أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jan 10, 2014

سينما الأخوين كووَن | وجوه السينما اللبنانية الجديدة | عشرة مخرجين في موسم الجوائز



Year 8 | Issue 833
مخرج وفيلم
الشخصيات الغريبة للأخوين كووَن قلقة وطموحة ومعزولة في وقت واحد
الأخوان كووَن من بين أكثر مخرجي السينما 
الأميركية إثارة للجدل وهما بالتأكيد أنجح 
في معالجات من معالجات أخرى.

محمد رُضــا

أحد أكثر الأفلام إحتفاءاً هذا العام هو «داخل ليووَن ديفيز» وذلك منذ عرضه في مهرجان كان الفرنسي ربيع العام 2013 وإلى اليوم حيث هو معزّز بترشيحات النقاد والغولدن غلوبس و-بلا ريب- سيكون أحد الأفلام التي سيعلن ترشيحها رسمياً إلى الأوسكار بعد نحو شهر من الآن
«داخل ليووَن ديفيز» عمل جيّد جداً على أكثر من مستوى، وفي المقدّمة مستوى تعامل المخرجين الشقيقين مع الشخصية الرئيسية التي هي ترداد معيّـن لشخصياتهما الأخرى في أكثر من فيلم سابق لهما.
Inside Llweyn Davis

شخصيات الأجوين إيتان وجووَل كووَن المتكررة في أفلامهما، هي لتلك المهزوزة وذات الخطوات غير الواثقة في الحياة. أحياناً هي الشخصيات التي يصح القول عنها إنها «همشرية». ليست هامشية أو مهمّـشة حتى ولو لم تكن في الصدارة أو فوق عادية، ولا يهتم الأخوين كووَن لهذه الميزة أساساً لأنها تتطلب كتابات مختلفة. ما يهمهما أن هذه الشخصيات تتعامل عادة مع دواخلها ولا تستطيع دخولها. لا تعرف ما تريد ولا هي واثقة من أن المجتمع الذي تعيش فيه سيؤمن لها ما تبحث عنه حتى إذا ما عرفته تحديداً.
هذا المنوال من الشخصيات نجده في تلك التي لعبها جون تورتورو في «بارتون فينك» (1991) وفي تلك التي أدّاها تيم روبنز في «هدساكر بروكسي» (1994) وجف بردجز في «ليبوڤسكي الكبير» (1998) وهو الدور الذي جسّـده مايكل ستولبيرغ في «رجل جاد» (2010) كما هو في شخص ليووَن ديفيز في فيلمهما الحالي «داخل ليووَن ديفيز» كما يؤديه أوسكار أيزاك.
هذا ممارس في نحو نصف الأعمال التي يكتبانها وينتجانها ويخرجانها معاً حتى حينما يتولّى أحدهما بعض الجوانب ويتولى الثاني جوانب أخرى. النصف الثاني متنوّع. شخصياته مختلفة فيها أحياناً نتفاً من شخصيات أخرى بعضها في أفلامهما والبعض الآخر مستوحى. هذا واضح في «تربية أريزونا» (1984) و«عبور ميلر» (1990) و«فارغو» (1996) و«أيها الأخ، أين أنت؟» و«قسوة بالغة» (2003) و«قتلة السيّدات» (2004) ثم «لا بلد للمسنين» (2007) و«أحرق بعد القراءة» (2008) و«عزم حقيقي» (2010).

الحي والميت

وُلد جووَل في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوڤمبر سنة 1954 وولد إيثان في الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر سنة 1957 وترعرعا في ضواحي مدينة مينيابوليس. يتولّـى المراجعون القول بأنهما أحبّـا السينما منذ الصغر. جووَل اشترى كاميرا سوبر 8 ومعاً انطلقاً يصوّران أفلاماً يستمدان قصصها مما شاهداه على شاشة التلفزيون. في العام 1981 اشتغل جووَل مساعد مونتاج في فيلم سام ريمي The Evil Dead وبعد ذلك بثلاثة أعوام حققا فيلمهما الروائي الطويل الأول «دم بسيط» Blood Simple
هذا إختصار لتاريخ شخصين لا يخرج عن كونه عادياً في مطلق الظروف. لكن الموهبة التي أبدياها لاحقاً لا يمكن نكرانها. بل حتى منذ فيلمهما الأول سنة 1984 عكسا ذلك القدر المناسب من الإلمام ليس بالكيفية فقط بل بالإحتياجات الإنتاجية لتكوين الصورة المناسبة للفيلم الواحد.
أفلامهما متعددة لا في القصص وحدها بل في الأنواع وفي المكان وأحياناً كثيرة في الزمان. وعلى سبيل المثال فقط فإن «دم بسيط» فيلم نوار تكساسي، «بارتون فينك» كوميدي داكن تقع أحداثه في لوس أنجيليس الخمسينات، «نشأة أريزونا» كوميدي آخر من نفس النبرة الداكنة تقع أحداثه في أريزونا و«فارغو» بوليسي تقع أحداثه في بلدة فارغو في ولاية نورث كارولاينا. لكن إذا ما كان هناك موضوع جامع بين الأفلام جميعاً، فهي تلك الدكانة التي تطغى على الأماكن والأجواء والأحداث والشخصيات بعضها على بعض.
شخصيات الأخوين كونها مبنية على هذا الأساس توفّـر بعداً من العدمية. رجل القانون في «لا بلد للمسنين» (تومي لي جونز) والقاتل الطليق (جافييه بارنام) وجهان لعملة واحدة في هذا الإطار. لا الأول في صدد بناء عالم بلا جريمة ولا الثاني لديه أي احتمال لأن يعي مغـّبة ما يقوم به فيقلع عنه. في «دم بسيط» التحري المخادع (م. إيمَـت وولش) ولا الزوج (دان هدايا) الذي يريد التخلّص من زوجته (فرنسيس مكدورماند- زوجة جووَل كووَن الفعلية) شخصيّـتان تصلحان للإحتذاء بأي منهما ولا الزوجة في هذا الفيلم المبني على شك الزوج، الذي يملك الحانة، بخيانة زوجته مع مدير عمله، أكثر من انعطاف جديد في الحكاية التقليدية حول الزوج الذي يستأجر تحر خاص وقاتل للتخلص من زوجته وعشيقها على عكس أغنية «ذا فور توبس» التي نسمعها في الختامات (كما في مشهد تنظيف العشيق لمسرح الجريمة بعد إكتشافه مقتل رئيسه معتقداً أن الزوجة هي القاتلة) والمعنونة «إنها الأغنية القديمة ذاتها» It's the same old song لأن من  يحيا ومن يموت هو أمر آخر يتدخّـل فيه الأخوين عنوة. لذلك وبينما يبنيان حكايات جديدة النوع ومتعوب على سيناريوهاتها، يميلان إلى استخدام شخصيات يجعلانها عرضة للسخرية (وأحياناً للكراهية أو عدم الإحترام كما حال الشخصيتين الرئيسيّتين في «قسوة لا تطاق» (2003)  وليس منها من هو إيجابي. حتى تلك المحتارة والقلقة والمسكينة في «بارتون فينك» و«رجل جاد» و«داخل ليوتن ديفيز» يوفّـر لها الأخوين عوامل إدانة من صميم ما يخالجها من لا يقين

النوع الطاغي
جزء من المشكلة هنا هي ميل الأخوين إلى صنع شخصياتهما من خيالهما وليس من الواقع ما يكشف أن علاقتهما الإجتماعية والوجدانية مع العالم المحيط (مع البشر في هذا العالم تحديداً) ضيّـقة ومنطوية (كحال بعض أبطاله مثل جون تورتورو في «بارتون فينك» وجف بردجز في «ليبوڤسكي الكبير» أو جافييه باردام في «لا بلد للمسنين»). في حين أن عدم الإستعانة بشخصيات واقعية مسألة تحتّـم استخدام شخصيات يمكن إجبارها على التصرّف حسب الرغبات الخاصّـة للأخوين كووَن، إلا أن الحسنة هنا هي وجود شخصيات مثيرة للإهتمام حتى وإن لم تثر الإعجاب.
O Brother, Where Art Thou 

Fargo

في الواقع لا يقدّم المخرجان أي شخصية يمكن أن تثير الإعجاب ومراجعة أعمالهما كافّـة تؤكد ذلك. وذلك بإستثناء محدود لشخصية فرنسيس مكدورماند في «فارغو» (حكاية شريف بلدة إمرأة عنيدة في متابعة تحقيقها حول ألاعيب بائع سيارات استأجر قاتلين لخطف زوجته) وليس- مثلاً- في «أحرق بعد القراءة» (إمرأة لديها وثائق سريّـة تقوم بتسريبها إلى مسؤولين في السفارة الروسية).
لا عجب إذاً أن أفلامهما حتى الآن (تسعة عشر عملاً روائياً) تخلو من سيرة حياة. والغالب أنهما سوف لن يقبلا على هذا النوع من الأعمال مطلقاً
هذا ما يقودنا إلى سينما الأنواع التي عمد إليها الأخوين كووَن إلى اليوم مع العلم أن تقييم كل فيلم على حدة، وبعد الإلمام بما يجمعها من إمارات وملامح، سيكشف عن أنها ليست متساوية نوعياً وكأعمال فنيّـة.
النوع الطاغي هو النوع البوليسي وتحت مظلّـته نجد أنماطاً أصغر «دم بسيط» (فيلم نوارو«عبور ميلر» (غانغستر» فـ «فارغو» (جريمة بوليسية)، و«الرجل الذي لم يكن هناك» (جريمةو«لا بلد للمسنين» (فيلم نوار حديث)، «أحرق بعد القراءة» (تشويق عام). 
النوع التالي كوميدي ساخر وبعضاً منه نافذ إلى كل ما سبق كنبرة داخلية. وهذا النوع نجده في «نشأة أريزونا» و«بارتون فينك» (عن هوليوود) و«رئيس هدسكر» (عن المؤسسة) و«ليبوڤسكي الكبير» (عن شخصية لا مكان لها في المجتمع السائد) ثم «أيها الأخ، أين أنت» (سجناء هاربون) و«قسوة بالغة» (كوميديا إجتماعية) و«قتلة السيدة» (كوميديا بوليسية) و«أحرق بعد القراءة» (كوميديا جاسوسية) و«رجل جاد» (سخرية من الشخصية اليهودية علماً بأنهما يهوديان).
الفيلمان الباقيان من هذا الجمع هما «عزم حقيقي» (2010) و«داخل ليووَن ديفيز» (2013). الأول وسترن والثاني أكثر جدّية في الحديث عن الحلم الأميركي الذي لا يمكن تحقيقهليس مع شخصيات من تلك التي يبتكرها المخرجان.

عالم للصغار
القول بأنهما أخرجا أفلاماً كوميدية لا يعني أنهما أخرجا أفلاماً للضحك. المرء لا يضحك كثيراً في أي من تلك المواقف التي يحشدانها في «قتلة السيدة» أو «أحرق بعد القراءة» أو «قسوة لا تطاق». من ناحية تسليتهما مشروطة ومن أخرى تمتزج القسوة والدكانة والسخرية من الشخصيات ومما تتعرّض إليه بحيث تجعل الضحك البريء صعباً إن لم يكن مستحيلاً
معظم ما حققه المخرجان من أفلام هي من كتابتهما معاً (في «رئيس هدسكر» بالمشاركة مع المخرج سام رايمي) لكن هناك اقتباسان روائيان هما «لا بلد للمسنين» المأخوذ عن رواية لكورماك مكارثي و«عبور ميلر» المقتبس عن روايتين لداشيل هاميت هما «حصاد أحمر» و«مفتاح زجاجي». الرواية الثانية كان أخرجها فرانك تاتل فيلماً من بطولة جورج رافت سنة 1934 وأعاد بعثها إلى الشاشة ستيوارت هايسلر سنة 1942 من بطولة ألان لاد.
فيلمان من مجموعة أعمال كووَن هما إعادة صنع لفيلمين سابقين وهما «قتلة السيّدة» المنقول، بتصرّف، عن «قتلة السيّدة» كما أخرجه ألكسندر ماكندرك سنة 1955 (من بطولة أليك غينس وهربرت لوم وبيتر سلرز وسيسيل باركر من بين آخرين) والثاني «عزم حقيقي» True Grit المأخوذ عن فيلم وسترن شهير لهنري هاذاواي (1969). والأصل أفضل من النسخة الجديدة لكلي الفيلمين.   
لكن ذلك لا يعني أن عوالهما ليست مشيّدة بناءاً على معطيات أدبية أو فنيّـة. «دم بسيط» يحمل في جوانبه عالم الكاتب البوليسي جيمس و«عزم حقيقي» هو وسترن يقترب من التقليدي، وفي «رئيس هدسكر» ملامح من سينما برستون ستيرجز الإجتماعية
كل هذه الأفلام لا تتساوى فناً ومن منطلقات نقدية مع بعضها البعض
يخسر المخرجان أميالاً عدّة عندما يطئان أرض مدينة كبيرة كحال «رئيس هدسكر» و«قسوة لا تطاق». هما أنجح حين يؤمّـان عالماً ريفياً في بلدات صغيرة كما الحال في «فارغو» أو «لا بلد للمسنين» أو «دم بسيط». حتى «بارتون فينك» أفضل من «ليوفسكي الكبير» وكلاهما يدور في مدينة لوس أنجيليس لكنها لوس أنجيليس الأربعينات في الأول: أصغر، أبسط، أكثر طواعية لعالم مصنوع (وليس واقعياً) بشخصياته الخارجة من الورق.
شخصيات آل كووَن شخصيات حالمة ومحبطة حتى قبل إخفاقها: بارتون فينك (تورتورو) كاتب سيناريو غير معروف موعود فجأة بالشهرة التي لا تتحقق. ليبوفسكي (جف بردجز) شخص يعيش أوهامه منعزلاً إلى أن يكتشف أنه محط خطأ في الهوية ما يجعله مهدد بالقتل. الشريفان  إد توم (تومي لي جونز) في «لا بلد للمسنين» ومارج (فرنسيس مكدورماند) في «فارغو» رجلا قانون ليس لديهما خيار ولا وهم بالإنجاز. وأبطال «دم بسيط» و«الرجل الذي لم يكن هناك» و«يا أخ، أين أنت؟» و «أحرق بعد القراءة» مخدوعون لا ينجزون ما يحلمون به خيراً أو شرّاً
هذا ما يعيدنا إلى كنه هذه الشخصيات الحائرة والقلقة وغير الواثقة. نسبة إلى المخرجين في بعض تصاريحهما، هذه الشخصيات مفضّـلة لأنها أكثر «حقيقية» من شخصيات هوليوود المعتادة. لا بطولة في شخصيات كووَن صغيرة أو كبيرة لأن المفهوم غير صحيح في الأصل. تفسير لا يمكن سوى إحترامه مع الحذر منه في الوقت ذاته. فمعاداة النمط الهوليوودي قد يمضي في سبيل توفير شخصيات لا تعمل بالضرورة ضمن المنطق. لكن ما يحتاجه إيثان وجووَل كووَن هو بالتحديد هذا المضي لتعزيز شخصيات لا تنتمي إلى السائد (في الوقت الذي قاما به بتحقيق أفلام أريد لها أن تكون جماهيرية بحتة مثل «عزم حقيقي» و«قتلة السيّدة» و-خصوصاً- «قسوة لا تطاق».
في إطار الشخصيات المخفقة يأتي فيلمهما الأخير «داخل لووَن ديفيز» حول مغني غيتار منفرد في مطلع الستينات، وللون غنائي أميركي معروف بإسم «كانتري أند وسترن». ليس نجماً ولا حتى مطرباً معروفاً على نطاق معيّـن، بل ساعياً يتخبّـط بين ما هو وهم وما هو واقع. وهو ليس على وتيرة مسالمة مع الآخرين، بل يتسبب دائماً في إزعاجهم ولو أنه لا يعرف ذلك معرفة وثيقة. كل ما يعرفه أن لديه رأياً فوقياً حين يصل الأمر إلى وضع الآخرين حياله ووضعه في المجتمع الذي يضن عليه، تبعاً لتفكيره على الأقل، بالفرص. هذه الشخصية هي أقرب إلى شخصيّتي كووَن السينمائية على الأقل، علماً بأن ما هو سينمائي منسوج مما هو شخصي.
كووَن كثيراً ما يضعا البطل ضد النظام لكنه سوف لن ينتصر لأن النظام أقوى.
الكاتب جون تورتورو ضد المنتج مايكل لرنر في «بارتون فينك».
الخريج الجديد تيم روبنز ضد مسؤول المؤسسة الإقتصادية بول نيومان في «رئيس هدسكر».
مايكل شتولبيرغ ضد المؤسسة الدينية في «رجل جاد» (مصطلح يعني بالعبرية «يهودي مؤمن»)  والمؤسسة المدرسية في بلدته الصغيرة.
وسنجد أن عدداً من شخصيات الأخوين كووَن الأخرى ضد كل شيء مؤسس مسبقاً. بكلمات أخرى، عالم يصنعه الأخوين كووَن يحاول أن يكون بديلاً لعالم موجود ويخفق.

سينما من...
وجوه السينما الجديدة في لبنان
هناك موجة جديدة من المخرجين في

السينما اللبنانية تنطلق من شبه عدم 
مزوّدة فقط بالتصميم على خوض المعترك الإبداعي.


نديم جرجوره
لعلّ المقولة المتداولة في الوسط السينمائي اللبناني منذ أعوام قليلة لا تزال صالحة وحيوية: هناك مخرجون لبنانيون شباب يصنعون أفلاماً يُمكن اعتبارها بمثابة إضافة نوعية إلى البناء الإبداعي السليم. مقولة مُترجمة بأفعال حيّة، أي بأفلام تستحقّ المُشاهدة الدقيقة أولاً، لكنها تستحقّ نقاشاً مفتوحاّ على الاحتمالات كلّها ثانياً. الفعل العمليّ واضحٌ بفضل مزاياه الجمالية: مواضيع حسّاسة ومهمّة ودقيقة. معالجات سينمائية تضع الصورة ولغتها في واجهة العمل، من دون التخلّي عن القراءة الدرامية للمواد المختارة. محاولات جدّية لصانعي الفيلم الوثائقي بهدف بلورة خطابه الجمالي والسينمائي، وتحريره من تقنية الريبورتاج التلفزيوني والنضالي الجماعي
وينن؟

التوقّـف عند النتاج السينمائي الشبابيّ لا ينحصر بالأعمال الخاصّة بمتخرّجي الجامعات. هناك شبابٌ أنجزوا «الفيلم الأول» أو «الفيلم الثاني» بعد مثابرات ومحاولات متفرّقة، كشف (الفيلم الأول أو الثاني، أو الأول والثاني معاً) وجود نواة جمالية مهمّة، قابلة لتطوير أدواتها في الاتجاه الصحيح، إذا ارتأى صاحبها استكمال بداياته بما هو أفضل وأحسن وأجمل. هذا كلّه منسحبٌ على الأنواع المختلفة: الروائي الطويل والقصير، كما على الوثائقي. ففي الأسابيع القليلة الواقعة قبيل نهاية العام 2013 تحديداً، عُرضت مجموعة من الأفلام اللبنانية القابلة لنقاش تحليلي خارج إطار «العرض التجاريّ المحليّ»، علماً أن أحدها سيُعرض تجارياً بدءاً من 23 كانون الثاني 2014، وهو روائي طويل لمحمود حجيج بعنوان: «طالع نازل». 

ثاني هذه الأفلام روائي طويل أيضاً أنجزته مجموعة من طلاّب «جامعة سيّدة اللويزة» في تجربة أولى في مجال الإخراج الجماعي، وهو بعنوان: «وينن» (يُـتوقّع إطلاق عرضه التجاري في نيسان 2014). إليهما، هناك الوثائقي الطويل الأول لديالا قشمر بعنوان: «أرق»، وثلاثة أفلام قصيرة: الروائيان «عكر» لتوفيق خريش و«7 ساعات» لفرح الهاشم، والوثائقي التجريبي المغاير للسائد «الارتباك» لعلي شري
الاختلاف المتنوّع حاضرٌ بين الأفلام كلّـها. باستثناء الفيلم الجماعي، كل واحد من الأفلام الأخرى حمل في طياته أبعاداً جمالية متنوّعة. «وينن»، الذي أخرجه طارق قرقماز وزينة مكي وجاد بيروتي وكريستال اغنيادس وسليم الهبر وماريا عبد الكريم وناجي بشارة، وقع بين فكّي كماشة: الأول إيجابي، متمثّل باختياره مادة لا تزال حيوية في الاجتماع اللبناني وهي مسألة المخطوفين والمفقودين. الثاني سلبي، متمثّل بأسلوب المعالجة البصرية والدرامية. المتتاليات البصرية المعقودة على مجموعة قصص يُكتَشف لاحقاً أنها متكاملة لم تتوطّد في سياق درامي متكامل. كل متتالية بدت كأنها مستقلّة بحدّ ذاتها، وهذا أمر حسن بالمبدأ، لكنها محتاجة إلى خط درامي يربطها في سياق واحد متكامل. غير أن المضمون مُـسطّح، بل عاديّ للغاية، ومليء بالندب والبكائيات، ولا يُـقدّم جديداً لا على مستوى التحليل النفسي لأهالي المخطوفين/ المفقودين، ولا على مستوى الصراعات الداخلية، ولا على مستوى البُعد الاجتماعي/ السياسي/ الإعلامي للمسألة، ولا على مستوى الجماليات السينمائية
الأسماء التمثيلية كثيرة: أنطوان ولطيفة ملتقى، كارول عبود، كارمن لبّس، تقلا شمعون، ندى بو فرحات، طلال الجردي، ديامون بو عبّود، إيلي متري، رودريغ سليمان. فصول/ مقتطفات من الوجع والقهر والمواجهة. فصول/ مقتطفات من الألم والرغبة في الخلاص والصراخ من أجل كشف الحقيقة ومعرفة المآل التي بلغها هؤلاء المخطوفون/ المفقودون. لكنّ المضمون عادي للغاية، وتجربة الإخراج الجماعي محتاجة إلى براعة المخيّلة والإدارة الفنية في صنعها. أي أن القيمة الإنسانية للنصّ المكتوب لم تعثر على ترجمة بصرية تتوازن وإياه على المستوى الجمالي.
النقيض الروائي الطويل المباشر له كامنٌ في «طالع نازل». أساساً، لا تجوز المقارنة. «وينن» ثمرة عمل جماعي لطلاّب جامعيين. «طالع نازل» محطة في مسيرة مخرج ملتزم خطّاً تجديدياً في سينما تجريبية تستمدّ من الواقع الاجتماعي مادتها الاختبارية في استخدام الصورة واللغة البصرية والمونتاج والتفاصيل. عيادة نفسية، ومصابون باضطرابات نفسية يأتونها في اليوم الأخير من السنة، وتفكيك بيئة وذوات وحكايات إنسانية متنوّعة. أحد ممثلي الفيلم هو كميل سلامة في دور الطبيب/ المُعالج النفسي. إنها تجربته السينمائية الأولى، وإن أُطلقت العروض التجارية لفيلمه الثاني «غدي» لأمين درة أولاً. كميل سلامة مثّل أيضاً في «عكر» لخريش: الأب المتسلّط والقامع، والتمزّق العائلي والانهيارات النفسية، والهجرة المتحرّرة من سلطة الأب وبشاعة الحرب، أمورٌ انكشفت مع عودة الابن وعائلته إلى البلد، ولقاء الوالد الواقف على حافة الغياب، أو فيها. اشتغال سينمائي متماسك في رسم ملامح أناس محطّمين، وفي سرد حكاية الوجع الفردي في مقاربة ذكريات وحالات. العودة إلى البلد هنا تُقابلها عودة فرح الهاشم إلى بيروت في «7 ساعات». هذه مدّة زمنية متعلّقة بالمسافة بين لبنان وأميركا. بيروت وشارع الحمرا وحضور المخرجة في الدور الأول عناوين تعكس شيئاً من حيوية الارتباط العاطفي والانفعالي والإنساني للهاشم بمدينتها هذه. علي شرّي في «الارتباك» مهموم بتاريخ الزلازل في لبنان، بقدر ما هو مهموم بلعبة السينما التجريبية، المرتكزة على إبراز قوة الصورة وجمالياتها في التنقيب داخل الهواجس والأسئلة. السرد العلمي جزء من تلك اللعبة، أو مدخل إليها. شرّي «متورّط» جمالياً بابتكار صُور سينمائية مفتوحة على مزيج الغرائبي بالواقعي. صُوره مشحونة بنقاء نصّ سينمائي مفتوح على احتمالات شتّى، وقادر على إثارة العين ببهجة الانفتاح على ما هو وراء الصُور وفيها.
أرق

«أرق» حالة خاصّة بالمشهد السينمائي اللبناني الراهن. الوثائقي المتوغّل في بيئة اجتماعية داخل بيروت، يتابع مسارات شباب منتمين إلى الطائفة الشيعية، ومقيمين في «حي اللجا». إنهم شهود على وقائع لبنانية ممتدة من الاجتماعي ـ المذهبي الخاص بهم، إلى السياسي ـ الأمني المتعلّق بالوضع اللبناني أيضاً، من دون تناسي حكاياتهم الفردية الصغيرة التي هي أهمّ وأرقى من أي شيء آخر: الرغبة في الخروج من نفق حياة يومية مثقلة بألف ألم وسؤال معلّق. الاشتغال السينمائي متكامل في جوانبه: البحث العميق والمتابعة اليومية السابقة على تحقيق الفيلم واضحان تماماً في كيفية نبش ما يعتمل في نفوس الشباب وأرواحهم وهواجسهم. المونتاج امتدادٌ لقسوة حكاياتهم ومساراتهم. محاورتهم معاً أو كل واحد على حدة استكمال سينمائي للصورة الأساسية للبيئة وناسها.
هذه نماذج تعكس شيئاً من حيوية العمل السينمائي اللبناني وتنوّعه. التنوّع مفيد. التناقض بين النتاجات، سينمائياً ودرامياً وجمالياً، ضروريّ. الأهم كامنٌ في إتاحة الفرص المناسبة لهذه الأفلام لعرضها تجارياً، ولمناقشتها أيضاً.


صانعو السينما...
عشرة مخرجين  في موسم الجوائز 
تتحدّث السينما اليوم عن عدد من المخرجين

الذين أنجزوا ما هو مثير أو متميّـز، أو رائع. هنا 
عشرة منهم يتحلّقون حول جوائز الموسم 
وبينها الأوسكار.

1
هاني أبو أسعد
عن: عمر
لماذا؟: حين يحقق أبو أسعد فيلمه الفلسطيني (كما فعل حين أخرج «الجنّـة الآن» أو كما يفعل في فيلمه الجديد «عمر») يأخذ بعين الإعتبار جرأة الموضوع واعتباراته السياسية والجماهيرية ما يجعل كثيرين من النقاد والسينمائيين يتجاوبون معه.
بزنس: لا يزال إسماً جديداً لأكثر من سبب، بينها التباعد بين أفلامه وعدم رغبته في التنازل
يستحق…: طبعاً. فلسطين كلها تستحق.
… ولكن: إحتمال أن ينجز النقلة من الفيلم الجيد إلى فيلم الأوسكار ينتظر نتيجة التصويت.
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم:   ***1/2

2
جي. س. شاندور J. C. Chandor
عن: كل شيء ضاع  All is Lost
لماذا؟: فيلمان مذهلان إلى الآن بتوقيع هذا المخرج، «نداء هامشي» و«كل شيء ضاع».
بزنس: حتى الآن فضّـل النوعية على النجاح التجاري.
يستحق…: نعم
… ولكن: لم يقع كل النقاد في هواه بعد، ولا كل السينمائيين. 
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****

3
الأخوان كووَن  Joel and Ethan Cown
عن: داخل ليووَن ديفيز   Inside Llweyn Davis
لماذا؟:  ينجحان حين يحققان أعمالاً ذاتية كهذا الفيلم.
بزنس: ليسا من أهل النجاح التجاري
يستحق…: هذا العام عن هذا الفيلم نعم
… ولكن: الفيلم ليس هوليوودياً ما قد يقف في طريق استحواذه ما يكفي من الأصوات. 
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****

4
بول غرينغراس  Paul Greengrass
عن: كابتن فيليبس   Captain Phillips 
لماذا؟:  يبرهن على التوازن في التعامل بين ما هو تقني وما هو مشوّق وما هو دراما وشخصيات.
بزنس: مطلوب في هوليوود 
يستحق… الفيلم أفضل مما يود البعض الإعتراف.
… ولكن: جرت العادة تفضيل الأفلام غير التشويقية 
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****
5
سبايك جونز  Spike Jonze

عن:    Her
لماذا؟: نال إقبالاً جامحاً من النقاد
بزنس: غير معروف على نطاق واسع.
يستحق…: لم أشاهد الفيلم بعد لكن تبعاً لـ 35 ناقدا احتشدوا له ربما.
… ولكن: …… لماذا لم ينل بعد جوائز المناسبات السابقة للأوسكار؟
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: …..

6
ديفيد أوراسل  David O'Russellعن: نصب أميركي   American Hustle 
لماذا؟:  أوراسل هو صديق الجوائز منذ سنوات عندما حقق «ثلاثة ملوك» ولاحقاً «المقاتل».
بزنس: لديه سمعة جيّدة في هوليوود كمخرج أفلام هادفة وناجحة جماهيرياً 
يستحق… نعم.
… ولكن:  هناك آخرون يستحقون أكثر
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم:  ***
7
ألكسندر باين  Alexander Payne

عن: نبراسكا   Neberaska 
لماذا؟:  أحد القلّـة المواظبة على تحقيق أفلام مستقلة المعالجة والمواضيع.
بزنس: لديه جمهور ولو بحدود 
يستحق… شخصياً نعم.
… ولكن:  الفيلم ليس أفضل أعماله حقاً. 
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****
8
ألفونسو كوارون  Alfonso Quaron

عن:  جاذبية   Gravity 
لماذا؟:  يقدّم إضافة مزدوجة: لنفسه كمخرج ولسينما الخيال العلمي.
بزنس: هذا أكبر نجاح عالمي له.
يستحق…: هذا ليس بالفيلم الذي تطلب إدارة درامية
… ولكن: سيحصد عدداً من الجوائز التقنية أساساً.
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****




9
مارتن سكورسيزي   Martin Scorsese

عن: ذئب وول ستريت   The Wolf of Wall Street 
لماذا؟:  لدى سكورسيزي حضور شبه سنوي وقيمة معنوية ومادية كبيرة.
بزنس: مع ستيفن سبيلبرغ الأكثر إنشغالاً من بين كل جيله (لوكاس المعتزل وكوبولا المبتعد، دي بالما المنتهي…).
يستحق… دائماً
… ولكن:  لم يحصد الفيلم ما يكفي من إعجاب النقاد. هل هذه علامة؟
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: لم أشاهد الفيلم بعد.


10
باولو سورنتينو  Paolo Sorrentino

عن: الجمال العظيم   La Grande Bellezza 
لماذا؟:  يبني هذا المخرج الإيطالي مستقبله بهذا العمل.
بزنس: غير معروف.
يستحق… ليست المسألة إذا ما كان يستحق أم لا...
… ولكن: لأن القرار لسواه وقد يحصل فيلمه على غولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي، لكنه استبعد من الأوسكارات تماماً.
تقييم "ظلال وأشباح" للفيلم: ****




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system