أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jan 26, 2014

صياغة البطل العربي: الجزء 2 | المفعول السحري للإنصات | الحياة المهدورة لفرنسيس فارمر | القصّة الكاملة وراء فشل 47 رونين | أوسكار 2014: الأفلام الأجنبية (ملف)



في هذا العدد: 
مهند النابلسي:  المفعول السحري للإنصات واكتشاف تيمة الإخلاص عند كيروسماكي محمد رُضـا: صياغة البطل العربي: الحلقة الثانية •  تمثيل: الحياة المهدورة للممثلة لفرنسيس فارمر أوسكار 2014 الجزء الأول: الأفلام الأجنبية (ملف) محمد رُضا: القصّـة الكاملة وراء فشل 47 رونين.
Year 8 | Issue 834


صياغة البطل (2)
البطل العربي بين التقليدي والمستقل


محمد رُضــا
البطل الجماهيري: فريد شوقي

مشروع صنع بطل هو تعليق صلاح أبوسيف على الموضوع ذاته في فيلم «شباب إمرأة» (1956). الموضوع بحد ذاته يقوم على وصول شاب صعيدي طري العود (شكري سرحان) إلى أحد أحياء القاهرة الشعبية حيث ينزل في دارة معلّـمّــة قوية الجانب يهابها أهل الحي (تحية كاريوكا). تتمناه لنفسها وتفتنه فيترك دراسته ويصبح ملازماً لشهواتها وبذلك تدمّـر مثالياته وأخلاقياته. يصعد ويرتقي مادياً لكنه يخسر نفسه في المقابل. وهي كانت فعلت ذلك مع رجل آخر قبله (عبد الوارث عسر) وحوّلته إلى بقايا. في نهاية الفيلم يصل رجل جديد إلى الحي بالطريقة ذاتها التي وصل بها الأول (محمود المليجي) في إشارة إلى تكرار الحال وتواصله ذاته.
لا تختلف النجومية عن وضع أي من الشخصيات الرجالية الثلاث المشار إليها أعلاه. إنه هناك في الوقت المناسب لكي يصعد ثم في الوقت غير المناسب لكي يهبط. وأبوسيف هو أحد القليلين في السينما المصرية الذي عالج العلاقة بين المتلقي وبين الممثل بإدراك إجتماعي واضح. وما منحه دور الشريرة إلى فاتن حمامة في «لك يوم يا ظالم» (1951) سوى مثال واحد على ذلك.
ما حدث في السنوات الثلاثين الأخيرة على الأقل، هو أن مفهوم البطل تغيّـر وكان لابد له أن يتغير لعامل رئيسي: السينما الجماهيرية لا مكان لها بين الجماهير إلا ببطل تقليدي يعبّـر عنها ويعكس شوقها لبطولة لا تستطيع هي القيام به (كما أشرت في الجزء الأول- إقرأ الملف أعلاه). إنه إمتداد للسير الحكواتية التي كان أبناء القرون السابقة يتداولونه عن مغامرات سيف بن ذي يزن وعنتر بن شدّاد وسواهما. وطبعاً كان هناك رجال من هذا الصنف توزّعوا على خارطة العالم العربي دافعوا عن المظلومين ضد الظالمين ووضعوا أنفسهم في مجابهات ومعارك انتصروا فيها فأصبحوا أبطالاً وقع في حبّـهم الناس وتداولوا أعمالهم. 
البطل التقليدي القادر على مواجهة الظالم والمعتدي ومساعدة الفقير والمحتاج والتصدي لجبروت إجتماعي أو سياسي هو ذاته السوبر- هيرو في مجلات وأفلام الكوميكس الأميركية. كل ما هناك أنه في تلك المجلات الشعبية المصوّرة (ولاحقاً في الأفلام المصنوعة حولها) لم يكن هناك كثير إيمان بأن البطل يمكن أن ينجح في عمله إلا بتزويده بطاقة وقدرات غير طبيعية. ما يفعله سوبرمان وباتمان وسبايدر مان وسواهم هو ما لا يستطيع بشر فعله، والبشر- من القراء أو من المشاهدين- يعرف ذلك ويرضى به. يريد الدهشة والتميّـز في بطله وهوليوود تؤمنه له.
في السينما العربية، البطل ليس مصنوعاً من خامة المؤثرات التقنية ولا قدرة له على الطيران أو التحليق أو الوقوف على جدار عال ومنتصب وإيقاف عدو عملاق بيديه العاريتين من أي سلاح أو القضاء عليه بلكمة واحدة. لذلك تجده لا زال إنساناً مشبعاً بالملامح العادية ذاتها التي لمشاهديه. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"السينما الجزائرية في الستينات حملت أبطالاً
وقضاياً. لم يكن عليها أن تذهب بعيداً آنذاك لأن
نضال الجزائر ضد الإستعمار كان شاهداً"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن هذه الملامح، في أفلام نيازي مصطفى مثلاً، على خلوّها من تلك التفعيلات المدهشة، ليست أفضل شأناً من الأفلام التي تستخدم البطل لتزوّده بقدرات السوبر هيرو. كلاهما لا يزال يلعب على الوتر ذاته، لكن كل واحد بقدراته الصناعية المختلفة وتبعاً لثقافته. الموضوع هو ما سيحكم لصالح فيلم ضد آخر، لذلك حين رأينا فريد شوقي أو رشدي أباظة أو شكري سرحان أو سواهم من الممثلين يدافع عن المظلومين أو يهاجم أوكار العصابات المتاجرة بالمخدّرات، فإن قبولنا بهم تم وفق رسالات الفيلم. لا أحد من السينمائيين يستطيع أن يقدّم المجرم بطلاً فيدافع عن أفعاله إلا إذا عمد الفيلم إلى تحويله من الشر إلى الخير على نحو كامل وتبعاً ربما لقصّـة حب أو لخسارته قريباً أو صديقاً أو تعرّضه لخيانة أودت به إلى السجن. لا يستطيع أن يبقى شريراً حتى وإن خالج الموضوع لمسة من الدراسة النفسية أو الإجتماعية. الجمهور لا يريد.
بطل مختلف: عمر قتلاتو

البطل التقليدي الشائع هو من يحمل قضيّـة يدافع عنها بجسده وكيانه (هذا لا يعني أن أبطال الأفلام المستقلة لا قضايا لهم، لكنها قضايا تختلف كثيراً حسب الموضوع ورؤية المخرج له). والسينما الجزائرية في الستينات حملت أبطالاً وقضايا. لم يكن عليها أن تذهب بعيداً آنذاك لأن نضال الجزائر ضد الإستعمار كان شاهداً. لكن كان عليها لاحقاً أن تتبدّل ومع تبدّلها فارقت تلك البطولات المنتمية إلى الرسائل الإجتماعية والسياسية وأمّـت البطل البعيد عن المزايا البطولية عمر قتلاتو» لمرزاق علواش- 1977) أو المظلوم القابع في قعر المجتمع من دون أمل الخروج منه القلعة» لمحمد الشويخ- 1988) أو على طريقة الموظّـف المهمّش والمعاني سقف وعائلة» لرابح العراجي- 1982). وهذا لم يأت من فراغ، بل بدأ (في أواخر الستينات) عندما قرر المخرجون (وبعد هزيمة 1967 إذا كان لابد من الربط) أنهم بحاجة إلى سينما جديدة، مستقلة وبديلة ومختلفة. وهذا الجديد عليه أن يصوّر الحكايات بطبيعتها القابلة للتصديق وذلك يعني أن تتخلى عن البطل التقليدي حتى وإن خسرت في تخليها عنه أحد أهم العناصر التجارية الممكنة في صناعة الفيلم.
الحكايات ذات الصنو الذاتي والمعالجة البعيدة عن الصراع البدني (مع إبقاء الصراع الوجودي بارزاً) ومحاولة الإستئثار بالإعجاب هي ما تجمع بين أفلام اللبناني برهان علوية والسوري نبيل المالح والمصري عاطف الطيّـب والجزائري مرزاق علواش والمغربي سهيل بن بركة والتونسي رضا الباهي وعشرات سواهم من كل تلك البلدان وسواها. 
السمة العاكسة هي استبدال الإستئثار بالإعجاب الشعبي بالعمل على إثارة تعاطفه مع قضاياه (الفقر، الهجرة، الضياع، الجهل، الحرب الخ…). هذا الفعل مهم جدّاً في كيان تأسيس الوعي، لكن الجمهور السائد لم يعتبره كذلك بالضرورة ما أوقع السينما في مشكلة أن الجمهور كان اعتاد على شرب ماء الأنابيب فلماذا عليه استبدالها بمياه معلّـبة؟ هذا طبعاً قبل أن نكتشف أن بعض المياه المعلّـبة ليست أنقى كثيراً من مياه البلديات.
من الفيلم اللبناني الناجح «بيبي»٠

بالنتيجة لم يحدث أن استطاع فيلم بديل أو مستقل أن ينجز ربع ما أنجزه «خلي بالك من زوزو» [حسن الإمام- 1972] أو النسبة ذاتها مما أنجزه «أبي فوق الشجرة» [حسين كمال-1996]. إلى اليوم، عدد الذين أمّـوا فيلم «بيبي» [إيلي حبيب- 2013] وهو صنع لبناني، أضعاف ما أنجزه فيلم مثل «عصفوري» [فؤاد عليوان- 2012] وتجاوز ما أنجزه فيلم «وهلأ لوين؟» [نادين لبكي-2011]. الأول علكة تجارية والآخران، مع مساوئهما، عملان جديران بالتقدير.
سوف لن يمكن حل هذا الموضوع وتقرير مصير البطل العربي على الإطلاق. ليس، في المنظور القريب على الأقل، شعب يعزف عن الرغبة في أن يرى نفسه ممثلاً بذلك البطل عاطفياً (عبد الحليم حافظ) أو بدنياً (فريد شوقي) وإذا ما كان أمامه فيلمان عن الثورة السورية (لا أعتقد أنها لا تزال ثورة لكن إختصاراً) واحد من نوع «سلّـم إلى دمشق» [محمد ملص- 2013] والآخر من نوع (لم يتم تحقيقه بعد) المقاتل الذي ترصّـد أعداءه وسجّـل بينهم إصابات بالغة بمفرده فإن الغالب أن الناس ستذهب إلى الفيلم الثاني بكل ما هو عليه من اضطراب واقعي وهزال إجتماعي.
ما يمكن للبطل الواقعي توخيه هو أن تخلق الأفلام البديلة ما يتطلّـب وجودها صناعياً. أن يكون لديها الموزّع الخاص والصالات المتخصصة لعرضها لكي توسّـع من رقعتها وتوصل رسالاتها. أمر تحققه المهرجانات العربية أو بعضها لكن افلامها هذه تمضي بعد عرضيها التجاريين وإلى الأبد.


المفعول السحري للإنصات | مهند النابلسي   
Lights in the Dusk

يعاني الكثير من الناس من سوء التفاهم الناتج عن ضعف الانصات ، وفي الادارة يلعب عنصر الانصات دورا بالغ الأهمية ...وعلى المدير الناجح أن يبذل جهدا لتحسين مستوى انصاته لمستخدميه ، وبالتالي تقبل اراءهم اذا كانت عملية ومنطقية .
لقد تبين عمليا ان العمال والمستخدمين العاملين تحت امرة مدير يحسن الانصات ، ينجزون العمل المطلوب بصورة منافسة عكس هؤلاء الذين يعملون تحت اشراف مدير لا ينصت ، فالعمال الذين يعلمون بأن مديرهم ينصت لهم يفكرون بطريقة ابداعية ناقدة ، كما يعطيهم ذلك شعورا حيويا بالثقة ، ويحفزهم لكي بستنبطوا أفكارا جديدة تساهم في تحسين العمل .
يعتبر الانصات فنا رفيعا من فنون الاتصالات الأساسية، وله مفعول سحري في مجال تطوير القدرات البشرية وتعميقها ، وعند افتقاده يسود الملل والاحباط وينخفض مستوى الثقة بالنفس ، فكلما شعر المرء بتجاهل أرائه كلما قلت رغبته بعرضها ، كما يقل اخلاصه وتفانيه ، وقد يتوقف عن التفكير النقدي البناء ، وتفقر مخيلته ، وقد يتبع ذلك تراجع واضح في امكانات التطوير المهني والشخصي ! 
ولا بد أن الانصات سيصبح تحديا كبيرا لدى المدير الذي  يشعر أحيانا بضحالة الأراء المقدمة ، الا أنه من المهم أن ينصت ، فالانصات يشعر  المستخدمين بأنهم يؤخذون على مأخذ الجد من قبل الادارة، وهو كفيل بأن يخلق مع الزمن نوعا من "الحكمة الجماعية " التي تكفل بتجنب المزالق والمطبات الخطرة . وحتى يشعر الجميع بالمساهمة في اتخاذ القرار الصائب ، يفضل تجنب صيغ الأوامر  المباشرة من نمط : "افعل ذلك !" ، وبدلا منها يمكن ان تصاغ هذه العبارة كما يلي  " نشعر بأن الأقضل أن نفعل ذلك ، ما رأيك ؟!" . لقد ثبت بأن الناس يقدمون أقصى طاقاتهم ويستمتعون بانجاز الأعمال عندما يشعرون بحرية اتخاذ القرار  والتنفيذ والمسؤولية ، لذا فمن الضروري بناء اجواء احترام للأراء المختلفة التي تخلق وتثير الابداع والمخيلة  . الانصات الجيد عنصر أساسي من عناصر الديموقراطية في الدول المتقدمة  ، كما انه عنصر هام جدا في كافة مناحي  الادارة الحديثة ، ويتطلب  الهدؤ والتحلي  بالصبر  ، كما انه يتطلب التخلي عن الغرور والأنانية واحتكار الصواب . وقد ثبت ان الانصات أصعب  من  الحديث لأنه يتطلب  التركيز والتفكير والتحليل ، ويعتبر وسيلة تلقائبة للتعلم وتلقي  الأفكار والاقتراحات بطريقة تفاعلية-بناءة .

اكتشاف  تيمة الاخلاص في  الفيلم 
الفنلندي : " أضواء في الغسق " !
في الفيلم الرائع "أجواء في الغسق" (الذي ترشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان / 2006) للمخرج الفنلندي أكي كيروسماكي ، يراهن رجل الأعمال الشرير على سذاجة وبراءة الحارس الليلي المسكين "كويستينين" ، وانجذابه العاطفي لشقراء ماكرة لكي ينفذ جريمة سرقة كبيرة لمحل مجوهرات ، فعندما تسأله الفتاة ( المأجورة ) فيما اذا كانت ستنجو من تهمة المشاركة بالسرقة ، يجيبها بثقة لافتة :" تكمن عبقريتي بمعرفتي لشخصية الحارس المخلصة والرومانسية ، لذا فهو لن يشي بك أبدا وسيتحمل كامل المسؤولية ! " ، وهذه النقطة تحديدا التي  ترسم سينايو الحبكة السينمائية ، تغافل عنها معظم نقاد الفيلم ، وهي  باعتقادي النقطة المحورية في هذا الشريط السينمائي المميز ، لأن مسار  الأحداث كله كان سيأخذ منحى آخر  لو قام الحارس  الليلي بالوشاية وقول الحقيقة ( كما يتوقع المشاهد ) ، حتى انه لم يخبر الشرطة عندما شاهدها  (من خلال المرآة )وهي  تدس المفاتيح وعينة من المجوهرات تحت الوسادة في أريكة منزله ، وذلك امعانا في  توجيه تهمة السرقة له ! في الخلاصة فالتركيز والانصات يقودنا هنا لاكتشاف تيمة الفيلم الحقيقية ، التي  تركز على عنصر "الاخلاص" ، فأيلا البائعة المتجولة مخلصة في حبها الاحادي لكويستينين ، وهذا الأخير بدوره مخلص في حبه الاحادي ايضا للماكرة الشقراء ميرجا  ( بالرغم من كشفه لها ) ، وهو كذلك والفتى الافريقي البائس مخلصان في تعاطفهما مع الكلب  المشرد ( مغزى وجود الكلب كحيوان معروف  باخلاصه الشديد لصاحبه ! ) ، وقد لاقى كويستينين  الضرب والسجن لسنتين اخلاصا لحبه وسمو اخلاقه ، لقد برع بالحق  كيروسماكي بكتابة واخراج وتصوير هذا الشريط المميز ، وكاد ان  يتماهى مع  عبقرية المخرج البريطاني  الشهير الراحل ألفريد هيتشكوك ، الذي برع  بهذا النوع من السرد : عندما يدان البريء المخلص وينجو الفاعل ، بل تجاوزه برسمه لأجواء  الوحدة والعزلة والتهميش  والاقصاء التي عانى منها الحارس  الليلي ، ومع ذلك فقد شدنا بالتصوير الآخاذ والموسيقى والأغاني  الرومانسية الحزينة لكي ندخل في حياته ونتعاطف مع رغباته وكفاحه وحبه للحياة بالرغم من معاكسة القدر له وسوء طالعه ! 

"الاخلاص و الانصات " في السياسة 
هكذا نعود لموضوع الانصات الملازم دوما للتركيز ، فهو الذي يقودنا بالتأكيد لفهم خفايا الامور في كافة مناحي  حياتنا ، ولقد صدق المثل العامي  عندما وصف النقاش العاصف الحاد ( كما نلاحظ في  برنامج الاتجاه المعاكس  بمحطة الجزيرة )  ب"حوار الطرشان" ، حيث لا مجال لأن ينصت طرف لما يقوله الطرف  الآخر ، وانما استعراض احادي عصبي لوجهات النظر مدعوما بأدلة محضرة مسبقا ، ولا ارى حقيقة ما  المغزى الواقعي من برنامج كهذا ، سوى اثارة الهيجان والتعصب ، وربما بغرض توجيه المشاهدين خفية لتقبل وتبني وجهة نظر محددة بغض  النظر عن صحتها ! 
يستخدم  في  التعبير (الانجليزي الأمريكي) اصطلاح بدلالة لافتة وهو (Bottom-Line ) ويعني التقاط " المغزى الأساسي" من اي طرح ، ويتطلب هذا تركيزا كبيرا وانصاتا لاستخراج المغزى ، وأظن ان معظم النخبة العربية لا تميل كثيرا للتركيز على هذا المفهوم ، من هنا نلاحظ ان معظم حواراتنا ومناظراتنا "طافحة " بالاحتقان والتشنج واحادية الطرح  مثل " حوار الطرشان " ! كما أنها تنسجم لحد ما مع الثقافة الدارجة التي  تحتكر  الصواب  وتحتقر  الرأي  الآخر !
وما احوجنا في  اجواء  ما  يسمى  "الربيع  العربي" الصاخبة لتعلم كيفية تطبيق ما اسميه اصطلاحا " متلازمة الاخلاص  والانصات " ، فالاخلاص يقودنا للصدق والالتزام والنزاهة وتكريس الطاقات والجهود لبناء نظم الحكم الجديدة بديلا عن  الدكتاتورية والفساد والمحسوبية ، كما أن الانصات هو الفن الرفيع الذي  سيخلصنا من الفوضى والتخبط والعشوائية ، حيث يسمح لكافة الأطراف  المعنية مع اختلاف  توجهاتها ، لسماع كافة وجهات النظر بهدؤ وروية وتأمل ، ربما للعمل معا للخروج بحلول توافقية-منطقية عملية ترضي جميع الأطراف ، وتعطي  الفرصة للحاق بركب  التطور  والحضارة الانسانية .



مراجعة | القصّـة الكاملة لفشل «47 رونين»
فيلم ياباني أكثر من اللازم؟

محمد رُضــا

ما جال في بال مدراء ستديو يونيفرسال عندما جلسوا، سنة 2008،  يتناقشون مشروعاً مقدّما إليهم بعنوان «47 رونين» مأخوذ عن فيلم ياباني بنفس العنوان، هو أن المشروع مؤهـل لأن يصبح فيلماً فانتازياً عن عوالم بعيدة وأزمنة غابرة. ما حط على الشاشة في النصف الثاني من كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي، كان فشلاً تجارياً هو الأكبر للشركة. صحيح أنه لم يمنعها من إحتلال موقع أول بين الشركات السينمائية الأميركية بالنسبة لما حققته من إيرادات، إلا أنها تكبّدت فيه 175 مليون دولار ولم تحصل على الفيلم الذي جال في بالها قبل ست سنوات.

هذا غريب إلى حد لأن الفيلم ليس ركيكاً ولا رديئاً والموقف النقدي الأميركي منه متعنّـت أكثر من اللازم. على ذلك، لابد من الإعتراف بأنه فيلم من تلك التي تمشي ضد التيار. ليس المشي ضد التيار مشكلة إذا ما كان الفيلم مستقلاً أو صغيراً، لكنه بميزانية كتلك (البعض يقول أنها وصلت إلى 200 مليون دولار) فإن الفيلم الماشي ضد التيار يتحوّل إلى صخرة في مجرى النهر لا يتحرك في أي إتجاه.

إنه حكاية يابانية متداولة في الثقافة الشعبية هناك وفي عدد كبير من الأفلام اليابانية من السنوات الصامتة وحتى تسعينات العقد الماضي، حول 47 محارب ساموراي وجدوا أنفسهم بلا زعيم وحاقت بهم إهانة لا تليق بالساموراي (تستطيع أن تعتبر الساموراي رجل مباديء وأخلاقيات كعنتر بن شدّاد في ثقافتنا) فقرروا الإنتقام ممن أساء لهم.
الفيلم لا يحكي القصّـة كما أوردتها الأساطير أو كما صوّرتها الأفلام اليابانية، بل يعاملها كأرضية للعمل فوقها على منحاه الخاص. 
إقرأ نقدي عنه على:
والسبب في ذلك أنه تمّـت إعادة كتابة السيناريو عدّة مرّات لعدّة أسباب تلتقي تحت الرغبة في تحقيق فيلم أميركي عن صراع الخير والشر في ذلك الزمان والمكان مع إضفاء صبغات غرائبية عليه (شخصية الفارس الحديدي الذي يتحول إلى أشلاء من تراب حين يموت واحد منها). القصّـة الأصلية (أيما كانت وأنا لا أدّعي إني قرأت أي من السيناريوهات المكتوبة) لابد أنها أصبحت في أسفل السلّم. ما أعرفه أن الكاتب الأول للعمل كان كريس مورغن الذي كتب خمسة من أصل الأفلام السبعة لسلسلة Fast and the Furious ولابد أيضا أنه نال قدراً كبيراً من الإستحسان وإلا لما سعت يونيفرسال لتبنيه من العام 2008. حسب تقرير نشرته مجلة «فاراياتي» فإن يونيفرسال وجدت في السيناريو فرصة لمشروع مشابه لفيلم جيمس كاميرون «أڤاتار» ولفيلم بيتر جاكسون «سيد الخواتم». وأن عناصر الجذب التي رغب الاستديو بها هي أجواء غريبة في غابات مسحورة وشخصيات غامضة ومحارب أكثر غموضاً.
في زيارتي الأخيرة لهوليوود سعيت للقاء المخرج كارل رينش الذي وقف وراء الكاميرا لأول مرّة في هذا الفيلم (بعد أن أثبت جدارته في فيلم قصير عنوانه «الهدية» The Gift) لكن وكيل أعماله اعتذر كونه كان يعلم أن الحديث سيكون حول فشل الفيلم تجارياً، وإن لم يكن، كما أخبرته، فلاعتقاد المخرج والمتحدّث بإسمه بأنه من "المبكر الحديث عنها الآن"، كما قيل لي.
بداية نال رينش إعجاب مسؤولي الإنتاج في شركة يونيفرسال بأفكاره حول المشروع وبدراسته إياه وبطموحه وشغفه. لاحقاً بدأ الخلاف يظهر إلى السطح: رينش يريد فيلم ساموراي، الاستديو يريد فيلم من السحر الأسود والتشويق الدجيتالي.
في وسط هذا الشقاق بين الفكرتين ولدت فكرة مؤداها أن شخصية كاي، تلك التي يؤديها كيانو ريفز ضائعة وسط جموع الشخصيات اليابانية الرئيسية. هذا ما استدعى الطلب من السيناريست حسين أميني (وضع سيناريو فيلم «سنو وايت والصياد») لكتابة سيناريو جديد يأخذ بعين الإعتبار حسن تقديم الأميركي الوحيد بين الممثلين وزيادة عدد مشاهده.
إلى ذلك الحين، كما يقول الصحافي الهوليوودي رامين ستأووه، كانت الميزانية لا زالت مقبولة (ربما في حدود الـ70 إلى 80 مليون دولار)، لكن يونيفرسال رغبت في تصوير الفيلم بالأبعاد الثلاثة (تصوير أصلي وليس تحويل). بعثات من مصممي الإنتاج سافرت إلى استراليا ونيوزيلاند واليابان واختارت أماكن تصوير فيها. لكن منتجي الفيلم قرروا أنهم يرغبون في موقع يسهل الإنتقال منه وإليه وبناء القرية التي نشاهدها في الفيلم. النتيجة: تصوير الفيلم في بريطانيا والمجر.
في أواخر العام 2011 شاهدت يونيفرسال النسخة التي انتهى تصويرها من الفيلم. أستطيع أن أتخيّـل وجوماً ساد وجوه "فطاحل القرار". لأن ما عرفته آنذاك هو أن الفيلم لم يرض نيّـة الاستديو حياله. بناءاً على ذلك، وكما بات معلوماً لاحقاً، تمّـت إعادة كتابة مشاهد وإعادة تصوير مشاهد كانت قد صوّرت وتصوير مشاهد أخرى جديدة.
لاحقاً، تمّـت الإستعانة بعدد كبير من المولّفين لعملية المونتاج (ولو أن الإسم الوحيد الظاهر في البطاقة الفنية هو إسم ستيوارت بيرد سكايفول»).
كل ذلك وسواه (مثل الطريقة التي تم بها دعوة النقاد الأميركيين لمشاهدة الفيلم قبل أيام قليلة من عروضه لكي لا يتمكنوا من نشر آرائهم خشية أن تكون سلبية ومثل أن ميزانية الدعاية لم تكن وفيرة كما حال أفلام أخرى مثل «ترانسفورمرز» مثلاً) كشف عن أن الاستديو كان فقد الثقة بالفيلم حتى قبل عرضه.
فيلمان آخران كبيران آخران سقطا في العام الماضي هما «ذ لون رانجر» [غور ڤربينسكي، إنتاج وتوزيع وولت ديزني بميزانية 215 مليون دولار] و R.I.P.D [روبرت شوِيتكي- إنتاج يونيڤرسال أيضاً بميزانية 130 مليون دولار] لكن سقوطهما يمكن تفسيره على نحو أسهل من سقوط «47 رونين»… ربما لو اكتفى صانعوه بالنسخة الأصلية ووثقوا بالمخرج رينش أكثر لما تكبّدوا كل تلك الخسارة.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system