أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jan 4, 2014

ملاحظات على تصوير «ذئب وول ستريت» | حين أخرج تاركوڤسكي «سولاريس»: الأرض في الإنسان | عن الصالح والطالح في ندوة السينما المرحومة


 YEAR 8 | ISSUE N. 831
ملاحظات على تصوير «ذئب وول ستريت»

محمد رُضا
سكورسيزي يشرح مشهداً: الألوان والإضاءة تعبيراً عن مرحلة حياة

يصف مدير التصوير رودريغو بريتو، الإحساس الأول عندما قابل المخرج مارتن سكورسيزي لأول مرّة قبل بدء تصوير «ذئب وول ستريت». يقول: "كنت مندهشاً، مُـثاراً وخائفاً بعض الشيء".
جرت عادة سكورسيزي الإعتماد على ألمعية مدير تصويره المفضل روبرت رتشاردسون الذي صوّر له العديد من أعماله، لكن رتشاردسون لم يكن لديه الوقت لكي يؤم تصوير فيلم سكورسيزي الجديد هذه المرّة، فاستدار سكورسيزي صوب بريتو (مدير التصوير المولود في المكسيك والذي من بين أفلامه «بروكباك ماونتن» و«بابل» و«أرغو») وجلس وإياه يبحثان الكيفية التي سيدار بها التصوير.
بالنسبة لسكورسيزي فإن نقطة الإعجاب الأولى بعمل بريتو كمنت مع مشاهدته «بروكباك ماونتن» وفي رسالة بعث بها المخرج لمجلة «أميركان سينماتوغرافرز» كتب "تصوير بريتو خفي أكثر وإضاءته طبيعية وهذا يترك إنطباعاً في اللاوعي ويخلق حيوية تضع المشاهدين في الإتجاه المقصود".
كان سكورسيزي خرج سعيداً من التجربة التي خاضها بكاميرا ديجتال أري ألكسا بالأبعاد الثلاثة خلال عمله على «هيوغو». وهو قرر تصوير هذا الفيلم الجديد بالدجيتال أيضاً. هنا نصح بريتو المخرج بأن يتيح له التصوير بأكثر من كاميرا دجيتال على سبيل التجربة وكذلك بكاميرا فيلمية: "كنت أريد مقارنة النتائج بالنسبة لخط العرض وللأوان وغير ذلك. صوّرت المشاهد ذاتها على الفيلم وعلى الدجيتال ثم عرضتهما على سكورسيزي".
سكورسيزي شاهد ما تم تصويره بالدجيتال وما تم تصويره بالفيلم وأحب النتيجة الفيلمية. والإثنان اتفقا على أن يقوم بريتو بعرض الموقف على الجهة المنتجة بعدما بات المطلوب أن يتم التصوير الرئيسي بالفيلم وبعض المشاهد التفصيلية بالدجيتال. والمنتجون وافقوا. 
السبب كما يذكر سكورسيزي لزميل لي في «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية» هو أنه وجد التصوير الفيلمي أثرى لوناً وأفضل نقلاً للبشرة. قال: "استفدنا من العالمين، صوّرنا معظم الفيلم بالكاميرا الفيلمية، والسبب أننا أبقينا على استخدام الدجيتال يعود إلى أن الميزانية رُسمت أساساً على تصوير الفيلم بأكمله دجيتال ولأن مشرف المؤثرات البصرية روب ليغاتو كان عمل حسابه على أساس أن التصوير سيتم دجيتال. 
تبعاً لما أورده الكاتب جوردان بلفورت (الذي تم إقتباس الفيلم عن سيرته الشخصية) هناك مراحل في حياته أختلط بها الوهم مع الواقع. فهو أقبل على الثراء الفاحش بسهولة وسرعة وخبر بذلك حياة من الفساد الأخلاقي والإدمان واللا مبالاة، قبل أن يعبر صوب مرحلة من النضج لاحقاً. ما أراد المخرج ومدير تصويره القيام به هنا هو التفريق، بصرياً، بين هاتين المرحلتين. والطريقة التي قاما باختيارها لفعل ذلك هي التنويع في العدسات وأساليب الإضاءة كما في طريقة إستخدام الألوان. بيترو قرأ الرواية والسيناريو وجعل من قراءته لعقل الكاتب دليلاً له فاستخدم عدسات مختلفة (من Hawk V, V-Lite وV Plus لتوفير أعماق مختلفة وواضحة. وللإيضاح يقول بريتو:
"في البداية باشرنا العمل بمنح المشاهد نظرة ناعمة وداكنة قليلاً. في تلك المرحلة لم يكن الكاتب وجد نفسه بعد. كان لا يزال حائراً لذلك إستخدمت عمقاً ضحلاً وعدسات ذات إيهام بعدم الثبات (Anamorphic lenses).
على الشاشة هناك مرحلة قريبة لاحقة نرى فيها بلفورت وقد صعد أولى درجات السلم باستلامه أول وظيفة له (في مؤسسة روثشايلد). نلاحظ أن الألوان اختلفت حيث زادت نسبة اللون الساطع والأضاءة ذات الظلال الذهبية، كما يسمّونها. وهذه استوحى فكرتها حين وجد بعض الصور المأخوذة من إحدى المؤسسات الإقتصادية ما دفعه لاستخدام مصابيح «فلوريسانت» تمنحه اللون المطلوب حين إضاءتها مخففاً بفلترات خاصّة. سنجد مثلاً أنه في المشاهد التي تدور في مكتب فلورنت، تم إستخدام عدسات من نظام 28 و35 مم أسمها V-Lite منحت الدرجة المتّسعة للمشهد مع تحريف محدد لأطرافه "لأجل إضافة قدر من عدم استقرار الشخصية".
حين تسلّق بلفورت المناصب تغيّر وضع مكتبه: "المكتب الأول قصد به ألا يكون نظيف الخامة وناصع الصورة كمشاهد مكتبه الثاني".
مثل هذه الإختلافات ستمر سريعاً على المشاهد الذي لا يبحث عنها. وهي تستمر باستمرار مراحل الشخصية صعوداً ثم هبوطاً. وإذ يتألّـف الفيلم من مراحل مختلفة فإن مدير التصوير سعى لكي يسرد الحكاية بالتوزيع اللوني والعدساتي وإعتماد أنواع مختلفة من الإضاءة في الوقت الذي كان فيه المخرج يسرد الحكاية بالسرد الروائي المعتاد. الإثنان لا يتنافران بل يؤيد كل منهما الآخر. عملياً، ما يقوم به مدير التصوير هنا هو مساعدة المخرج على ترجمة حياة شخصيته إلى بصريات ليوجز له مهمّـة الإنتقال من مرحلة إلى أخرى درامياً وعبر الحوار أو أي صيغة روائية أخرى.

مصادر:
لجانب ملاحظات الناقد هناك مقاطع من هذا الموضوع وردت في مجلة "أميركان سينماتوغرافر" المتخصصة.



فيلم | حين أخرج تاركوڤسكي خيالاً علمياً أسمه «سولاريس»
الأرض في الإنسان وفي الفضاء سيجد من يحب
محمد رُضا
سولاريس: على الأرض...٠

في مقالة نشرتها مجلة «الفيلم السوڤييتي» في العدد الثاني سنة 1972 كتبت الناقدة ڤيرا شيتوڤا متسائلة: "تاركوڤسكي- إنما هو كله من الأرض، مع حقولها وأنهرها وأشجارها وأمطارها، مع أحلك سواد حروبها مع معجزة فنها المشرقة، إنما هو كله من الأرض مع إنسانها المفعم بكل تيارات المأساوية الأرضية، سواء أكان الصبي إيفان أم الرسام أندريه روبلوف. فلماذا «سولاريس»؟".
سؤال ملح يومها لأن قيام المخرج الكبير تاركوڤسكي بتحقيق «سولاريس» أثار إستغراب عديدين من أترابه والنقاد ليس داخل ما كان أسمه «الإتحاد السوڤييتي» فقط، بل حول العالم.
كان أخرج فيلمان "واقعيان" (في مقابل الخيال- العمي) هما «طفولة إيڤان» (1962) و«أندريه روبلوڤ» (1966) وكلاهما كان بالأبيض والأسود. «سولاريس» (1972) أول فيلم له بالألوان.
لكن «سولاريس» يحمل كل ما سبقه وكل ما أثار تساؤلات الناقدة: يحمل الأرض، والأنهر والأشجار والأمطار. يحمل الهم الإنساني والبعد الإجتماعي. يحمل تاركوڤسكي بلا هوادة. يتحدّث تاركوڤسكي عن الأرض وعن السماء. عن الصواب والخطأ. عن الحب والندم. عن الحاضر والماضي وقد تلبّـس كل منهما الآخر بحيث لم يعد معروفاً. 
واحد من أسخن النقاشات التي أتذكر أنها دارت (حتى قبل أن أشاهد «سولاريس» على أساس أنه لم يتوفّـر للعرض اللبناني سوى لاحقاً وعلى نحو غير تجاري) كانت إذا ما كان «سولاريس» الرد السوڤييتي على «2001: أوديسا الفضاء». هذا الثاني لم يحققه مخرج متوسّط، بل قمّـة أخرى في عالم السينما هو ستانلي كوبريك الذي يلتقي و تاركوڤسكي في حقيقة أنه أخرج أيضاً أفلاماً قليلة وأنه من علامات السينما حينها واليوم. لكنه يختلف في أنه لا يحفل بالمطر والماء والأشجار ولا بالعناصر الوجدانية، بل ينحو لسينما تتولّى سرد الموضوع على أفضل وجه وبأسلوبه البصري المهم، في مقابل تاركوڤسكي الذي ينحو لسينما لا تسرد حكاية بل تسرد إنساناً في الحكاية.
عندما أخرج كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» سنة 1968 كان تاركوڤسكي بلا عمل. أربع سنوات بين فيلميه الأول والثاني وست سنوات بين الثاني والثالث. «كلوكوورك أورانج» لكوبريك ورد سنة 1971 ما يعني أن كوبريك حقق فيلمين في الوقت الذي كان فيه تاركوڤسكي لا يزال ينتظر موافقة الدولة على مشروعه. 
تاركوڤسكي استلهم فيلمه من رواية للكاتب البولندي ستانيسلاف لم (الذي نقلت السينما خمسة عشر رواية أخرى من أعماله إلى الشاشة) أما كوبريك فوجد في رواية الأميركي آرثر س. كلارك ضالّـته. «2001: أوديسا الفضاء» كان أول عمل نقلته السينما عن روايته- الأول من ثلاثة فقط.

وكلاهما، تاركوڤسكي وكوبريك، مارسا سلطتهما ورؤيتهما للروايتين. زوّداها بما أرادا تزويدهما به من غوص في الوجود والعدم وتحليل الحياة من الأرض وإلى الفضاء. رغم ذلك فإن الإختلافات كثيرة وبل عملاقة. أكثر من ذلك، أن تاركوڤسكي وكوبريك عمدا إلى بث صور غامضة يحتاج معها المشاهد إلى بصيرة نافذة لكي يحلل بعضاً من أبعادها. لكن غموض تاركوڤسكي يختلف إذ يفسّـر نفسه بنفسه بعد حين فإذا بك أمام حالة وجدانية عاطفية. بطل الفيلم يكتشف أنه مسؤول. أن حالات الخطر المتمثّـلة في الفضاء إنما بدأت على الأرض. 
الأرض مهمّـة عند تاركوڤسكي كما يجب أن تكون في كل فيلم يتحدّث عنها. لا تفكّـر بأفلام الخيال العلمي التي تقترح بديلاً للأرض أو تلك التي تعتبرها معسكراً أو معقلاً لابد من الدفاع عنه أو الهجوم عليه. «سولاريس» يحفل بالأرض. نصف ساعة أولى كلّـها عنها وعن ذلك العالم الذي يزور والده بعدما تلقّـى طلباً للإلتحاق بمركبة فضائية حيث سيكون عليه التحقيق في حالة غريبة. على الأرض يكمن كل شيء. في الفضاء لا شيء. تكاد تعتقد أن دوناتاس بانيونيس الذي يلعب دور ذلك العالم، هو تاركوڤسكي نفسه لأنك تفهم ما يعنيه حين ينظر بحزن وبتأمّـل إلى المطر وإلى الماء على الأرض وأوراق الشجر. 
هذه العناصر الطبيعية ليست لأجل إمتاع النظر. هي طبعاً جميلة في كل حالاتها، لكنها ليست «بوست كاردس» ترسلها وتتلقاها، بل هي ثروة الأرض التي حين يصعد الفيلم ونصعد معه إلى المحيط المظلم المسمّـى بـ «الفضاء» لا نستطيع أن نأخذها معنا. سنفتقدها، كمشاهدين وكمشاركين. هي هناك على بعد شاسع ونحن الآن هنا. حولنا تقنيات مصنوعة ليس منها ما يوازي الصنعة الربّانية حين خلق غصناً أو نقطة ماء.
و«سولاريس» في الفضاء...

كريس مهموم من البداية. لقد وافق على المهمّـة الفضائية، لكنه لا يشعر بالرغبة بها. يتباحث وأحد زملائه موضوع المركبة الكامنة فوق محيط سولاريس الفضائي. يلتقي بأبيه الذي لا يعتقد أنه سيعيش حتى يعود إليه.
في الفضاء نوعان من الناس: كريس (بانيونيس) الذي لم يترك الأرض في نفسه، وضيوف المركبة (ثلاث شخصيات) التي لا تعرف الأرض كما يعرفها (وكما رأيناه يعرفها). لكن كريس عالم في مهمّـة وهو يواجه تصرّفات غامضة من ملاحين فوق السفينة الفضائية الشاسعة. كلاهما يتحاشيان الحديث إليه قدر الإمكان. قبل وصوله كان رئيس الملاحين انتحر. فجأة تظهر هاري (ناتاليا بوندارتشوك) وظهورها يفاجئه، فهي زوجته- أو هكذا تبدو. لكن زوجته إنتحرت قبل عشر سنوات. عوض أن يحاول فهم ما جرى يقوم بطردها. يضعها في كبسولة ويبعث بها إلى الفضاء. ليس سعيداً بذلك بل يشعر بالندم، لذلك حين تعود للمرّة الثانية إستقباله لها أفضل. يتبيّـن له أن الفضاء الحي حوله بإمكانه صنع إنسان ميّـت وبث الحياة فيه بإستخدام مكوّنات الصورة الذهنية التي لا تزال تعيش في عقل الإنسان الحي. يالها من فكرة!



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


4 comments:

  1. أين حصاد العام؟ الأفضل والأسوء في عام مضى, كما عودتنا كل نهاية عام.

    ReplyDelete
    Replies
    1. موجود في الصفحات العليا تحت عنوان «العام الذي مضى». هل هناك طلب محدد تريد مني إضافته؟

      Delete
  2. اعتقد ان قرار عودتك عن اعتزال الموقع قرار سليم مية المية . خلاص بقه... ما تخضناش كده كل شوية
    مصطفى حمدي عبد المجيد

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكراً لك. الحمد لله جت سليمة

      Delete

Disqus Shortname

Comments system