Mar 27, 2014

الجنس في فيلمي ڤون ترايير وعبداللطيف كشيش | «الصوت الخفي» لكمال كمال | سينما الرعب لإدغار نجّـار | «فتاة المصنع» لمحمد خان | رحيل رفيق حجّـار

Year 8 | Issue: 846

الجنس المتاح في فيلمي ڤون ترايير وكشيش
محمد رُضــا

«مهووسة»، بعد «الأزرق اللون الأكثر دفئاً» هو أيضاً عن الجنس لا كمفهوم ولا كثقافة ولا كحاجة إنسانية بل كهاجس خال من الفن. أين يلتقيا وأين يختلفان ولماذا  يحاول نقاد كثيرون الظهور بمظهر المتقبّـل؟

ماهو فوق الوسط يقوم به الممثلون الحقيقيون. 
ما هو دون الوسط يقوم به ممثلون بدلاء مهنتهم في الحياة تمثيل أفلام بورنو.
هذا هو الحل الذي اتفق عليه المخرج الدنماركي لارس فون ترايير مع ممثليه حين تحادث وإياهم حول فيلمه الجديد «مهووسة» (بجزئيه).
ولم تتوقف عملية الإستبدال على الأشخاص. في حديثها إلى صحيفة «ذ غارديان» ذكرت الممثلة شارلوت غونسبيرغ التي تجسّـد شخصية العنوان، بأن من أصعب ما في العمل كان «تثبيت الفرج البديل»… معلومة جديدة. إذا كان الممثلون بدلاء والأعضاء التناسلية بديلة… ما الذي بقي من الفيلم؟
أساساً، هل هذا الفيلم مهم؟ ولمن؟ لمخرجه؟ لممثليه؟ للجمهور؟
تصوّر السينما بلا هذا الفيلم… ثم تصوّر السينما بلا فيلم «برسونا» أو «المواطن كاين» أو «التضحية» … هل هو الأمر ذاته؟
ثم تصوّر معظم النقاد، عرب وأجانب، وهم يكيلون المدح لهذا الفيلم ومن حقك حينها أن تتساءل: "هل يفعلون ذلك وفي البال إظهار تقدّمهم وتحررهم من الموروث السائد أم عن قناعة؟".
إذا ما كان الأمر عن قناعة، فلماذا كل ما قرأته من كتاباتهم ليس مقنعاً بدوره؟ 
أقرأ في مجلة «إمباير» حكم الناقد، الذي عادة ما أحترم طول باعه في سينما الخيال العلمي، كيم نيومان، خلاصة نقده فيقول أن الفيلم "مستفز، مستولي (على الإهتمام) وعادة ما هو هاذر. ليس لكل الأحاسيس لكنه من بين أفلام فون ترايير الأكثر لعباً وترفيهاً مع عمق نظرة ومرح حتى في (المشاهد) المثيرة للرعب"
ومن ناقد آخر لم أقرأ له سابقاً أسمه بيتر سوجنسكي: "الفيلم هو مثير جنسياً، سخيف (يقولها على نحو أن السخافة أمر جيد)، قوي، متكلّـف (!)، ساخر بوحشية، ممتع، ممثل بجمال ومصنوع بإمتياز…" ويضيف خمسة أسطر أخرى في مطلع مقالته كلها عبارة عن رؤوس أقلام. 
ولن أمضي أكثر من ذلك، ثلثا النقاد الذين كتبوا عن الفيلم كتبوا بإعجاب. الثلث الباقي مثلي لم يجد فيه أكثر من مشاهد بلا روح… نعم هناك قدر من السخرية. نصيب من الإثارة بلا ريب، لكن ماذا عن الضرورة التي عليها أن تقف وراء كل عمل بصرف النظر عن نسبة المشاهد العارية أو الجنسية التي فيه؟
هل المشاهد (المثقّـف والعادي ثقافياً) بحاجة لأن يرى وضعاً جنسياً صريحاً ليوافق على أن الحياة فيها مثل هذه الأوضاع؟ أو ليستقبل الحكاية المنوي سردها؟ ماذا لو أن الفيلم كان فعلياً عن «الهوس الجنسي« أو "نيمفومانياك" من دون الإفراط في المشاهد؟ ألم يكن ذلك أكثر تحدّيـاً للمخرج وللمشاهد معاً؟
أفضل مشهد في جزئي «مهووسة» هو الدقائق الثلاث الأولى من الجزء الأول: الكاميرا تمسح زقاقاً كئيباً جدرانه بنية عارية من الحياة. وإمرأة ملقاة على الأرض تحت المطر. هذا التلوين والغموض مسحوب من أفلام فون ترايير السابقة الأفضل مثل «وباء»، «عنصر جريمة» و«يوروبا» (ما بين 1984 و1991). الباقي إقحام بلا روح. وأؤكد أنه بلا روح حتى في المشاهد «البريئة» التي تصوّر بطلة الفيلم صغيرة في الحقل بصحبة أبيها الراحل. ليس هناك من جمال حتى مع تصوير تلك الطبيعة، لأن جمالية الشيء أو عدمه أو أي وصف مصوّر، هو الروح التي تنبعث قبل المشهد وتستمر من بعده وليس مجرّد لقطة «بوست كارد» لها جمالياتها. 
هذه اللاروح هي ذاتها التي وجدناها في فيلم عبداللطيف كشيش «الأزرق اللون الأكثر دفئاً» أو «حكاية أديل» كما في عنوانه الأصلي. بعد ما كتبت عنه حين شاهدته في «كان» مع كل الجوقة العربية المعتادة، قال لي أحد الأصدقاء "كتبت ضده كما لو كنت من الأخوان المسلمين". ضحكت حيث كان يجب أن أثور أو أبكي أولاً لأن لا أخوانياً يمكن له أن يفهم معنى السينما وثانياً لأن الدفاع عن القيم (وهو أمر مشروع) بات فعلاً رجعياً، وثالثاً لأن المنطلق، لو قرأ ذلك الصديق عميقاً- كان سينمائياً بحتاً.
في «الأزرق اللون الأكثر دفئاً» أو أي عنوان آخر تختار له، استرسال ثرثري من مطلعه إلى نهايته. تستطيع، إذا ما كنت تجيد الفرنسية، وكما فعل أحد نقاد «كاييه دو سينما» التغني بأدبيات الحوار وكم هو واقعي، لكن ماذا يزن ذلك في الفيلم؟ تستطيع أن تكتب مقالة بلغة سليمة، هل عليك أن تملأ خانة الحوار في السيناريو فوق طاقتها لتؤكد ذلك؟ 

لكن الحوار ليس المشكلة الأساسية، الفيلم أيضاً يخلو، مثل «مهووسة» من الضرورة ومن الروح الجمالية. المختلف هو أن فون ترايير يضع الكاميرا لتصوّر العملية الجنسية كما لو كان يتابع ممارسة بين حشرتين. عبداللطيف يضعها كما لو أنه يفعل ذلك لمتعته الخاصّـة. الأول لا يبدو مستمتعاً ويريد الوجه البشع من الجنس. الثاني يستمتع بما يراه وتستطيع أن تتخيّـله وقت المونتاج وهو يطرد فكرة أن يختصر الوقت. لو صوّر أكثر لاستخدمه.
ما علاقة هذا بإسلامي أو مسيحي أو يهودي؟ 
علاقته هي باللغة التي تؤلّـف المشهد. طبعاً هناك خيط وميض من المبدأ الناتج عن تراث الشخص الواحد. لكن القدرة على الخروج من هذا الخيط (الذي قد يكون نحيفاً أو سميكاً) هو من ضروريات النقد. مثلاً لو اعتبرنا أن هناك ناقداً عربياً يكره الإسلام (وهناك واحد في البال وأنا أكتب ولو أنه يقول أنه يكره كل الأديان) هل سأستكين إلى رأيه عندما يكتب عن «الرسالة» لمصطفى العقاد؟ هل يستطيع أن يفصل بين هذا الكره وبين «الرحلة الكبرى» لإسماعيل فروخي؟ وإذا ما كان هناك نقاداً يكرهون كل ما يمت إلى العروبة (وهؤلاء كثيرون) هل سأعتمد على رأيه حين يتحدّث عن «الهائمون» لناصر خمير أو عن «الناصر صلاح الدين» ليوسف شاهين؟ وماذا عن لو أن الناقد كان حزبياً (لأي حزب ابتلينا به) هل سيؤيد فيلماً أو يهاجمه بمنظوره الخاص أو بمنظور إنتمائه؟
النقد هو أن تخرج من الصناديق جميعاً. تحكم جيّداً. ولكي تفعل ذلك عليك أن تنشأ على ثقافة منفتحة وإنسانية بصرف النظر عن ذلك الخيط الذي تؤمن به، أيما كان. حينها تستطيع أن تحكم سينمائياً على فيلم وموسيقياً على لحن وأدبياً على كتاب.
من هذا المنطلق وحده أجد، بكل تواضع، أن كلا الفيلمين المذكورين أعلاه هما عملان خاليان من الفن ومليئان بكل شيء آخر.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular