Jan 18, 2014

أفضل 25 لهوڤيك حبشيان | يوسف شاهين، توفيق صالح، صلاح أبوسيف، نجيب محفوظ وآخرون | مجدي أحمد علي | صندانس



في هذا العدد: 
محمود الغيطاني:  دراسة خاصّة بـ "ظلال وأشباح" حول فيلم "أسرار البنات" محمد رُضـا: صياغة البطل العربيهوڤيك حبشيان: سينما 2013 في الميزان  ليث عبدالكريم: فيلم «سجناء»  مهرجان صندانس. 
Year 8 | Issue 834

صياغة البطل (1)
البطل العربي الحاضر والمفقود

محمد رُضــا
الأرض

"كنت أفكر بنا أيضاً. بشعبنا يعيش كالخنازير بينما التربة الثرية قاحلة. أو ربما (عن) فرد واحد يملك ملايين الفدادين ومئات ألوف المزارعين يتضوّرون جوعاً. وكنت أتعجب لو أن كل أترابنا تجمعوا معنا وصاحوا…"
"لا. سيسحلونك ويقزمونك كما فعلوا مع سواك".
"لا يا أمي. بما أني معتبر شخصاً خارجاً عن القانون على أي حال، ربما أستطيع أن أفعل شيئاً. ربما كان هناك ما أفعله. لم أفكّـر بعد بالموضوع مليّـاً ولا أعرف كفاية".
….
"لا يهم بعد ذلك. سأكون (بعد موتي) في الجوار في اللام. سأكون في كل مكان. أينما نظرت. حيث هناك قتال لأجل أن يأكل الجائعون. سأكون هناك. حيثما يكون هناك شرطياً يضرب فتى، سأكون هناك. سأكون موجوداً عندما يتعالى صراخ الناس، عندما يضحك الأولاد عندما يحضر العشاء وهم جوعى.  وعندما يأكل الناس ما زرعوه ويعيشون في البيوت التي بنوها- سأكون هناك أيضاً"

"الأثرياء يأتون ويموتون، وأولادهم العاقون يأتون ويموتون. لكننا نواصل القدوم. نحن الشعب الذي يعيش. لا يستطيعون مسحنا، لا يستطيعون لحسنا… لأننا نحن الشعب".

هذه الكلمات الثورية ليست من فيلم بروبوغاندا من الحقبة الشيوعية، ولا هي من أفلام الريف المصرية وبالتأكيد لم ترد لا في «الأرض» ليوسف شاهين ولا في أي من الأفلام الريفية التي وقف فيها فريد شوقي مدافعاً عن «عرق الفلاحين». بل هي وردت في فيلم «عنب الغضب» The Grapes of Wrath [جون فورد- 1940] نقلاً عما وضعه الأديب جون شتاينبك في روايته تحت العنوان نفسه. لا فورد ولا شتاينبك كانت له ميول يسارية. الأول متعصّـب للجنس الأيرلندي في أفلامه التي نالت من الهنود الحمر طويلاً وصاغت غرباً أميركياً "حضارياً" جديداً، والثاني كان إنسانياً في ملامح أعماله.
لكن المنشود هنا هو ذلك البطل العادي كما جسّـده هنري فوندا وتلك الكلمات الثورية التي لا مكان لها في قواميس أفلام اليوم. العالم وقد أصبح قرية واحدة لم تعد قضيّـته أرض من هذه بل الفساد البيئي والإداري والإقتصادي حول العالم والحروب والمجاعات وتهريب الأعضاء البشرية والمخدّرات وبيع الأسلحة وما إلى ذلك من وسائل إبادة جماعية. هذه الإبادة لا تقتضي القتل بالضرورة (ولو أن عدد الضحايا من أفريقيا إلى آسيا يقترب من المليون كل سنة) بل يكفي هدر حياة الناس بإبادة أحلامهم وفرص وصولهم.
الموازي لشخصية توم جود كما لعبها فوندا بإتقان موجع، موجود في الأفلام التي تعاملت والوضع الريفي في مصر قبل ثورة يوليو وبعدها. هناك البطل المقاوم الذي يريد الدفاع عن أرضه أو يبغي تحقيق العدالة المفقودة واستعادة الحق من المالكين والإقطاعيين. هو وحده وهم كثر. لكنه قوي بحقّـه ولاحقاً بمساعدة أهل القرية أو المزارعين بعد خطبة عصماء في بعض الأحيان.
فيلم «الأرض» لخّـصها بلا ريب. مشهد محمود المليجي (شرير أفلام الفتوّة والإقطاع) لخّص الفيلم بأسره وهو يقبض على تراب الأرض المصرية بينما يتم سحله. يموت فوقه وروحه- كما في حوار «عنب الغضب»- بقيت. أليس هذا المشهد هو أكثر المشاهد بقاءاً في البال والذاكرة؟

البطل في السينما العربية منسوج على غرار واحد مع أبطال السينمات المختلفة. هو إما نتيجة قضية أو هدف تسلية ترفيهية. ولا يمنع أن يكونا معاً. الإختيارات تعود إلى فكر المخرج والجهة المنتجة على حد سواء. لكن في مقابل هذا التعميم هناك بطل جديد تم تكوينه خارج النمط التقليدي ولو أنه لا ينتمي إلى النمط البديل أيضاً. هذا بدوره عائد إلى سينما جديدة لا تؤمن كثيراً بالبطولة الفردية، بل بالشخصيات المجسّـدة بكامل واقعها. ربما لم يعد هناك بطولات فردية أساساً. بل ربما لم تعد هناك قضايا يمكن لفرد أن يحارب من أجلها. تراجع هم القضايا الثورية وإنحسار الشعور القومي وتشرذم القضية الفلسطينية ومسبباتها ومحاولة المتطرّفين الإسلاميين بجعباتهم من المؤامرات الممولة خارجياً تسهيل استيلائهم على السُـلطة عبر تسييس الثورات المحقّـة التي وقعت مؤخراً، كل ذلك وسواه قضى على إمكانية خلق بطل ذي قضيّـة إجتماعية فاعلة. 
المخدوعون

بين «مغامرات عنتر وعبلة» [صلاح أبو سيف- 1948] و«المخدوعون» [توفيق صالح-1972] صلة مهمّـة أسمها فلسطين. الأول إيحاءاً بخديعة ودور اليهود في الحياة العربية (والمخرج عاد إلى هذا الخيط في «الصقر» بعد عامين) وفي الثاني على نحو مباشر اقتباساً عن رواية غسّـان كنفاني «رجال تحت الشمس». خلال الفترة الفاصلة شهدنا إنتقال البطل من محارب في سبيل الحق، إلى ضحية لم ينجح المحارب السابق في تجنيبها الموت. ضاع، حسب «المخدوعون»، ثلاث رجال يشكّـلون ثلاثة أجيال فلسطينية كلّـها عاشت وماتت (ولا تزال) دون تحقيق حلم الحياة (ناهيك عن حلم استرداد الأرض). القول بأن هناك مخدوعون، يعني بأن هناك خادع والرواية كما الفيلم لا يحدد هذا الخادع لأن هناك خادعون كما هناك مخدوعون.
أبطال علي عبد الخالق في «أغنية على الممر» شخصيات واقعية. تم إنتاجه في العام ذاته  (1972) متحدّثاً عن حال أربعة جنود وقائدهم وجدوا أنفسهم خلف خطوط العدو بعد إنسحاب القوّات المصرية من سيناء خلال حرب 1967. القوّات الإسرائيلية تطبق عليهم. خياران لا ثالث لهما: البقاء والموت دفاعاً عن الأرض والتراجع دفاعاً عن الحياة. 
لم يذهب المخرج في إظهار البعد السياسي للفترة ففي نهاية الأمر سقط الجيش المصري نتيجة ثقة في غير مكانها وتخطيط لم يأخذ بالحسبان القوّة الإسرائيلية الكاملة. لم يكن مخدوعاً بالمعنى ذاته الذي خسر فيه الجيش المصري أفراداً كثيرين سنة 1948 عندما تم تزويدهم ببنادق فاسدة قضت عليهم، بل لم يكن مخدوعاً أساساً. هي حرب ربحتها إسرائيل سنة 1948 وخسرتها سنة 1956 ثم عادت فربحتها سنة 1967 ثم خسرتها، ولو جزئياً، سنة 1973. بعد سنة واحدة من إنتاج «المخدوعون» و«أغنية على الممر».
أبطال توفيق صالح كانوا دائماً من الموصوفين بأنهم «هامشيين». لا يمكن لشخصياته الثلاثة في «المخدوعون» إلا أن يكونوا كذلك. لا مجال في العالم بأسره أن ينجو أحد منهم ولا أن يثور على ضياع حقوقهم. رغم ذلك هم أبطال بقدر ما بعض شخصيات نجيب محفوظ في الحارات الشعبية (التي اقتبس عنها المخرج الراحل «درب المهابيل») أبطالاً. «درب المهابيل» (1955) لم يكن عن رواية لمحفوظ بل عن سيناريو وضعه مع المخرج ويتكوّن من رصد لما يحدث لأهل حارة في القاهرة عندما يفوز أحد ساكنيها بألف جنيه في الياناصيب. الفائز هو "عبيط" الحارة والحارة تتغيّـر. خفاياها النفسية الداكنة هي التي تسود.
ليس هناك من بطولة بالمعنى التقليدي للكلمة (أي نصير الضعفاء والفرد القادر على ما لا يستطيع سواه أن يحققه) لكن الجميع أبطال دراميين بصرف النظر عن الحق والباطل في دعواهم وما ينشدونه. الشرير الوحيد هو الوضع الإجتماعي وبيئته التي توارثت جموداً في الفكر والعقيدة والوضع الإقتصادي. في «السيد البلطي»، ذي الناصية السياسية الأوضح (وهو فيلم أفضل شأناً فنياً من «درب المهابيل») نفس السياق الدرامي حول ضحايا المجتمع والبيئة وليسوا أبطالها ومن هنا تشق أفلام صالح، وصولاً إلى «الأيام الطويلة» بعيداً عن البطل التقليدي الذي كان في أفلام سواه.
بذكر نجيب محفوظ، لابد من الحديث عن البطل- الفتوّة في كل تلك الأعمال التي عرفتها السينما سواء في جيل الأبيض والأسود (بأيدي مخرجين مثل صلاح أبو سيف) أو بالألوان (مع أفلام عديدة بعضها جيّـد كفيلم علي بدرخان «الجوع» سنة 1986 وغالبها رديء كتلك الأعمال التي توالى عليها حسام الدين مصطفى وحسن الإمام ونيازي مصطفى) كون هذا العالم المدني الشعبي حظى بإهتمام الكاتب ودراسته فوضع عنه بعض أهم ما تم كتابته من روايات حوله. إليها هناك أفلام "فتوية" أخرى لا علاقة لها بأعمال نجيب محفوظ لكنها استنسخت الأجواء ومنها «السلخانة» لأحمد السبعاوي (1982) و«السوق» لناصر حسين (1987) و«برج المدابغ» للسبعاوي أيضاً (1983) مع أن هذا الأخير من كتابة جادّة للمسرحي نعمان عاشور. 
مطر أيلول

مثقفو الجيل السابق لي (والأسبق لمن بعدي) رفض في العموم فكرة البطل الفرد إنطلاقاً من أن البطل الفرد يسحب من المشاهد القدرة على تمييز واقعه الإجتماعي وأن هذا الواقع لا يعبّـر عنه شخص بل طبقة أو شعب بكامله. بالتالي فإن إختصار قضايا مثل محاربة الظالم في بدن رجل واحد أمر مزيّـف يعارض المبدأ السياسي وواقعية الأمور.
الحقيقة أن بعض هذا التفسير صحيح. المشاكل التي طرحتها أفلام الفتوّة، وأي أفلام أخرى تعلّـقت بأذيال الفرد الواحد لتحل قضاياها هي أكبر من قدرة البطل الفرد على حلّـها، وهي في النهاية لا تحل لأن الحكايات حولها لا تتوقّـف كما حال الأفلام البوليسية الأميركية التي لو كانت واقعاً لعاش الأميركيون اليوم في أمان دائم. لكن هذا هو بعض الحقيقة كما ذكرت. البعض الأهم هو أن الحاجة الشعبية لبطل قوي هي أيضاً جزء من الواقع المعاش.
بعيداً عن السينما، أنت تعيش في حي لنقل أنه شعبي أو متوسّط الطبقة. جارك يملك أكبر دكان بقالة في الحي ويغش في كل شيء ويتسلّـط على العباد معتدياً بالضرب إذا ما كان هناك بد محمياً من شقيقه الضابط، ولا أحد يستطيع إيقافه عند حدّه إلى أن يتدخل شخص ما (ربما كان غريباً أو ربما من أبناء الحي الذي سكت طويلاً) ويلقن الجار علقة قوية أو يوقع به في أيدي رجال البوليس حيث لن يقدر حتى شقيقه على نجدته. أنت في مكانك الآمن سعيد بذلك. لكنك أنت لست بطل الحكاية. بطلها هو ذلك الفرد الواحد الذي تجرأ ووضع النصاب في مكانه ولو إلى حين. أما أنت فمن الغالبية الصامتة.
السينما المصرية تعاملت مع تلك الغالبية الصامتة وبصرف النظر عن المفهوم الأيديولوجي، وبتجاهل نوعية الأفلام بحد ذاتها، إلا أن حاجة الجمهور لها كانت جامحة وقويّـة لغياب العدالة الإجتماعية أساساً الذي سمح بوجود أمثال هؤلاء.
بطل فيلم عبداللطيف عبدالحميد الرائع  «مطر أيلول» (أيمن زيدان) سنة 2010 هو واحد من المراقبين الذين ربما كان سيشعر بالتنفيس لو شاهد فيلم فتوّة خيالي، فعنده ذلك الشخص المتسيّد والظالم الذي يمثّـل (للغرابة) النظام أو بعض أطرافه، وهو في أحد المشاهد لا يستطيع الصبر أكثر من ذلك ويتصدّى له وينتصر لنفسه ولعائلته ولحيّـه أيضاً.

يتبع ...


مهرجان صندانس   
لا يزال يجذي هوليوود الباحثة عن الجديد والجيد
1
A Most Wanted Man

هناك ثلج كثيف هذا العام فوق تلك البلدة التي تحب الخشب والتي ستستوعب عشرات ألوف الزائرين ما بين السادس عشر من هذا الشهر وحتى السادس والعشرين منه. الكثير من مبانيها خشبية أسسها جيل وطأ تلك الجبال العالية في ولاية يوتا واعتبرها مسكناً. تصل إلى مطار عاصمة الولاية (سولت لايك سيتي) ولديك خيارات: طائرة مروحية ترتفع بك فوق الجبال الشمالية لتحط بك في «بارك سيتي» حيث المهرجان. أو تأخذ سيّـارة تصعد بك تلك الجبال ذاتها وتتوقّـف بك عند الشقّـة أو الفندق الذي ستحل به. 
هناك آلة لإزاحة الثلج تعمل في أحد الشوارع الموصلة إلى المبنى الذي تتخذه إدارة المهرجان مركزاً لها، لكن السحب والبرد يهددان بمزيد من الثلوج، وهي لا تزال على أي حال تغطي الميادين والحدائق والمباني. هذا ما تتوقّـعه وهذا ما تراه. أنت هنا في مهرجان شتوي في ولاية شمالية في عام تميّـز ببرودته الشديدة. وسط ذلك، وفي جحور صالات السينما ستخرج للنور أفلام جديدة لم تعرض سابقاً والجامع بينها أنها تلتقي تحت مظلّـة السينما المستقلة. المهرجان أسمه صندانس وذلك تيمّـنا بنصف عنوان فيلم «بوتش كاسيدي أند صندانس كِـد» الذي حققه جورج روي هيل سنة 1969 مع روبرت ردفورد في دور «صندانس كِد» (وبول نيومان كبوتش كاسيدي)
لكن المهرجان بدأ قبل أن يقرر روبرت ردفورد إدارته ومؤسسة صندانس التي تم تأسيسها قبل نحو ثلاثين سنة. الدورة الأولى من هذا المهرجان تمّـت في العام 1978 في العاصمة بغاية جذب هوليوود للتصوير في ربوع ولاية يوتا. في ذلك العام كانت هناك عدّة عروض لافتة، ليست بالضرورة مستقلّـة الإنتاج، لكنها كانت جيّـدة وبل متميّـزة من بينها فيلم جون شليسنجر «مدنايت كاوبوي» حول التكساسي الذي يحط في نيويورك بكبريائه ليخرج منها ذليلاً، ومواطنه البريطاني جون بورمان قدّم فيلمه الصارخ «خلاص» عن أربع رجال حطّـوا الرحال في غياهب أدغال الجنوب الأميركي وخرجوا أيضاً مهزومين. 
روبرت ردفورد نقله إلى تلك الجبال العالية وغيّـر موعده من سبتمبر (أيلول) إلى يناير (كانون الثاني) وخصصه للسينما التي يحققها الجدد وبجهود خارج مؤسسات هوليوود الكبيرة. سريعاً ما انتبهت هوليوود أن هناك منجم ذهب  في هذه الأفلام التي لم تنتجها ولن تكلّـفها كثيراً إذا ما اشترتها، فأخذت تتوجّـه إلى يوتا لا للتصوير، كما كانت الخطّـة الأولى، بل للتبضّـع. في السنوات الخمسة عشر الأخيرة بان واضحاً أن المهرجان صار ملتقى سينمائيين يريدون أن يبيعوا ومؤسسات هوليوودية تريد أن تشتري. 
وفي حين شاخت مهرجانات أميركية أخرى، منها مثلاً «سان فرانسيسكو» الذي خطف الأضواء في السبعينات وجزء من الثمانينات، ومثل شيكاغو الذي لعب على أوتار محبي سينما الدهشة والعناوين الكبيرة في الثمانينات، 

حروب وإرهاب
ثلاثون سنة ونيّـف ليست بالقليلة وروبرت ردفورد (77 سنة) يوحي بأنه سيترك العمل الإداري ويقدم على المزيد من التمثيل والإخراج وربما على إنتاج حلقات تلفزيونية. لكنه سواء أعلن عزمه هذا خلال هذه الدورة أو بعدها، إلا أن ما تم إختياره لها من أفلام يؤكـد أن صندانس لا يزال هو الملتقى المنشود لصانعي السينما خصوصاً من الأجيال الأصغر منه سنّـاً. ومثل كل مهرجان آخر هو فخور بالعروض العالمية الأولى التي جمع من بينها تسعة عشر فيلماً ليعرضها في قسم خاص .
واحد من هذه الأفلام «فتوّة» (Boyhood) للمخرج رتشارد لينكلتر المعروف بثلاثية «ما قبل» التي احتوت على «ما قبل الغروب» و«ما قبل الشروق» ثم «ما قبل منتصف الليل» في العام الماضي. «كالفاري» للأيرلندي جون مايكل ماكدوناف يدور حول راهب طيّب لديه أسبوع واحد ليعيشه حسب تهديد مصدره رجل غامض. ومن أيرلندا أيضاً «فرانك» لليني أبرامسون حول حياة موسيقار شاب يقع تحت إستغلال الذين لجأ إليهم لمساعدته.
المخرج الأميركي مايك كاهيل، الذي سبق واختطف جائزة رئيسية من هذا المهرجان سنة 2011 عن فيلمه «أرض أخرى» يعود بفيلم عنوانه «أنا  أصول» (I Origins) الذي يمنحه مجال اللعب حول علاقة رومانسية بين تلميذ البيولوجي وفتاة ربما كانت أكثر من بواعث أحلامه.
الأنظار ستتوجّـه لفيلم تشويقي من كتابة جون لي كاري بعنوان «أكثر رجل مطلوب» (A Most Wanted Man) حول جاسوس ألماني أسمه غونتر باكمان يتعقّـب مهاجراً  شيشانياً وصل هامبورغ بغية معرفة ما إذا كانت له علاقة بـ "إرهابيين مسلمين"، كما يذكر الفيلم في ملخّـصه. الفيلم من إخراج أنطون كوربين الذي قدّم لنا سنة 2010 فيلم «الأميركي» بطولة جورج كلوني في دور القنّـاص الذي يلجأ لبلدة إيطالية صغيرة لكي يغيّـر حياته ليكتشف أن ذلك لن يكون سهلاً. بطولة «أكثر رجل مطلوب» للممثل فيليب سايمور هوفمن وراتشل أدامز ووليم دافو.
من بين «البرمييرز» أيضاً فيلم كان المخرج البريطاني مايكل ونتربوتوم صوّر جزءاً منه تحت عنوان «الرحلة» سنة 2010. لا أحد يعرف لماذا لأن المخرج المعروف لم يطرحه للتوزيع وقليلون جدّاً الذين أتيحت لهم مشاهدة الفيلم. الآن يعود في فيلم ربما هو تكملة لسلسلة في البال صوّره في العام الماضي بعنوان جديد هو «الرحلة إلى إيطاليا» من بطولة ستيف كوغن وروب بريدون.
في صندانس أربع مسابقات إثنان منها للروائي وإثنان منها للتسجيلي. المسابقتان الروائيّـتان واحدة أميركية والثاني عالمية كذلك الحال بالنسبة للتسجيلي. 
أحد الأفلام التسجيلية الأميركية التي يُـنتظر لها أن تلقى إقبالاً كبيراً، «الفريق إ» (E-Team) وهو الفريق الذي تبعث به مؤسسة Human Rights Watch لتقصّـي الحقائق على الأرض. وما يهم مخرجي الفيلم روس كوفمن وكاي شيفيني هو ما رصده الفريق حين وصل إلى ليبيا وإلى سوريا من سوء أوضاع وفساد وسقوط الحقوق الإنسانية تحت وطأة الدكتاتورية الفردية. 
في الشأن السوري، وفي مسابقة الأفلام التسجيلية العالمية، نشاهد «عودة إلى حمص» الذي أخرجه طلال ديركي حول شابّـين سوريين يعودان إلى مدينتهما حمص منقبين في حالها تحت وطأة الحرب الدائرة. كلاهما يتحوّلان بعد حين من شابين مسالمين إلى مقاتلين في صفوف المعارضة ضد الحكم الباطش.
والموضوع السياسي يمتد ليشمل فيلماً فرنسياً نمساويا مشتركاً عنوانه «أتينا كأصدقاء» ويتناول إستغلال الصين من ناحية ومؤسسات أوروبية وأميركية من ناحية أخرى للوضع في جنوب السودان لاستثماره لصالح مواردها الإقتصادية. يكشف الفيلم الذي أخرجه الفرنسي هوبير سوبر عن كيف تشتري الصين 300 ألف برميل نفط يومياً من موقع في جنوب السودان بينما يموت سكان القرية القريبة من جراء تسمم مياههم الطبيعية.
____________________________________________________
2

عن مصعب الذي تجسس على حماس لحساب تل أبيب
The Green Prince

مع إعلان ترشيحات الأوسكار في السادس عشر من هذا الشهر، ساد الشعور بأن مهرجان صندانس هو أكثر بكثير من مجرد عرض أفلام وإجراء المؤتمرات الصحافية. إنه صانع نجوم. أكثر من مخرج نجد لفيلم ذكر في قائمة الترشيحات الرسمية التي صدرت، وأكثر من مخرج نقرأ إسمه بين المرشّـحين لأوسكار أفضل مخرج انطلقوا من ربوع مهرجان صندانس أساساً حين حطوا الرحال هنا بأفلامهم الأولى.
ديفيد أوراسل، مخرج «أميركان هاسل» كان بدأ مهنته هنا إذ عرض سنة 1994 فيلمه الروائي الأول «ضرب السعدان» Spanking the Monkey هنا، ثم عاد سنة 1996 إلى المهرجان ذاته ليقدّم «مغازلة الكارثة». ألفونسو كوارون الذي تم ترشيح فيلمه لحفنة من الأوسكارات كان خطا خطوته الأولى في صندانس عندما عرض أفلامه القصيرة في منتصف الثمانينات هنا. كذلك فعل سبايك جونز الذي يتنافس فيلمه Her في سباق أوسكار أفضل فيلم  إذ حضر سندانس كممثل في التسعينات ثم كمخرج جديد يؤمل له النجاح حين تحوّل إلى مخرج في مطلع القرن الحالي.
والباقون جميعاً مثل ألكسندر باين نبراسكا») ومثل ديفيد هايمان (منتج «دالاس بايرز كلوب») لجانب العشرات من الممثلين الذين تحوّل بعضهم إلى الإخراج أو الإنتاج أو بقوا مخلصين لمهنتهم الأولى مرّوا من هنا في مطلع سنواتهم المهنية. ثلاثون سنة، يقول رئيس المهرجان روبرت ردفورد، مضت في صياغة هامش للمخرجين المستقلين. يضيف: "ليس ردّا على هوليوود ولا على صناعة السينما، بل إتاحة لفرص عمل لم تكن هوليوود مهتمّـة بتوفيرها".

الأستاذ والطالب
هذه الرسالة لا زالت قلب المهرجان الفتي إلى اليوم، ولو أن الحجم تضاعف عبر العقود الماضية وحتى اليوم حيث هناك خمسة عشر مختبر وورشة عمل توزّع مهامها بين الإنتاج والإخراج والكتابة والتصوير وسواها من جوانب العمل. عدد الأفلام التي ساهمت مؤسسة «صندانس» بتمويلها أو- على الأقل- بإعدادها إنتاجياً لكي تقف على قدميها وتتحرّك قدماً بلغ 400 فيلم إلى اليوم. 
الذي يدعو إلى الغبطة أن الشعور بالإكتشاف لا زال دافع المتواجدين جميعاً، والإحساس بالإنتماء إلى عالم يتم تكوينه في تلك الورش أو على شاشات المهرجان المتعددة لا زال متوفّراً ولوحظ هذا العام من حرارة الإستقبال الذي ووجه به فيلم الإفتتاح «سوط» لداميان شازيل. 
«سوط» دراما حول لاعب طبل شاب (مايلز تَـلر) طموح لتحقيق ذاته عبر الموسيقا لولا أن مدرّسه (ج.ك. سيمونز) من الصعوبة في فهم تلك الذات لدرجة محوها عوض تحقيق الغاية المرجوّة من التدريبات وهي تأهيل العازف ليصبح موسيقاراً. 
الموضوع صعب لكنه يضرب على أوتار المشاهدين المتعاطفين بطبيعة الحال مع العازف الشاب. وكان المخرج قد أنجزه أولاً كفيلم قصير وعرضه هنا في العام الماضي، قبل أن يصوّره خلال السنة الفائتة كفيلم روائي طويل. في الوقت الذي تحرّك فيه شخصية العازف التعاطف الإيجابي نحوه تستعدي شخصية الأستاذ السادي ردّ فعل لا يقل قسوة من قِـبل المشاهدين كونه يمارس دوره على نحو فاشي وبقدر كبير من الإهانات والتعنيف والقسوة. خلال هذا كلّـه، وما ينجح به الفيلم أكثر من سواه، نتعرّف على الوجه الداكن لعملية إعداد الطالب ليمارس العنف ذاته على سواه. فالشاب بعد ساعات طويلة من التعرّض للأذى والإهانات يخرج بعد كل مرّة إلى العالم بشعور إيجابي أقل صوبه وصوب من يعرفهم. هو بدوره يتحوّل إلى فاشي صغير ما يجعل الفيلم يتحدّث بإطار أكبر عن القيادة والتبعية التي تماثلها في شؤون الحياة الكثيرة. إنه كما لو أنك تشاهد نازياً يعلّـم تعاليم النازية لفتى بريء ليحوّله إلى نازي مثالي، وقس على ذلك حالات ومناهج أخرى يعيشها العالم اليوم.

حكاية مصعب 
وهناك علاقة أخرى بين أستاذ مختلف (هو مسؤول في الموساد أسمه جينون بن إسحاق) وطالب فلسطيني أسمه مصعب في ظرف بعيد آخر ولو أنه يلتقي مع المفهوم الذي ينجزه «سوط». هذا وارد في الفيلم الإسرائيلي «الأمير الأخضر»  الذي عرض كفيلم افتتاح المسابقة التسجيلية العالمية وضمن إقبال كبير ناتج عما استقاه الحاضرون من الملخص المنشور. فالفيلم كناية عن حكاية مصعب حسن يوسف، إبن أحد مؤسسي حماس وكيف تم تطويعه وتدجينه وتحويله  إلى جاسوس يعمل لصالح الموساد. الفيلم من إخراج ناداف شيرمان وسريعاً ما يدلف موضوعه محيطاً بتاريخ وجغرافيا المكان ولو من دون عمق سياسي. بالنسبة إليه تشخيص الحالة ومنح مصعب حضوراً إنسانياً لابد أنه يفتقده تحت أي معيار آخر خارج نطاق هذا الفيلم. هو إبن رجل سياسي وقيادي استجاب لإغراء المادة  فتحوّل إلى مخبر يعمل قريباً من هرم القيادة لدى حماس، حسب فيلم لديه الوقت والرغبة أيضاً في تقديم وجه إنساني آخر للإسرائيليين الذين استخدموه.
الفيلم مأخوذ عن كتاب وضعه مصعب يوسف بنفسه بعنوان «إبن حماس» لذلك لا يمكن تفنيد ما يعرضه لنا على أساس إنه غير جدير بالثقة. ها هو مصعب نفسه، الذي لُـقّـب بالأمير الأخضر،  يتولى الحديث إلى الكاميرا وفتح الصفحات الأولى من كتاب علاقته مع المخابرات الإسرائيلية. ففي منتصف التسعينات تم إعتقاله من قبل مخابرات شن بت العسكرية وأودع السجن ثم مع إدراك الإسرائيليين مدى أهميّـته كإبن أحد مؤسسي حماس، طلبوا  منه العمل مخبراً. لا يدخل المتحدّث في تفاصيل كثيرة حول أسباب قبوله وهو الذي كان بدأ الحوار بالتأكيد على أنه كان يكره إسرائيل بسبب سجنها لوالده سنوات طويلة. كيف تحوّل الأمر من كره إلى تعاون هو لب الموضوع الذي يتحوّل إلى واقع وجوهر الفيلم، لكن العبارة الأكثر تعبيراً عن سر هذا التحوّل، كما عن السبب الذي من أجله وافق على المهمّـة ما يقوله خلال حديثه: "حماس ليست حركة دينية فقط بل «بزنس» عائلي".
في أحد المشاهد يكمن فهم سبب آخر فالرجل يبدو قد اقتنع بأن لا شيء ذا قيمة في صرح الحركة الإسلامية وهو يشهد قيام سجّـانها تعذيب سجناء مسلمين مثلهم. وهذا يتضّـح أكثر في النصف الثاني من الفيلم. فبعدما ذكر الرجل في حديثه أنه يشعر بالعار حيال ما قام به لصالح الموساد، نراه يكشف لاحقاً عن أنه ترك قطاع غزّة وإسرائيل معاً وهاجر (بترتيب ومساعدة إسرائيلية على الغالب)  إلى أميركا ليعيش فيها بعيداً عن بؤرة الصراع بأسرها. شعوره بالعار لم يمنعه، كما يبدو أيضاً، من تخليه عن الإسلام واعتناق المسيحية مبتعداً أكثر وأكثر عن أصوله وتاريخه ومواقف الفلسطيني المبدأية من القضيّـة برمّـتها. وفي حين قد يجد هذا الموقف تقديراً لدى البعض، فإن البعض الآخر من المشاهدين لن يشعر بأن التعاطف حيال مصعب وموقفه، وهو ما يبغيه الفيلم، ضروري.
النصف الثاني من الفيلم، ومن ناحية سينمائية بحتة،  هو أفضل من نصف الفيلم الأول الذي يتعامل وتقديم الشخصيات وذكر ثوابت التاريخ. يعمد «الأمير الأخضر»  إلى منهج التناوب بين تلك اللقاءات وبين الوثائقيات التي أريد لها شرح ما يُـقال أو تأكيده.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular