Feb 11, 2014

Year 8 | Issue 839 برلين3 : نظرة على «نيمفومانياك» و«الإختان المحبوبتان» وشيء كالفيلم من الأرجنتين



في هذا العدد                  

الرسالة 3 من مهرجان برلين السينمائي:
  محمد رُضـا  يواصل تغطية مهرجان برلين متوقفاً هنا عند بضعة أفلام ومفارقات وقعت في اليومين الماضيين مثل «نيمفومانياك» وفيلم أرجنتيني فاقد الرأس والقدمين. 

«ألف ليلة وليلة» بثلاثة أبعاد يلوح في الأفق
شيا لابوف ارتدى كيساً فوق رأسه وفون ترايير أهمل الصحافة

في عصر غابر، كان «نيمفومانياك» لن يعدو أكثر من فيلم «بورنو» متوسّط القيمة نظراً لاحتوائه على الكثير من المشاهد غير الإباحية. في عصر انقلبت فيه الموازين، لا يستطيع مخرج ما تقديم فيلم إباحي في عرض رسمي في مهرجان دولي، بل تقديم فيلم إباحي في عرض رسمي في مهرجان دولي بمستوى فني ضحل.
«نيمفومانياك» (أو «شهوانية») الذي عرض يوم الأحد وصل محاطاً بالكثير من الإهتمام. الحاضرون، نحو ألف في كل عرض، كانوا يدركون مسبقاً ما الذي سيشاهدونه، لكن ما لم يكن معروفاً أو متوقّـعاً أن يكون الفيلم مجرد عذر لإبقاء مخرجه لارس فون ترايير حاضراً في الأذهان. ما الذي حدث لترايير «أوروبا» و«كسر الأمواج» و«وباء»؟
الدقائق الخمس الأولى، تلك التي تمسح فيها الكاميرا جدراناً جرداء كئيبة في زقاق ضيّق تحت مطر يهطل مثل أسيد ناتج عن سحاب موبوء، هي كل ما تبقى من ماضي هذا المخرج. بعد ذلك «نيمفومانياك» هو فيلم حول إمرأة شهوانية وجدها رجل مثقف أسمه سيليمان (ستيلان سكارسغارد) ملقاة على الأرض فينقلها إلى غرفة في بيته (تتميّـز بدورها بجدران كئيبة وعارية) وتبدأ هذه بحكاية قصّـتها منذ أن كانت فتاة صغيرة وكيف أصبحت إمرأة شهوانية لا تطيق الإبتعاد عن الرجال.
وما تلبث الصور أن تقترن بالحوار فنشاهدها (تؤديها كفتاة شابّة البريطانية ستاسي مارتن) تنتقل من رجل إلى آخر. ليس أنه ليست هناك قصّـة في خلال ذلك، لكن ما هو أكثر وضوحاً، ومن دون أي موقف شخصي أخلاقي أو سواه، هو تبرير لمشاهد إباحية تماماً على غرار ما فعله عبداللطيف كشيش في «حياة أديل» الذي عُـرض في «كان». 
«كان» كان طرد المخرج فون ترايير قبل عامين واعتبره «غير مرغوب به»، ليس لأنه بات يصنع أفلاماً ركيكة بل لأنه قال في مؤتمره الصحافي «ماذا لو كنت نازياً؟ أعتقد أنني نازي». كلام كبير من شخص كان بدأ مؤتمره ذاك بالقول: "أنا أعظم مخرج حي. أليس كذلك؟". لارس فون ترايير لم يفوّت الفرصة هنا للنيل من «كان» على طريقته فظهر أمام العدسات بقميص «تي شيرت» عليه شعار «كان» وتحته «شخص غير مرغوب فيه».
قانونياً، لا يحق لأحد استخدام شعار «كان» على أي منتوج أو حتى في صحيفة من دون إذن، لذلك قد يتلقى المخرج المتعِـب قريباً إشعاراً برفع قضية ضدّه. لكنه لا يبدو قلقاً على الإطلاق، وهو ظهر أمام كاميرات المصوّرين قبل إنعقاد المؤتمر الصحافي بخصوص فيلمه هذا بدقائق. لكن عوض أن يتوجّـه لقاعة المؤتمر عاد أدراجه إلى الفندق. 
في ذلك الحين كان الممثل شيا لابوف (الذي يؤدي دوراً بارزاً هنا) قد وصل مع باقي ممثلي الفيلم وبينهم كرستيان سلاتر وشارلوت غينسبورغ وستايسي مارتن أوما ثورمان وستيلان سكارسغارد. وبعد أقل من عشر دقائق استقبل السؤال الأول: "هل كانت لديك خشية من تمثيل مشاهد جنسية؟".
ردّ قائلاً: "عندما يلاحق النورس مركب صيد، فلأنه يعتقد أنه سيلقي بحمولته من السردين في البحر". ثم نهض من مكانه وغادر القاعة وسط ذهول الحاضرين.
عملياً لم يقل شيئاً على الإطلاق، فالعبارة مأخوذة عن أخرى قالها لاعب الكرة الفرنسي إريك كانتونا في مؤتمر صحافي عقد سنة 1995.  ربما عنيت شيئاً هناك، لكنها لم تعن شيئاً في المؤتمر الذي بدا فيه لابوف متوتراً من البداية.
بعد ساعات، عندما حان العرض المسائي للفيلم (الذي كان عرض ظهراً للصحافة) أحدث لابوف رهجة أخرى: وصل بثياب السموكن وفوق رأسه كيساً ورقياً كتب عليه «أنا لم أعد مشهوراً». مر بعدسات المصوّرين من دون توقّـف ودخل والكيس (المثقوب أمام عينيه) إلى الصالة حيث جلس في مكانه ليتابع الفيلم.

حاشية عاطفية
«نيمفومانياك» يتخـذ شكل حكايات ألف ليلة وليلة فشارلوت غينسبيرغ تتحدث طوال الليل عن مغامراتها، وكلما بدأت جزءاً جديداً منها نقلتنا الكاميرا إلى ذلك الجزء لتصويره. لكن ما تتناوله من مغامراتها الخاصّـة يفتح نافذة كبيرة أمام أولئك الذين سيحاولون الربط بين الفيلم وتعاليم فرويد النفسية. فون ترايير يضع بطلته على السرير لتقص على مثقّـف يهودي (كما كان فرويد) حكايتها. فرويد الجديد يجلس على كرسي متلهف لسماع الحكاية ومتدخلاً عن طريق شرح بعض ما يبدو قد التبس على الراوية من أمور. 
ما كان ينقص الفيلم المؤلّـف من 147 دقيقة (هناك نسخة أقصر للصالات التجارية) هو حاشية عاطفية ما تحمل قضيّـة يمكن اعتبارها بيت القصيد. هذه المرأة ليس لديها أي شيء فعلي في حياتها الخاوية بإستثناء حكايات من الجنس الميكانيكي الذي تسترعي إهتمام سامعها الأول سيليمان.
ليس أن كل الممثلين يظهرون عراة يمارسون الجنس (يؤدي كرستيان سلاتر دور الأب العطوف الذي يفهم في الشجر ويلاحظ أوراقها المتباينة) وأوما ثورمان في دور زوجة غيور  وهناك بالطبع سكارسغارد في دور المستمع المسن. 
بعد نصف ساعة يتبدّى بوضوح أن ما يريد المخرج تقديمه ليس مهمّآً في الواقع لأن طريقة تقديمه ليست مقرونة بقيمة فنية (ناهيك عن أخلاقية).
لكن «ألف ليلة وليلة» حقيقي مختلف ومتمتع بفانتازيا الحكايات العربية في أوج جاذبيّـتها بات من بين المشاريع المطروحة بحماس في سوق الفيلم هنا، «ليالي عربية» هو فيلم جديد من تلك التي تتمتع بميزانية ضخمة بعدما وافقت الحكومة الصينية على الإشتراك بتمويله مع هوليوود. الفيلم الذي سينطلق للتصوير في منتصف هذه السنة من بطولة ليام همسوورث، ذاك الذي يشارك جنيفر لورنس بطولة سلسلة «ألعاب الجوع»، سيصوّر في بعض سهوب الصين وصحرائها بنظام الأبعاد الثلاثة.

نجاح ألماني
داخل المسابقة توالت العروض ومن بين الأفضل إلى الآن بضعة أفلام ألمانية بينها فيلم آخر طويل (170 دقيقة) بعنوان «الشقيقتان المحبوبتان» للمخرج العائد بعد إنقطاع دومونيك غراف
دراما تاريخية تدور حول الكاتب فردريك شيلر وعلاقته المضطربة مع شقيقتين تزوّج إحداهما وعشق الأخرى وذلك من بعد التمهيد لتقديم الشقيقتين المتحابّـتين منذ الصغر ونشأتهما معاً ثم اضطرار إحداهما الزواج من ثري لإنقاذ العائلة من الإفلاس. عند هذه النقطة من حياتها التقت بالكاتب شيلر الذي حل في قصر العائلة ضيفاً وتسلل سريعاً إلى قلبي الشقيقتين. فازت به المتزوّجة إلى أن ترك القصر واستقر في منزل منفصل ليتزوج من شقيقتها وينجب منها، لكن من دون أن يتوقّـف عن لقاء الشقيقة ما يسبب حرجاً للجميع وعداوة بين الشقيقتين. 
«الشقيقتان المحبوبتان

يتحرّك الفيلم مثل عربة خيل متعبة تتحرك ببطء، لكن هذه العربة تحمل فوقها بذخاً ملحوظاً في التصاميم الفنية والتفاصيل التاريخية كاشفة عن مخرج يعير الواقعية اهتمامه الكبير.
فيلم ألماني آخر نال إعجاب النسبة الغالبة من المشاهدين هو «محطات الصليب» للمخرج دييتريش بروغنمان. هذا يدور حول فتاة في الرابعة عشر من العمر (تؤديها جيّداً لي فان آكن) تقف على مفترق طرق في سن حرجة. من ناحية تنتمي لعائلة كاثوليكية محافظة ومن ناحية أخرى لديها رغباتها العاطفية. الأمر لا ينحصر في تلك الرغبات، بل في أن كل ما تريد الفتاة، وأسمها ماريا، القيام به عليه المرور في فلتر التقييم الديني لينال رضاه أو رفضه. بعد حين تشتد عليه الأزمة إذ تفقد بوصلة معرفة الصح من الخطأ.

كسل أميركي
أميركياً جاء فيلم جورج كلوني «رجال النُـصـب» مخيباً للآمال. الفيلم الذي يتولّى التأكيد على أنه مقتبس من أحداث حقيقية مع اللحظة الأولى للفيلم، يشتغل كما لو كان الموضوع هيّـن جداً. هناك كسل في إخراج هذا الفيلم وفي الوقت ذاته نقص في أكسجينه. المشاهد تتوالى مكتفية بإيحاءاتها من دون تفعيل حقيقي، ومن دون روح في بعض الأحيان. كلوني الذي أنجز أربعة أفلام سابقة كمخرج كل واحد منها أفضل من هذا الفيلم، وبعضها أفضل بكثير، ربما قصد أن يقدم فيلماً يدور في رحى الحرب (أو ما تبقى منها) من دون أن يكون حربياً. عظيم. لكن هذا وحده ليس ضمانة لعمل جيّد. في أفضل أحواله، هو مجرد إختيار.
في البداية نرى جورج كلوني يخاطب الرئيس الأميركي وبعض أعوانه طالباً منهم السماح له بتشكيل فرقة من علماء الآثار واللوحات الفنية (ستّة أفراد) للسفر إلى أوروبا للبحث عن تلك اللوحات المسروقة من قبل المحتلين النازيين. الموعد مناسب لأن النازيين كانوا بدأوا يولّـون الأدبار من المساحات الهائلة من أراضي الدول الأوروبية الأخرى التي استولوا عليها في السنوات الثلاث الأولى من الحرب العالمية الثانية. يوافق الرئيس على الطلب وها هو كلوني، الذي يتمتع بلياقة بدنية جيّـدة، يؤلف فريقه: هوي بونفيل، مات دامون، بيل موراي، جان دوجاردان، جون غودمان وبوب بالابان ولاحقاً ينضم ديمتري ليونيداس إلى الفريق. يصلون إلى النورماندي بعد التحرير لكن لا يمكن ملاحظة أن هذا النزول هاديء أكثر من اللزوم، كما لو أن المجموعة حطّت في سياحة على أحد سواحل هونولولو. يوزّع رئيس الفريق (كلوني) المهام مقسّماً الفريق إلى ثلاثة. يرينا على الخريطة أين سيتوجه كل فريق وماذا يتوقع له أن يجد.
تتوقع أن يبدأ الفيلم هنا. السعي لإعادة اكتشاف اللوحات الثمينة لكبار الفنانين لا يمكن أن يكون نزهة سياحية حتى ولو أن الأحداث تقع بعد الأيام الأولى لاندحار القوات النازية عن بعض الأراضي الفرنسية. نعم، هناك مشهد لجون غودمان وجان دوجاردان يكتشفان أنهما محاطان بمجموعة من الجنود الألمان. عظيم. هل ننتظر معركة؟ نعم. هل تقع؟ لا. في مشهد آخر هناك رصاص قنّـاص يطلق بإتجاه بوب بالابان وبيل موراي. يدخل موراي المبنى الذي يتحصّـن فيه القنّـاص. هل من معركة؟ لا. القنّـاص ليس سوى صبي مرتعد. معالجة هذين المشهدين تخفق في إثارة الإهتمام. كلاهما «ضد الذروة» Anti Climax في فيلم هو بدوره ضد الذروة  كما لو أن المخرج ضاع فوق خارطة فما عاد يعرف أي نوع من الأفلام هذا الذي بصدد إخراجه. الجزء الأكبر من هذا الفقدان للبوصلة كامن في سيناريو يحكي قصّـة ولا يجيدها ثم لا يحكي سواها. بعض المشاهد توفر صوراً كاريكاتورية لشخصياتها. لا شيء جاداً (ناهيك عن ناجحاً) يمكن أن ينتج عن بيل موراي وهو يمثّـل شخصيته المعتادة أو جون غودمان وهو يكاد لا يستطيع النهوض عن الأرض بسبب ثقل وزنه، ولا بوب بالابان الذي يبدو أكبر سنّـاً من أن يشترك في مغامرة كهذه.

والأسوأ الأرجنتيني
الأسوأ منه (ومن أي فيلم آخر) فيلم أرجنتيني عنوانه «تاريخ الخوف» لمخرج جديد أسمه بنجامين نيشتات. فيلم ممل وطويل رغم قصر مدّته نسبياً (79 دقيقة) غير مترابط لا موضوعاً ولا كتسلسل أحداث ولا كحكاية أو شخصيات. يشبه كثيراً وضع شخص يرتب صوراً شخصياً في التسلسل الذي يريد  فإذا بمشهد لسيارة بوليس تتوقّف لمعالجة جرس إنذار في بيت ما يليه مشهد لإمرأة تكنّس الأرض ويغمى عليها، لننتقل بعد ذلك إلى مشهد لأولاد يرمون ألعاباً نارية وسط الكلاب في الحديقة، ثم إلى مشهد إخباري حول تعرض رجال بوليس لسيل من النيران. أين هو الحدث الرابط بين ما نراه أمر لا يستطيع أحد معرفته وسيكون من الغريب إذا ما كان للمخرج تفسيراً مقنعاً. البعض ربما اعتبر ذلك فنّـاً لكن الواقع هو أنه ليس أكثر من تكريس لجهل واضح في تحقيق فيلم متكامل. 
على ذلك، سنجد أن مؤسسة السينما القطرية وضعت مشروع المخرج المقبل (لا زال بلا عنوان) ضمن عشرين مشروع ستموّلها أو ستشارك بتمويلها. ليس معروفاً على أي أساس تم هذا الإنتقاء (وماذا عن باقي المشاريع إذا ما كان الإختبار على هذا النحو)، لكن المعروف أن هذا المشروع، وغالباً أي مشروع آخر، سوف لن يبارح شاشات بعض المهرجانات الثانوية بعد ليلة أمس.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular