Mar 17, 2014

برايان دي بالما: السورياليون يحبون السكاكين- محمد رُضا | الوعي في لعبة المرايا مع السينما- سلمى متّى | تحليل الغامض والتشويقي- إدغار نجار | نساء تروفو- ميسر مسكي | فيليب مارلو- محمد رُضا

Year 8 | Issue: 845
ملاحظات في سينما برايان دي بالما: فصول الموت في أفلامه الأولى
محمد رُضــا
هذا التحقيق هو جزء من دراسة حول سيـنما برايـان دي بالما. هذا الجانب 
يتناول ملامحاً من أعماله الأولى  وشغف المخرج  بأفلام رعب سايكولوجية
في مرحلة إنتهت بفيلم وضعه في درب مختلف. 


في العام 1983 إستلم برايان دي بالما أول عرض إخراج كبير بالفعل. أفلامه السابقة طوال أكثر من خمسة عشر سنة إما أنتجتها شركات صغيرة (نيو هاربور، أميركان إنترناشنال، فيلموايز) أو كانت من توزيع شركات أكبر (تحديداً فيلمين هما «تملّـك» الذي إنتجته كولمبيا و«كاري» ليونايتد آرتستس) لكنها لم تكن أفلاماً كبيرة بحد ذاتها.
الفيلم كان «الوجه المشوّه» Scarface الذي أوعزت به شركة يونيفرسال وفي البال إعادة صنع فيلم أخرجه هوارد هوكس سنة 1932 وكان واحداً من تسعة أفلام حققتها شركة صغيرة أسمها Caddo لم تنجز إلا تسعة أفلام بدأت بـ «فارسان عربيّـان» للويس مايلستون (1927) ووزعته حينها يونايتد آرتستس.
تحمّـس دي بالما للمشروع ووهبه جل قدراته. لا عجب في ذلك فهو أدرك أنها فرصته الهوليوودية الأمثل، بعدما صرف سنوات الماضي، ومنذ بدء عمله في السينما، على أفلام أرادها فنيّـة وذاتية ومتأثرة بالسينمائي الفذ الذي كان يحبّ أعماله البيضاء والسوداء ألفرد هيتشكوك
لكن المتغيّـر الوحيد لم يكن ضخامة المشروع ولا الميزانية التي تمتّـع بها (25 مليون دولار) ولا تعاونه الأول مع ممثل بحجم آل باتشينو، بل أن هذا الإنتماء كان بداية تحوّل مهم لناحية أسلوب عمله وما يكتبه وما يفضل العمل عليه من أفلام.
واحد من ملامح ذلك الأسلوب هو كيفية القتل في أفلامه.
في «الوجه المشوّه» المشاهد الغالبة هي القتل بالأسلحة النارية. مشهد باتشينو وهو يفتح نار رشّاشه على رجال القانون من أشهر ما طـُـبع على شاشة الأفلام البوليسية من مشاهد مماثلة. نيران غزيرة. طلقات لا تنتهي ثم موتة كلاسيكية أكثر إشباعاً لجيل ذلك الحين من تلك التي ظهرت في نسخة هوكس. لكن أفلام دي بالما السابقة لم تكن أفلام مسدّسات. بل كانت أفلام خناجر وآلات حادّة مثل المقص. ترتكب الجريمة ذاتها. ينتج عنها الموت نفسه لكنها أكثر إيلاماً للميّـت وللمشاهد معاً.
Hi, Mom
على ذلك، العنف في أفلام دي بالما الأولى كان (كما كان الحال في العنف في أفلام سام بكنباه) طريقة وصف أكثر منه استمتاعاً به.
هناك مجموعة من الأفلام الصغيرة التي أخرجها دي بالما في بداياته أي ما بين 1960 و1974 وهي تشمل سبعة أفلام قصيرة (ما بين 1960 و1966) وسبعة طويلة (ما بين 1968و1974). ثاني أفلامه الطويلة هو «جريمة على الموضة» Murder à la Mode 
هذا الفيلم كان أول فيلم استخدم فيه دي بالما جريمة ترتكب بآلة ذات نصل حاد: فتاة تتحدّث للمصوّر الذي يلتقط لها فيلماً وهي تغير ملابسها. ليس هناك من عري ودي بالما لم يكن في هذا الوارد (ولو أنه تحدّث في الجنس رغم ذلك) لكن بعد دقيقتين من بداية الفيلم تظهر يد تحمل موسى حلاقة. تلتفت الفتاة الشابة إلى الخلف لكنها ليس لديها الوقت الكافي لتجنّـب الذبح. اللقطة من الخلف والمخرج ينتقل مباشرة إلى النتيجة. 
الفيلم كان بالأبيض والأسود والدم لم يكن مثيراً للعين. لكن إذا ما أثبت شيئاً فهو أن المخرج يضع نساءه تحت رحمة رجل قاتل ومهووس، يحمل سكيناً أو نصلاً حاداً، وهناك دم يراق- بالألوان فيما بعد لكنه بالأبيض والأسود هنا.
لاحقاً، كما سنرى، المرأة قد تكون قاتلة بذات المستوى من الخطورة. كل شيء في عالم دي بالما الجنائي هو حشد للقدرة على القتل تبعاً لهوس نفسي وكبت ما في النفوس كما سنرى.
أفلام دي بالما الأولى هذه لم تكن كلّـها عن جرائم قتل، لكن بعضها (مثل «مرحباً أمي» Hi, Mom) كان عنيف الوقع. «مرحباً، أمي» مبهر اليوم لأنه تم تحقيقه سنة 1970 من بطولة لشاب وسيم أسمه روبرت دينيرو، يجنح نحو العصبية والقوّة الأيديولوجية، كما فعل في فيلمه اللاحق «تاكسي درايڤر» تحت إدارة مارتن سكورسيزي سنة 1976 (بل هو يتحدّث مع نفسه ممثلاً دوراً خيالياً تماماً كما في فيلم سكورسيزي).

لابد من تسجيل أن هوس دي بالما بأفلام الرعب تبلور تدريجياً. هناك تحية لألفرد هيتشكوك في «مرحباً، أمي» (رجل يتلصص على سكان المبنى المقابل) ودكانة ولو هزلية في «إعرف أرنبك» Get to Know Your Rabbit سنة 1972. في العام 1973 أخرج «شقيقتان» (سمّـي كذلك بـ «شقيقتا الدم» Blood Sisters) الذي يتحدّث عن شقيقتان توأمان واحدة تقتل بالخفاء عشاق الثانية إنتقاماً كونها مهووسة بشقيقتها. 
لجانب أن الفيلم سجّـل أول شغف مرئي فعلاً بسينما ألفرد هيتشكوك (متمثّـل بأسلوب عمل دي بالما واستخدام الموسيقا ومفردات إخراج المشاهد) فإن الحكاية تعتمد على عنصريين هيتشكوكيين آخرين: البصبصة (هنا إمرأة تراقب من نافذتها جريمة قتل تقوم بها التوأم الشريرة) وفيلم «النافذة الخلفية» (1954) في محوره الأساسي [في العام الذي حقق فيه هيتشكوك «النافذة الخلفية» حول مصوّر يجلس داخل شقّته الصغيرة يتابع فيها خصوصيات الجيران في المبنى المقابل ليكتشف ذات يوم أن أحدهم قتل إمرأته، ظهر فيلم آخر- شاهدته مؤخراً- بعنوان «شاهدة لجريمة» Witness to Murder قام بإخراجه روي رولاند وببطولته باربرا ستانويك في دور إمرأة شاهدت، في الظروف ذاتها، جار لها يقوم بقتل زوجته من نافذتها]. 
بالعودة إلى «شقيقتان»، فإن السلاح الذي تقوم باستخدامه الشقيقة الشريرة لقتل من تتعرّف إليهم شقيقتها الطيّـبة (الممثلة مارغوت كيدر في الدورين) و-لاحقاً- التحري الخاص (تشارلز دارنينغ) الذي حاول كشف الحقيقة لصالح المرأة التي شهدت الجريمة (جنيفر سولت)، هو السكين. لجانب أن السكين مفزع (خصوصاً إذا ما كان بالحجم الذي استخدمته القاتلة، هو أيضاً. أداة سوريالية تشبه الموسى التي استخدمها لوي بونييل في فيلمه القصير «كلب أندلوسي« (1929) والتي تداولتها المعرفة الجماعية منذ ذلك الحين لقوّتها (الموسى بيد رجل يكاد يمزّق بها عين إمرأة).
Sisters

السورياليون، كما شعراء السينما، يحبّـون إستخدام النصول الحادة (مقصات، سكاكين، أمواس الخ…) أكثر مما يحبّـون إستخدام السلاح الناري. ودي بالما استمر على هذا المنوال في أعماله المتتالية: 
1974:  شبح الفردوس  Phantom of the Paradise 
1976 : هوس Obsession
1976: كاري Carrie
1980: Dressed to Kill
1981: إنفجار  Blow Out

في العام 1983، وكما تقدّم أعلاه، حقق «الوجه المشوّه» كبيراً ودخل به فصلاً جديداً من حياته المهنية. من ناحية كبر على إقتباس معالجات ألفرد هيتشكوك (الذي لم يكن مولعاً بنوع معيّـن من أنواع القتل بالمناسبة ولو أنه استخدم السكين بضراوة في «سايكو» سنة 1960) ومن ناحية أخرى أراد أن يختط لنفسه كياناً مستقلاً بالفعل وها هو هذا الفيلم الذي توفّـر فرصته شركة رئيسية بمثابة الفرصة لذلك.


الوعي في لعبة المرايا مع السينما
سلمى متّـى (لبنان) *
Modern Times
عندما أخرج فطين عبد الوهّاب فيلم «عفريت مراتي» في العام 1968، لم يكن يحتاج إلى تقنيات متطوّرة ليوضح فكرةً عن الطبقة الوسطى المصرية، خارج السياق «الواقعي» للتصوير في ذاك الزمن. فالخروج عن قدرات الواقع تم نفسياً وبلا تقنيات، عبر تماهٍ تُقدم عليه سيدة المنزل مع بطلة الفيلم الذي يعرضه دار السينما المقابلة لمنزلها. في المقابل، عندما صنع فطين نفسه فيلم «عروس النيل» في الستينيات ذاتها (1963)، كانت تقنية الاختفاء من الصورة كافيةً ليضع في واقع مصر حينها شخصية أميرةٍ فرعونية. طيفٌ يُبعث حيّاً لينسج قصّة فيلم ومجتمع.
تقنيات اليوم تتيح لنا أن نعيد إنتاج هذين الفيلمين والكثير سواهما في قالبٍ مختلفٍ تماماً، يدفع بالخيال إلى حريّةٍ أكبر. وقد حصل ما يشبه ذلك عندما وضع المخرج أمين سهيلي في العام الماضي أمامنا فيلماً يستعيد الفراعنة كمجتمعٍ كامل البناء، بتفاصيله وجمالياته، حتى يشعر المتلقّي عند انتهاء الفيلم بأنه تائه بين الأزمنة. وكذلك الحال بالنسبة لفيلم «ما تريده هي» الذي يستخدم يوميات ربّة منزل في العام 2056 ليخبر عن التغيّر الاجتماعي المرافق للتغيير الاقتصادي الذي نعيشه راهناً في ظل وسائل الإنتاج الحديثة.
بعد مرور ما يقارب المئة عام على ستينيات القرن العشرين، يجد المرء نفسه يميل للبحث عن معنى التغيير الذي أدخله تطوّر التقنيات في صناعة المضمون الثقافي. ومع أن التقنيات المتاحة لنا اليوم تجعل القرن العشرين يبدو وكأنه المغارة التي خرج منها الإنسان الأول إلى الضوء، يبقى من غير البديهي الاستنتاج بأن رواية اليوم، فيلم اليوم، موسيقى اليوم، تأتي بثقافة أخرى غير تلك التي تراكمت على مرّ العصور حتى صنعت القرن العشرين، ومنه أكملنا. إذا جرّد المرء الموضوع من شكله، يجد أن الرواية لا تزال تحكي عن الحب، الحرية، القلق، الأزمة الوجودية، الانتماء، الحراك الاقتصادي ومضمونه الاجتماعي، الجسد، العقل، الرائحة، النظر، السأم، ... وكذلك حال الأفلام، وكذلك حال الموسيقى.
إن التطوّر التقني يتدخّل في صناعة المضمون، ولا مفر من أن يحوّره. فهو نتاج تطوّر اقتصادي واجتماعي وسياسي لا بد أن يكون له أثره في المضمون أولاً، ثم في نمو هذا المضمون. عندما أمسك الإنسان للمرة الأولى بمقطعٍ كاملٍ من الكلام، ونقله بكبسة زر واحدة من أسفل المقال إلى أعلاه، تبيّن له أن الأفكار حرّة، وترتيبها حرّ، وراحت هذه الحرية تتسلل شيئاً فشيئاً إلى ذهنه، حتى بات المقال الصحافي مثلما نعرفه اليوم: نصوصا يمكن توسيعها واختصارها بمجرد حلول الرغبة عند القارئ. لم يعد المقال هو نفسه، ولا الكاتب هو نفسه، لكن الجوهر حافظ على موقعه بين الكاتب الذي بات أكثر اتساعاً والمتلقي الذي يزداد حريةً في كل عصر من عصور القراءة. فالقصة دائماً تبدأ من تفعيل الخيال، وتوسيع المعرفة لتثقيف هذا الخيال في رحلاته. هما يحكمان تطوّر البشرية نحو تقنيات تخيّلها العقل فامتلكتها اليدّ. والتطوّر التقني يدخل على العقل ويقولبه في اتجاهات جديدة، لكن الروح والجسم ما زالا يتمتعان بسطوتهما على هذا العقل، وما زالا (سيبقيان؟) فاعلين مؤسسين في الوعي واللاوعي، الفرديين والجماعيين، اللذين بدورهما ينتجان الثقافة.
الثورة الصناعية صنعت فيلم تشارلي تشابلن «الأزمنة الحديثة»، والآلة التي كانت حديثة آنذاك ملأت معناه. وفي القرن الواحد والعشرين، بقي الفيلم قادراً على التعبير عن وجه من وجوه العمل. واليوم، فيلم «الأزمنة الحديثة» الذي أخرجه الطالب ميرو عنقودي وفاجأ العالم بحصده جائزة مهرجان «كان» الدولي للأفلام القصيرة، أعاد وضع الآلة أمام الإنسان، وأعاد طرح سؤال العدالة والاستغلال.
الرواية التي فازت هذا العام بجائزة أفضل خيالٍ غير علمي أنتجه إنسان في العام 2054 هي: «لا تأكلني، لست طعاماً». وهي، إذا جرّدها المرء من كل مكوّناتها، تقوم على جوهر أصليّ محوره علاقات الاستهلاك بين فردين مستقلين عن بعضيهما بعضا. وهو الاستهلاك ذاته الذي صنع جزءاً من إنتاج مئات الأعوام الماضية في الرواية، عليه بُنيت أفلام، وبه طُبعت أغنيات، وبفضله ولد وعي أوصلنا حتى يومنا هذا.
التراكم هو جوهر المسألة. لن يولد نهارٌ يكون أمسه غيباً منسياً، حتى ولو سقط من معرفة أبناء وبنات هذا النهار. التراكم، السكّة، الخطوة التي تليها أخرى، الفكرة التي تنتج أخرى، الغد ابن الأمس، والأمس صانع الغد، حراكٌ نعرفه تماماً عندما نحكي عن الخمسين سنة الماضية، لكننا نسقطه فجأة عندما نستدعي القرنين الماضيين. الإنسان يتطوّر، ولا يولد كل مرة من رحم قصة جديدة. الإنسان يتطوّر ووسائله كذلك، وفي ذلك معنى التراكم كاملاً، وفي ذلك أيضاً معنى التغيير. فالتغيير يفترض حالاً يخرج منها وعنها، ولا يأتي من العدم. والتطوّر بحد ذاته يؤكد لنا أن لا شيء يأتي من العدم. وإذا سقطت مواضيع الحقوق الاجتماعية من جدول أعمالنا بعدما حققنا نمواً ملحوظاً فيها، فإن صياغة حقوق جديدة ترافق العصر هي ما نفعله. وإذا سقط القلم ثم الكيبورد من بين أيدينا، فلا يزال وعينا للحاضر في سياق الأزمنة المتراكمة هو مصدر الثقافة، وأداة نموّها الأساسية.

*نشر هذا الموضوع في صحيفة «السفير» اللبنانية.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular