Mar 4, 2014

ألان رينيه: السينمائي الذي داوم إكتشاف نفسه


Year 8 | Issue: 843
آلان رينيه: السينمائي الذي داوم إكتشاف نفسه.
محمد رُضــا

يُـقال أن ألان رينيه الذي توفي يوم السبت في الأول من هذا الشهر، كان يمارس الإخراج وهو على سرير العناية في المستشفى. إبن الـ 91 كان يجلس فوق سريره يقرأ مشروعه المقبل ويعدّل فيه ويعمل عليه. هذه هي شيمة السينمائي الذي يرفض أن يتخلّـى عن معشوقته. الذي يمضي لحظات عمره الأخيرة في الشغف ذاته الذي وهبه للسينما حين كان لا يزال شابّـاً.
شاهدت فيلمه الأخير «حياة ريبلي» مع الزميل أمير العمري وكلانا اعتبر الفيلم بمثابة إقتباس مسرحي أكثر منه فيلماً (ثم كتب هو في مدوّنته عن هذا الموضوع) لكن الفيلم لم يغب عن بالي ووجدت نفسي أميل إليه أكثر قليلاً يوماً بعد يوم… ومع نهاية المهرجان (وعلى الغالب بالنظر إلى أعمال ركيكة عديدة ومستويات بلا مرجعية فنيّـة) وجدتني أمنح الفيلم أصبع روجر إيبرت إلى الأعلى.

الفيلم الأخير: مخرج يرحل!
فيلمه الجديد والأخير «حياة رايلي» هو ثالث إقتباس له عن مسرحية للإنكليزي ألان آيكبورن بعد «تدخين/لا تدخين» (1993) و«مخاوف خاصّـة في أماكن عامّـة» (2006)، كلاهما من أفضل أعمال رينيه. «حياة رايلي» لا يقل رونقاً. هاك مخرج إنجز ما لا يقل عن خمسين فيلم ولا يزال مقبلاً على الحياة يختار من بين قصصها ما يبعث على التفكير المحاط بالأمل والفرح. حتى شخصياته القلقة والتائهة لا تستطيع أن تغيّـر من ذلك الشعور المبهج الذي يداخل المشاهد حين مشاهدة هذا الفيلم. لكن الفيلم، في نهاية الأمر، هو عن مخرج يرحل من الدنيا وسؤال كل ممثلة عملت معه لنفسها إذا ما كانت صاحبة الحظ الحسن في أن تبقى معه قبل موته!
حياة رايلي
حكايته بسيطة الفحوى: رايلي كاتب مسرحي لديه ستّـة أشهر ليعيش بعدما تم إكتشاف إصابته بالسرطان. ثلاث ممثلات تجاوزن منتصف العمر يردن الإرتباط به إجتماعياً وربما عاطفياً إذا ما كان الأمر متاحاً. كل واحدة تعيش مع رجلها في الوقت ذاته. مسرح الفيلم هو اللقاءات التي تقع بين النساء المتصادقات حيث يتبادلن الحديث الودي منه والعدائي، وأيضاً بين كل واحدة والرجل أو الزوج الذي تعيش معه والذي يشعر كل منهم بأن الأرض تميد تحت قدميه عندما تفصح كل واحدة عن رغبتها في قضاء العطلة مع رايلي. إنها عطلته الأخيرة وكل واحدة منهن تعتبر نفسها المدعوّة لتمضية العطلة معه… كل هذا ونحن لا نرى رايلي مطلقاً في الفيلم.
رينيه الذي يزداد رقّـة وشفافية مع كل فيلم، يفتتح على طريق ريفية ضيّـقية. الصورة ثابتة على تلك الطريق حيث تتوالى الأسماء. بعد ذلك يعود إلى تلك الطرق الريفية كفواصل بين كل مشهد وآخر. هذا لابد مريح ومسرحي تماماً في الوقت نفسه. مريح لأن مشاهد الطرق تلك تصبح فواصل لحظوية عوض الإعتماد على تبرير ينبع من تأليف مداخل ومخارج سينمائية. 
كذلك اللافت هو استعانة المخرج بشاشة بيضاء مع خطوط رمادية لتصوير شخصياته وهي تتحدّث في لقطات قريبة متوسطة (كلوز أبس). للتفسير كل مشاهد الفيلم تعتمد على لقطات عامّـة وعامّـة متوسطة وكاميرا ثابتة وتقع في داخل منازل أو في حدائقها. لكن فجأة، وحيال بعض ما يختاره رينيه من مقاطع حوارية يقطع إلى تلك اللقطات القريبة وعلى شاشة بيضاء ليست موجودة في المشهد العام التي هي فيه.
هل هذا الفيلم سينما؟ بعد الإمعان نعم. طبعاً ليس السينما التي ندركها في معظم الأحيان الأخرى، لأنها تقوم على مبدأ «تفليم المسرح»، وضمن هذا المنوال يتجاوز فيلم رينيه الحدود الفاصلة بين لغتي المسرح والسينما ويمنح للعمل المسرحي بعداً آخر (وأفضل؟) في أسلوب سرد صحيح ومحدد وغير مفتعل.

البدايات والنهايات
ألان رينيه كان مخرج ممثلين. من شدّة حرصه على نوعية الممثل بدا كما لو أنه يختار مشاريعه (الأخيرة خصوصاً) على أساس ممثليه. هؤلاء كانوا نساءاً ورجالاً يبحثون عن معنى أسمى للحياة ولو أنهم في النهاية يرضون بما هو متاح لهم. 
ولـد سنة 1922 وصنع أول فيلم له سنة 1936 (سمّـاه «مغامرة غي» وكان قصيراً) ثم غاب عشر سنوات من قبل أن يبدأ تحقيق أفلامه الطويلة بدءاً من فيلم بعنوان «رسم لهوية» Schéma dune Idnentifcation سنة 1946 مع ممثل أسمه فرنسوا شميط (والعائلة لها وجود أكيد في لبنان وربما في بلاد أخرى وهذا كان فيلمه الثاني من بين 32 فيلماً مثّـلها حتى سنة 1994، أي قبل وفاته بسنتين)
Hiroshima Mon Amour
كونه حقق أول فيلم له وهو في السادسة عشر من العمر يكشف عن أنه لم يكن يعاني من وضع إقتصادي يمنعه من ذلك. صحيح أنه التفت بعد ذلك لتحصيل دروسه لكن عائلته بالفعل كانت ميسورة وهي تركته على هواه ليحب السينما كما يريد. حتى العام 1959 كانت معظم أفلامه قصيرة. لكنه في السنة المذكورة لم يحقق فقط فيلمه الطويل الرئيسي الأول، بل أنجز عملاً أثار الإعجاب المطلق أو الهجوم السليط. هذا الفيلم هو «هيروشيما حبي» Hiroshima Mon Amour حول ممثلة فرنسية تقوم بتصوير فيلم حول هيروشيما، كما دمّرتها القنبلة النووية، تتعرّف على ياباني. العلاقة بينهما ليست موظّـفة عاطفياً فقط، بل في إطار تبادل وجهات النظر حول لا أخلاقية الحرب. أيامها كانت إيمانويل ريڤا (تلك التي شاهدناها قبل عامين بطلة لفيلم ميكل هنيكه «حب») شابّة كذلك الكاتبة والمخرجة مرغريت دورا التي وضعت السيناريو.
وما هي إلا عامين قبل أن يحقق فيلماً آخر أثار ضجّـة كبيرة أيضاً هو «السنة الماضية في مارينباد». هذه المرّة إقتبسه عن سيناريو للكاتب ألان روبي-غريّـه الذي لاحقاً ما امتهن الإخراج أيضاً. هذا الفيلم نال جائزة مهرجان فينسيا الأولى سنة 1961
بعد ذلك داوم رينيه الإنتقال بين دراميات عاطفية ودراميات إنسانية من منطلق يساري. كان بدأ السينما قبل موجتها الجديدة في الستينات على أيام جاك ريڤيت وجان-لوك غودار وفرنسوا تروفو، لكنه مارس أسلوباً يجعل من الممكن إعتباره أب هذه الموجة الفعلي.  وهذا الأسلوب ميّـز أعماله من الخمسينات إلى السبعينات على الناحيتين الدرامية والفكرية من جهة والأسلوبية- البصرية وشغله على المونتاج من جهة ثانية.
نراه في العام 1986 باشر سينما تعتمد على إقتباسات مسرحية. الفيلم المعني هو Mélo وبعده  Smoking/ No Smoking و«نفس الأغنية القديمة» و«عشب بري» و«لم تر شيئاً بعد» وصولاً إلى «حياة رايلي».
أسلوب سرده موجز، محدد وربما يعود اهتمامه بالمسرحيات إنها لم تعد تتطلب الكثير من الجهد البدني. لكن أفلامه عموماً حافظت على نبرة سرد هادئة ولم تتخللها أفلام قصص ذات أحداث كبيرة.

* قريباً: نقد لعشرة أفلام بما فيها «هيروشيما، حبي» (1959) و«السنة الماضية في مارينباد» (1961) وفيلمه التسجيلي القصير «ليل وضباب» (1955)، وذلك في «فيلم ريدر»



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular