Feb 15, 2014

أفلام مهرجان برلين (جديد) | وودي ألن | ألان رينيه | روبوكوب | أفلام دينية | ممثل: فيليب سايمور مور


في هذا العدد 

  ملف برلين | بوليسيان من النروج والصين وعمل رائع من شيخ المخرجين الفرنسيين ألان رينيه  ، ثم وقبل إعلان الجوائز ماهي تلك الأفلام التي كانت تحتاج لعكازات لكي تصل إلى خط النهاية | نوافذ.


  ميسر مسكي  يكتب لنا، خصيصاً وحصرياً كالعادة، عن وودي ألن وياسمينته المجنونة كيت بلانشيت رابطاً بين شخصيتها في هذا الفيلم وشخصيّة بلانش دوبوا في مسرحية تنيسي وليامز

  يحدث قريباً | ينطلق هذا الأسبوع فيلم «روبوكوب»، الذي هو إعادة صنع لفيلم بول فرهوڤن تحت نفس العنوان (1987). على غراره تموج السينما بعدد كبير من الأبطال المصنوعين من ألياف معدنية وكابلات إلكترونية | محمد رُضــا

  تقرير | موجة من الأفلام الدينية قادمة: النبي نوح ضد النبي موسى وكيف أخفق المخرج دارن أرونوفكسي من حماية فيلمه الجديد «نوح» من سيطرة الأستديو في حين أن «نزوح» موسى من مصر مر بسلام حتى الآن | محمد رُضــا

  ممثل | محمد رُضــا يتذكر أفلاماً للممثل الراحل فيليب سايمور مور تشهد بموهبته الكبيرة وتطرح أسئلة حول ممثل لم يعرف كيف يكون أنانياً | نوافذ


شاشة الناقد | ميسر مسكي


وودي آلن في السابعة والسبعين لا زال قادراً على الإدهاش
ياسمين إلى الجنون...وكيت بلانشيت إلى الأوسكار...ربما!

بعد 44 عاماً من العمل المتواصل والدؤوب في السينما توَصّلَ وودي آلن إلى أن يحوز لنفسه موقعاً إستقطابياً بين المشاهدين (وأحياناً بين النقاد) فهناك قول سائد عن أنه إما أنك من أولئك المعجبين بكل عمل يأتي به المخرج ذو الـ77 عاماً (يقدم فيلماً كل عام، دون كلل، منذ ما ينوف عن أربعين عاماً) أو أنك من الفريق الثاني الذي يتجنب صالة السينما لو كان اٍسم آلن على الملصق الإعلاني للفيلم.
لو كان الأمر كذلك، فأولئك المعرضون عن أفلام وودي آلن سيخسرون  لو لم يقصدوا "ياسمين" عمل آلن الأخير والذي عنه نالت كيت بلانشيت ترشيحها لأوسكار أفضل ممثلة. Blue Jasmine، قد يميل البعض للترجمة الحرفية. لكن Blue بالأنكليزية تعني أيضأً : المُحبَط، المُكتئب، وأيضاً الأرستقراطي. الصفات الثلاث تنطبق على شكل شخصية ياسمين في هذا الفيلم الذي لم يكن له أن يأتي في وقت أكثر مناسب، في عزّ الأزمة الإقتصادية في الولايات المتحدة والتي شهدت العديد من الفضائح والإختلاسات وإنهيار بعض إمبراطوريات المال.
وودي آلن ومنذ أن إنتهى، نهاية السبعينيات، من أفلامه الكوميدية المقهقهة والزاخرة بطرافة فريدة، لماحة، بدأ يصنع أفلاماً تعتمد أكثر على تحليل الشخصية (أو أكثر أحيناً) المحورية في الفيلم في سياق متدفق من الحوار الذكي الذي يبرع آلن في كتابته. لم يتخل آلن عن الكوميديا، لكنها لم  تعد مقهقهة بل أصبحت متوارية خلف دوافع الشخصيات وتحت جلدهم. مرّة أو إثنتين غادر آلن الكوميديا إلى عمل نفسي داكن. أشهرها كان: "داخليات" (1978) اليوم يعود آلن إلى فيلم غير كوميدي دون أن ينسى أن يدس بين سطور حواره بضعاً من تعليقاته اللاذعة واللماحة التي طالما كانت جزءاً مما صنع عالم وودي آلن السينمائي الذي هامَ به البعض وأعرضَ عنه آخرون.

جينيت أو ياسمين، أمرأة على حافة الإنهيار. عالمها المُترَف في مانهاتن، نيويورك إنهار دفعة واحدة من حولها حين اُلقي القبض على زوجها المليونير بتهمة الإحتيال و النصب و الذي لا يلبث أن ينتحر في سجنه. 
مُـجرّدة من أدوات عالمها الزائف ومناخاته الباذخة، ياسمين تجد نفسها تائهة في عالم آخر لا تعرفه، لم تختبره  ولا تجد سبيلاً  للتعامل مع الناس فيه. ياسمين أصلاً تبدو رافضة للإنتماء إلى هذا العالم "السُـفلي" حيث شقيقتها (بالتبني)، والتي تقيم في حي متواضع في سان فرانسيسكو، تعمل محاسبة في سوبرماركت. منذ المشهد الأول تبدو ياسمين مفصولة تماماً عن الواقع وهي تثرثر لراكبة تجلس إلى جانبها في الدرجة الأولى، عن حياتها التي كانت وعن "بدايتها الجديدة" في سان فرانسيسكو. 
لن يمضي وقت طويل حتى ندرك أن ما تقوله ياسمين يحمل تحت السطح تعبيراً تراجيدياً عن ضياعها. فحين يوصلها التاكسي من المطار إلى منزل شقيقتها المتواضع في شارع يغرق في عاديته، تسأل ياسمين السائق وهي تتلفت حولها: "أين أنا، بالتحديد؟". تبدو وكأنها في كابوس. فالرحلة من قصرها الفاخر في مانهاتن، وبيتها الصيفي الفاره في مارثا فينيارد، إلى هذا الحي المتواضع يبدو أقرب للعقاب منه إلى "بداية جديدة".
حين تدخل ياسمين حياة شقيقتها و خطيبها العامل لتعيش معهم "مؤقتاً"، هي تكون قد دخلت في ملامح شخصية نسائية عصابية أقدم وأكثر شهرة هي: بلانش دوبوا في مسرحية "عربة أسمها اللذة" الذائعة الصيت للمسرحي الأميركي الأشهر ربما تنيسي وليامز.
ياسمين أمرأة تحاول أن تدفع عنها الجنون الذي بدأ يلوح في حديثها مع ذاتها أحياناً وفي هوسها المَرَضي بصور الماضي الذي قضى إلى غير عودة، وفي تهيؤاتها أن تلتقي أحد معارفها الأثرياء السابقين لو أنها عملت في أعمال "وضيعة" مثل سكرتيرة طبيب أسنان أو محل لبيع الأحذية النسائية. هرباً من ذاتها تبدأ في تخيل عودتها للدراسة و حصولها على شهادة في التصميم الداخلي. حلم لا تفعل شيئاً لتحقيقه لعجزها عن فهم التحول الجذري والفادح الذي طرأ على حياتها. بل هو عدم قبولها أو إعترافها بالواقع "البائس" الجديد  . تغرق ياسمين في مستنقع المهدئات والكحول والأمل بالنجاة عبر رجل ثري ينتشلها من الحضيض الذي تنزلق إليه يوماً بعد يوم. ياسمين ترى خلاصها عبر الآخرين و ليس عبر أدواتها الذاتية.
وحين يطلّ ذلك المُنقذ بشخص موظف عالي في السلك الديبلوماسي، تنقلب حياة ياسمين و"يشرقط" الحس الأنثوي وتعود ماكينة الأحلام لتنسج شخصية أكثر توازناً. لقد وجدت عالمها الذي تعرفه من جديد. لكن إلى حين. فكل شيء يتهاوى من جديد حين يعلم هذا الموظف، وبالصدفة، بماضي ياسمين المضطرب ويتخلى عنها. إكتملت دائرة الأسود حولها ولم يبقً إلا الجنون سبيلاً..... للخلاص.

وودي آلن كان دائماً أستاذاً في سرد حكاية فيلمه (بغض النظر عن درجة جودة الفيلم). هنا حرفيته الخلاقة تلوح في سلاسة وليونة الأسلوب. آلن أبداً لا يصرخ:"أنظروا جيداً كمّ أجيد صنع الأفلام". لا فذلكة في التصوير ولا حذلقة رخيصة في زوايا التصوير أو رموز المشهد. حتى الفلاش باك المتكرر الذي يروي لنا فيه بعضاً من أيام الثراء لياسمين في منهاتن إنما يتم في مفاصل معينة تتيح لنا أن ندرك (ونبرر بسبب فداحة الفارق) حالة العصاب الهذياني الذي يتملكها درجة بعد درجة. 
آلن يتعامل مع لحظة حاسمة  فصلت بين عزّ الحياة الماضية وبؤس (نسبي بالطبع) مع القادمة بهدوء وسرعة  ودون إنفعال. هي تلك اللحظة التي "ندمت عليها ياسمين في الثانية التي إقترفتها" ألا وهي الإتصال بمكتب التحقيقات الفيدرالي والوشاية عن عمليات إحتيال زوجها بعد أن تأكدت أنه على وشك أن ينفصل عنها إلى أمرأة أصغر سناً. 
هذا المشهد السريع فتح الباب على سؤالين عن بشخصية ياسمين: هل هي تلك المرأة الساذجة التي لم تهتم بتفاصيل عمل زوجها و لم تعرف عمليات الإحتيال الكبيرة التي كان يقوم بها، كما تقول دائماً لمن يشمت بها وما آلت إليه؟ أم هي أمرأة أختارت أن تدير بصرها عن كل التجاوزات (حتى تلك المتعلقة بخيانة زوجها المتكررة لها) طالما أن الأمر لم يكن قد وصل إلى سلبها عالمها المُترَف الذي سعت إليه و إنتمت إليه؟ هل هذا هو الإنفصام الذي يجعلها تستخدم إسمين: الأصلي جينيت حين كانت فتاة بسيطة والذي تقول ببساطة ولامبالاة أنها بدلته إلى ياسمين حين أعادت "إختراع" نفسها للتأقلم مع عالمها الفاره الجديد الذي دخلته حين سقطت (أو هي أسقتطه) في هوى زوجها المليونير؟

ياسمين شخصية هشّة، قلقة، مُـضطربة، عُصابية، كانت تحافظ على واجهة من الثقة والهدوء والتصالح مع الحياة طالما كانت ضمن تنعم بحماية المال. وحين إنهار عالمها ذاك فقدت بوصلتها ومبررات وجودها. خط دفاعها الأخير أصبح الكحول. هي أمرأة  لا تريد أن تنسى. لا تعرف أن تنسى. لا تستطبع أن تنسى. أن تنسى معناه بالنسبة لها طريق حتمي للجنون.  صوتها الخفيض الأجش وعيناها القلقتان دائماً واللتان لا تستقرا على شيء تبوحان بالفزع من ذلك القادم بلا رحمة.
فساتين "فندي" و"ديور"  وحقائب "هرمز" وكل الأسماء الفائقة الأناقة ليست مجرد إكسسوار (في تترات النهاية هناك شكر للمصمم الشهير كار لاغرفيلد على أزياء ديور المصممة خصيصاً لبلانشيت في الفيلم) بل هم آخر الدلائل على عالم إنتمت إليه وضاع منها فضاعت من دونه. أناقتها الكلاسيكية الخلابة هي تمسكها العُصابي برفض واقعها الجديد وقرفها منه. هي لا تترك فرصة أن تمرّ دون أن تذكّر شقيقتها أن أصدقائها كلهم "فاشلين". هي ترفض أن تنتمي إلى طبقة "عاملة" أو من ذوي المهن اليدوية وقرفها من محيطها الجديد يلوح في كل إلتفاتة حولها.  يقول البعض، مُحقاً ربما، أن هذا ربما كان إسقاط غير واعي لوودي آلن ذاته الذي في أفلامه التي زادت عن الأربعين لم يكترث مرّة لإلقاء نظرة على أولئك العاملين و الذين يشكلون أكثر من نصف المجتمع الأميركي. 

كيت بلانشيت، كما قلنا، مرشحة لأوسكار أفضل ممثلة. هي تستحق عشرة تماثيل صغيرة ذهبية وليس واحد فقط. لا أعرف ماذا كان يمكن للفيلم أن يكون لولاها. هو سؤال إفتراضي جوابه في علم الغيب. لكن الأكيد أن بلانشيت نقلت الشخصية بالروح كما بالجسد. عادة الناس لا تتفاعل مع الشخصية المتأنفة والمتعجرفة لكن مع بلانشيت في دور ياسمين، هناك شيء في داخلنا يجعلنا نأمل أن يظهر من ينتشلها فجأة من سقوطها الهذياني ساذجة كانت أم متآمرة. 
على فكرة لعبت كيت بلانشيت، قبل خمسة أعوام، في برودواي دور بلانش دوبوا في مسرحية "عربة...." تحت إدارة السويدية المخضرمة في السينما كما المسرح ليف أولمان.
إلى جانب كيت بلانشيت هناك سالي هوكينز في دور شقيقتها. مدهشة.
عاشق أنت لوودي آلن أم نافر منه، "بلو جاسمين" يجب أن لا يفوتك.


يحدث قريباً | محمد رُضــا

«روبوكوب» الجديد: بطل ينقذ العالم مخرجه لبناني وعالمه غير إنساني

«روبوكوب»، الذي ينطلق للعروض العالمية نهاية الأسبوع المقبل هو آخر ما تطلق هوليوود عليه إسم «ريمايك» (إعادة صنع). النوع الذي يعيد صياغة فيلم قديم كإنتاج جديد وإطلاقه غالباً مع أسماء جديدة في خانات الكتابة والتمثيل والإخراج. 
في الأصل «روبوكوب» فكرة جهنمية (ضمن قواعد اللعبة السينمائية) طلع بها سيناريو كتبه كل من إدوارد نيوماير ومايكل ماينر وآرني شميت وقامت بإنتاجها، سنة 1984، شركة أورايون بيكتشرز التي كانت نشطة في ذلك الحين وتوزّع أفلامها عن طريق ستديوهات وورنر الشهيرة. هذه تحمست لمشروع قام أساساً على فكرة أنه في المستقبل القريب (لم يحدده الفيلم) سيتطلّـب الأمر أكثر من رجال بوليس آدميين لضبط الأمن. الفساد المنتشر بين الإدارة والطبقة السياسية ينعكس على بعض العاملين من رجال القانون، والبعض الآخر لا حول له ولا قوّة في مواجهة ميزان الجريمة الذي ارتفع وقتال مجرمين أكثر نظاماً وشراسة من أي وقت مضى. بطل الفيلم (قام به بيتر وَبر) من خيرة رجال البوليس الذي كان يقضي في واحدة من تلك المواجهات. والطريقة  الوحيدة لإبقائه حيّـاً كانت في توظيف تكنولوجيا المستخدمة لصنع الروبوت. النتيجة روبوت-كوب أو روبوكوب.
المخرج الهولندي بول فرهوفن الذي وصل إلى هوليوود تحت عزف الأبواق وضرب الطبول حقق فيلماً جيداً ومسلياً وبلا قلب.  واليوم تلجأ هوليوود مجدداً إلى الفيلم السابق ذاته وتسند إخراجه إلى البرازيلي (من أصل لبناني) جوزيه بديعة الذي كان قدّم أوراق اعتماده عندما حقق فيلمين بوليسيين واحد سنة 2007 بعنوان «فريق النخبة» والثاني بعده بثلاثة أعوام كجزء ثان بعنوان «فريق النخبة: العدو في الداخل». بديعة أتهم حين قدّم فيلمه الأول بأنه سعى لإرضاء اليمين المتطرّف فصوّر بوليسا فاشياً ودافع عن فاشيّـته. في الجزء الثاني، ورداً على منتقديه، جعل موضوعه فساد البوليس الذي رفع له القبعة سابقاً. الأمر ذاته كان حدث مع كلينت ايستوود قبل ذلك بأعوام عديدة عندما قام ببطولة «ديرتي هاري» وحيال التهمة ذاتها قام بتمثيل «ماغنوم فورس» (ضمن نفس السلسلة) الذي أتي به على ذكر فساد البوليس.

رديف
لكن «هاري القذر» كان، على الأقل، يتعامل مع رجال بوليس من لحم ودم. في حين أن الأفلام اللاحقة شهدت مزيداً من الأفلام التي تلغي البطل الآدمي لتعين مكانه واحداً من آلات وأشرطة وكومبيوترات مزروعة فيه. واحد لا يستجيب لأوامر لذلك ليس عليه أن يتحدّاها، بل هو مبرمج سلفاً للقضاء على الشر وتحديد ذلك بنظام عمل مزروع داخله. 
«روبوكوب» نفسه عاد فظهر في ثلاثة أفلام لاحقة كل منها بقصّـة شبه جديدة. ولا واحد منها استطاع تكرار النجاح التجاري الذي حققه فيلم بول فرهوفن. ذلك الفيلم الأول تكلّـف أقل من  خمسة عشر مليون دولار وجلب أكثر من مئة مليون دولار عالمية بأسعار تذاكر ذلك الحين.  بالمقارنة مع الفيلم الجديد، فإن كلفته وصلت مئة مليون دولار ولو أن المتوقع منه أن ينجز قرابة 400 مليون دولار.
لكن «روبوكوب» غالباً ما يمكن النظر إليه كرديف لسلسلة أخرى من المحاربين الآليين. قبله بثلاث سنوات قام (اللبناني الأصل أيضاً) ماريو قصّـار بإنتاج «ترميناتور» حول ذلك المخلوق غير الآدمي الذي يهبط من الفضاء للقضاء على طفل إذا ما كبر فسيلعب دوراً في حماية الأرض ودرء المخاطر عنها. بعد سبع سنوات  انطلق الجزء الثاني لكن الإختلاف فيه هو أن بطل ذلك الفيلم الأول (أرنولد شوارتزنيغر) انقلب من الشر إلى الخير وأخذ يتصدّى لأعداء الحياة على الأرض.
خلال ذلك وقبله العديد من الأفلام التي استولى على بطولتها شرطيون ورجال قانون مصنوعون من الألياف المعدنية والكابلات الإلكترونية: «القاضي دريد» و«جنود سيبورغ» و«ماكس ستيل» و«سيبورغ 009» و«الشيفرة الحمراء» و«ملاك المعارك» و«سيبورغ كوب» والكثير سواها.
كل هذه الأفلام المذكورة لم ترتفع إلى مستوى طرح وجداني أو إجتماعي ممكن. ليس خطأ الحديث عن روبوتس يحكمون بالقوّة أو يفرضون الطريقة الوحيدة لحل أزمة الصراع بين الخير والشر، لكن لا أحد من هذه الأفلام (بإستثناء «روبوكوب» الأول) اكترث لطرح عناوين خلفية لما يدور على الشاشة. المثير في فيلم فرهوفن أنه اتسع لطرح مواضيع مثل البحث عن الهوية الشخصية عندما يفقد بطل الفيلم إمكانية إعتبار نفسه آدمياً ولا يستطيع أن يقبل هويته الجديدة كروبوت على نحو كامل. ومثل الفساد السياسي والجشع الإداري ممزوجاً بواقع الحياة الإجتماعية والنظام الإقتصادي.

قضايا وجدانية وأسئلة

قبل كل هذه الموجة من الأفلام استطاع فيلم واحد فقط أن يتناول قضايا عميقة، وإن مختلفة عن تلك التي طرحها «روبوكوب» سنة 1984. ذلك الفيلم هو «بلايد رانر» Blade Runner (الذي إذا ما كان لابد من ترجمته فإن التعريب الصحيح هو: "الراكض فوق النصل"). هذا الفيلم خيالي علمي فريد من تحقيق ريدلي سكوت وبطولة هاريسون فورد وروتغر هاور وشون يونغ وداريل هانا.   مأخوذ عن رواية قصيرة للكاتب فيليب ك. دِك بعنوان «هل يحلم الأندرويدز بالماشية الإلكترونية؟». أخذنا الفيلم إلى العام 2019. بطله هو تحر متخصص بالكشف عن الأندرويدز (أشباه الآدميين) الذين لجأوا إلى مدينة لوس أنجيليس وسكنوها خفية. شيء مثل بوليس الهجرة الذي يبحث عن القاطنين المكسيكيين الذين لجأوا هرباً عبر الحدود. العالم القاتم لذلك الفيلم يسيطر على الفيلم ويهيمن على أجوائه، لكن العقدة الساحرة هنا هو إكتشاف بطل الفيلم في نقطة متقدّمة من الفيلم بأنه هو نفسه «أندرويد».
في الأسبوع نفسه سيتم عرض «ريمايك» آخر عن كتابة للمسرحي ديفيد ماميت كان ظهر فيلماً من إخراج إدوارد زويك (فيلمه الأول) سنة 1986 وسط إحتفاء نقدي لم يستحقّـه. روب لاو وديمي مور وجيمس بالوشي وإليزابث بيركنز كانوا الرباعي الذي شكّـل لحمة هذا الفيلم العاطفي. الفيلم الجديد يتولاه ممثلون سود هم كيفن هارت ومايكل ريلي ورجينا هول وجوي برايانت. عدا ذلك لا تتوقع منه أن يكون أفضل من الفيلم السابق. في أفضل الأحوال عمل لم يستحق أن يعاد صنعه كمعظم أفلام هذه الفئة. 

تقرير | محمد رُضــا

موجة من الأفلام الدينية قادمة
النبي «نوح» في مواجهة النبي «موسى» 
راسل كراو في شخصية النبي «نوح» (عليه السلام).

غادر المخرج ريدلي سكوت أسبانيا عائداً إلى لندن وفي غضون أسبوع يعود إلى لوس أنجيليس لاستكمال العمل على فيلمه الجديد «نزوح» Exodus. هو تمويل أسباني تقوم شركة فوكس بتوزيعه حول العالم ويتناول الفترة التاريخية التي شهدت النزوح الجماعي لليهود  من مصر لاجئين إلى فلسطين.
سكوت منح كرستيان بايل دور النبي موسى، عليه السلام، ووزّع الأدوار الرئيسة الأخرى على سيغورني ويفر وبن كينغسلي وجون تورتورو و(الإيرانية الأصل) غولديشفته فرحاني و(الفلسطينية الأصل) هيام عبّاس من بين آخرين بينهم الأسترالي جووَل إدغرتون في شخصية الملك الفرعوني رمسيس.
التاريخ الإنتاجي لهذا الفيلم يعود إلى يوليو (تموز) سنة 2011 عندما تم إنجاز السيناريو وعرضه على عدد من المخرجين. بعد نحو سنة أعيد إلى مرحلة الكتابة من جديد ثم أعيد مرّة أخرى في مطلع العام الماضي. في أغسطس (آب) سنة 2013 بوشر التصوير ما بين أسبانيا وستديوهات باينوود البريطانية وهو الآن يدخل مراحل ما بعد التصوير ليكون جاهزاً للعرض في الشهر الأخير من هذا العام.

تاريخ مشروع
قبل أن يحل هذا الوقت، وبل في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، سينطلق للعرض عملان دينيان آخران أحدهما من إنتاج فوكس التلفزيونية بعنوان «إبن الآلهة» الذي يستعين بمشاهد عديدة من مسلسل تم تحقيقه قبل حين بعنوان «الإنجيل» ليحكي قصّـة السيد المسيح، ثم يضيف عليها مشاهد جديدة تم تصويرها في معالجة جديدة لا تخرج عن الحبكة الرئيسية لمعظم ما سبق تقديمه من أفلام استخلصت عن حياة النبي عيسى بن مريم أو من الأنجيل ذاته. 
الفيلم السينمائي هو «نوح»، لمخرجه دارن أرونوفسكي، وهذا من إنتاج باراماونت وتم وضع السيناريو قبل شهر واحد من سيناريو «نزوح» وتمت كتابة نسخة ثانية قبل نهاية العام 2011 قبل أن يدخل مرحلة ما قبل التصوير في مارس (آذار) 2012. في يوليو (تموز) من العام ذاته بوشر التصوير الذي انتهى في نوفمبر (تشرين الأول) سنة 2012 أيضاً
طوال العام الماضي كان «نوح» محط عمليات ما بعد التصوير التي تتطلّـب الكثير من المؤثرات والخدع البصرية الخاصّـة كما محط خلاف بين مخرجه وبين الاستديو. كل منهما يريد إنجاز النسخة التي يفضّـلها من الفيلم.
نوح يؤديه راسل كراو (الذي لعب «غلادياتور» لحساب ريدلي سكوت سابقاً) بينما تتوزّع الأدوار المساندة على عدد كبير من الممثلين المعروفي من بينها جنيفر كونيللي وأنطوني هوبكنز وإيما واتسون ونك نولتي وراي وينستون.
مشروع «نوح» بالنسبة للمخرج أرونوفسكي له من العمر 30 سنة أو نحوها. ليس كمشروع سينمائي متكامل بل كفكرة واكبته عندما كان لا يزال طالباً وطلبت منه المعلّـمة أن يكتب، ورفاقه، مقطوعة نثرية عن النبي نوح. أرونوفسكي شد عن القاعدة وكتب شعراً عن السلام تسلل إلى مسابقة أقامتها الأمم المتحدة وفاز بجائزة. من هنا، يقول المخرج في لقاء عابر تم قبل عامين في لندن، ترسّـخت الفكرة: "أعلنت لنفسي أنه في يوم ما سأقوم بإخراج فيلم عن نوح».

خلافات
نام أرونوفسكي على الفكرة طويلاً. أنجز من العام 1998 وحتى سنة 2010 خمسة أفلام روائية طويلة أولها بعنوان Pi واخرها «البجعة السوداء» سنة 2010. عندما استجابت باراماونت لفكرة تحقيق فيلم عن سيّدنا نوح، سنة 2011 توسم المخرج أن نجاح «البجعة السوداء» نقدياً وحصوله على خمسة ترشيحات للأوسكار (وفوز واحد نالته بطلة الفيلم نتالي بورتمن) سيمنحه بعض التأثير على جوانب العمل المختلفة وسيجعله طليقاً في القرارات الحاسمة ومنها ما يعرف بـ «نسخة المخرج»، أي تلك التي تحمل بصمته كاملة حين عرضها على الجمهور.
الاستديو كان له رأي آخر. بميزانية ترتفع عن 125 مليون دولار، لا يستطيع تسليم القيادة للمخرج حتى وإن كان فيلمه الناجح «بجعة سوداء» حصد 330 مليون دولار عالميا. صحيح أن التصوير بدأ وباراماونت ترقب من بعيد، إلا أنها قررت الإقتراب أكثر من المشهد والتدخل فيه أول ما اكتمل لدى المخرج نسخة عمل. هنا طلبت منه عرض نسخته غير المنجزة على جمهور إختبار وغايتها من ذلك التأكد من أن رؤيته الفنية ستستقبل جيّداً. 
المفاجأة هي أن توقّـعاتها كانت صحيحة. لقد تجاهلت معارضة المخرج ودعت مشاهدين من فئات مختلفة للعرض الخاص وتلقّـفت ما كانت تخشاه: رد فعل سلبية. رد الفعل تمحور حول الدكانة التي رسمها المخرج للنبي نوح وللفيلم بأسره. «ليس هذا فيلماً مسيحياً» كما كتب أحد الرهبان الذي شاهد تلك النسخة. وكتب آخرون امتعاضهم من أن المخرج صوّر نوح في أحد المشاهد سكيراً. وربما الأهم هو أن نوح أراد محو البشرية بأسرها عن الأرض، كما يقول الفيلم. 
بناءاً على ذلك، قام الأستديو بالتدخل في المونتاج وعرضت معالجات عدة من العمل على عيّـنات أخرى من المشاهدين قبل أن تجد النسخة التي جلبت أكبر نسبة من القبول وهي تلك التي ستنطلق للعروض بعد ثلاثة أسابيع. 

مخرج مريح
هذا لم يقع طبعاً مع ريدلي سكوت الذي يعمل بمنهج مختلف تماماً. هو أهل ثقة مطلقة ولم يسجّـل عليه أنه سقط في أي خلاف مع الاستديوهات التي عمل لها على الرغم من أنه أنجز أفلاماً تاريخية ودينية متعددة بميزانيات كبيرة. في العام 1992 حقق «1942: غزو الفردونس» وفي العام 2000 أنجز «غلادياتور»، ثم قام بتحقيق فيلمه عن الحملة الصليبية «مملكة الفردوس» سنة 2005 لجانب أنه حقق «روبين هود» (2010) وانتج سلسلتين تلفزيونيّتين من الصنف التاريخي هما «غيتسبورغ» (على إسم واحدة من أهم مواقع الحرب الأهلية الأميركية) و«العالم بلا نهاية» (2011 و2012).
ريدلي سكوت وراء الكاميرا من جديد

ما وراء إنتعاش النوع الديني- التاريخي (وهناك أفلام دينية ليست تاريخية مثل «ذا ماستر» و«ايدا» و«وراء الهضبة») حقيقة أن الدين لا زال يشكّـل موضوعاً فلسفيا ووجدانياً وطرحاً سياسياً لجانب أنه يشكل حجماً دولياً من الروحانية. وهذا التشكيل ليس جديداً (يعود تاريخ الأفلام المشابهة إلى العقد الأول من القرن العشرين على شكل أفلام روائية قصيرة) لكنه في عالم اليوم وما يخالجه متجدد دوماً. 
الفيلمان المذكوران، «نوح» و«نزوح» إلى جانب الفيلم التلفزيوني «إبن الآلهة» تحاول اليوم إختبار مدى رغبة المشاهدين الراغبين في أعمال دينية وتاريخية ذات حجم ملحمي مشاهدة هذه الأعمال داخل البيت أو على الشاشات الكبيرة. لا أحد في هوليوود يعتقد أنه من الممكن الركون إلى الرغبة في إنعاش هذا اللون من الأفلام وحدها. لكن الطريقة التي يستخدم فيها دارن أرونوفسكي المؤثرات لخلق فيضان هائل، والأسلوب الذي يسرد المخرج ريدلي سكوت فيلمه ليعاين التاريخ اليهودي من جديد سيكونان مثار إهتمام كبير على أكثر من صعيد وربما بداية تعامل متجدد لهوليوود مع المواضيع ذات الشأنين المسيحي واليهودي.


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular