أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 20, 2013

سكورسيزي | زورليني | ردفورد | أوتول | فونتاين| دفاع سيفاستوبوليا- 1911


Year 7 | Issue 830
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا العدد

• The Wolf of Wall Street
اللقاء الخامس بين مارتن سكورسيزي  وليوناردو ديكابريو
يقع في إطار فيلم عن وول ستريت كان الممثل براد بــت
يريد شراء حقوقه لكن ديكابريو سبقه
------------------------------------------------------------------
• Il Deserto die Tartari
الناقد ميسر مسكي بعث بمقـال نقدي آخر عن فيلم حققه 
الإيطالي ڤاليريو زورليني عندما قام بنقل رواية صعبة وضعها
دينو بوزاتي وقام ببطولتها بعض أركان المـمثلين الإيطالييــن
في السبعينات، أمثال ڤيتوريو غاسمان وجيليانو جيما.
------------------------------------------------------------------
•  All is Lost
الناقد مهند النابلسي أمضى ساعات جميلة يشاهد فيهــا
فيلمي المخرج ج. س. شانــدور المميّزين «نداء هامشي»
و«كل شيء مفقود» وهو ينقل حصيلة ما شاهده في مقال
جديد له.
------------------------------------------------------------------
•  بيتر أوتول 
وفاة بيتر أوتول تستدعي زيارة أعماله. هو الذي اشتهر بدور
لورنس في «لورنس العـرب» وطـاف بعد ذلك في الكثير من 
الأعمال بعضها أفضل من بعض.
------------------------------------------------------------------
• جوان فونتاين
جوان فونتين رحلت بصمت بعدما عاشت في خناقات مع
شقيقتها أوليفيا دي هافيلاند، لكن تاريخها الفني تلألأ عندما
أتاح لها ألفرد هيتشكوك بطولة فيلمين من أعماله هما….
------------------------------------------------------------------
• كل ما شاهده الناقد
لو أتيح لي أن أشاهد كل فيلم تم إنتاجه من 1888 إلى اليوم
لما تأخرت، لكن لنبقى واقعيين ونبدأ التاريخ من 1911. حلقة
أولى من سلسلة جديدة تمكننا فهم كيف تطـوّرت السينــما
عملاً بعد عمل وسنة بعد سنة. في أحد أفلام ذلك العام نرى
مفهوم دانتي لنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلّم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إضافات:
محمد خان حين طارد الأفلام في لندن وباريس  كمال رمزي عن Escape Plane وبطليه المترهلين ليث عبد الكريم عن The Past لأصغر فرهادي  • علي أبوشادي عن مهرجان الفيلم القومي



كيف تم صنع «ذئاب وول ستريت»؟ 
اللقاء الخامس بين مارتن سكورسيزي وليوناردو ديكابريو برسم الأوسكار
 محمد رُضــا

قبل ست سنوات انتبه نجمان كبيران على أن هناك كتاباً يستحق التحويل إلى فيلم سينمائي. لم تكن رواية خيالية، ولو أن أحداثها ومفارقاتها، التي وقعت في التسعينات، تبدو كذلك، بل صدرت على نحو مذكّرات، بعنوان «ذئب وول ستريت» وضعها المضارب في البورصة وأسواق المال جوردان بلفورت عن تجربته في وول ستريت ومضارباته التي انتهت بحصوله على ثروة قدّرت بأكثر من مئة مليون دولار وقع ضحيّـتها زبائن خدعهم جوردان بلفورت فأودعوه أموالهم لكنه استولى عليها وكاد أن يفلت من العقاب لولا أنه سقط في شباك الأف بي آي التي أودعته السجن لسنة وعشرة أشهر وأجبرته على رد أموال بلغت أكثر من 110 مليون دولار.
النجمان اللذان سعيا لتحويل الكتاب إلى فيلم هما براد بت وليوناردو ديكابريو. كل لديه شركة إنتاج يملكها بالكامل وكل وجد أن المشروع الذي يحكي صعود وهبوط تلك الشخصية التي غرقت في فساد الحياة المادية، فرصة للعب دور جديد عليه. والذي فاز به هو ديكابريو الذي سارع بالإتصال بالمخرج مارتن سكورسيزي عارضاً عليه مشاركته إنتاج الفيلم والقيام بإخراجه.
إهتم سكورسيزي بالمشروع وقام بكتابة السيناريو وعرضه على شركة وورنر التي عادة ما يتعامل معها، لكنه كان في العام 2008 دخل مشروع فيلم Shutter Island الذي تم تصويره بعد عامين مع ديكابريو ومارك روفالو في البطولة. وخلال ذلك أبلغه الأستديو أنه لن يموّل الفيلم. 
بعد انتهاء تصوير «شَـتر أيلاند»، غيّـرت وورنر رأيها واتصلت بالمخرج ريدلي سكوت وفاتحته بالموضوع ثم غيّرت رأيها ثانية وتخلّـت عن الموضوع مجدداً.
إلتقطت المشروع شركة تمويل جديدة أسمها رد غرانايت بيكتشرز وأمّـنت له ميزانيته التي بلغت مئة مليون دولار، ثم عرضته على أستديو باراماونت للتوزيع في الولايات المتحدة وكندا. وكان المفترض به أن يباشر الفيلم عروضه التجارية في منتصف الشهر الماضي، لكن هذا الموعد تأخر إلى الأسبوع المقبل من شهر ديسمبر (كانون الأول). سبب التأخير هو أن مدّة العرض قاربت الأربع ساعات، ما جعل المخرج يدخل غرفة المونتاج مجدداً والقيام بتوليف نسخة جديدة من ثلاث ساعات.

تاريخ وول ستريت
«ذئب شارع وول ستريت» لم يكن نزهة بين حدائق موضوع يتحلّـى بالأسماء الكبيرة. وكما يتّـضح من مسيرته الملخّـصة أعلاه، لم يستطع حتى إسم ديكابريو وسكورسيزي، جذب وورنر، وهو واحد من الاستديوهات الكبيرة في هوليوود بلا ريب، للإيمان به. الإعتقاد الذي ساد تلك المؤسسة هو أن الجمهور سوف لن يطيق متابعة فيلم يدور عن سوق البورصة أولاً، ويستلهم من حياة رجل تعامل والجريمة والمخدّرات وسرقة الزبائن ثانياً.
في خلفية القرار حقيقة أنه في العام 2000 تم تحقيق فيلم بعنوان «غرفة التسخين» (Boiler Room (أخرجه بن يونغر) مستوحى من شخصية جوردان بلفورت ولم ينجز أي نجاح يُـذكر. كذلك حقيقة أن الأفلام الروائية الثلاثة التي تم تحقيقها في السنوات الثلاث الماضية عن متاعب شارع «وول ستريت» الإقتصادية وذلك بدافع التعليق على الأزمة المالية الشاملة التي وقعت سنة 2008 لم تؤت ثمارها المرجو.
هذه الأفلام بدأت بفيلم ممتاز عنوانه «نداء هامشي» أخرجه ج س شانتور حول حياة شخصيات عدة تعمل في مصرف للإستثمارات: جيريمي آيرونز في دور الرئيس الذي سيجد لديه القدرة على المراوغة في تعاملاته في البورصة لضمان سلامة النخبة في المؤسسة والتضحية بالآخرين (بول بيتاني، زاكاري كوينتو، سايمون بايكر). تبعه على الفور فيلم جيّـد آخر أخرجه جون وَلز حول البيئة المصرفية ذاتها وما يحدث فيها من بطولة بن أفلك وتومي لي جونز وكريس كوبر عنوانه «رجال الشركة»
كلا هذان الفيلمان أخفقا في جذب الجمهور الواسع، لكن ميزانية كل منهما كانت محدودة (نحو 15 مليوناً للفيلم الواحد) ما ساعد على إمتصاص النتائج المادية. الأمل، سنة 2011، أنيط بفيلم ثالث هو الأكبر بين هذه وهو فيلم أوليفر ستون «وول ستريت: المال لا ينام» الذي أنتجته فوكس بميزانية وصلت إلى 75 مليون دولار.

هذه المرّة كان هناك قدراً من التفاؤل نظراً لأن هذا الفيلم حاول العودة إلى شخصيات فيلم أوليفر ستون السابق «وول ستريت» سنة 1987 الذي حقق نجاحاً لافتاً حينها. لكن بينما كان الفيلم السابق ضرب على محك العلاقة بين الإنسان والمادّة، ونقد للتصرّف غير المسؤول لرجال ومؤسسات الشارع المصرفي المذكور (ومنه دلف الفيلم إلى نقد الرأسمالية)، أخفق الفيلم الجديد في إثبات الحاجة إليه. لقد أوهم المخرج ستون متابعيه بأنه سيقدّم فيلماً ينتمي إلى أعماله النقدية وأنه سيمنح الفيلم رؤية تنفّـس غضب عموم المشاهدين مما حدث سنة 2008 وتبعاتها، ثم أنجز فيلماً حول «الجشع الجيّـد» كما جسّده مايكل دوغلاس والحب الذي سيربط بين إبنته كاري موليغن والشاب النظيف شاي لابوف. 
«المال لا ينام» لم ينجز تلك الآمال التجارية والمقارنة بينه وبين الفيلمين السابقين «رجال الشركة» و«نداء هامشي» كان لصالح الفيلمين السابقين في نطاق الجدوى والمضمون كما في نطاق العناصر الفنية البحتة.

خمس لقاءات
«ذئب وول ستريت» هو اللقاء الخامس بين المخرج مارتن سكورسيزي والممثل ليوناردو ديكابريو وهو آيل لدخول المسابقة الرسمية لأوسكارات العام المقبل.  كذلك هو تعاون بدأ بينما كان ديكابريو لا يزال يصعد سلّـم النجاح سنة 2002 عبر فيلم «عصابات نيويورك» الذي امتزج فيه الخيال في الواقع في أحداث وقعت العام 1863. ديكابريو لم يكن الإختيار الأول لمارتن سكورسيزي الذي سعى قبل ذلك لوضع دان أكرويد وجون بولوتشي في الدورين اللذين لعبهما ديكابريو ودانيال داي لويس. لكن وفاة الثاني ألغت المشروع سنة 1978
حين تم إحياء المشروع على أن ينفّـذه المخرج في ستديوهات «شينيشيتا» الأسطورية في روما، وضع في البال مل غيبسون في الدور الأول وانطلق يتابع الديكورات الكبيرة التي تم إنشاؤها رغم أن صديقه جورج لوكاس قال له خلال زيارة له أن مثل هذه المدن التاريخية المنوي إنشاؤها يمكن للدجيتال تحقيقها من دون الحاجة إلى بنائها الفعلي. في تلك الأثناء جرى تعديل جديد تم بموجبه جلب ديكابريو وداي-لويس للقيام بالدورين الرئيسيين سنة 2002.
الفيلم الثاني كان «الطيّـار» (2004): سيرة حياة المنتج والمغامر والمليونير الراحل هوارد هيوز. المشروع أعاد سكورسيزي وديكابريو (الذي لعب دور هيوز) إلى تاريخ ماض (مطلع القرن) لمتابعة حياة رجل أحاط نفسه بالكثير من الغموض. بعد سنتين أنجزا معهما اللقاء الثالث: فيلم بوليسي شارك في بطولته لجانب ديكابريو كل من مات دايمون وجاك نيكولسون ومارك وولبرغ. ثم تلا هذا الفيلم «شَـتر أيلاند» (2010) الذي انتقل إلى حقبة أقرب من التاريخ (الخمسينات) في عالم يتماوج بين الخيال والواقع وبين الوهم والحقيقة.


فاليريو زورليني في آخر أعماله
"صحراء التتار": وقت ضائع إسمه....الحياة!
ميسر مسكي

عام واحد فقط قبل أن يعصف هذيان الموت أطراف الأرض بأندلاع الحرب العالمية الثانية (1939)، كتبَ دينو بوزاتي تحفته الأدبية عن عبث العسكريتاريا وشغفها بوهم المجد و ذلك في روايته "صحراء التتار". أنشغلَ العالم في سنواته الخمس التالية في رقصة هلاك مفجعة، لكنه حين عاد إلى هدوئه (النسبي؟) أعاد إكتشاف عمل بوزاتي الذي سرعان ما خلق تياراً من "الواقعية الحالمة" أو الساحرة. لا يمكن التوقف عند التفسير الأول  لنصّ بوزاتي، بل يمكن الذهاب أعمق في رؤيته عملاً يتناول عبث المحاولة الإنسانية ككل وإكتشاف الإنسان في لحظة متأخرة جداً سراب أوهامه و عبث إنتظاره ما لن يأتي.

حين قرر فاليريو زورليني أن يحول هذا النصّ الصعب إلى فيلم كان عليه بالتأكيد أن يلتقط الحسّ الفلسفي ويحوله إلى نصّ سينمائي قابل للعرض على الشاشة وخصوصاً  أن الرواية تخلو من "الحدث" بالمعنى الدرامي ولا تأبه لسياق البداية،تصاعد الحدث ومن ثم الخاتمة التي قامت عليها فكرة النص الأدبي، المسرحي أو السينمائي بشكل عام. زورليني لم يخذل النصّ الأدبي ولا الصورة السينمائية في عمل قوي، لافت، حرفي يسكن على حدود التحف السينمائية. لكن المؤسف (كما قلنا في مقال سابق و سنقول في مقال لاحق) لم يطل الإهتمام بفيلم زورليني الرائع والذي سرعان ما خطا نحو النسيان مثل صانعه. "صحراء التتار" كان آخر أعمال زورليني الذي رحلّ مبكراً عام 1982 عن 56 عاماً وحفنة من الأفلام الهامة والجميلة....والمنسية!

الملازم "جيوفاني دروغو" ينطلق مفعماً بالأمل والترقب في مأموريته الأولى إلى حصن "باستياني" الواقع على التخوم البعيدة للإمبراطورية (لا يتم تحديد إسم الإمبراطورية لكن زورليني يضع في خلفية الكادرات أحياناً صوراً لنابليون مثلاً دون أن يتبنى نسَبْ الإمبراطورية ولا حتى غريمتها التي تقع خلف صحراء التتار وتدعى "مملكة الشمال")
في المشهد الأول لوصول الملازم "دراغو" يضع زورليني هذا الملازم على خلفية أطلال المدينة التي تقع على أعتاب الحصن الكبير المطّلّ عليها (التصوير في مدينة "أرغي بام" الإيرانية التي كان زلزال قد دمرها قبل تصوير الفيلم بحفنة سنوات) هذا المرور الطويل (سلسلة لقطات متأنية) بين الخرائب و العدم و الصمت، تشي للملازم (ولنا) بالآتي وتتناقض مع الترقب الطموح الذي يبدأ به الملازم حياته العسكرية.
من هنا يباشر زورليني ببناء حالة من الإنتظار المتوتر عبر حوارات تطرح أسئلة أكثر مما تجيب عنها. وكذلك عبر كاميرا رائعة الدلالة حين تمسح أفق الصحراء كاشفة ليس عن جمال سياحي خلاب  بل عن غامض يتربص خلف هذا الهدوء والصمت المطلق. بديعة رؤية زورليني ومصوره "لوتشيانو توفولي" لصحراء الرمل وهضابه المتوارية خلف غلالة رقيقة من الضباب الرمادي. هو الآتي من حياتنا والمتواري في غموض الإفتراض الماورائي عن "القضاء والقدر."
ما يضيف بُعداً آخر على هذه الرؤية الخلابة للصحراء هو هذا الترقب الذي تعيش فيه حامية الحصن لهجوم  مُفترَض سيأتي عبر الصحراء يشنه فرسان التتار. هجوم لا نرى إلا إرهاصاته المتمثلة ببضعة فرسان يمتطون خيول بيضاء ويهيمون في الأفق تحدياً. يطول الإنتظار ويمضي العمر ولا يأتي التتار. وحين أخيراً وفي لحظة توتر و إضطراب، يصل ثلاثة فرسان على خيول بيضاء إلى أعتاب سور الحصن، يكون السؤال هل هم فرسان حقيقيون أم أنهم من نسج خيال الملازم "دراغو" الذي أنهكه عبث الإنتظار فأنطلق خياله يرسم حضوراً لمن لم يحضروا بعد كل سنين الإنتظار هذه. ألسنا نحن من نحيك أوهاماً لحياتنا وننتظرها صباحاً ومساء وحين لا تحدث، يذهب توقنا إليها صوراً مُفترَضَة تتداخل مع الواقع ليضيع الحدّ الفاصل بين الحقيقة والخيال؟
كل من في الحصن رجال (ليس من حضور نسائي إلا في مشهد واحد في بداية الفيلم) تحاصرهم الجدران كما الأوهام كما طموح المجد كما رُهاب إنتظار الغامض الآتي من خلف الصحراء. كلهم يلعبون في وقت ضائع إسمه الحياة. عبث إنتصارهم. عبث إنكسارهم. عبث ترقيتهم.عبث موتهم (وفاة الضابط المريض في رحلة تحديد الحدود في منطقة تائهة بين مملكتين يخالسهما الوجود والإنتماء.) رجال يحركهم الخوف، الترقب، شهوة القتال، طمع النصر، ولا يدرون أنهم سيقضون كلهم قبل أن ينالوا أياً من هذا. منهم من يُنقل ومنهم من ينتحر ومنهم من يموت...ومنهم من لا زال يُمضي عمره ينتظر التتار ليأتوا عبر الصحراء. ليس عبثاً أن يختار الكاتب الصحراء. فهؤلاء الرجال الذين يمسحون الأفق ليل نهار بمناظيرهم إنما هم ينظرون في خواء أوهامهم وعبثية وجودهم. مجموعة من العسكر في محيط ضيق يمارسون فيه ولعهم المكبوت بالعنف (تدريب المبارزة بالسيف) و التسلط (عقوبة الفصيل الذي رفض أداء التحية) دون أن يساعدهم هذا على الخلاص من عقم الحياة العسكرية القاسي.
زورليني يتناول نصّه السينمائي بكثير من الهدوء والتأني. يأخذ وقته في نقل المعنى المختفي خلف الصورة. لا يلهث لإيقاع صاخب، سريع. بل يترك كاميرته تمرّ بهدوء على الوجوه والجدران والصحراء والأفق ليرسم صورة خلابة الشكل والمعنى. صورة يعطينا الوقت الكافي لتأمل تفاصيلها الدالة. زورليني أستاذ في إختيار وصوغ الشكل الحامل للمعنى.
فمن المشهد الأول الذي سبق الإشارة إليه من مرور الملازم "دروغو" بين الخرائب المنبئة بالآتي. إلى وضعه أمام الحصن الكبير ومن كاميرا بزاوية منخفضة للدلالة على إستحالة تغلبه على أزمته الروحية والوجودية القادمة. زورليني يضع هؤلاء الرجال ضمن جدران حصن يضيق بسراب أوهامهم ويتناقض بشكل صارخ مع الفضاء المفتوح على صحراء الرمل الممتدة إلى اللانهاية دون حواجز مما يوحي بتفاهة وجودهم أمام هذا الشيء الكبير المنفتح نحو الأزل.
ليس مصادفة أن يكرر زورليني كادرات بعيدة جداً لبعض الشخصيات على خيولها تقف على خط الأفق تماماً فتبدو صغيرة، طارئة وزائلة. شخصيات مُحاصَرة بوحدتها كما بجدران الحصن المرمي على حافة الزمن ...والعدم!
في المشهد الأخير يصعد النقيب (عبث الترقية) "دروغو"، الذي أنهكه المرض وأمضّه الإنتظار، إلى العربة التي ستقله بعيداً عن 
الحصن فيما من خلف التلال تلوح لنا جحافل التتار (سراب أم حقيقة؟) ٠

داخل العربة مفروش بالأسود وكذلك الدثار الذي يتغطى به. يرفع عينيه لنظرة أخيرة و يسدلهما. وجه شاحب يلفه السواد. دلالة شديدة 
الإختزال حين نعرف أنه في النصّ الأدبي "دروغو" يموت في حانة على قارعة الطريق بعد مغادرته الحصن٠
كان مثيراً للإستغراب  حين اُطلق الفيلم أن البعض كتب عن بطئه. اليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من المشاهدة الأولى وإستعادتين حاليتين للفيلم لا أعرف كيف كان يمكن لزورليني أن يصنع غير ما صنع بحرفية عالية وإدراك حقيقي، واعي لمعنى النصّ الأدبي و بهذا الوفاء لأدواته البصرية من حيث إستخدامها و توظيفها بما يوصل الحس الكامن في المشهد ودلالاته. حتى المشهد الطويل (الذي طالما كُتبَ عنه) الذي فيه يتم تعريف الملازم "دروغو" على كل ضباط الحصن خلال إجتماعهم للعشاء، يبدو لي ضرورياً ولازماً للدلالة على رتابة الحياة العسكرية (خصوصاً في ذلك الحصن) وعقم تمسكها بالقواعد والأنظمة والتقاليد٠

لفيلمه هذا حشدَ زورليني مجموعة مدهشة من ممثلي أوروبا الكبار: في الدور الأول الفرنسي جاك بيران (سنعود في مقال لاحق إلى تعاونه الطويل مع زورليني في أجمل أعماله) لاعباً الملازم "دروغو". السويدي ماكس فون سيدو. الإيطاليان جوليانو جيما و الرائع فيتوريو غاسمان. الفرنسيان جان لوي – ترنتنيان (دوره هنا كطبيب عسكري للحصن يشبه دوره مع إيتوري سكولا في "لوعة الحب".  قدمناه قبل فترة) فيليب نواريه (دوره كان بحاجة لرسم أدق وأكثر تحديداً) الأسبانيان فرانسيسكو رابال وفرناندو راي.
ساعتان وعشرون دقيقة ليحكي زورليني بروية وتمعن عن عبث الإنتظار والحياة التي تمضي سُدىً دون "حدث" في فيلم بعض أحلى وأهم ما فيه أنه يمضي إلى غايته... بلا "حدث"٠ 




All Is Lost
فيلم غير إعتيادي يعتمد على الأداء الصامت
مهند النابلسي

قصة هذا القيلم المدهش بسيطة للغاية فهي تتحدث عن ثري مجهول يتعرض قاربه للتدمير بفعل اصطدامه مع باخرة شحن في المحيط الهندي او ربما بقايا حطام ياباني ناتج عن زلزال وتسونامي 2011، وحيث يبدأ القارب بالغرق ويتعطل الراديو وسيلة الارسال الوحيدة للاتصال بالعالم وطلب النجدة ، الفيلم من بطولة الممثل المخضرم روبرت ردفورد ومن اخراج شاندور نفس المخرج الذي قدم قبل ثلاث سنوات الفيلم المميز الوحيد الذي تعرض للأزمة المالية العالمية بوول ستريت واسمه " النداء الهامشي "، وهو هنا يتحدث عن كارثة بحرية ألمت بشخص واحد ويتحدث هناك عن تداعيات الكارثة المالية الكبرى وأثرها المدمر على الأشخاص والشركات...تكمن فرادة هذا الشريط بوجود ممثل واحد وبانعدام الحوار والكلام حتى ان مادة الفيلم لم تتعدى الواحد والثلاثين صفحة فقط ، كما أن التصوير تم بشاطىء "روساريتو" بخليج المكسيك ، وبنفس الاستديو الذي تم فيه تصوير التيتانيك ، وقد اعترف ردفورد بأن اذنه تعرضت للعطب اثناء التصوير ،وقال مؤلف الموسيقى التصويرية أنه واجه تحدي التعامل مع عناصر بحرية كالريح والماء والمطر والشمس ، وكان عليه أن يدمج هذه المكونات ويخلق منها صوتا فريدا للتفاعل مع الممثل الوحيد الذي حمل اعباء الفيلم ! نال هذا الفيلم الغريب تقدير النقاد بمستوى 8 من عشرة واثبت قدرة ممثل واحد على تملك الشاشة لوحده بلا اي دعم تمثيلي من آخرين ، كما اثبت باعتقادي المتواضع ان السينما هي فن التصوير والأداء الصامت والمؤثرات بانواعها وليست ابدا فن الحوار والثرثرة والانفعال كما نشاهد عادة بالأفلام الهندية والمصرية ! يعد بعض النقاد هذا الفيلم واحدا من عشرة افضل افلام للعام 2013 ، جنبا الى جنب مع أفلام سبق وان قدمتها لقراء القدس العربي الكرام مثل جاتسبي العظيم وجرافيتي  والكابتن فيليبس ...

بعد أن يكاد يفقد مخزونه من المعلبات القليلة، تلوث مياه البحر المتسربة بقايا مياه الشرب التي يملكها ، فيقوم باستخدام التبخير "العدسي" لأشعة الشمس للحصول على قطرات ماء صالحة للشرب ...ثم نراه وقد وصل لخطوط الابحار الدولية وتقاطع وجود قاربه  بالقرب من مرور سفينتي شحن ضخمتين ، ولكنهما لن تلحظا وجوده بالرغم من استخدامه للاشارات المضيئة ، وفي اليوم الثامن على محنته البحرية ، يقوم بكتابة رسالة ووضعها بقنينة وقذفها بالبحر ليلقاها أي شخص بالصدفة ! ثم لاحقا في تلك الليلة لاحظ وجود أضواء عن بعد، ربما من سفينة اخرى ولم يستطع لفت الانتباه بعد ان نقذ مخزونه المحدود من القذائف التحذيرية سوى باضرام النار بقاربه بواسطة حرق اوراق الصحف والكتب والخرائط، ثم خرج الحريق عن السيطرة وحرق قارب النجاة ، فقفز للماء ناجيا بنفسه، ولكنه كان من الضعف وحاول السباحة بأقصى طاقته المتبقية ،  وشعر بفقدانه لأي امل بالنجاة، وخارت قواه فترك نفسه للغرق ، ثم لاحظ من تحت مياه المحيط المرعبة وجود قارب بأضواء يقترب من قاربه المحترق ، فكافح عندئذ للوصول للسطح، ولكن المخرج قطع باقي المشاهد بقصد قبل أن نلاحظ وكأن أيدي قد تدلت من قارب النجاة باتجاهه ، وربما قصد ذلك لكي يترك المشاهد المذهول والمذعور بحالة غموض ولكي يعطيه الفرصة للتكهن بمصير البطل "المجهول" !
يستهل الفيلم بمشهد الابحار بمكان ما بالمحيط الهندي، ونسمع البطل المجهول الاسم (روبرت ردفورد) وهو يتحدث ويعتذر لشخص آخر كما لو كان يتحدث للمشاهد نفسه : آنا آسف حقا وأعرف ان ذلك لا يعني شيئا الآن ، ولكني آسف وأعتقد بأنك توافقني الرأي بأني قد حاولت ! وللحقيقة فقد كنت ارغب أن اكون أقوى ...الطف وأن احب ...وأن اكون محقا ...ولكني لم أكن...ثم يعترف : لقد فقد كل شيء ! (وتبدو هذه التعبيرات القليلة وكانها رسالة ندم أخيرة ، كما انها تنسجم مع كل ما سيحدث فيما بعد ، بمعنى انه سيفقد قاربه وحياته وكل شيء) !

كاريزما الأداء وبلاغة الصمت المعبر !


يبدأ الفيلم بردفورد وقد استفاق من غفوة ليتحقق من وجود ثغرة كبيرة بقاربه كنتيجة لاصطدامه مع سفينة شحن كبيرة في المحيط الهندي ، يتحدث المخرج هنا عن التيه بالمحيط بدلا من الفضاء الخارجي كما في فيلم جرافيتي ، ومع غياب شبه مطلق للحديث والحوار الانساني حيث استبدلت الأصوات البشرية بصوت الأعاصير البحرية وحركة القارب وطقطقات الأشياء وبالموسيقى التصويرية  المعبرة لأليكس ابريت التي دمجت ببراعة صوت الجيتار بالريح وأصوت الحيتان واسماك القرش الهامسة ...في ظل هذا الصمت البحري يتساءل المشاهد بفضول من اين اتى ؟ لماذا هو هنا ؟ بماذا يفكر هذا البحار التائه وما هي حركته المقبلة والمتوقعة ؟ يعود هنا الممثل الكاريزمي الشهير ليثبت جدارته في فن الأداء التمثيلي وبسن السابعة والسبعين ...يجذبك كمشاهد ويدعوك لكي تحملق وتتربص بحركاته  الباردة اليائسة ولكل ما يفعله ويقدم عليه للنجاة بنفسه، ولكن بلا جدوى ! انه فيلم غير اعتيادي يعتمد بالمطلق على التعبير الصامت والحركات المعبرة الدرامية والتي حولت مغامرته البحرية لصراع وجودي عبثي بمواجهة جبروت المحيط والطبيعة والأعاصير مع خذلان عناصر البقاء كالقارب ومستلزماته العادية والتقنية والغذاء والماء (وكأنه نسخة عصرية من فيلم " الرجل العجوز والبحر ")، وحتى الراديو وسيلة الاتصال والانقاذ الوحيدة فقد تعطل بفعل الاصطدام والمياه التي غمرته، ويحاول جاهدا استخدام البوصلة البحرية وخريطة لتحديد موقعه ومساره معتمدا على تيارات المحيط لتوصيله باتجاه المسارات البحرية ، ثم يواجه أعاصير بحرية هائجة ، يشبه الفيلم مغامرة "حياة باي" عندما يواجه الفتى اليافع اهوال المحيط الهندي وحيدا بقارب مع نمر متوحش يتربص به وبلا مؤنة وزاد...كذلك فهو يمثل تحديا سينمائيا نادرا مع عدم وجود ممثلين آخرين لا في البداية ولا في النهاية ولا في سياق القصة ، كذلك لا توجد حبكة تثير الفضول وتبعد الملل ، فنحن وحوالي الساعتين لا نشاهد الا حركاته ومعاناته وهمهماته ونسمع مرة واحدا صراخه يأسا "سحقا !" ، وربما يثبت روبرت ردفورد بهذا السن المتقدم وقبل أن يفوت الاوان أنه واحد من كبار عمالقة التمثيل بجيله المخضرم وانه استاذ بفنون التعبير السينمائي السينمائي كما مارلون براندو وآل باشينو . 
المخرج المتميز"جي سي شاندور" يقدم هنا فيلمه الثاني  بعد نجاح فيلمه الأول (مارجين كول 2011) الذي تحدث بعمق وصراحة عن بدايات الأزمة المالية العالمية التي أدت لكارثة انهيار المؤسسات المالية في وول ستريت، ويستعرض بفيلمه اللافت هذا تداعيات ذلك وخلال 24-36 ساعة متواصلة من خلال ممارسات "الذعر والسهر والمتابعة الحثيثة فمن ثم التآمر والتحالف والتوافق والاسترضاء" التي تقوم بها سرا ادارة وموظفي مؤسسة مالية استثمارية كبرى ، ويعرض ذلك باسلوب درامي فني وشيق وبسياق سلوكيات الموظفين ومدرائهم وذلك عندما يطلع موظف مطرود أحد زملائه فجأة على تفاصيل الوضع الائتماني المتردي للمؤسسة ، ومن ثم يكشف الفيلم تداعيات متلاحقة شيقة تقود لشبكة ومصفوفة الفساد ببداية الأزمة المالية والتي تمثلت " بالسرية والكتمان والشللية والخداع " ! 
يثبت شريط "الفقدان" قدرات التصوير السينمائي المتقدم باجواء غير عادية ويكفي للدلالة على ذلك منظر القارب التائه بعرض المحيط وقد تم تصويره ببراعة من أسفل المياه تحيط به اسماك القرش من كل جانب  ، وقد استقدم لهذا الغرض مصور سينمائي متخصص، كما انه يقدم "أكشن ومغامرات" بلا عناصر التشويق والأسلحة والقذائف والحركات البهلوانية  والأصوات والأشرار ، فقط شخص مجهول تائه بمواجهة أهوال المحيط وخطر الغرق، كما يؤكد فلسفيا على أن العزلة والفقدان هي المحصلة الأخيرة لحياتنا  البشرية !


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


7 comments:

  1. أرجو قبول اشتراكي في إستفتائكم
    أحسن ثلاث أفلام هي غانغستر سواكد، باسيفيك ريم وسجناء
    مخرج العام العربي هاني أبو أسعد ومخرج العام الأجنبي وودي ألن
    السؤال الثالث: أجد السينما العربية تراوح مكانها
    السؤال الرابع: سمير فريد ومحمد رضا

    المرسل: سالم عبد العزيز المرزوقي
    ص ب 466131 مركز لولو دبي

    ReplyDelete
  2. شكراً لاشتراكك يا أخ سالم

    ReplyDelete
  3. 1 Captain Philips/ All is Lost/ Escape Plan
    2 عربي: إليان الراهب/ أجنبي: بول غرينغراس
    3 السينما العربية تتقدم
    4 محمد رضا وهوفيك حبشيان

    نور الدين حماصني
    شارع المزرعة. بناية الداعوق. شقة ١٦
    بيروت- لبنان

    ReplyDelete
  4. 1. Out of the Furnace 2. Captain Philips 3. 12 years of slavery.
    2. Arabic Director: Hani Abu Asaad- Non Arabic: Steve Mcqeen
    3. Arabic cinema is going backwards.
    4. Mohammed Redha

    Ismat Elgaml
    123 Westmount Dr.
    West Hollywood, 90069
    Tel: 3103662,3277
    USA

    ReplyDelete
  5. اعتذارك مرفوض

    عبد الرحمن عيتاني

    ReplyDelete
  6. أستاذ محمد ما المقصود بالإعتذار أعلى المُدونة؟؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. عزيزتي الأخت سلمى
      المقصود أنني لن أنشر هذا الموقع بعد اليوم وإذا عدت عن قراري فلن يكون في القريب العاجل. الأسباب فنية على شخصية. لكني موقعي الآخر «فيلم ريدر» لا زال موجوداً والحمد لله وليس في وارد توقيفه. أرجو أن تزورينني هناك٠
      film reader.blogspot.com

      شكرا لاستفسارك

      محمد

      Delete

Disqus Shortname

Comments system