتمى إلى مؤسسة إقتصادية وبرع فيها. كل شيء تهدّم عندما وقعت الكارثة في ذلك العام ليكتشف أنه أحب أميركا لكن أميركا لم تحبّـه وأنه بات، لكونه مسلماً، موقع ريبة السلطات.
• For Those Who Tell No Tales

أما الأميركية أنجلينا جولي والبوسنية ياسميلا زبانيتش تشتركان في أن الهجمة على الإسلام الحديثة بدأت بالعنف العنصري الذي قامت به القوّات الصربية خلال الحرب الأهلية حال تفككت أواصر يوغوسلافيا في التسعينات. كل منهما عاينت أحداثاً وقعت فعلاً. الممثلة الأميركية الطموحة قدّمت «في بلاد الدم والعسل» (2011) دراما حول كيف فرّقت الحرب بين الجندي الصربي والفتاة البوسنية التي أحب والتي اقتيدت إلى الإعتقال ليتغيّـر فعل ذلك الحب بينهما. لم يعد رومانسياً ولا نتيجة سمو المشاعر، بل ممارسة فوقية من الجندي، الذي أصبح ضابطاً، الذي يريد منع الجنود من نيلها على إعتبارها إمرأته، لكنه لا يريد أن يمنحها الكرامة التي تستحقها. لا تهاب المخرجة تقديم مشهد تقاد به بقية البوسنيات المسلمات إلى مخادع المغتصبين المسلمين.
أفضل منه «لمن لا يستطيع تلو الحكايات» For Those Who Can Tell No Tales للبوسنية زبانيتش (2012) التي تناولت موضوع الإغتصاب بطريقة مبتكرة: سائحة أسترالية تنزل في فندق قرب جسر القرية الصربية لتكتشف أن السرير الذي تنام عليه هو ذاته الذي قاد فيه الصربيون المسلمات لاغتصابهن عليه. الفندق كان مرتعاً لهم والضحايا نساء. وجهة نظر بطلة الفيلم تتلبّـد تماماً أزاء ذلك الإكتشاف ثم تتضح. تسمع الحكايات. تمشي الجزر الذي تم عليه نحر البوسنيين حتى دلقت الدماء إلى الماء تحته. يحقق الفيلم إدانته لما وقع وينضم إلى النماذج التي تحاول أن تضع الإسلام في مستوى الطرح فكرياً وليس من خلال نشرات الأخبار.

 أربعون سنة على تحفة صغيرة 
في العام 1974 أخرج الألماني الراحل راينر فرنر فاسبيندر فيلمه الدرامي الإجتماعي «علي، الخوف يأكل الروح» وفيه ألقى نظرة على واقع مسلم مغربي الأصل يتزوّج من ألمانية تكبره سنّـاً طمعاً في أن يلج شريحة المجتمع الرافض. النتيجة معاكسة لتوقّـعاته ولتوقّـعات الألمانية التي تجد نفسها بدورها وقد أصبحت منبوذة.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system