Feb 27, 2014

العد التنازلي للأوسكار: الممثلون والممثلات


الجولة الأصعب والأجود
أشكال الأداء كلها موجودة في مسابقة أفضل تمثيل رجالي

محمد رُضــا
ليوناردو ديكابريو

الصورة المرسومة حالياً فيما يخص سباق أوسكار أفضل ممثل أول الذي ستعلن نتائجه في الثاني من الشهر المقبل هي على النحو التالي:
ماثيو ماكوهوني وليوناردو ديكابريو يلعبان دورين متشابهين في بعض النواحي: دوران ينصان على أنهما شخصيّتين لا يمكن الثقة بهما، مدمنين على الخمر والمخدّرات والنساء.
كرستيان بايل هو نوع من البديل الثالث لهذين الإختيارين: من ناحية هو من الجيل نفسه، ومن ناحية أخرى لا ينص دوره على إدمان يذكر. 
الأكثر إختلافاً المرشّحين الرابع والخامس: شيتيوويل إيجيفور، بلون بشرته السوداء وشخصيّته التي تستدعي الإعجاب الموزّعة على معظم مشاهد فيلم «12 سنة عبداً» وبروس ديرن، أكبر المرشّحين سناً، الذي يستمد من خبرته وتجربته منوالاً مختلفاً من الأداء في فيلم «نبراسكا».

الصورة المرسومة ذاتها صعبة الإختراق. هل «ذئب وولف ستريت» أفضل أداء قدّمه ليوناردو ديكابريو؟ هل الطريق مفتوح أمام ماثيو ماكوهوني للأوسكار وبعده نظراً لدوره المفحم في «دالاس بايرز كلوب»؟ هل تغلّـب بايل على مخاوف أترابه وخرج من تحت عباءة المحاولات ليجد في «نصب أميركي» التجسيد الذي يبحث عنه؟ ماذا عن بروس ديرن؟ هل سنواته المديدة ستخدمه أم ستحول دونه والفوز بالأوسكار؟ ثم ماذا عن البريطاني إيجيفور؟ هل هو أفضل أداء من الآخرين بحيث لا يمكن تجاوزه؟
هذه الأسئلة مطروحة ومشروعة وموحية بمباراة مثيرة بين ممثلين كل منهم في الواقع وضع في الدور الذي لعبه أقصى ما يستطيع من جهد وموهبة. ولا واحد من هؤلاء لديه جانب ضعيف ملحوظ. وإذا كان فهو مستتر بحضور طاغ وأداء متين البنية ومتسلّـحاً بكتابة جيّـدة لشخصيته دفعت بالمرشّحين لاختياره ليكون أحد الخمسة المتبارين لأوسكار أفضل ممثل.

يأكل الجو
في فيلم «ذئب وول ستريت» هناك مشهد (من مشهدين) يجمع بين إثنين من المتنافسين هنا: ليونارد دويكابريو، باعتباره الشخصية الرئيسية، وماثيو ماكوهوني، الذي يظهر في دور محدود جدّاً (ثانوي بكلمة أخرى) في دور أول من وظّـف جوردان (ديكابريو) في وظيفة مضارب بورصة.
إذ تتابع هذا المشهد تكتشف أنك أمام ممثل واحد يستحوذ على الإهتمام أكثر مما يفعل الآخر. ماكوهوني هو ذلك الممثل. إنه يجلس مع ديكابريو في مطعم فاخر مرتدياً بذلته المخططة ويتحدّث عن المهنة التي تجمعهما، عن شروطها وعن مكافآتها وما هو المطلوب من المنتمي الجديد أن يفعله لكي يبقى فوق الضغط. 
في خلال ذلك، لا يخشى أخذ شمّـة كوكايين ثم إصدار صوت غريب (قريب من صوت ديك) والضرب على صدره في ترتيب معيّـن. إنه ممثل يريد احتلال المشهد الذي يظهر فيه. بالتأكيد جلس وتمعّـن في الكيفية التي يستطيع بها ذلك، ثم تحدّث مع المخرج مارتن سكورسيزي وربما بحضور بطل الفيلم (والشريك بإنتاجه) ديكابريو على الأقل لكي يضمن عدم سقوط الممثل الآخر تحت وطأة المفاجأة. مثل هذا البوح من شأنه أن يضع خيارات بين يدي الممثل الآخر: 
إذا ما كان ماكوهوني يريد تقديم أداء إستعراضي "يأكل به الجو"، فعلى الممثل المواجه، الذي حدث أنه بطل الفيلم، أن يكون مستعداً. أما الخيارات التي يديه فمتنوّعة على قلّـتها: أن يواجه طوفان ماكوهوني بطوفان مماثل فيتحول المشهد إلى مباراة قوى بينهما، أن يطلب من المخرج قدراً من التغييرات الحوارية تمنحه سعة التحرّك من دون أن يبدو عليه أنه يفعل ذلك لتجنّـب تجريده من سلاحه، أو أن يترك الحلبة للممثل الآخر يصول ويجول فيها مكتفياً بإبتسامة لها ضرورة (هو معجب بما يسمع). ديكابريو، كونه ممثل ذكي، يختار الحل الثالث. بذلك ينال ماكوهوني ما يريده منه من دون أن يتحوّل ديكابريو، ضمن مساحة الدور، إلى تابع للمشهد. 
«ذئب وول ستريت» هو فيلم إستعراضي. ما يقدّمه ماكوهوني يمضي بعد خمس دقائق، لكن ما يوفّـره ديكابريو هو الذي يبقى: أداء متماسك وحثيث ومندمج من أول لقطة له حتى نهاية الفيلم. هو أقل نجاحاً في المشاهد التي يدرك فيها أن حبل الحكومة وصل إلى رقبته أو يكاد (مشاهد من المفترض أن تكون وقعت في أوروبا) لكن ما ينجيه من المسؤولية هي أن هذه المشاهد مستعجلة ولا تصل بدورها إلى إجادة المشاهد (الغالبة) السابقة.
ديكابريو يحوّل التكرار في بعض المقاطع إلى إستمتاع بها. ثلاث خطب يلقيها على أفراد مكتبه تتشابه في الفحوى (نصائح وتوجيهات وتأكيد على عزمه الإستمرار) وتتشابه في كنه الأداء، وذلك طبيعي جدّاً لأنه متصل بشخصية تم تأسيسها على هذا النحو. في الوقت ذاته، من إجادة ليوناردو لدوره أنه يبهر في أداء تلك المشاهد على نحو يلتقي مع شخصيّته الصعبة ولا يختلف عنها.
إنه من المؤسف أن الفيلم لا يقدّم نبرة توضح موقفاً يخرج عن نطاق الإحتفاء بالشخصية التي أقدمت على سرقة الناس وخداعهم وتحدي السلطات و-على صعيد شخصي- الإقبال على اللهو المفرط. لكن الخطأ ليس خطأ الممثل بل المخرج (وربما عاد عليه في سباق فخسر أوسكار أفضل مخرج لسواه). ما يقوم به الممثل هو مؤازرة فيلم مبني على شكل استعراضي ساخر. وهنا تكمن قيمة أخرى للممثل متمثّـلة في إندفاعه والتزامه العاطفي والشخصي بما يقوم به. تم ترشيحه سابقاً أربع مرّات من بينها دوره في فيلم مارتن سكورسيزي الآخر «الملاح» (2005). 

ماثيو ماكوهوني 

ماثيو ماكوهوني يسجل حضوره القوي في «دالاس بايرز كلوب». هو هنا بطل الفيلم وليس من بين الممثلين المساندين من لديه دور يشبه دوره هو في «ذئب وول ستريت». الموضوع كذلك مختلف. صحيح أنه أيضاً عن شخصية رجل أخفق في مسؤوليته حيال نفسه إلا أن الفيلم هو عن ضحية إجتماعية وليس عن رجل لعب دوره فوق القانون كشخصية ديكابريو. ديكابريو كان يلعب بالمال وكان يملكه. ماكوهوني كان يحاول أن يصنع المال. ديكابريو كان شخصاً عابث وماكوهوني شخص يعبث به مرض الأيدز الذي يعاني منه، ويحاول أن يؤخر موته. الأول نجا من المحاسبة وبل باع حقوق سيرة حياته لصنع فيلم عنها، والآخر أجل موعد موته سنوات قليلة ثم مات موتة لا قيمة لها.
يتحدّث جمع من المحللين عن كيف خسر ماكوهوني نحو عشرين كيلوغرام من الوزن ليترك قليلاً من اللحم فوق العظم تلبية للدور. هذا صحيح ويكشف عن التزام الممثل بفنه ودوره. لكن ما بذله ماكوهوني لهذا الدور لا يقف عند حدود التجسيد الشكلي، بل مضى موعزاً بشخص لا تستطيع لومه حيال موقفه السلبي من المثليين وتفهم بواعثه ومكوّناته الشخصية وبممثل ينجح في جذب المشاهدين لما يقدّمه أمامهم من تمثيل في لُـحمة لا تبتعد كثيراً عن تلك التي وفّرها روبرت دينيرو لمشاهديه في فيلم سكورسيزي «الثور الهائج» الذي مكنه من استحواذ الأوسكار سنة 1981.
على عكس ديكابريو (الذي رشح سابقاً أربع مرات) لم يسبق لماكوهوني أن تعرّض لأضواء الأوسكار. 
بالمقارنة معهما، يمضي كرستيان بايل في مشروع مختلف: عوض أن يعمد إلى عملية إبهار تمتد من مطلع الفيلم إلى آخره، يعمد إلى منوال تقديم الشخصية تدريجياً. المشهد الأول له يخفي صلعته بشعر مصطنع هي مفتاح لشخصيّـته التي تعمل في مجال الخدع والنصب. لكنه لن يخرج من طور الشخصية لأداء مشاهد إستعراضية بل سيبقي الإستعراض مكتوماً داخل الشخصية التي يؤديها وسوف يتعامل والدور الذي يؤديه كمن يفتح كامل البؤرة عليها بالتدريج. حين يبدأ الفيلم بتصوير الهوّة التي سقط فيها يكون بايل احتوى الإعجاب المتوقّـع من الجمهور وعلى نحو تدريجي. يصبح مثيراً لعطفهم أو تعاطفهم أو كليهما معاً.
مثل ماكوهوني عمد بايل إلى بدنه ليساعده في تشخيص الحالة. العشرون كيلوغرام التي خسرها الأول، أضافها الثاني إلى وزنه ("أكلت وشربت كل شيء" كما قال لنا) والغاية واحدة: الإلتحام بالشخصية المطلوبة شكلاً كما تشخيصاً ذاتياً ونفسياً.

التمثيل صمتاً
في «12 سنة عبداً» كان على شيوتل إيفيجور تقديم شخص تستطيع أن تصدّق معاناته. هذا ليس صعباً فالفيلم يتحدّث عن فترة قاتمة من التاريخ الأميركي، وهي فترة التجارة بالعبيد من وجهة نظر عبد. العبد كان حرّاً في مدينة واشنطن. في يوم شرب كثيراً وحين استيقظ اكتشف أن رفاق الكأس غدروا به وباعوه إلى تاجر أخذه إلى الجنوب حيث تعرض للجلد والضرب والشنق ولفقدان كرامته في كل يوم. 
شيوتيل، المرشّح مثل ماكوهوني لأول مرّة، ممثل جيّد بتعابير وجه مقنعة وبمقدرة حمل الفيلم على كتفيه وحده. التحدي الماثل كان في حمل المشاهد على تصديق أن الشخصية التي يؤديها قادرة على أن تحافظ على صمودها الداخلي وعلى حلمها بأن تستعيد حرّيتها. وهو لا يفعل ما يرضي الجمهور تجاوباً مع فيلم لا يهمّـه تقديم توازن ما يفقده مصداقيّـته.
يبقى بروس ديرن. إبن السابعة والسبعين كان مهملاً ومنسياً إلى أن نفض المخرج ألكسندر باين عنه الغبار. وهو كان رشح لأوسكار أفضل ممثل مساند سنة 1978 عن دوره في «العودة الى الوطن» Coming Home ثم غاب عن الأضواء وإن لم يختف عن الأدوار.
كل من يشترك معه في المنافسة على الأوسكار يتحرّك بدنياً ليساعد الحركة الذاتية فيه. يعبّـر، كما حال ديكابريو وبايل بيديه، أو، كما ماكوهوني، بكل حضوره الجسدي أو، كما حال جيوفور، بالإمتحان البدني الرهيب الذي يعكس القمع الشرس الذي تعرّض إليه. لكن بروس ديرن في «نبراسكا» يوفر أسلوباً آخر للتعبير: البساطة.
بروس ديرن

طوال الفيلم هو الرجل العنيد الذي زاده السن المتقدّم عناداً. لا يشخط ولا يرفس ولا يضرب لكنه يعاند. هذا لا يتطلب منه أن يصرخ ولا أن يتحرك بعصبية. إنه أميركي مرّ على الكثير من المواقف ومرّت عليه المحن. يعلم أن لا شيء يتغيّـر لكنه يؤمن بأنه ربح «اللوتو» وهذا وحده هو الذي سيوفر له التغيير المنشود والحياة الرغيدة التي لم يستطع تحقيقها. من أول الفيلم يخبر إبنه (ول فورت) أنه ماض في رحلته عبر الولايات ولو سيراً على الأقدام لأنه مؤمن بأنه ربح الجائزة. حتى هذه الموقف الحازم لا يصل إلى حد الإقناع  إلا بعبارة واحدة يليها زم الشفتين على نحو يعكس الإصرار… ثم لا شيء آخر. لا تصرّف يعبّـر عما يجيش في الصدر. بروس ديرن يعلم أنه لا يحتاج لذلك. لقد عبّر عما يجب التعبير عنه و… كفى.

الوميض الداخلي
سباق أفضل ممثل في دور مساند يحمل تعددات أكثر وفرة في الأدوار وفي الأساليب. وواحد من أفضلها وأكثرها عمقاً هو ذلك الذي يؤديه ممثل يبدو كما لو أن القدر وحده ساقه إليه. إنه الممثل الصومالي بارخاد عبدي الذي يؤدي في «كابتن فيليبس» شخصية أحد الخاطفين الرئيسيين في هذا الفيلم (سيبقى مثيراً للتعجب حقيقة أن توم هانكس، بطل هذا الفيلم، لم يرشّـح في مسابقة أفضل ممثل رئيسي).
لا أدري إذا ما كان بارخاد يمثّـل أو أنه يعيد تأدية دور قام به فعلياً أو كان حاضراً حين قام به سواه. شيء ملتصق به كان يوجهه. شيء مثل «اللا تمثيل». أداء طبيعي بالكامل لا تطلب منه أن يسعى لإقناعك فأنت مقتنع. إنها وسيلة المخرج بول غرينغراس مع الممثلين المساندين في كل أفلامه. لا يمنحهم الشعور بأنهم مميّـزين لمجرد أنهم في فيلم ما. لكن إذا ما تجاوزت كل أفعال بارخاد في أحداث الفيلم (عدائيّـته، إندفاعه، تردده) واخترت مشهداً واحداً لمعرفة القيمة الرائعة لتمثيله إجعله المشهد الذي يكتشف فيه أنها النهاية بالنسبة إليه: ها هي القوّات الأميركية جرته إليها. قالت له تفضل إلى مركبتنا وستحدّث بشأن شروطك. صدّق. تم إنقاذ الرهائن ثم قالوا له أنت الآن مقبوض عليه. في تلك اللحظة تعكس عيناه (ومن دون الحاجة لكاميرا قريبة) ذلك الإدراك بأن كل شيء ضاع.
برادلي كوبر يدخل بدوره الشخصية التي يؤديها في «نصب أميركي»: عميل الأف بي آي المستتر الذي لا يقل حيرة في شأن خطوته المقبلة من بطل الفيلم كرستيان بايل. كوبر حاد الإلقاء وسريع الحوار. وهو يدمغ هاتين الميزتين بشخصيته ويستخدمهما جيّداً. كان فعل ذلك في العام الماضي عندما رُشّـح كأفضل ممثل عن «كتاب مطرّز بالفضّـة» ويعيد الكرّة بشخصية جديدة يؤديها على نحو مناسب قليل الإفتعال.
مايكل فاسبيندر هو المرشّـح الثالث، وعن «12 سنة عبداً». إنه شخص بلا منظور إنساني. شخص تريد أن تكرهه لأنه يستحق الكراهية فهو أناني يعتبر الناس جميعاً، وليس السود وحدهم، ممتلكات. إختيار فاسبيندر الذكي هو تقديم الشخصية بوميض داخلي. إنه معذّب بين ممارسة ذلك المنظور أو المفهوم، وبين ذلك الوميض الصغير والباطني الذي يخبره بأنه لا يفعل الشيء الصحيح. بسبب هذا النزاع هو أقرب إلى تجسيد المستوى الدرامي المقبول من الممثل عوض أن يكون أسود كاملاً أو أبيض كاملاً. في الوقت ذاته، لا يكترث الفيلم ليقدم شخصية ممزّقـة بعنف بل يكتفي بذلك النصيب الصغير الذي لا يمكن تفويته أيضاً.
بارخاد عبدي
وإذا كان ليوناردو ديكابريو عمد إلى الإستعراض (المقنع بلا ريب) فماذا ترك لجونا هيل، الذي يؤدي دور ساعده اليمين، من مجال؟ ترك له إدراكه بأنه ككوميدي يستطيع أن يجلب إليه المشاهدين الراغبين في تطعيم الصورة الداكنة للفيلم ببعض الفكاهة، وبأنه في الوقت المناسب سينقلب عليهم ليوفر جانباً يماثل تلك الصورة دكانة. وهو يفعل ذلك بذكاء. في أحيان يسرق المشهد من دون أن يعمد إلى ذلك. يقوم بالمطلوب منه ويكتفي.
لكن أوسكار أفضل ممثل مساند قد يذهب إلى الوجه الخامس في هذا الإستعراض: جارد ليتو. إنه الممثل المساند الأول في «دالاس بايرز كلوب»: المخنّـث والمثلي ومدمن المخدّرات الذي عليه أن يقف على قدميه. أن يقاوم رميه من المجتمع ومن الأفراد بأن يحط واقفاً على قدميه وليس مُـلقى على الأرض. في تمثيله يوحي بأنه يعرف أنه ضحية كل تلك الظروف الإجتماعية وكل تلك المواطن النفسية السوداوية التي جرفته صوب المثلية لكنه يعلم أيضاً أن عليه تدبير الأمر عوض أن يسقط في هوّته. ربما عمد ممثل آخر إلى تقديم شخصية مباشرة في دفاعها عن قيمتها وحضورها. لكن ليتو، الذي لم يمثل دوراً منذ ست سنوات، اختار السبيل الأصعب والذي ينص على عدم الإستسهال. الطريق الذي يمنعه من تقديم شخصية نمطية عن المثليين. في النهاية، وإذ ينحدر هذا الشخص أكثر وأكثر في عالم لا يكترث وتحت وطأة الإدمان لا يمكن إلا أن تشعر صوبه بالتعاطف. مثلك في ذلك مثل ماثيو ماكوهوني في الفيلم: يزدريه أولاً، يحذره دائماً ثم يشعر صوبه بإنسانية وصداقة لاحقاً. 

الممثلات المرشّحات في أدوار أولى وثانية
كيت التي تحيا بين عالمين ونيونغو التي تعيش القهر على كل صعيد

 كايت بلانشيت

بالنسبة للممثلات قد تبدو المنافسة سهلة في الوهلة الأولى ستذهب الجائزة إلى كيت بلانشيت والسلام… ألم تستحوذ سلفاً على كل جائزة رئيسية حتى الآن عن دورها في فيلم «بلو جاسمين»؟ لكن يا ريت الأمور بهذه البساطة. والأجدر تأجيل أي نوع من التكهن قبل محاولة تفكيك وقراءة المعطيات التي على أساسها يتبارى الممثلون والممثلات في سباقيهما للوصول إلى الأوسكار هذا العام.

لحظات متواصلة
إنها الحياة وكيف تُـعاش بالنسبة للأدوار المطروحة على بساط البحث بالنسبة للممثلات: حياة مزدوجة بالنسبة لآمي أدامز في «نصب أميركي» وحياة مضطربة لدى كايت بلانشيت في «بلو جاسمين»، ثم حياة من البحث المضني عند جودي دنش في «فيلومينا» وأخرى من التشبّث بالمنوال نفسه بالنسبة لميريل ستريب في «أوغست: مقاطعة أوساج». وهي ليست حياة على الإطلاق عندما تفقد ساندرا بولوك الإتصال مع الأرض لمعظم الوقت المتاح في «جاذبية».
دور آمي أدامز في «نصب أميركي» دور من السماء. إنها شخصية مركّـبة بعناية لإمرأة تعيش حياتين في جسد واحد، أو بالأحرى شخصيّتين مختلفتين ولو أنهما مختلفتان عن قرار وليس نتيجة صدع نفسي ما. 
أدامز، التي بدأت حياتها على الشاشة قبل 12 سنة فقط، رُشّـحت سابقاً أربع مرّات ولم تفز بعد. في العام 2005 عن Junebug والعام 2008 عن «ريب» (الذي رشّـحت عنه أيضاً ميريل ستريب) والعام 2010 عن دورها في «المقاتل» ثم سنة 2012 عن دورها في «ذَ ماستر». في كل هذه المرّات جاء ترشيحها في قسم الممثلات المساندات. هذه المرّة هي في سباق الممثلات الرئيسات. نقلة تستحقها لأنها بهذا الدور تترك وراءها الأفلام الخفيفة لتؤم بطولة فيلم من وزن «نصب أميركي».

منافستها الأساسية (ومنافسة الجميع الأساسية في الواقع) هي كايت بلانشيت، ليس لأنها سبق لها وأن رٌشحت خمس مرّات من قبل (ونالتها مرّة واحدة عن دورها المساند في «الملاح» سنة 2004) بل لأن أداءها في فيلم وودي ألن الجديد «بلو جاسمين» مؤلّـف من لحظات متواصلة من العمق والتجسيد الذي لا يسقط أو يهبط. إنها المرأة التي تجد نفسها تنتقل من مستوى إجتماعي إلى وسط إجتماعي آخر فجأة. هي بين عالمين مختلفين واحد من اليسر والثراء والحياة فوق مستوى معظم البشر، وآخر يتطلّب التأقلم والتخلّـي عن الرغد وقبول الحدود الإجتماعية الدنيا،  تنحدر إليه بعدما خسرت الأول.
لكن ما يحدث لها ليس ما يجعل أداء بلانشيت مميّـزاً، بل هو في كيفية امتلاكها القدرة على هضم ذلك الحدث والتعبير عنه سلوكا وعادات ومفاهيم. إذا لم يكن القاريء شاهد Blue Jasmine بعد فليفعل وينظر إلى عيني الممثلة وهي تفحص كل شيء وكل من حولها. تبدو منهكة من البحث وفي سن لا تريد أن تخسر معه أي فرصة لكنها تفعل. إحباطها في تلك اللحظات ثروة تعبيرية أدّت بها إلى الفوز بالغولدن غلوبس والبافتا وجمعية الممثلين، وأعضاء جمعية الممثلين يحتلّون معظم كراسي أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية لذا يبدو فوزها مضموناً أكثر من فوز الباقيات خصوصاً وإن أربعة من منافساتها الخمس في جوائز جمعية الممثلين ينافسونها في سباق الأوسكار وهم ميريل ستريب وساندرا بولوك وجودي دنش. الخامسة كانت إيما تومسون (عن «إنقاذ مستر بانكس») وهو المكان الشاغر التي وصلت إليه آمي أدامز.
مشاعر ذنب
المشكلة أمام ميريل ستريب ليس أنها رشّـحت ثماني عشرة مرّة (بما فيها ترشيحات هذه السنة) ولا أنها فازت ثلاث مرّات آخرها سنة 2011 عن «السيّـدة الحديدية» فحسب، بل في أنها تلوك الدور الذي تقوم بأدائه من دون جهد. هذه نعمة وربما نقمة معاً كونها تمثّـل ثانية بحضور يتجاوز العناصر الفنية كاملة. في «أوغست: مقاطعة أوساج» تلعب شخصية الأم الطاغية التي لا زالت تمارس عاداتها في التفريق والسيادة. لكن لنلاحظ أنها لا تمثّــل بقدر ما تعيش الحضور المعتاد لها. تعرف الدور عن ظهر قلب. هذه موهبة لكن ما تجلبه معها على الشاشة ليس جديداً. في سياق التأكيد على ذلك، لاحظ أيضاً، أنها لم تفز بأي من الجوائز الرئيسية هذا العام. إذا ما ربحت الأوسكار، ستربحه بأصوات قليلة.
هناك أسلوب تشخيص متشابه بينها وبين البريطانية جودي دنش. في التاسعة والسبعين من العمر لكن نجاحها وشهرتها وردت متأخرة نوعاً فهي مارست التمثيل من العام 1959 حين كانت في الخامسة والعشرين من العمر. في السنوات الستّـة عشر الأخيرة برزت كواحدة من أكثر الممثلات موهبة. 
جودي دنش
جودي دنش تمثّـل في «فيلومينا» (الذي يضعها على سدّة الترشيحات للمرّة السابعة) شخصية المرأة المحمّـلة بمشاعر الذنب التي تبحث عن مصير إبنها الذي خطفه الدير منها وباعه لزوجين أميركيين جاءا أيرلندا بحثاً عن ولد للتبنّي. جودي تؤم الدور بقناعة تثمر عن إقناع. لكنها مثل ستريب هناك سهولة أكثر مما هناك تحدياً ولا عجب أنها لم تنل عنه حتى الآن جائزة رئيسية حتى في بلدها إذ ذهبت جائزة بافتا في هذه الدورة الأخيرة إلى منافستها كايت بلانشيت. 
يبقى من بين الخمسة المرشّـحات هنا لأوسكار أفضل تمثيل نسائي رئيسي ساندرا بولوك عن دورها في «جاذبية» Gravity. وهي سبق لها وأن فازت في نفس السباق عن دورها في «جانب أعمى» سنة 2009. الفارق بين تلك المرّة وهذه المرّة هي أننا رأينا وجهها في دور درامي في السابق. هذه المرّة وجهها تحت الخوذة في غالبية المشاهد. هل يمكن منح كرستيان بايل أوسكاراً عن تمثيله تحت قناع باتمان أو روبرت داوني جونيور عن دوره في «آيرون مان»؟. لكن لابد من ملاحظة أن ساندرا بولوك لا تكتفي بالظهور تحت خوذة فضائية بل تمثّـل تحت تلك الخوذة وتخترق الفاصل الزجاجي والمعدني الفاصل بينها وبين المشاهد. تتلو عليه ما تشعر به وتدرك أنها تعايشه. تمنح الدور وبل الفيلم الجانب الإنساني بأسره. لذلك هي هنا ولو أن إحتمالات فوزها محدودة.

معاملة عنصرية
في سباق التمثيل النسائي المساند لابد من استذكار الأسماء أولاً:
سالي هوكنز عن «بلو جاسمين»، جنيفر لورنس عن «نصب أميركي»، لوبيتا نيونغ عن «12 سنة عبداً»، جوليا روبرتس عن «أوغست: مقاطعة أوساج» وتجون سكويب عن «نبراسكا»
أربعة منهن دخلن مؤخراً المنافسة ذاتها في سباق بافتا هن لوبيتا نيونغو وجنيفر لورنس وجوليا روبرتس وتجون سكويب. لكن سالي هوبكنز خسرت الترشيحات هناك وحلّت مكانها أوبرا ونفري عن دورها المقبول في «رئيس الخدم».
لوبيتا نيونغو

لوبيتا نيونغو هي إكتشاف العام بين كل الممثلات، رئيسيات ومساندات. لعبت دورها كعبدة مهدورة الحقوق في فيلم ستيف ماكوين «12 سنة عبداً» (وليس «12 سنة في العبودية» ولا «12 سنة من العبودية» كما ورد في ترجمتين غير دقيقتين في مقالات آخرين) عليها أن تتعرض نفسيا وعاطفيا وجسدياً لأسوأ معاملة عنصرية ممكنة. وهي تفعل ذلك بتلقائية. تتطبّـع تماماً وتمنح الشاشة تجسيداً كاملاً يستحق الأوسكار كما تستحقه كل الممثلات ذوات الخبرات المنافسات جنيفر وجوليا وتجون وسالي. الحصول عليه هو أمر ثان. ففي العادة أن المرّات الأولى لا تحسب (وهذه تجربة نيونغ الأولى في الأوسكار). لكن ما يشد من أزرها هنا، لجانب مستوى الأداء، حقيقة أنه من غير المحتمل كثيراً أن يفوز شيوتوول إجيوفور عن دوره الأول في هذا الفيلم نفسه. البعض سيوازن بين عدم التصويت له وبين التصويت لها كبديل وهنا ستقوى إحتمالات فوزها.
الثانية في الإستحقاق هي تجون سكويب (84 سنة). لم يسمع بها أحد من قبل لأن معظم ما حققته من أعمال (42 عملاً) تلفزيوني (26 مسلسلاً). وهي نسبياً بدأت متأخرة (1990) عندما مثلت تحت إدارة وودي ألن دوراً مسانداً في «أليس» (أحد الأفلام الثلاثة عشر التي لعبت ميا فارو بطولتها تحت إدارة المخرج- الممثل ألن). صحيح أن سكويب لها دور محدود في «نبراسكا» (زوجة بروس ديرن المرشّـح بدوره لأوسكار أفضل ممثل رئيس عن الفيلم نفسه)، إلا أنها تؤديه بطلاقة ملحوظة. لاحظها بين رجلي الفيلم الأساسيين ديرن وول فورت، تجدها تمنح المشاهد بعداً ثالثاً تامّـاً. 
سالي هوبكنز دائماً جيّـدة لكن عناية ألن بها كانت توظيفية. في «بلو جاسمين» لعبت دور الشقيقة (بالتبني) لكايت بلانشيت التي كانت محور الفيلم. هوبكنز كان المضاد الكامل، لكن مشاهدها (من حيث الكتابة) لم ترتفع لتكشف عمقاً. هوبكنز هي من منحت ذلك القدر من العمق على خفوته.
جنيفر لورنس لديها في «نصب أميركي» دور مركّـب مثل أدوارها السابقة بإستثناء الدور الذي لعبته قبل ثلاث سنوات عندما كانت لا تزال جديدة عن دورها الأول في «عظمة شتوية» Winter's Bone والذي لا زال أكثر أدوارها تعقيداً. إنه مساو في لُـحمته للدور الذي نالت عليها أوسكار أفضل ممثلة أولى (أو رئيسة) وهو «كتاب مطرّز بالفضّة» (2012). نراها هنا عرضة للغضب والإحباط. آمالها في حياة أفضل مهدورة ليس إقتصادياً فقط، بل حين تكتشف أن زوجها (كرستيان بايل) لم يكن مخلصاً لها.
بالنسبة لجوليا روبرتس أتساءل إذا كان دورها كإبنة ميريل ستريب في «أوغست: مقاطعة أوسانج»، وحيال أدوار الأخريات، كاف لمنحها أوسكار أفضل ممثلة مساندة. نعم هي تؤدي الدور  بمصدقية، لكن حضورها في نهاية الأمر يبهت سريعاً بعد كل مشهد. مميّـز بإسمها أكثر مما هو مميّـز بفنها.


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular