أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 30, 2014

الدين والسينما | آنغ لي | كلينت ايستوود وسيرجيو ليوني| ماريون كوتيار | خمسة أفلام من "كان" | غودزيللا | بريد القراء


جديد "ظلال وأشباح":  السنة 8 العدد 853
الملفّـات
مخرجون:   يسرد المخرج المعروف  آنغ لي  بعضاً من ملامح حياته الخاصّة عندما كان لا يزال في مطلع عهده في السينما، وكيف أن زوجته آمنت بمواهبه وساعده هذا الإيمان على المواصلة | إعداد أحمد الكبيسي (خاص).
ممثلون:  قبل أن يلعب الممثل كلينت ايستوود ثلاثية أفلامه الوسترن التي أخرجها سيرجيو ليوني كان عليه أن يمر بفلتر من الأدوار الصغيرة |  محمد رُضــا
مهرجانات:  إنتهى مهرجان "كان" السينمائي وخرج هذا الناقد بخمسة أفلام تتراوح من الجيّـد إلى الممتاز… ولو بكثير من الصعوبة أحياناً |  محمد رُضــا
الصفحات الرئيسية
غودزيللا وصل إلى سان فرانسيسكو ليدمّـرها في آخر نسخة سينمائية حول ذلك الوحش الذي كان استيقظ بفعل التجارب النووية | محمد رُضـا.
يتحدث الناقد هوڤيك حبشيان إلى الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار التي خرجت من مولد "كان" بلا … جائزة عن دورها في «يومان وليلة».
الدين والسينما يهدفان إلى الغاية ذاتها؟ كيف؟ ما هي نقاط التلاقي بين من يعتبرهما البعض شأنان مختلفان لدرجة التناقض؟ | محمد رُضــا
العمود
  لديك بريد

 تحقيق أنا الوحش: غودزيللا الكبير على الشاشة 
محمـد رُضــا

«غودزيللا» يعود لجمهور يبحث عن الدهشة، لكن تاريخ هذا الوحش يعود إلى الخمسينات ويحاكي هموم القنبلة النووية منذ إلقائها فوق هيروشيما وإلى اليوم 

بعد تسع سنوات على إلقاء القنبلتين النوويّـتين فوق ناغازاكي وهيروشيما، قام ستديو توهو الياباني بإنتاج فيلم حمل إسم «كوجيرو» أخرجه إيشيرو هوندا الذي كان عمل (قبل هذا الفيلم وبعده) مع المخرج الأكثر شهرة أكيرا كوروساوا كمخرج وحدة ثانية.  
آنذاك، كانت السينما الأميركية بدأت بتقديم أفلام حول وحوش. كان هناك النوع المرعب المرتكز على الشخصيات الكلاسيكية (فرانكنستاين، الرجل الذئب، دراكولا…) وأفلام الرعب الممتزجة بنوع الخيال العلمي الشيء الآني من الفضاء الخارجي»، «غزاة ناهشو الجسد») وأفلام الرعب القائمة على الزومبيز والأشباح الشريرة لعنة الناس القطط»، «مشيت مع زومبي» الخ…). فجأة إنبثق تجديد قوامه الأفلام التي تدور حول وحوش برمائية كما الحال في «مخلوق البحيرة السوداء» و«تارانتولا». «كوجيرو» (أو كما سمّاه الأميركيون غودزيلا) جاء بعد عام من إطلاق شركة مستقلة فيلم رعب حول وحش من أعماق الماء هو «وحش من 20,000 قامة» Beast From 20,000 Fathoms ليوجين لوري. بعض المصادر تقول أن ستديو توهو استوحى «كوجيرو» من الفيلم الأميركي الذي أنتج قبله بعام واحد (لا يعني ذلك أنه عرض في العام نفسه في اليابان ما دفع توهو لتقليده).
لكن عليّ أن أعترف، الفيلم الأميركي تناول حكاية دينوصور أوقظ من سباته تحت سطح الماء بسبب تجربة نووية تمّـت في البحار القطبية الشمالية. «كوجيرو» يتناول أيضاً حكاية وحش مائي (ليس دينوصوري تماماً) يخرج من أعماق الماء بعد وبسبب الإنفجار النووي. الرابط الياباني بين القنبلتين النوويتين اللتين أسقطا عليها وبين «كوجيرو» ومعظم ما ورد من أفلام يابانية شكّـلت من مسلسل بلغ عدد أفلامه حتى الآن 26 فيلماً، ما دفع المشاهد للربط بين الواقع والخيال والإستجابة للثاني على نحو أكثر قبولاً.
النجاح الكبير للفيلم، بالإضافة إلى جودته في حدود نوعه، دفع هوليوود لشراء حقوقه والقيام بتصوير مشاهد يؤديها الممثل الأميركي رايموند بور Burr الذي لاحقاً ما عرف شهرة أوسع عندما لعب دور المحامي  المقعد في مسلسل Ironside  (مابين 1967و1975).
نجاح الأفلام الأولى من سلسلة «غودزيللا» دفع اليابانيين إلى الجمع بين هذا الوحش ووحوش أخرى (غير برمائية) مثل كينغ كونغ، أو آتية من الفضاء مثل «موثرا»، أو ضد وحوش بحرية أخرى مثل «غودزيللا ووحش البحر» الخ…
لم تكن هذه الأفلام على سوية واحدة. بعض الأفلام كان أفضل من بعضها الآخر حتى ضمن ما أخرجه هوندا منها. لكن العنصر الدائم هو ربط العلم السيء (كذاك الذي أدّى إلى إختراع القنبلة النووية) بولادة غودزيلا.  كذلك قيام غودزيلا بتدمير المباني والجسور وتحويل المدن إلى أنقاض.
لكن من خلال ذلك برزت قيمة أخرى تداولتها غالبية الأفلام: غودزيللا قد يكون وحشاً مدمّـراً، لكنه كثيرا ما أنقذ الناس من تدمير المخلوقات الأخرى.
المفهوم هنا هو أن الجمهور الياباني، تبعاً للأفلام الأولى، كان يشعر بالتعاطف مع ذلك الوحش المخيف. هو لم يسأل أهل الأرض أن يجروا التجارب النووية أو يلقونها. لم يسألهم إيقاظه من أعماق المحيط. لذلك فإن خروجه ثائراً أصبح أمراً مفهوماً خصوصاً بإرتباطه الرمزي بما تسبب القنبلة النووية من تدمير جسيم. وهو سريعاً ما يدافع عن الناس عندما يهددهم موثرا أو كينغ كونغ أو ميشاغودزيللا (وحش آخر تم إبتكاره).
حتى أواخر الستينات كانت تلك الأفلام لا زالت تصوّر بالأبيض والأسود. إنتقالها إلى الألوان تدريجياً ثم على نحو دائم لم يحمل، للغرابة، جديداً نوعياً. ما جاء به هو إزدياد التكاليف ما أدّى إلى بداية إنحسار أفلام الوحش في الثمانينات والتسعينات لأن هوليوود تملك أكثر مما تملكه الشركات اليابانية من قدرات. رونالد إيميريش قام سنة 1999 بتحقيق فيلم ضخم بعنوان «غودزيللا» برهن على أن الجودة شيء والتكاليف الضخمة شيء آخر. هم إيميريش كان الإتيان بصورة جديدة لذلك الوحش، لكن اختياره لم يكن موفقاً على الإطلاق لأن الوحش لم يكن يشبه غودزيللا. المناط به لا زال قائماً على التدمير، لكنه وحش ليس لديه قضية.
على ذلك، قامت السينما اليابانية، سنة 2001, بتقديم فيلم كبير (ولو بالمقارنة مع أعمالها السابقة) حققه المخرج شوسوكي كانيكو تحت عنوان «غودزيللا، موثرا، كينغ غيدورا: الهجوم الكبير للوحوش الضخمة»
Godzilla, Mothra, King Ghidorah: Giant Monsters' All-Out Attack
كانيكو كان إختياراً مناسباً لأنه سبق له وأن أخرج ثلاثية من بطولة وحش آخر هو غامورا (حققها ما بين 1995 و1999). خلال الفترة السابقة، تم إبتداع طرق لولادة تلك الوحوش. في «غودزيللا ضد دستروياه» وجدنا الوحش دسترويا وُلد بسبب سلاح هيدروجيني كان العلماء اخترعوا لضرب غودزيللا به. أما الوحش ميكاغودزيللا (2002) فهو مصنوع من جينيات غودزيللا نفسه.


 تمثيل | ماريون كوتيار المستبعدة من جوائز "كان": "التمثيل قفز في المجهول".
هوڤيك حبشيان

منذ «حياة وردة» وماريون كوتيار نجمة تمارس التمثيل على جانبي المحيط. وهي دخلت كالعادة سباق التمثيل في مهرجان "كان" الأخير وخرجت منه- كالعادة- أيضاً، بلا جائزة | هوڤيك حبشيان يعاين هذا الوضع ويطرح عليها ثلاثة أسئلة.

للمرة الثالثة على التوالي، لا تقدّر احدى اللجان التي تحكم في مهرجان كانّ أداء الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. عام 2012، قدّمت كوتيار دوراً مذهلاً في "عن الصدأ والعظم" لجاك أوديار. مربّـية حيتان تُقطع ساقها اثر تعرضها لحادثة. لكن لجنة التحكيم في رئاسة ناني موريتي تجاهلتها وفضلت عليها بطلتي الفيلم الروماني "خلف التلال" لكريتسيان مونجيو. بعدها بعام، حلّت ضيفة على كانّ بفيلم "المهاجرة" لجيمس غراي. مرة ثانية، افلتت منها جائزة التمثيل وخسرت أمام مرشحة شرسة ليست سوى أديل اكساركوبولس، بطلة فيلم عبد اللطيف كشيش الفائز بـ"السعفة".
هذه السنة، تكرر المشهد العبثي نفسه مع مشاركتها في فيلم الأخوين داردين، "يومان وليلة"، المعروض في المسابقة الرسمية. جاين كامبيون وفريقها فضّلا جوليان مور في "خرائط الى النجوم" لديفيد كروننبرغ. في هذه المرافعة السياسية غير المباشرة، تقدم ممثلتنا الرقيقة دوراً يسحق القلب. بإمكانات تمثيلية بسيطة جداً، نرى كوتيار وقد دخلت في دور ساندرا، العاملة المتواضعة التي تريد استرجاع حقها في العيش الكريم في هذه الفترة الصعبة اقتصادياً من تاريخ أوروبا. في الآتي، لقاء جمع "النهار" بماريون كوتيار بمشاركة صحافيين، تناولت فيه هذه الفائزة بجائزة "أوسكار" أفضل ممثلة، أوجهاً عدة من مسيرتها التي تنطوي على نحو 40 فيلماً وتعبرها أسماء كبار المخرجين من أمثال مايكل مان ووودي آلن.

تنظيف الذات
"الأدوار التي أضطلع بها تفتح فيَّ جرحاً عميقاً. عندما تكتشف شيئاً كنت تجهله من قبل، فهذا يفتح عقلك وقلبك. دور بعد آخر، أتعلم المزيد عن البشر. أريد أن أتعمق أقصى ما يمكن في داخل الشخصية التي أجسدها. لا أعرف كيف أشرح هذا الاحساس أن تذهب في اعماق ذاتك. هذا الشيء الذي يتيح لك ان تتعرف الى ما هو مختلف عنك، ويشرع أبواباً في داخلك لم تكن تعلم قط انها موجودة! كلامي غير دقيق، لأنه يصعب عليّ أن أشرح ما أشعر به، ولكن في بعض الأحيان (خصوصاً في ما يختص بتجربة كـ"لا موم") عندما انتهي من فيلم، يجتاحني احساس بأنه عليّ أن "أنظف" نفسي وأزيل عنها كل القصص القديمة؛ أقصد تلك الأشياء التي تتراكم فيك ولا تعرف كيف تتخلص منها لأن الشجاعة تنقصك. الحفر عميقاً في الشخصية يجعلك تواجه الحياة بعزم أكبر. لا أمتهن التمثيل لهذا السبب حصراً، ولكن هذا ما يحصل معي أحياناً خلال التمثيل. شيء جيد لأنه صحيّ. دعني أقل بصراحة: لا أختار شخصية لأني أقول في سري سيكون هذا علاجاً عظيماً لي!”.
سكورسيزي وغراي
"منذ بداية مسيرتي، رغبتي في العمل مع بعض المخرجين، ولكن حين ألتقيهم لا أجعل العمل معهم أولوية. طبعاً، شخص مثل سكورسيزي، لديّ رغبة كبيرة في التعامل معه يوماَ ما. العلاقة التي بيننا اليوم في لجنة التحكيم (تقصد في لجنة تحكيم مهرجان مراكش السينمائي) تتمحور على الأفلام وما تثيره من نقاش. علاقة شخصين يحبان السينما ويتحدثان عنها. هذا كلّ ما في الأمر. عندما ألتقيتُ جيمس غراي في المرة الاولى، كان سبق أن قابل شريكي غيوم كانيه وأصبحا صديقين مقربين. أنا من جهتي كنتُ شديدة الاعجاب بعمله وعاجزة عن مصارحته بذلك الاعجاب. خطوة بعد خطوة، صارحته، ولكن لم أصح في وجهه: "يا الهي، سأفعل كل ما يمكن لأعمل معه"، ذلك أني لم استطع يوماً ان أربي هذا النوع من العلاقة وهذا النوع من الاغراء بين المخرج والممثل. عندما كنت اقابل المخرج، كنتُ أفضل أن اجري اختباراً عبر الشاشة لأؤكد له ما أنا قادرة عليه ثم أخوض نقاشاً معه. لم أكن يوماً أفكر في العمل مع جيمس بسبب صداقة تربطنا الواحد منا بالآخر. لأمر غريب اننا حرقنا تلك المراحل. طبعاً، كان الأمر مفاجئاً في ما بعد. لكن البهجة التي تلقيت بها خبر تمثيلي في فيلمه كانت مفاجئة. أوكي، سأقولها بكلام آخر: المسألة أشبه بأن ترى استاذك في السوبرماركت يتبضع مع عائلته، وفجأة تدرك ان لهذا الرجل حياة لم تكن تظنها موجودة. هل فهمت ماذا أقصد؟".
الإعتراف الكبير
"مباشرة قبل ليلة توزيع جوائز الـ"أوسكار" حيث نلت جائزة أفضل ممثلة، اختارني مايكل مان لأمثل في فيلمه "عدو الشعب"، فشعرتُ ان الفيلم غيّر مساري فعلاً. في كل مرة هناك مفاجأة جديدة، وما من تجربة تشبه الأخرى. اذاً، أكرّر مرة اخرى: لم اعتقد يوماً أني سأكون محظوظة الى هذا الحدّ، والى الآن أقول لنفسي ان هذا الحظّ لن يستمر الى الأبد. الاعتراف الأكبر بالنسبة لي ان يعطيني شخص مثل جيمس غراي دوراً في فيلمه. الـ"أوسكار" أشبه بكرزة على قالب الحلوى. كان اوليفييه داهان على قدر من الجنون ليعتقد أني قادرة ان أقوم بدور اديت بياف في كلّ مراحل عمرها. أتذكر أني عندما قرأتُ السيناريو، اتصلتُ فوراً بمدير أعمالي لأسأله: أيّ "من الأدوار سأضطلع به، وأين سأسلم الدور الى ممثلة أخرى؟". فكان جوابه: "يريدك ان تكوني الممثلة الوحيدة التي تؤدي دور بياف في الفيلم". للوهلة الاولى، اعتقدتُ انه هذا مستحيل. طبعاً، لم أعلن أمام أحد اقتناعي بأني غير قادرة على ذلك. كنت أجد الفكرة على قدر معين من الجنون. اليوم أقول ان أكبر اعتراف هو ان ابقى قادرة على العمل مع أناس يغنيني الشغل معهم".
أميركا أرض الميعاد؟
"بعد ذهابي للعمل الى أميركا، تردد اني لن أعود كوني تلقيتُ الكثير من العروض، لكني عدتُ الى أفلام فرنسية ذات موازنة ضئيلة. عندما يسألونني اذا كنت مرتاحة في الأفلام الفرنسية أكثر من ارتياحي في الأفلام الأميركية، أجيب: لستُ مرتاحة البتة، لستُ مرتاحة في كلتا الحالتين. لا ارى التمثيل كمكان راحة. التمثيل تجربة حداثة وقفز في المجهول. مهنة أهدف من خلالها، شخصياَ، الى التقاط الروح الانسانية. اذاً، الراحة غير موجودة. وهذا المطلوب. ولكن في بعض الأحيان، أكون غير مرتاحة بالمعنى السلبي للكلمة، عندما تنعدم الثقة بيني وبين المخرج. لا أنا أثق به ولا هو يثق بي".
الأخوان داردين
"انتهيتُ لتوي من التمثيل في فيلم الأخوين داردين "يومان وليلة" وهو لا يزال في المونتاج. عندما بدأتُ العمل في الولايات المتحدة، فجأة صار من الممكن أن أعمل مع كل هؤلاء المخرجين الكبار الذين كنت أحلم بالعمل معهم. اثنان كنتُ أحلم بالعمل معهما وقد بقيا لزمن طويل خارج القدرة على الوصول اليهما: برونو دومون والأخوان داردين. فعندما تمّ الاتصال بي من جانب الأخوين، اعتقدتُ في بادىء الأمر انها مزحة. سخرتُ في وجه المتصل، قبل ان أتأكد ان الأمر صحيح. ورحتُ أتخيل ان الفيلم قد يكون مختلفاً عمّا انجزاه الى الآن. مع كل احترامي وتقديري للسينمائيين الذين عملتُ واياهم الى الآن، كانت تجربة العمل مع الأخوين داردين الأهم في حياتي. يحملان الممثل الى أماكن بعيدة جداً. هناك ايضاً التفاصيل في عملهما. عشتُ معهما نوع العلاقة الذي كنتُ أحلم دائماً أن أبلوره مع المخرجين. كان شيئاً مثالياً".
ديفيد بووي
"وصلتني رسالة الكترونية مع اسمي واسم ديفيد بووي في العنوان. مرة اخرى، اعتقدتُ انها مزحة. كان صاحب الرسالة يسألني اذا كنت قادرة ان أصعد في طائرة بعد ثلاثة أيام للسفر الى لوس انجليس والمشاركة في فيديو كليب لديفيد بووي. عندما استشرتُ مدير أعمالي، قال لي "طبعاً، لا تستطيعين فعل ذلك!"، فأجبته "فات الآوان، لقد حجزتُ بطاقة الطائرة". كانت هذه تجربة استثنائية بكل المقاييس. أنا أصلاً من أشد المعجبين بديفيد بووي. واحد من أبرع المغنين والفنانين على الاطلاق. كان هذا حلماً آخر تحقق. لا أزال غير مصدّقة. عندما عدتُ الى باريس، سألتُ نفسي: ماذا حصل، يا ترى؟".

لايدي ماكبث
"لا أعرف ماذا أقول. أنا خائفة، هذا كل ما في الأمر (ضحك). لايدي ماكبث دور كنتُ أحلم به منذ زمن طويل. كنت متأكدة أني سأؤديه في أحد الأيام على الخشبة وبالفرنسية. هذا لأني فرنسية (ضحك). ولكن لم يخطر في بالي أني سألعبه بالانكليزية. هذا ضرب من الجنون. احيي جنون المخرج جاستن كورزل على اختياره لي على أمل ان لا أفسد الفيلم".
حملات توعية
"لم أنشط بيئياً لأني ممثلة بل لأني معنية بكل ما يجري من حولي في العالم مهما كبرت المسافات بيني وبين الآخرين. أنا معنية بالانسان. ولكن أقولها بصراحة: لا أعتقد أن للحملات التي شاركتُ فيها أيّ تأثير، مع أني كنت أحب ان يكون تأثيرها أكبر. يحتاج الممثل عموماً الى أن يستثمر الكثير من الجهد كي تؤخذ نشاطاته السياسية على محمل الجد. انظر الى جورج كلوني او أنجلينا جولي".
3  أسئلة لماريون كوتيار

انتِ من الممثلات اللواتي هدمن الصورة التقليدية للممثلة الأجنبية التي تعمل في أميركا...
- (ضحك). هدمتُ؟ لم أكن حتى أحلم بالعمل في الولايات المتحدة، لم أكن حتى اعلم ان هذا الشيء ممكن. في النهاية، لم يكن صعباً. أنا محظوظة بما حصل. لم يكن شيئاً اريد فعله، ولم يكن شيئاً لا اريد فعله. لم اعتقد يوماً ان العمل في أميركا مستحيل، كما لم اعتقده ممكناً. لم أفكر فيه فحسب. كنت أريد أن اصبح ممثلة، وكان هدفي من التمثيل أن أستكشف عالماً واسعاً. في طفولتي، عندما كنتُ اعبّر عن رغبتي في أن أكون ممثلة، كان الاستكشاف من الأشياء التي أرغبها بشدة، ولكن لم أفكر يوماً اني سأكون محظوظة إلى درجة انني سأذهب الى أبعد من الثقافة التي تربيتُ فيها.

العديد من الممثلات انتقلن الى خلف الكاميرا. أين انت من هذا؟
- أحبّ ان أدير الممثلين، ولكن لا أعرف ما اذا كنت قادرة على انجاز فيلم. هذا عمل مضنٍ فعلاً. عندي مشروع لا يزال قائماً. أنا في مرحلة أريد ان أخوض مجال الكتابة السينمائية. لا أعرف اذا كنتُ قادرة على ذلك. ثم، عليّ أن أجد الوقت. عندي الطموح. لا أستطيع ان اكشف تفاصيل المشروع. لكنه من وحي فتاة أمازيغية التقيتها في منطقة مرزوقة المغربية. اسمها مريم ولها تأثير كبير في حياتي وخيالي.

في السينما الفرنسية الحالية، هل تجدين أدواراً تليق بمفهومك للتمثيل؟
- ليس من السهل اقتناص الأدوار الجيدة. آخر فيلم فرنسي مثلتُ فيه كان فيلم جاك اوديار. هذا الفيلم انجزناه من دون ان نحضّر كثيراً قبل التصوير، مثلما كان يحب اوديار ان يفعل عادة، وكما أحبّ أنا ايضاً ان افعل. لم أتمكن من مقاومة هذا الفيلم. اولاً، جاك اوديار شخص لا يقاوَم. والدور الذي كتبه لا يُقاوَم. بقدر ما يصعب ايجاد ادوار جديدة، هناك ادوار مهمة، كالدورين الأساسيين في "حياة اديل". يا الهي! السؤال يجعلني أتذكر ايضاً دور بيرينيس بيجو في "الماضي" لأصغر فرهادي.
* نُشرت أولاً في «النهار» اللبنانية



 تحقيق الدين والسينما: يلتقيان أكثر مما يختلفان
محمـد رُضــا

هناك من يعتبر أن الدين والسينما نقيضان، لكن هل هما كذلك فعلاً؟ ألم يؤكد الدين على أهمية الصورة والحكاية؟ ألم ينسج منهما طريقه للدعوة؟ ثم ما هي العلاقة القائمة بين الهدفين اللذين ينشدهما الدين والسينما؟ 
2001: A Space Odyssey  

ما أن وقف فيلم «نوح» عند أبواب صالات السينما بإنتظار موعد البدء بعرضه قبل أشهر قليلة،  حت» تم إطلاق قرارات دينية ورقابية تمنع عرض الفيلم على أساس أن إظهار الشخصيات الدينية، خصوصاً الرسل والأنبياء، ممنوع في الإسلام. فقط لبنان سمح بالعرض وحصد شكر النقاد والإعلاميين على إتاحتهم المجال للوقوف أمام فيلم اختار صانعوه نقل حكاية النبي نوح، أو وجهة نظر فيها على الأقل. ما فعلوه بالحكاية والسبب الذي من أجله قاموا بإنتاج الفيلم أمر يخصّـهم وينطلق من الحريّـة التي يسبحون في مياهها  الزرقاء الصافية والتي تبقى مناظر جميلة بالنسبة لآخرين حول العالم على شاكلة «شم ولا تذوق».
ما تتيحه المناسبة هو الحديث عن العلاقة بين السينما والدين التي هي علاقة قديمة جدّاً ومتشعّبة. 
في سنوات مبكرة جدّاً من تاريخ السينما قام مسيحيون أوروبيون بمعارضة مفهوم السينما وتم بالفعل  حرق دور عرض في روسيا من بين دول شمال أوروبية أخرى، كما سادت الإحتجاجات العنيفة عندما قام وليام هايس بتصوير رجل وإمرأة يتبادلان قبلة فم في فيلمه القصير «القبلة» سنة 1896.
لكن المعارضة الدينية الأكثر نشاطاً كانت ولا تزال إسلامية. النظر إلى السينما كفاعل ثقافي وكفن راق أو حتى كقاص حكايات لم يتم إلا على مستوى فئات محدودة بين المحافظين والمتديّـنين، بينما مال معظمهم إلى إعتبار أن السينما ليست سوى إبداع مكروه وفي أفضل الحالات هو ترفيه رخيص وليس مطلقاً الفن الذي يتحدّث عنه الآخرون. 
لا حاجة بنا هنا لنذكر أن إختيار الشاب أو الفتاة (خصوصاً) لمهنة التمثيل كان سبباً للمعارضة الشديدة من قبل عائلات منتشرة من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق العربي. والموجبات كانت تتراوح ما بين الخوف على طينة وأسلوب الحياة الذي سيتعرّض إليه الشاب أو الفتاة وإعتبار أن الصورة حرام لا تجوز بصرف النظر عن أي من الأسباب الداعية لاعتمادها.
لكن الشعوب التي تستورد الحضارات ولا تصنعها تعيش جملة من الأزمات من بينها تلك  الناتجة عن إزدواجية المعايير. المخرج التونسي رضا الباهي أفصح في فيلمه «شمس الضباع» عن بعض هذه الجوانب عندما صوّر، سنة 1973، كيف أن سياسة الإنفتاح السياحي قبل تشييد الإنسان المثقّـف قد يؤدي إلى كارثة، وهو استعان للتدليل على ذلك بحادثة وقعت في بلدة القيراوان قبل ذلك التاريخ مفادها قيام شاب تونسي باغتصاب سائحة أوروبية في أحد مساجد المدينة. 
على أن للإزدواجية وجوه أخرى: نحن نقبل على مشاهدة التلفزيون  لكننا حذرين حين يأتي الأمر للسينما. وقبل عامين قامت إحدى أكبر محطات التلفزيون العربية بصنع مسلسلها عن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من دون مشاكل -وبل صوّرته خارجة عن النص ذاته الذي حرّم ظهور الأنبياء والخلفاء الراشدين،  أي أنها جلبت ممثلاً قام بأداء دوره بعض الإحتجاجات سرت، لكن النجاح كان حليف المسلسل على كل صعيد ممكن. مع ذلك السينما ممنوع عليها مثل هذا الفعل. المتديّـنون قد يدكّـون صالة السينما لو حدث. الموزّعون سيحجبون. صالات السينما ستعتذر. أساساً المنتجون يريدون ضمانات من أن تمويلهم لفيلم عن الصحابة سوف يكون آمناً. وعندما قام المنتج والمخرج مصطفى العقاد بتحقيق فيلمه «الرسالة» في أواخر السبعينات، تم منع عرضه في أكثر من دولة عربية علماً بأنه لم يعرض أي صورة للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلّـم، ولم يقدّمه صوتاً أو صورة وفي أي شكل.
لكن في حين أنه مازال ممنوعاً من العرض سينمائياً، ها هو يعرض منذ عقود على شاشة التلفزيون على نحو طبيعي ما يعني أننا نحن غير الطبيعيين في توجّـهاتنا وما نسمح به أو نعارضه طبقاً لازدواجية معايير مخيفة.

حياة أفضل
على أن التشابه بين الدين (أي دين) والسينما (أي سينما) هو أكثر من نقاط الخلاف. وبل لعله لا توجد نقاط خلاف لا يمكن تحليلها أو حلها في الواقع. 

لنلحظ، كبداية، الحقيقة التالية: كل من الدين والسينما يعملان على تصوير عالم موجود وعالم أفضل. بعث الله نبيّـنا محمد (ص) لكي يهدي الناس إلى الدين الحنيف ما يعني أن الواقع الذي كان العرب في الجاهلية يعيشونه كان بحاجة إلى تقويم، كذلك الواقع في العالم أجمع. السيد المسيح  بُـعث أيضاً لهداية قومه صوب واقع أفضل من واقعهم. نوح، عليه السلام، طُـلب منه جمع المؤمنين على السفينة لإنقاذهم من المصير المحتم الذي اختاره الله لباقي البشر آنذاك… بعده كل الأنبياء والرسل عملوا بموجب الإجندة ذاتها.  دائماً هناك عالم موجود سيسعى الدين، عبر أنبياء اختارهم الله، لحث الناس على تغييره للأفضل.
الأفلام تفعل ذلك كل يوم. خذ أي فيلم في تاريخ السينما تراه، بصرف النظر عن مستواه ونوعه، يصوّر وضعاً ويقترح أفضل منه سواء حمل الفيلم نهاية سعيدة أم خاتمة محزنة ولو بصور ومستويات مختلفة. لا يهم أن الفيلم لا علاقة له بالدين. ولو بدأت بالأمثلة لن أتوقّـف لكن هذه بعضها: «2001: أوديسا الفضاء» للمخرج ستانلي كوبريك (1968): الحاجة لعدم إستسلام الإنسانية للحياة التكنولوجية والحث على بقاء الأولى ولو عبر ضحد الأخرى. «معركة الجزائر» لجيلو بونتوكورفو: جزائر تحت أقدام الإستعمار وستتحرر منه. «حميدو» لنيازي مصطفى (1953) الحكاية عن إنتشار المخدّرات. البديل هو محاربة الآفة وتجارتها لتحقيق عالم أفضل. «12 سنة عبداً» لستيف ماكوين ( 2013) : الواقع السود عاشوا تحت عبء تجارة الرقيق. العالم الأفضل: انعتاقهم وعدم تكرار التاريخ. أفلام الوحوش (مثل «غودزيلا») أو أفلام شخصيات الكوميكس (مثل «باتمان» أو «أيرون مان»: هناك شر يحتل الواقع. التخلّـص منه هو الخيار لعالم أفضل. 
النماذج، كما ذكرت لا تنتهي، وكما هو ملاحظ ليس من بين أي من هذه الأفلام ما هو ديني ولا هي من مستوى فني أو ثقافي واحد. أي فيلم في صلبه يصوّر واقعاً ليقترح واقعاً بديلاً. وإذا لم يقترح أوحى به.
ثم هناك القسم الكبير من الأفلام الذي يدور حول مخلّصين: 
كلينت ايستوود في High Plain Drifter جوّال السفوح العالية» من إخراجه سنة 1973) راهب مسلّـح يبعث الأمل والمقاومة في بيئة من الباحثين عن الذهب عندما يتدخّـل ضد الشرير الذي يريد ورجاله دفعهم للنزوح عن المكان. في سياق الفيلم يظلل ايستوود شخصيّـته بظلال ديني فإذا هو أشبه بالمسيح (إنما مع مسدس). في أكثر من فيلم له بينها مثلاً The Good, The Bad and the Ugly لسيرجيو ليوني-  1966 يقترب من الموت ثم يعيش من جديد إستيحاءاً من الإعتقاد المسيحي بأن المسيح سيبعث على هذه الأرض من جديد. بل أنه في «لأجل حفنة دولارات» يُضرب حتى يقترب من الموت ويوضع في التابوت ثم يخرج منه. في «غير المسامَـح» (1992) كذلك، يضرب ويترك لكي يموت من جراحه، لكنه يتعافى ويعود. وفي كل الأحوال هو يعود لتخليص عالم من آفاته وبالتالي لتأسيس عالم جديد حتى وإن لا يدرك أن هذا ما يقوم به.
كل هذا ونحن بعيدون جدّاً عن الأفلام ذات الحكايات الدينية المباشرة مثل «الوصايا العشر» [سيسيل ب. ديميل- 1956] و«العشاء الأخير» للمسيح» [مارتن سكورسيزي- 1988] و«ملك الملوك» [نيكولاس راي-1961] وسواها.

خيارات
يلاحظ المؤلّـف أس برنت بلايت في كتابه الموجز «السينما وإعادة تكوين العالم» أن المسلمين يتوجهون إلى مكّـة حين الصلاة واليهود إلى القدس ويستنتج أن ذلك التوجّـه له محاكاة في السينما عموماً. ومع أنه لا يذكر أمثلة كثيرة وما يذكره لا يتمخّـض عنه نقاش طويل، إلا أن ذلك يمكن إستنتاجه عبر مئات المشاهد الموزعّـة في عدد مواز من الأفلام. مثلاً:
جون واين في «الباحثون» The Searchers [جون فورد- 1956] يقف عند الباب ينظر إلى الصحراء: وراءه ظلام وأمامه نور.  
دنيس ويڤر في نهاية «مبارزة» Duel  [ستيفن سبيلبرغ-1971] يجلس على حافة الجبل ناظراً إلى الشمس حين غروبها.
في «ستوكر» [أندريه تاركوڤسكي- 1971] يتوجّـه رجال الفيلم الثلاثة إلى موقع معيّن كامن في الأرض المحرّمة يمثّـل المعرفة المطلقة.
في نهاية «شاين»  [جورج ستيڤنس- 1953] يمضي ألان لاد في نهاية الفيلم صوب العراء حيث لا عائلة ولا مدينة أو صديق/ صديقة بإنتظاره. 
في «الخارج عن القانون جوزيه ويلز» [كلينت ايستوود-1976] نهاية مشابهة لتلك التي في «شاين» مع قصّـة مختلفة.

هذه وسواها الكثير وجهات ذهنية ومشهدية مترابطة مع الوجهات الدينية. في الإسلام، يتوجّـه المصلّون  صوب مكّـة المكرّمة لأن في ذلك التوجه، لو كنا نعرف حقّـاً، ليس فقط طاعة لما أمرنا به بل إختيار لما يبعث على الإستقرار النفسي. درء عاطفي من الشعور بالضياع. فقط تصوّر أنه لو كان كل منا يصلّـي صلّى في الإتجاه الذي يفضّـله أو الذي يناسبه في لحظة الصلاة. هذا صوب منظر من النافذة على البحر وذاك حسب مساحة غرفته وتوزيع الأثاث فيها وذاك يفضل ذلك على الشرفة لأن شمس الشتاء جميلة حتى وإن لم تتوجه الشرفة اتجاه القبلة. صحيح أن الله سبحانه وتعالى موجود في كل مكان، لكن التوجه صوب قبلة واحدة في كل مرّة يبعث على الشعور بالطمأنينة. وهي طمأنينة يحتاج كل فرد في العالم إليها وبعضهم يستحوذها وبعضهم لا يستطيع. 
في «مرآة» لتاركوڤسكي (1975) يمضي المخرج وقتاً طويلاً وجميلاً يصوّر إمرأة تجلس على حافة السياج في حقل من المروج الخضراء وهي تنظر إلى البعيد. على الرغم من أن الكاميرا تصوّرها من الخلف، إلا أن جلستها والفترة الطويلة التي تتمعن فيها ونتمعّـن نحن فيها أمور تؤكد أنها في حالة دعة واستقرار نفسي (سينتهي بعد ذلك عندما تغيّر جلستها).
فوق كل ما سبق، الدين والسينما يلتقيان في جانب آخر مثير للإهتمام. لقد هبطت الكتب السماوية بنصوص سردية وقصصية. لم تهبط في صياغات خطابية وجامدة ولا على نحو تعاليم منظّمة بقواعد رقمية على طريقة الإرشادات المكتوبة من قِـبل البشر. وهي بذلك هدفت لأن تنقل الدين وروحانيّـته إلى الجمهور السائد حاملة الوعد والوعيد. 
سينمائياً، تتألّـف أكثر الأعمال رواجاً بين الناس أينما كانوا من حكايات مسرودة قصصياً. وأنجحها أيضاً تلك التي لا تحمل خطباً ولا إرشادات بل تتألـف من أحداث ومفارقات تتوجه أساساً إلى الجمهور السائد. كلاهما يعمد إلى المنوال السردي (Narration) لإيصال الكلمة. ولابد أن السينما ورواتها ومن قبل رواة الكتب استوحوا ذلك من الكتب السماوية كسبيل لكسب الراغبين في عالم أفضل. 


المع والضد
على أن السينما كان لها موقفان متناقضان من الدين كسبيل حل مشاكل الأرض. حالياً، هناك توجّـه جديد في السينما الأميركية. نواة موجة واضحة تسجل بعض أفلامها نجاحات ملحوظة بمستوى كاف لتشكيل إتجاه حاضر: «الله لم يمت» [إخراج باهار كيليش-2013] و«إبن الله» [كريستوفر سبنسر- 2014] و«الجنة حقيقية» [راندال والاس- 2014] أفلام تدعو للعودة إلى الإيمان المسيحي مثل «إبن الله» و«الله لم يمت» (يهاجم ضمناً الإسلام) المتمثّـل بالقيم والمباديء التي من شأنها، إذا ما مورست، صيانة الإنسان من مغبّـة ما قد يحدث له على صعيد شخصي أو على مستوى إجتماعي واسع. أفضل هذه الأفلام «الجنة حقيقية» لأنه يطرح أسئلة تتعلّـق بحيرة المؤمن حيال خالقه من منطلق توقّـعات الأول بأن يساعده الله في محنه، لكن المحن تقع والأسئلة لا جواب لها. رغم ذلك فإن درجة الإيمان عالية بما فيه الكفاية لاستمرار ذلك الفرد في التمسك بديانته.
أما «نوح» لدارن أرونوفسكي فيأتي بعيداً عن ترجمة الدين، كما في النصوص،  إلى صور ولو أنه يلتزم بالأحداث الواردة في الكتب السماوية. هذا لا يمنعه من طرح الأسئلة حول نوح وأهله ودرجة إيمانه ولماذا قبل بمهمّـة مستحيلة، بل كيف تسنّـى له إنجازها أيضاً.
لكن الموقفان المتناقضان للأفلام من الدين حيال كونه كفيلا بحل مشاكل الحياة قديم يتجذّر بالعديد من الأفلام الصامتة (قبل 1928) ثم الناطقة. من حكايات حياة السيد المسيح إلى نسخ «بن حور» ومن النسخ المصوّرة «الوصايا العشر» إلى «كوڤاديس». لكن ليس كل فيلم مؤيد للدين كان دينياً. بعض الأفلام استخدم الدين كدعوى لمواجهة مخاطر خارجية كما الحال في الفيلم الخيالي العلمي «حرب العالمين» [بايرون هاسكين- 1953] فالهجوم بصحون الفضاء الطائرة هدف إلى تدمير الأرض، والدفاع العسكري عنها فشل. ما نجح هو اللجوء إلى الكنيسة طلباً للحماية وما يلبث نهاية الهجوم الفضائي أن يقع بعدما ساعد الله أؤلئك اللاجئين إليه.
War of the Worlds

هذا نراه أيضاً، فيما نراه، في فيلم وسترن «طبول الأباتشي» [هوغو فريغونيس- 1951] حيث الملجأ الوحيد ضد هجوم هنود الأباتشي هو في الكنيسة حيث تحصّـن المدافعون ولم يستطع المهاجمون دخولها رغم كثرة محاولاتهم وعنفها.
طبعاً في الحالتين هناك رمز واضح لمن يضع هذين الفيلمين، ومثلهما العديد، في إطار الفترة الزمنية التي تم إنتاج الفيلمين بها. فالحرب الباردة كانت بدأت بين الولايات المتحدة والإتحاد السوڤييتي وكان من صلبها، سينمائياً، تصوير الأفكار القادمة من العدو على أساس أنها هدّامة ومعادية للدين. بذلك فإن الهجوم الفضائي في «حرب العالمين» ضد أميركا هو هجوم الأفكار الهدّامة غير المؤمنة (المتثّـلة بالماركسية) على تلك المؤمنة (المسيحية). والتماثل واقع في الفيلم الآخر حيث أن عقيدة الأباتشي التي لا تؤمن بالله (حسب الفيلم) هي التي تهزم بالتآخي والدفاع عن العقيدة تحت سقف الكنيسة.

رؤوس أقلام
لنلاحظ أن ستيفن سبيلبرغ، عندما قام بإخراج «حرب العالمين» في نسخة جديدة (2005) إستبعد العنصر الديني على نحو مطلق ووضع مكانه العنصر العائلي كما هي عادته (تصر الكثير من أفلامه على محاولة الرجال التمسّـك بالعائلة التي قد تنهار تحت وطأة أزمة: «مبارزة» (1971)، «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، «جوز» (1975)، «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1977)، «دائماً» (1989) وصولاً إلى «لينكولن» (2012).  
لكن النقيض هو تصوير المتديّـنين في الأفلام غير الدينية كمثال على نزعة متطرّفة وليست علمية. قد لا أذكر في أي فيلم وسترن نهض حامل الإنجيل من مخبئه متقدّماً نحو الهنود الحمر لأنه يؤمن بتعاليم السماء من أن البشر متساوون وأنه يستطيع، متسلّـحاً بالإيمان، من إقناع الأباتشي بالتوقّـف عن قتلهم. النتيجة هي مقتله وهو يمشي المسافة بين المدافعين البيض والمهاجمين الهنود. لكني أذكر فيلماً برسالة مشابهة: في سنة 1957 قام الهوليوودي جورج مارشال بتحقيق فيلم من بطولة أودي مورفي بعنوان «مسدسات قلعة بيتيكوت» وفيه يقود الملازم فرانك هيوويت (مورفي) مجموعة من النساء مهمّـة الدفاع عن بلدة مهددة من هجمات الأباتشي (أيضاً). كلهن متعاونات ومنصهرات بأسلوب دفاع واحد، بإستثناء إمرأة تمسك الإنجيل وترفع صوتها بالدعاء في غير مناسبة. إدانة الفيلم لمفهومها واضح كإدانة الفيلم (الذي لم أستطع الحصول على إسمه) لذلك المتديّن الذي سقط بسبب إيمانه.
في الواقع، السينما، أينما كانت، هي إعادة تقديم للدين، أيما كان.
لا يهم كيف تتصرّف الأفلام حيال الدين مع أو ضد أو في الإتجاهات المنبثقة حتى ولو سقطت في التناقض كما الحال مع فيلم سيرغي إيزنشتين «ألكسندر نيڤيسكي» سنة 1938 عندما أعاب على المسيحية الآتية مع الغزو الألماني في أحداث تقع سنة 1242 لكنه أثنى على مسيحية بطله الروسي في المقابل. ما يهم هو أن السينما تعكس الجوانب الإجتماعية كلّـها وتصب في ملايين (وبل في بلايين) الأفراد المؤمنين على تعدد دياناتهم. المحرّك الديني هو الباعث لدى ملايين المشاهدين حول العالم للإعجاب بأفلام تاريخية لكونها محافظة في نهاية الأمر ولنبذ أفلام الرعب الدموية، بصرف النظر عن مستوياتها التعبيرية والفنية. والمتديّـن ستجده أكثر إرتياحاً أمام شاشة التلفزيون أكثر من دخول صالة السينما بصرف النظر عما يعرض فيهما.
لكن الدين مثل نهر تحت الأرض التي نقف عليها. يمر في مئات الأفلام التي لا نعتقد عادة إنها دينية. إنه في «أريد حلاً» لسعيد مرزوق (1975) كما في سلسلة «ذ ماتريكس» (بدءاً من 1999). في ثنايا أفلام طارزان الكثيرة كما في صميم أفلام فرنكنستاين العديدة. وهو في «2001: أوديسا الفضاء» لكوبريك (1968)، كما في «الڤيتارة البرموزية» The Burmese Herp للياباني كن إيتشيكاوا (1956).
سيطول الحديث كثيراً إذا ما أردنا الإمعان في عنصري الدين والسينما، فما سبق أقرب إلى رؤوس أقلام في موضوع يستحق كتاباً. الثابت أن هذين الكيانين متداخلين على نحو شديد. صحيح إننا انطلقنا في مطلع الحديث عن التلاقيات بينهما لندخل لاحقاً في تفاصيل الإستخدام المؤيد والمتمنّع للدين في السينما، إلا أن الواضح دوماً أنهما تآلفا جدلياً في طروحات مختلفة. وأنهما يستمدّان قدرتهما على الوصول إلى الإنسان (عبر الأزمنة المختلفة) من إعتماد الصور البيانية والحكايات المسرودة التي تتحدث إلى سواد الناس. ماذا تقول ولماذا وكيف تقوله يصبح مجموعة لا منتهية من الخيارات الإنسانية. فالحال أن الله تعالى خلقنا أحراراً وليؤمن كل منا بما يريد فكل الطرق تؤدي إليه في النهاية.

All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014


3 comments:

  1. إيه دا كلو؟ انت حقيقي رجل المفاجآت… عدد مليان مواضيع هامة. انت انقذتنا من الاسفاف اللي عايشين فيه وانشالله كده على طول

    ReplyDelete
  2. شكرا لك ولمتابعتك. يا ريت تكتب إسمك بوضوح في المرة المقبلة ولو أن الأهم هو رسائلك طبعاً

    ReplyDelete
  3. تحليل عميق وممتع ولكن لا أحد يقرأ

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system