أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Apr 27, 2014

إبن المقفّـع في السينما | غودار في "كان" | جيم جارموش | جوني دب | سينما الرعب التي تجاوزت فرويد


Year 8 | Issue: 851

ابن المقفع في السينما
عدنان مدانات

يجد الناقد الأردني عدنان مدانات أن خيال إبن المقفّـع  تجاوز الأجيال وأصبح واقعاً عبر أفلام الرسوم المتحركة في هذا المقال الذي خص به  ظلال وأشباح


ما كان لابن المقفع أن يتصور أن ما قام به في ترجمته لمجموعة حكايات هندية خرافية جمعت في كتاب واحد اشتهر باسم" كليلة ودمنة" من إنطاق للحيوانات بلغة البشر سيصبح في السينما المعاصرة، وبفضل التقنيات الرقمية، ممارسة شائعة تتجاوز بمراحل عديدة ما أنجزه في حينه ابن المقفع ومن سبقه من مؤلفي الحكايات الأصلية.
بدأت علاقة السينما بالحيوانات الناطقة من خلال الرسوم المتحركة التي تصور الحيوانات في علاقات متبادلة على خلفية صوت بشري يتقمص الناطقون به شخصيات الرسوم. خلال سنوات طويلة، كانت تقنيات السينما فيها لا تزال بسيطة نوعا ما، حيث كانت أجسام و وجوه الشخصيات في أفلام الرسوم المتحركة تصنع بأسهل الطرق، فبالعلاقة مع الوجوه، على سبيل المثال، لم يكن يجري تحريك كل أجزاء الوجه بل الحد الأدنى منها فقط، ولكي يظهر أن الشخصية تتكلم كان يُكتفى بحركات بسيطة للشفتين فتحا وإغلاقا بصورة آلية رتيبة، فيما يتولى الصوت البشري الإعلان عن مضمون الكلام. لم يكن هذا التبسيط في الشكل ليثير اعتراض أحد، فقد كان المشاهدون، وهم في الأصل من الأطفال، يستقبلون و يتقبلون الوضع باعتباره مجرد رسوم متحركة ويركزون اهتمامهم على ما ترويه من قصص.
مع تطور التقنيات السينمائية وتطور تقنيات صناعة أفلام الرسوم المتحركة صارت حركة الرسوم المتحركة على الشاشة تبدو أكثر تنويعا وتفصيلا وتعقيدا وأكثر اقترابا من الشكل الواقعي و في نفس الوقت ظل استعمال الصوت البشري يرافق المادة المصورة ويتجه أكثر فأكثر نحو التزامن بين حركة الشفاه والكلمات المنطوقة. كان من الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن يزداد اهتمام صانعي الرسوم المتحركة برواية القصص عبر الأفلام الطويلة التي تستند إلى الروايات الأدبية المشهورة الموجهة لجمهور الأطفال واليافعين أو التي تعتمد على نصوص أصلية مكتوبة خصيصا للأفلام وتتمتع بخيال خصب يعرض على المشاهدين مواضيع وأحداث لا يمكن تقديمها إلا عبر الرسوم المتحركة القادرة على أن تجعل من اللاواقعي واقعيا، فهي بتحررها من المرجعية الواقعية الملازمة لعمل كاميرا التصوير التي تستطيع فقط أن تعكس مادة  الواقع الموجودة أمامها مباشرة، تتمكن من خلق واقع متخيل يتقبله المشاهدون ويتمتعون به فباتت أفلام الرسوم المتحركة الطويلة ذات مردود ربحي مالي ينافس في بعض حالاته الأفلام الروائية الطويلة الواقعية من حيث الشعبية الجماهيرية والمردود المالي، وكنموذج على هذا النجاح يمكن ذكر فيلم الرسوم المتحرك" الأسد الملك" الذي جرى إنتاجه في العام 1994 وتسبب نجاحه الكبير في إنتاج جزء ثان ثم جزء ثلث منه في فترة زمنية متقاربة.
اث ساهم هذا التطور في تشجيع صانعي الرسوم المتحركة على عدم الاكتفاء بالشكل الواقعي للشخصيات المرسومة بل تجاوز ذلك إلى القدرة على رسم الوجوه التي تتمتع بقدرة على التعبير بحركات الوجه، أي بقدرة على التمثيل، كما يفعل البشر الحقيقيون عندما يمثلون في الأفلام.
على الرغم من تزايد مهارة صانعي الرسوم المتحركة في تقليد الشكل الواقعي سواء بالنسبة للشخصيات البشرية أو التي تنتمي لعالم الحيوان، فقد بقيت الرسوم المتحركة لفترة طويلة محافظة على خصوصيتها كرسوم ثنائية الأبعاد.
 تتميز المرحلة الأحدث في أفلام الرسوم المتحركة بالانتقال من صيغة الرسوم ثنائية الأبعاد إلى تقنية ثلاثية الأبعاد تشكل بمجملها عالما افتراضيا تتحول فيه الرسوم المتحركة إلى مجسمات أكثر واقعية من حيث الشكل تبدو من خلالها الشخصيات و كأنها شخصيات حية من لحم ودم، وهي تقنية تمثل امتدادا متطورا إلى حد بعيد لتقنية أفلام الدمى المتحركة، و قد تحقق ذلك بفضل تملك المزيد من التقنيات الرقمية التي سمحت بتصميم برامج متطورة لصنع هذه المجسمات الافتراضية. من أشهر ومن انجح النماذج المبكرة لهذا النوع من الأفلام الفيلم الأمريكي المعنون" القطار القطبي" الذي جرى إنتاجه في العام 2004، واستخدمت فيه أصوات بشرية لبعض أشهر نجوم هوليود وعلى رأسهم الممثل توم هانكس ويروي قصة رحلة قطار في فترة عيد الميلاد مليئة بعناصر الدراما المؤثرة والمشهدية البصرية التي تتراوح ما بين واقعية شديدة في رسم الشخصيات البشرية وخيال خصب في رسم حركة القطار غير الواقعية، وهو فيلم يشاهده الصغار كما يشاهده الكبار بسبب من أجوائه المثيرة وبراعة تنفيذه.
أبطال فيلم" القطار القطبي" يجسدون شخصيات بشرية، في حين أن أفلاما كثيرة من هذا النوع يجسد أبطالها شخصيات حيوانات. والأمر المفارق هنا أن صانعي هذه الأفلام التي تصور شخصيات من الحيوانات يصرون على أن يجعلوا الحيوانات تمثل وتعبّر بالصورة مثل البشر، أي أنهم يرسمون التعبير رسما، مقلدين التعبير البشري، بواسطة ما تتيحه لهم التقنيات الرقمية من إمكانيات، وهم بهذا يجعلون الأداء التمثيلي المرسوم المتجسد عبر البشر كما عبر الحيوانات سواء بسواء ينافس الصوت البشري في التعبير، على الرغم من أن الصوت البشري، وليس رسم التمثيل الافتراضي، مهما بدا بارعا، هو ما يعطي للتعبير وللانفعال حرارته وروحه وبالتالي إمكانية تأثيره.


……………………………………………………………………………

أفلام الرعب تسود وعددها في تزايد
محمد رُضــا

أفلام مختلفة من الماضي والحاضر أسست للنوع الذي لا تزال أعداده في تزايد. هل هناك تفسير فعلي لماذا نحب أن نخاف؟
Oculus

هناك «حملة تطهير» جديدة. لقد مر نحو عام واحد على الحملة الأولى وقريباً، في الثامن عشر من شهر يوليو (تمّـوز) المقبل، تبدأ حملة جديدة. وتستطيع أن تقول أن الحملة الأولى كانت ناجحة. كيف لا وهي تكلّـفت ثلاثة ملايين دولار وحققت رصيداً بلغ 84 مليون دولار حول العالم.
أين وقعت؟ وقعت في كل مكان عُـرض فيه فيلم بذلك العنوان «حملة تطهير» (أو The Purge) ما يعني أننا لا زلنا نتحدّث سينما هنا وليس في حملات تطهير واقعية ضد الفساد الإداري أو السياسي أو أي فساد آخر.
الفكرة التي قام عليها فيلم جيمس ديموناكو ذاك كانت أن الحكومة الأميركية، والحكومات حول العالم أو بعضها على الأقل، أعلن عن يوم تُـباح فيه الجريمة. إفعل ما تشاء. دمّـر. أنهب. إعتدي.  أقتل… أنت حر في هذا اليوم أن ترتكب ما تريد. لن يتصدّى لك أحد، إلا على حساب أمنه الخاص، ولن تر رجال القانون يحاصرونك ويقبضون عليك محذرينك أن "كل شيء تقوله قد وسوف يؤخذ عليك في محكمة القانون"… أساساً لن تر أياً منهم. إنه يوم القتل المجاني. يوم الجريمة بلا عقاب.
ديموناكو صنع فيلم رعب وتشويق جيّـد من هذه التوليفة، لكنه استند إلى مسألة تستحوذ الإهتمام وتعاود الإطلال في الجزء الثاني قريباً: لكي تصون الدولة نفسها بات عليها أن ترعى ما كانت ترفض رعايته من قبل. سمّ ذلك شراكة في الجريمة، لكن الأساس أنها أدركت أن إتاحة يوم في السنة لكي يفرغ الناس العنف الذي في الداخل سيصون المجتمعات من العنف لباقي أيام السنة. ربما في البداية، ماذا لو أن يوماً واحداً لا يعود كافياً؟

الخوف من الطبيعي
سينما الرعب تمشي على القاعدة ذاتها. من الآن وحتى نهاية هذه السنة هناك نحو 25 فيلم رعب سيخرج إلى العلن لكي تنضم إلى نحو سبعة أفلام سبقتها منذ مطلع هذا العام. والقاعدة المشتركة هي أن الناس، في تفسير سايكولوجي تبنّـاه أكثر من باحث، تريد أن تفزع لكي تنفّـث الرغبة الكامنة في داخلها بحيث تجمع من الفيلم أسلحة المواجهة إذا ما تعرّضت إلى الموقف ذاته. حسب سيغموند فرويد، لا غيره، العنف المتأتي من الصور والقراءات على حد سواء هو ترجمة لما اعتمر داخل الذات طويلاً وتم كبته مع تحوّل المجتمع إلى حضاري. بكلمات أخرى، لأن الإنسان بات يعيش (نظرياً على الأقل) على نحو حضاري فإن حبّـه لأفلام العنف (وكثير منها مدفون في سينما الرعب) عائد إلى أنه كان يود لو قام به هو نفسه لأن بعض خصائصه عدواني في الأساس. لكنه لن يقوم بذلك (هناك من يفعل بالطبع لكنهم قلّـة في نهاية الأمر) وسيستعيض بالبصبصة على آخرين يفعلون ذلك.
Hills Have Eyes

لكن حقيقة أن فرويد قال ذلك لا يعني أنه كان على صواب. 
هناك المزيد من العنف اليوم عما كان عليه الحال في عهده. وفي عهده لم تكن السينما قادرة على تصوير رؤوس مقطوعة وأعناق مذبوحة وأطراف مقطوعة وضحايا ترقص كالدجاج المذبوح. تعاليمه تستمد قيمتها من الدراسات المنفردة لحالات تتبع نظاماً من السلوكيات اشتغلت عليها السينما كثيراً من قبل. الآن ما توفّـره السينما لم يعد يخضع للمنطق. هاك أستاذ مدرسة في الفيلم الحالي «الهادئون»، إخراج جون بوك،  يؤلّـف فريقاً من التلامذة لصنع أشباح ظلام مستخدماً الطاقة البشرية في ذلك. طبعاً سترتد التجارب على أصحابها وشرور الإنسان الموضوعة في أشباح سوف تنطلق لممارسة العنف بلا هوادة. 
حالة لا تختلف كثيراً مدفونة في طيّـات «خوف مسرحي» Stage Fear. العنوان ذاته مأخوذ بتحريف من العبارة التي تعني ما يشعر به بعض الممثلون الجدد عندما يتأهبون للوقوف على خشبة المسرح، لكن في فيلم جيروم سابل الذي سيعرض في التاسع عشر من مايو (أيار) المقبل هو أكثر علاقة بأسباب غير نفسية لهذا الخوف، فهناك مقنّـع يقتل ويذبح الممثلين الذين يقومون بالتمارين المسرحية. 
في «دوار العين» أو Oculus المعروض حالياً أيضاً يرمي المخرج الجديد (ومعظم مخرجي هذه الأفلام جدداً) مايك فلاناغان إلى تقديم مرآة قديمة كمصدر للشرور. إنها تتمتع بقدرة غرائبية خارقة تدفع من أمامها لارتكاب الجريمة. تسيطر عليه. تقلبه إلى قاتل شرس. ليس بعيداً ما تقوم به عن أشرطة الفيديو الفتّـاكة في «الخاتم» الذي نقلته هوليوود عن فيلم ياماني بالعنوان ذاته سنة 2002 وأنجز نجاحا كان من شأنه أن أنجبت بضعة أجزاء أخرى.

إنحراف
في الواقع، تبدو أفلام الرعب اليوم ومنذ سنوات، خالية من كل منطق. في الوقت ذاته تنتمي إلى عالم دائماً ما نشعر إنه على بعد خطوات منّـا. ربما هو في ذلك البيت الواقع في آخر الشارع، أو في شخص ذلك الرجل الغامض الذي لا يعرف سرّه. أو ربما في تلك البلدة القريبة التي تبدو لك آمنة وهادئة لكن الإشاعات تقول أنها مسكونة بالأشباح. وماذا عن ذلك المنزل القريب والمهجور الذي يوحي بأنه فجأة ما عاد مهجوراً وأن هناك من يعيش فيه وربما كان يراقبك؟
للوصول إلى تخويفك على فيلم الرعب أولاً تقديم حالة تبدو عادية تعرفها. في اللحظات التالية، سيتم نزع تلك الطمأنينة الناتجة عن الحالة العادية ورميها بعيداً. بطلا «حملة التطهير رجل وإمرأة يقودان سيارتهما بسرعة محاولين الوصول إلى البيت للتحصّـن فيه قبل غروب الشمس، ذلك لأن العطلة تبدأ من ذلك التوقيت. تقول له: "أسرع، الشمس ستغيب قريباً"، يقول لها مطمئناً: "لا تقلقي، كل شيء على ما يرام"… ما أن ينتهي من عبارته حتى تتوقّـف السيارة في ضاحية هي- في الأحوال العادية- خطرة… ماذا عن حالها في يوم القتل المشاع؟
خروج المسافرين عن خطّ سيرهم الطبيعي هو منوال معتاد في أفلام الرعب. 
في «الهضاب لها أعين» (1977) لمخرج كانت له إسهامات مهمّـة في هذا المضمار هو لس كراڤن، هناك تلك العائلة التي تنطلق في صحراء أميركا الوسطى في طريقها إلى كاليفورنيا. في لحظة ما، في مكان ما تنحرف السيارة عن الطريق الذي كان يجب عليها أن تمضي فيه لتجد نفسها وسط هضاب وتلال صخرية. ما أن يحل الظلام حتى تدرك أن المكان مسكون بوحوش آدمية تقتل للقتل وربما للأكل أيضاً.
Halloween

الفيلم تحوّل إلى إنجاز كلاسيكي في نوعه ما دفع لإعادة صنعه سنة 2006 في فيلم أخرجه أليكس آجا بالعنوان نفسه. في العام التالي تم صنع جزء ثان من تلك الإعادة من إخراج مارتن وايز. كلاهما لا يصلان إلى مشارف الرعب المسجّـل في الفيلم الأصلي. 
قبل «الهضاب لها أعين» بثلاث سنوات أنجز توبي هوبر «مذبحة تكساس المنشارية» Texas Chainsaw Massacre. الحبكة ذاتها: عائلة في سيارة تفقد طريقها. تجد نفسها في بلدة مهجورة إلا من قاطنين قلّـة من آكلي لحوم البشر. 
سنة 1986 تم تقديم جزء ثان من إخراج توبي هوبر أيضا» تم منعه في استراليا بسبب عنفه ودمويّـته. بعد ذلك تعددت النسخ المنتجة منه وأعيد صنعه مرّات والإستيحاء منه مرّات أخرى وصولاً إلى فيلم بعنوان «مذبحة تكساس المنشارية: الجيل التالي» (1995) كما لو أن المسألة وراثية. وفي سنة 2006 تم تحقيق فيلم ينتقل إلى ما قبل الجيل الأول وجزء آخر بنظام الأبعاد الثلاثة خرج في العام الماضي كسابع فيلم في السلسلة.

مسؤولية
وس كرافن وتوبي هوبر كانا من بين سينمائيين اخترقوا المنوال التقليدي لفيلم الرعب في أواخر الستينات ومطلع السبعينات. أولهم جورج أ. روميرو الذي مال إلى الرموز السياسية في سلسلة أفلامه عن الموتى- الأحياء من الزومبيز وآكلي لحوم البشر. في العام 1968 حقق أول أفلامه في هذا الحقل «ليل الموتى- الأحياء» حيث أصاب فيروس فتّـاك الشرق الأميركي نتج عنه تحوّل الآدميين إلى زومبيز يجولون في المزارع خارج المدن. من أول الفيلم يطالعنا فن التخويف: رجل وشقيقته في زيارة لقبر الأم. من بعيد يقترب رجل يسير على نحو غريب. لا شيء يبدو خارج المألوف للحظات… ثم ها هو الرجل ينقض على الشاب والفتاة تهرب لاجئة إلى بيت ريفي لجأ إليه شاب أسود ثم عائلة بيضاء. شقيقها من بين المتحوّلين إلى تلك الوحوش الآدمية التي تحاصر البيت وتحاول إقتحامه. عندما مات كل من لجأ إلى البيت بإستثناء ذلك الشاب الأسود، فتح عليه البوليس النار وأرداه معتقداً أنه من تلك الوحوش. لكن في الطريقة التي تم تنفيذ المشهد فيها، أطلق البوليس النار عليه لأنه أسود البشرة أولاً.
بعد ذلك انتقل روميرو إلى المدن ووجد في «فجر الموتى» (1978) أن المسؤولية في هذا الوضع يعود إلى مجتمع إستهلاكي سمح لنفسه باضطهاد تلقائي لمعظم الناس هم من أصيب بالفيروس. في الجزء الثالث «يوم الموتى» (1985)  شاهدناه يرمي العسكر بالمسؤولية نتيجة تجاربهم غير الآمنة، ثم هو الإعلام والتكنولوجيا في «أرض الموتى» (2005) وواشنطن والمؤسسة في «يوم الموتى» (2008). على ذلك كله، بقي مخرجاً جيّداً للنوع. أفلامه تخيف على مستويين: مستوى الفكرة التي قد تتحوّل إلى حقيقة، ومستوى إخراج المشاهد بحد ذاتها.

الأداة والرمز
الجامع بين سلاسل «الهضاب لها أعين» و«مذبحة تكساس المنشارية» و«ليل الموتى- الأحياء» هو التخويف مما يتبدّى أمراً لا غبار عليه. طبيعي إلى حد بعيد قبل أن ينفجر في عنف كبير. لكن إذا ما لجأ وس كرافن وتوبي هوبر إلى العنف الدموي للتأثير فإن العنف في أفلام روميرو بقي نتيجة اللعبة الإخراجية القائمة على عنصر التشويق. لكن حقيقة أن التخويف من حياة كل يوم وقد أصبحت كابوساً (والتي ينضم إليها سلسلة أخرى لوس غرافن عنوانها «كابوس شارع إيلم» حول خطر القتل إذا ما غلب النوم الضحية) يسود بينها ويترك المشاهد شبه عار من الأسلحة. 
The Shining

وهذا هو أيضاً لب سلسلة أفلام «هالووين» التي بدأها المخرج المقل جون كاربنتر سنة 1978 في إنتاج للراحل مصطفى العقاد (لاحقاً أكمل العقاد المجموعة مع مخرجين مختلفين وحقق ثروة كبيرة من ورائها). الفارق بينها أن تخويف «هالووين» كان يتم بناءاً على عقدة سايكولوجية في حين أن حبكات الأفلام الأخرى المذكورة خلت من العقد السايكولوجية على نحو تام. «هالووين» هو عن شاب عاش في كنف مؤسسة صحيّـة لأنه كان قتل، وهو صغير، بعض أفراد العائلة. حين كبر وخرج من المصحّـة عاد إلى الكنف ذاته لكي يكمل ما بدأه، ثم- وفي الأفلام الأخرى- ليلاحق من فلت منه في الفيلم الأول أو لمن أراد إضافته من ضحايا.
القاتل في سلسلة «هالووين» مندفع لأسباب غامضة. لا يتكلم مطلقاً ولا ينثني عن هدفه. لماذا ينثني أو يتردد إذا كان لا يمكن قتله؟ 
يتركك وجوده في سؤال حول حقيقته. المنتج مصطفى العقاد رآه خارقاً للعادة. تجسيد للشر في شخص رجل. والشر لا يموت.
هذا الرمز، الناجح ضمن السلسلة، متوفّر في الأفلام الأخرى من العصر السبعيناتي، في سلسلة «كابوس شارع إيلم» وسلسلة «مذبحة تكساس المنشارية» و«ليل الموتى- الأحياء». ما يختلف هو الأداة التي يمارس بها الشرير جرائمه: السكين بيد مايكل مايرز في سلسلة «هالووين»، الأظافر ذات النصال في «كابوس شارع إيلم» ومنشار قطع الأشجار في «مذبحة تكساس المنشارية».
وهي تعيش في جوانب تبدو طبيعية. 
هذا جانب أساسي من فن التخويف: كل شيء يبدو هادئاً على مياه شاطيء صيفي لحين ظهور سمكة القرش الكبيرة في Jaws  (ستيفن سبيلبرغ- 1975). المنظر جميل في ذلك المنتجع النائي إلى حين يفقد جاك نيكولسون رشده في «اللمعان» (ستانلي كوبريك- 1980)  وعندما تقرر جانيت لي أن الوقت حان لكي تلجأ إلى الفندق الهاديء الذي وجدته في طريقها ما بين أريزونا وكاليفورنيا في «سايكو» (ألفرد هيتشكوك- 1960) تفاجأ بأن المكان هو نهاية رحلتها في الحياة. هناك تحت رذاذ «الدوش»، فعل يقوم به كل منا حين نصل إلى فندق بعد رحلة سفر، يقتحم مجهول غرفتها ويقتلها.
الحال ذاته في أفلام الرعب غير الكلاسيكية على شاكلة «هالووين» وسواه: المفاجأة تكمن أكثر في اللحظة التي سيظهر فيها الوحش البشري وفي يده آلة القتل. الفارق الأساس هو أن أفلام سبيلبرغ وكوبريك وهيتشكوك عملت على منوال ذهني شاسع. حامت فوق خريطة من التضاريس البشرية والنفسية قبل ثم خلال لجوء كل منها إلى مشاهد رعبه.

الأفلام الحديثة، كتلك المذكورة في مقدّمة هذا المقال، عليها مهمة أصعب في مجال إستدرار إعجاب المشاهدين. فنحو مئة وعشرين سنة من السينما أتت على كل فكرة ممكنة أكثر من مرّة. والمشاهدون المدمنون باتوا مثل الفيروس المنيع حيال معظم ما ينتج من هذه الأفلام. كيف إذاً يمكن لسينما الرعب اليوم أن تبقى ذات ضرورة أو وظيفة إذا لم يعد هناك جديداً يمكن تقديمه؟ الوسيلة شبه الوحيدة هي رفع نسبة المشاهد الدموية وتلك التي تصوّر كيفية الفتك بالضحاياً. لكن هذا وحده سرعان ما يصبح مكرراً بدوره. حيال هذا التكرار لا تجد هذه السينما بدّا من الإصرار على النحو ذاته ما يجعل الأفلام متشابهة بحبكاتها (وأحياناً كثيرة مشاهدها) المتكررة. لكنه نوع من الإصرار النافع الذي لا يزال يتوالد من دون توقّـف. 
والنموذج الواضح نجده في صنف آخر من أفلام الرعب هي تلك التي تتحدّث عن البيوت والقصور المسكونة بالأرواح والأشباح والتي من بين آخرها سلسلة «الحقد» The Grudge التي انتابت شاشاتنا من العام 1994، وقبلها «رعب أميتيفيل» (1979) ومشتقاته وأفلام منفردة مثل «عظام» (2001) و«كاسبر» (1995) و«منزل معتم» (2014) وأكثر من 170 فيلم آخر احتوى على حكايات الأشباح التي توارثت الحياة داخل جدران البيت العتيق والهاديء و(ربما) الجميل قبل أن ينضح بما خفي فيه ويتحوّل قاطنيه الجدد إلى ضحايا تصرخ ولا مستجيب.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system