أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 2, 2013

من مهرجان أبوظبي: عراقيان وبوسنية | مهند النابلسي يكشف أوراق «سكايفول» | ميسر مسكي يقدّم أول كتابة عربية عن المخرج ڤاليريو زورليني: نوافذ


Year 7 | Issue 826 

 أسئلة في فيلمين عراقيين إجاباتها في فيلم بوسني

أبوظبي: محمد رُضــا
تحت رمال بابل

في حين أن الفيلم العراقي «همس المدن»  لقاسم عبد تم تنفيذه بميزانية محدودة، قيل أكثر من مرّة أن الفيلم العراقي الآخر «تحت رمال بابل» لمحمد الدرّاجي تكلّـف مليون دولار. على الشاشة الفيلمان متساويان تقريباً كنوعية. لكن بينما لا يشي «همس المدن» بأنه تكلّـف أكثر من الكاميرا ومونتاج الصوت (وبعض التوليف الصوري) فإن الفيلم الثاني لا يعكس شيئاً من ذلك الإنتاج الكبير على الشاشة. تتساءل أين ذهب ذلك المليون عندما تطالعك صورة لا زالت فقيرة.
«تحت رمال بابل» و«همس المدن»- كذلك بعض الأفلام العراقية الأخرى ومعظمها أفضل عملاً ومنها «بلادي الحلوةبلادي الحارّة» و«قبل سقوط الثلج»- تمتّـعا بدعم من صندوق «سند» الذي أسدى ولا يزال خدمة كبيرة لمخرجين عديدين، لكن الإختيارات ليست دائماً موفّـقة. المناسبة المتاحة لمشاهدتهما هي مهمّـة بحد ذاتها. الموقف حيالهما لا علاقة له بالمصدر أو بميول شخصية من أي نوع، بل مجرد محاولة لقراءة الصورة ومطالعة الفيلم من جوانبه التي اختارها لنفسه كما على الناقد أن يفعل. كذلك ليس المقصود تعميم الصورة خدمة للإعتقاد بأن هناك موقف مسبق من شيء معيّـن.
«همس المدن» فيلم تسجيلي يقول مخرجه أنه صوّر في عشر سنوات، وتقول مصادر مقرّبة بأن التصوير تم بتقنية الهاتف الجوّال، لذلك يطالعنا السؤال حول حقيقة هذا الأمر على أساس أن الهواتف النقّـالة ذات الكاميرا لم تكن متوفّـرة قبل عشر سنوات فكيف تسنّى للفيلم أن يصوّر بكاميرا هاتفية؟
إذا ما تجاهلنا هذا السؤال المحق (والذي لابد من أن له تفسيراً مقنعاً) فأن السؤال الآخر الأهم هو لماذا تم تصوير هذا الفيلم؟ أين المبرر؟ أين السبب؟ لماذا على المشاهد أن يجلس في الصالة ليراقب مشهداً واحداً يمتد لأكثر من ساعة.
«همس المدن» فيلم لمخرج سبق وأن قدّم فيلماً واعداً بعنوان «الحياة بعد السقوط». لم يكن فيلماً بلا أخطاء أو خال من السلبيات، لكن جميع التعليقات المسموعة من نقاد عراقيين، قبل سواهم، أنه كان أفضل من الفيلم الجديد الذي أشيع عنه أنه من أفضل ما تم تحقيقه من أفلام تسجيلية لا للمخرج فحسب بل للسينما العربية.
في فيلمه الجديد يضع المخرج تلك الكاميرا على حافة نافذة أو على حافة سطح ويفتحها على الشارع تحته. ليس شارعاً واحداً في مدينة واحدة، بل هناك نحو عشر دقائق في رام الله، ونحو 40 دقيقة في بغداد، ثم نحو عشر دقائق أخرى في مدينة إربل. السؤال حول لماذا رام الله وليس بيت لحم أو لماذا أربيل وليس كركوك هو سؤال جائز إنما لا جواب عليه في الفيلم. طبعاً ربما يعود السبب إلى تسهيلات ما هنا أو هناك، لكن هذا ليس عذراً وعلى أي فيلم أن يبرر وجود المكان قبل سواه.
الكاميرا في المدن الثلاثة لها مهمّـة واحدة: تصوير ما يحدث في الشارع من فوق (معظم اللقطات فوقية): بائع الكعك الفلسطيني، الشحّـاذة ورجل شرطة المرور في بغداد، بائع البسطات وتلاميذ المدرسة في إربيل)… والكثير من السيارات وحالات السير. أكثرها فوضى هي تلك التي في بغداد: سيارات تتوقّـف عند شارة السير، سيارات تمضي على الرغم من من طلب الشرطي توقّـفها. سيارات قادمة عكس السير. سيارات إسعاف وسيارات بوليس تتجاوز الجميع. سير ماش وسير واقف والمزيد من السيارات. ثممطر. تمطر في رام الله وتمطر في بغداد وتمطر في أربيل فماذا بعد؟
ما الغاية؟ ما المفاد؟ ما السبب؟ ولماذا الفيلم. لا يجيب الفيلم. ربما هناك جواب في خلد المخرج لكنه ليس على الشاشة والحكم هو ما على الشاشة. وحين تتوالى هذه الصور من دون ترتيب وبتتابع مضجر وبغياب سياسة مونتاج فإن المعنى الوحيد لوجودها هو أن المخرج كان أكثر كسلاً من أن يتدخل لفرض رؤية أو العمل على تكوين فني ما. هذا في أفضل الأحوال.

تصفية حساب 
مع فيلم محمد الدرّاجي هناك حالة أخرى.
أفلام هذا المخرج السابقةأحلام» و«إبن بابل» و«في أحضان أمي») دارت كلّـها عن فترة صدّام حسين وما حدث خلالها (أو بعدها مباشرة). «إبن بابل»، أكثر من سواه، بدا كما لو أنه تصفية حساب بين المخرج ونظام صدّام حسين. طبعاً لا يمكن الدفاع عن نظام دكتاتوري عنيف وباتر، لكن الأفلام المذكورة خصّـت تلك الفترة وجمعت لها ما يكفي دهراً من النقد متمحورة حول ذكريات الذات في مواجهة الذاكرة العامة، وعلى الأذى الذي أصاب طائفة معيّـنة أكثر من سواها، كما لو كان نير المرحلة المذكورة أصابها دون سواها. لذلك بدا الأمر تصفية حساب شخصية وليس معالجة سياسية شاملة. نواح من المآسي وليس تحليلاً لوضع.
«تحت رمال بابل» لا يختلف عنها: قبل أي شيء آخر (قبل العنوان، قبل شركات الإنتاج، قبل إسم الموقع الذي يشغله المشهد الأول) يطالعنا إسم المخرج "فيلم لـمحمد جبارة الدرّاجي". وبعد قليل يأتينا صوته ليقدّم لنا حكاية المخرج مع صورة شاهدها منشورة لأم ترفع صور أبنائها المفقودين الأربعة بيد وترفع يدها الأخرى للسماء تطلب العون. وكيف أن هذه الصورة دفعت المخرج لكي يبحث عما حدث لأولادها رغم أن ما سنراه لساعة ونصف ليس عنهم تحديداً، بل عن جندي أسمه إبراهيم  ألقي القبض عليه في الصحراء الجنوبية بعد الإنسحاب العشوائي من أرض الكويت فزج به في السجن العسكري حيث تم تعذيبه وضربه بلا هوادة هو وكل من معه. التهمة هي إحتمال أن يكون شارك في "تمرّد المنصورية"، وهي منطقة شيعية جنوبية تم إخماد تمرّدها وزج من وصلت إليه أيادي السلطة في السجون ولاحقاً ما أبادته أو تركتّـه مدمّراً من الداخل أو الخارج
ينتقل الفيلم بين تعذيب إبراهيم وجنود وأفراد آخرين، وبين استجواب المخرج لثلاث شخصيات تسرد تجاربها. هذه الشخصيات ليست بدورها واقعية (على ما يبدو) بل من المرجّـح أنها لممثلين ما يجعل القول بأن هناك جزء تسجيلي من الفيلم غير صحيح.
هذا الإنتقال بين حدث واستجواب لا يخدم صيغة درامية متصاعدة، بل يشكّـل حلاً إختاره المخرج من باب التفنن وكان يمكن له أن يكون فنّـاً في الواقع لو أن عناصر العمل كانت مكتملة. عوض أن تكون، تأتي المشاهد التي أريد لها أن تبدو تسجيلية كتدخل غير مناسب لما يقع في الجانب الأول. إلى جانب أنه يطيل مدة العرض، ليس هناك فيه ما يستحق- بصرياً- التمييز. نعم يختار المخرج تصوير هذه الشخصيات من الخلف أولاً ثم يقدّمها من الوجه لكن هذا يصنع طريقة ولا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الحدث الأول. ذلك الحدث الأول لا يملك حكاية بل موقفاً درامياً متكرراً بدوره.
الناتج هو فيلم من مشاهد المناجاة والتعذيب وتكرار إظهار صور العنف السلطوي على هؤلاء المساجين. ومع أن هناك طوائف أخرى نعرفها من أسمائها (عبدالرحمن، عمر الخ…) إلا أن محور هذه الشخصيات هو إبراهيم الذي لم يرتكب ذنباً (كما سواه في الغالب) على أمل أن يؤدي وجوده إلى الإشارة إلى أن السُـلطة خصّـت- كما الفيلم- تمرد "الشعبانية" (كما أعتقد أنه سمّـي كذلك) بالقوة المفرطة والتعذيب الجانح.
يتمنّـى المرء، كما كانت الشكوى من قبل، لو أن موقف الفيلم (ومخرجه) من العنف موقف يمتد ليشمل رؤية سياسية شاملة. العنف السلطوي ما زال موجوداً. جلادوا الأمس رحلوا وهناك آخرون حلوا مكانهم. والسجون النظامية حالياً مليئة بالمعتقلين الذين لا يأكلون سوى العلقات الساخنة ولا ينالون إلا التحقير والإعتداءات. لماذا إذاً التخصص في فترة واحدة دون سواها؟ 
هناك جواب مقنع وأزاءه لا يمكن إلا الموافقة ولو على مضض: لأن هذا إختيار المخرج وعلينا منحه حريّة هذا الإختيار. لكن المسألة تنتقل بالضرورة إلى سؤال آخر: لماذا إذاً على الفيلم أن يقتصر على التعامل العاطفي ولماذا لا يحمل معالجة فنيّـة أسمى وأكثر حضوراً؟
ربما لأن الجهة المانحة لمعظم التمويل عراقية تتبع النظام؟ وماذا، مرّة أخرى، عن ذلك المليون وأين ذهب؟ 

سكون مهيمن
بعض المسألة أن أحداً لم يعد يتحمّـل النقد. معظم المخرجين العرب واثقون من أنهم وُلدوا بلا أخطاء وأنهم ينجزون تحفاً تحيا للأبد. لكن هناك ما يبدد هذا الإعتقاد على الفور، وفي إطار فيلم يتحدّث بدوره عن التعذيب وسقوط طائفة من الناس تحت ويلات وقسوة طائفة أخرى. تعال قارن بين الفيلمين تجد أن هناك أكثر من سبيل للتعبير عن مأساة عراقية أو سواها، وما أكثر مآسينا، والفيلم الآخر يتقن واحداً من هذه السبل وبميزانية لم تتجاوز الخمسين ألف دولار.
الفيلم هو «أولئك الذين لا يبوحون بالحكايات» للمخرجة البوسنية ياسميلا جبانفيتش. ينطلق من وصول إمرأة استرالية كسائحة إلى قرية صربية على الحدود البوسنية. تأتي للتعرّف على الجمال الطبيعي ولكي تتمتّـع بهدوء المنطقة لتنتقل منها إلى أخرى. ما تكتشفه هو أفظع مما تستطيع تحمّـله: السرير في الفندق الذي تنام فوقه هو واحد من أسرّة عديدة تم إغتصاب النساء المسلمات اللواتي تم القبض عليهن في مطلع الحرب. الجسر الذي تقف عليه هو نفسه الذي تم قتلهن وقتل رجال بوسنيين فوقه حتى "لم يعد بالإمكان السير فوقه بسبب الدم النازف". 
عند هذا الحد، لم تستعن المخرجة بمشاهد دموية، ولا حتى بشريط صوت يحمل صرخات النساء مثلاً. لم توقف العرض السلس والمدهم من باب التفنن في السرد أو المعالجة. الفيلم من أوله (مشاهد للمنطقة والنهر الكبير الساكن) وحتى نهايته (ذلك النهر والجبال الساكنة المحيطة) مروراً بأقسى مراحله يخلو من السذاجة في التضمين أو في التعبير. ما هو مطروح، بفضل معالجة بصرية نافذة ودراية تقنية رائعة، يمر مثل مياه ذلك النهر. الفيلم يحمل هواجس المكان. ذلك السكون الصامت والمخيف. لا مشاهد التحقيق حين يوقف البوليس تلك المرأة الأسترالية فرصة للنيل من نظام، ولا يتحوّل إلى حساب خاص تفتحه المخرجة البوسنية المسلمة لتقتنص من عنف تعرّضت طائفتها إليه على أيدي صربيين مسيحيين.
فجأة في فيلم «همس المدن» (الذي هو لا همس ولا مدن) يطلع صوت إنشودة دينية تتقدمها عبارة «يا سيدي الحسين». هذا مفهوم حين يكون الفيلم حول موضوع شيعي بالقصد (لمَ لا؟) لكن كيف يُـنظر إليه حين يخرج بلا سبب على الإطلاق؟ هل لا زلنا في حضرة فيلم سينمائي، أو دخلنا خطاباً طائفياً آخر؟ [يقول المخرج، وأكتب ذلك لأجل الحقيقة، أن الأغنية هي للتحذير من خطاب النظام الذي يميل إلى الطائفية- لكن عذراً أحكم على ما أشاهده فقط وليس ما هو في البال، والأغنية لا تبدو تحذيراً أو نقداً أو حتى تعليقاً لأن تقنية إستخدامها في فيلم مجرّد عن أسباب وجودها ليست صحيحة).
كلا المخرجين، قاسم عبد ومحمد الدراجي، وبل كل مخرج لا زال طريّـاً في مشواره المأمول سيستفيد من مشاهدة «أولئك الذين لا يبوحون بالحكايات» ليدرك أن الشكل عليه أن يأتي أولاً. المضمون والنص ثالثاً، وبين الإثنين معرفة المخرج بالسبب الذي من أجله يريد أن يصبح مخرجاً

مراجعة نقدية | مهند النابلسي
"سكايفول":  مطاردات جامحة وحنين لمسقط الرأس وجرذان تفترس بعضها !

أبدع المخرج سام مينديس بتصوير مطاردات مثيرة في أسواق وساحات وازقة اسطنبول وعراك قاتل فوق قطار سريع ، وانتقل لحالة قنص فريدة في أعلى ناطحة سحاب في شنغهاي ، ثم انتقل لمهرجان التنين الذهبي في ماكاو وصور عراكا مرعبا في قاعة قمار باذخة ، قبل ان ينتقل للمشاهد الأخيرة المعبرة في لندن واسكتلندا .
بدأت القصة بسرقة غامضة لديسك سري يحوي اسماء عملاء المخابرات البريطانية المندسين مع الجماعات الارهابية العالمية ، وقد هدد السارق المجهول المحترف بكشف اسماء خمسة عملاء اسبوعيا : أبدع الممثل الاسباني خافير بارديم  بدور الشرير الخارق سيلفا بكاريزما لافتة وخفة دم لا ترتبط عادة بسلوك المجرمين الخطرين ، لقد انقلب على ماضيه شاعرا بالحقد والمرارة ومتحررا من قيوده ، أما الممثلة المخضرمة البارعة جودي دينش فعادت باسمها الحركي " ام" كرئيسة لجهاز "ام16" ، واعطت هنا للدور التقليدي نفسا فنتازيا مع مزيج من العاطفة والحزم ، كما أضاف  رئيس لجنة الأمن  والاستخبارات الممثل رالف فينيس (بدور مالوري) توازنا دراميا ولعب ببراعة دور الوسيط المطلوب ،كما لعبت الكيمياء الخاصة ما بين دانييل كريغ ودينش دورا ديناميكيا كقطبي الكهرباء لتحريك الأحداث بهذا النمط المتصاعد البالغ الجموح والجاذبية ، وربما ساعد اختيار اسم "ام" لدينش  كاشارة مجازية "للام" (الحازمة والعطوفة في آنلبناء هذه العلاقة الخاصة ما بين رئيسة الجهاز والعميل السري الشهير ، كما لعبت ناؤومي هاريس دور مساعدته السمراء الجذابة ، حيث انها أصابته افتراضيا بالخطأ اثناء  العراك فور القطار السريع ، وأنقذت حياته مرة ثانية في ماكاو ، وبالرغم من ذلك الا أن الكيمياء كانت مفتقدة في تلك العلاقة  ، ودخل الممثل "بين ويشو" بدور المرجع التقني (كيو) ، وبدا كمراهق متحمس وشغوف وملم بالحاسوب والانترنت وتكنولوجيا المعلومات ، مكتفيا بتزويد بوند بمسدس مشفر وجهاز صغير لتحديد المواقع بدلا من الجهزة الاستخبارية العديدة السابقة ، والأدوات القاتلة المبتكرة التي كانت تعطى له في الأقلام السابقة (كالقلم القاتل ) . 
لعبت "بيرنيس  ليم مارلوهي دورا جديدا كفتاة بوند الجميلة سيفيرين ، التي تقوده قصدا لمواجهة سيلفا ،وذلك عكس الدور التقليدي كدمية  جنسية جميلة ، وعكست ببراعة التوجس والقلق والخوف . تميز هذا الفيلم عن معظم افلام بوند الاخرى ببعده الانساني العميق  ، وتركيزه على مكامن الضعف في الشخصيات ، كما أن دور الشرير لم يكن هنا سطحيا ونمطيا ، وانما أداه بارديم ببرود وذكاء لافت ( حيث بدا شكله  غريبا بماكياج أشقر وحركات مثلية استعراضية )، ومن الواضح ان المخرج مانديس قد تأثر هنا بشريط الفارس الأسود لكريستوفر نولان ، حيث نلاحظ اعادة مشهدية مبتكرة لسلوكيات الأبطال ، وخاصة بطريقة اداء الشرير سيلفا واسلوبه الكاسح بمواجهة خصومه ، آخذين بالاعتبار  طريقة تقديم بارديم لدور سيلفا الذي يذكرنا أحيانا باسلوب الراحل هيث ليدجر في دوره الذي لا ينسى كجوكر (في الفارس الأسود) حيث " لا يقف شيء امام اندفاعه الشرير " !
واذا ما تأملنا  بصمات مينديس الابداعية في الاخراج وتحريك الممثلين  ، نجد قدرته الفذة متمثلة بتشكيل فريق  متوازن حرفيا مع المام "ابداعي" غير مسبوق بالتفاصيل مما يجعله ينطبع في الذاكرة  ،أما المصور السينمائي روجر ديكنس فقد صور مشاهد بصرية تفوقت احيانا على مشاهد فيلم نولان الشهير (فارس الظلام) ، وشكل مع مينديس جهدا كبيرا لتجديد انطلاقة هذه السلسلة  بعد مرور خمسين عاما على انطلاق اول أفلامها، واثبتا ان دانييل كريغ هو من سيستمر بحمل شعلة بوند في المستقبل المنظور على الأقل ، كما يبدو أنه تم هنا وضع مواصفات جديدة لهذه السلسلة في عصر حافل بالتحديات التقنية المتنوعة والسياسية والاحتقانات الدولية الجديدة ، محافظا على نمطية الأفلام ومدخلا عنصرا انسانيا جديدا يتمثل بالحنين الجارف لمسقط الرأس ، حيث تصور المشاهد الأخيرة في منطقة "سكاي هول" باسكتلندا وفي بيت طفولة بوند الريفي القديم وبوجود حارس البيت العجوز  كينكيد (أدى الدور بشغف ألبرت فيني)، حيث استعرض طفولة بوند المريرة وحادث مقتل والده ، وشاهدنا قبره المهجور ، كما أن المشاهد الأخيرة كانت بلا شك حزينة وربما رومانسية بالرغم من قسوتها ، حيث انتهت بمقتل سيلفا  و"ام" متاثرة باصابتها الخطرة اثناء هجوم سيلفا  وعصابته على الكنيسة القديمة المهجورة ، وان كنت لم استوعب سبب غياب الاغنية الرائعة "سكايهول" هنا كخلفية موسيقية لهذه المشاهد الرائعة ! ومع ذلك بقيت الصورة النمطية البراقة للشخصيات باطارها الاستعراضي الحركي  : كالبدلات الأنيقة  والملابس الباذخة ، والسيارات الحديثة  الفائقة السرعة ، والعرض الدعائي السمج المكرر لساعات اوميغا الفاخرة ، ولكنه تجاوز هذه الأدوات الباهرة  بمناظر عير مسبوقة لاسطنبول المدينة الساحرة التي تجمع الشرق والغرب معا  : كساحة السلطان أحمد  ومتحف  أيا صوفيا الشهير  ومدينة فتحية والسكة الحديدية فوق جسر فاردا قرب اضنة ، ثم انتقل لشنغهاي في الصين فأتحفنا بمشاهد حركية  لأعلى ناطحة سحاب ومشاهد في مضمار "أسكوت" الشهير ، ولمطار شنغهاي الدولي " بودونغ" ...وفي منطقة سكاي فول باسكتلندا  تم بناء منزل كبير باستخدام الخشب الرقائقي والجص  لتصوير الأحداث ...وان حاول هنا كريغ ان يسرق شهرة شون كونري باداء فريد استثنائي الا انه لم ينجح باعتقادي ، وأدخل على الدور عناصر جديدة كالابهار والجراة  والطرافة والفكاهة  وصولا لهزل زائد ، ولكن بارديم تجاوزه بتألق استثنائي واضافات مشهدية غير مسبوقة خلطت الشر الجامح بالطرافة والبرود والحكمة ، وانصهرت كل هذه العناصر البشرية والأدوات والمواقع لتقدم شريطا رائعا لافتا ، أثبت فيه سام منديس انه مخرج مغامرات من الطراز الأول وخاصة اثناء تقديمه لمطاردات وعراك يحبس النفاس فوق قطار سريع ، بتصوير متزامن يدمج الحركة بالموقف ، ثم بتصويره لعراك قاتل في حظيرة عظايات ضخمة مفترسة  ( اسفل نادي قمار في ماكاو )، او باخراجه لقطات فريدة لمطاردة قاتلة فوق ناطحة سحاب في شنغهاي ، وانتهاء بمعارك وتفجيرات ماحقة في لندن واسكتلندا ،انتهت بتفجير مبنى "الام16" وهليوكبتر . أما المجاز الذي التقطته باعجاب فهو يكمن بمشاهد خروج سيلفا الشرير من مصعد وتوجهه لمقابلة بوند ( المقيد اليدين) ، راويا باسلوب استعراضي لافت طريقة مكافحة الجرذان التي تكائرت على الجزيرة ، وتم صيدها  وتجميعها وتركها معا بلا طعام  لكي تقوم بافتراس بعضها البعض ، حتى بقي اثنان فقط قي اشارة مجازية له ولبوند  كعميلا استخبارات منشقين وفاشلين ، وتركهما يواجها مصيرهما بافتراس احدهما للآخر  ، وكعادتي الدارجة باسقاط مكونات الأفلام على واقعنا العربي البائس : أليس هذا تماما ما يجري في دول ما يسمى ربيعنا العربي ، حيث نترك كجرذان تفترس بعضها البعض !

واحد من أحسن أفلام بوند 

ناوومي هاريس في لقطة من : سكايفول

مع الاحتفال باليوبيل الذهبي بعد خمسين عاما على انطلاق السلسلة ، فقد قدم دانييل كريغ كل المكونات البوندية الشهيرة : السيارت السريعة الحديثة وحتى القديمة  ، والمال الوفير  وقاعات القمار الباذخة ، والمارتيني الشهير والمواقع الساحرة  والنساء الجميلات ، كل هذه المكونات انصهرت ببراعة لافتة مع اغنية أدلي الرائعة "سكاي فول" التي استهلت بداية الفيلم ، حيث صدح صوتها الشجي  وكأنه " ساقط حقا من السماء " ، كما أن تركيز الفيلم على  مواضيع عصرية مثل التهديد والارهاب الألكتروني ، مكن المخرج سام مينديس من تجديد واعادة اطلاق السلسلة الذي كاد بريقها ان يخفو في النمطية والتكرار  ، اضافة لمشاركة مصور سينمائي فذ مثل روجر ديكنز قد حول المشروع لعمل عبقري . ركز الفيلم على انتقال مركز الاستخبارات البريطني "ام16" لموقع جديد مؤقت تحت الأرض  بسبب تفجير موقعه الأصلي ، مما حول  سياق القصة من النمط الجاسوسي التقليدي لاسلوب  "الويسترن" المصيري ، ووضع وجود و مصير المركز وكافة الأبطال والعاملين على المحك بعد مقتل ستة منهم في التفجير الارهابي . تكمن واحدة من اجمل مشاهد الفيلم في شقة فارغة في الطوابق العليا لناطحة سحاب في شنغهاي  ، حيث يستعرض مشاهد خرافية لقاتل محترف وقناص ماهر وهو يصطاد ضحيته في شقة مقابلة فور  جلوس الضحية لتأمل لوحة فنية جميلة ، وذلك باعادة تكوين لمشاهد رائعة مماثلة مقتبسة من الفيلم الشهير " الطريق للجحيم " لنفس المخرج ، وخاصة عند تصويره للعراك  ما بين بوند والقناص والذي أدى لسقوط الأخير هاويا من أعلى الناطحة
كما ان الفيلم يظهر  الضعف الانساني لبوند ، الذي تعودنا على ظهوره قويا متماسكا ، وذلك بعد اصابته القاتلة في استنبول  وبنيران صديقة  ، وبدا في أضعف معنوياته حتى أن الشرير يستغل معرفته لعلاماته المتدنية اثناء فحص اعادة التأهيل (40%) للطعن بمصداقية رئيسته "ام" ليثبت له أنانيتها الطاغية ،عندما أعلمته كاذبة بان علامته كانت 70% لتحقيق هدفها واعادته للخدمة ، وبالرغم من استمرار بوند باستعراض عضلاته وجاذبيته الجنسية  ، الا انه تمكن من التعايش مع ضعفه وقدم شخصية انسانية معقدة وجذابة ...كما زودنا الممثل الشاب "بن ويشو" ( بدور كيو) بطرافة غير متوقعة ، وخاصة أنه بدا كمراهق مبتدىء ما زال يعاني من آثار حب الشباب  ، فيما بدا التناقض واضحا مع قدراته البارعة بالقرصنة الألكترونية ومعرفته العميقة بخفايا التجسس. ثم هناك خافير بارديم الذي سرق بادائه اللافت  الفيلم بأكمله وهمش معظم الممثلين ، فهو لا يثير الدهشة فقط وانما بدا كشرير هائل يملك قوة مفرطة لا حدود لها  ، وكعميل  سابق في ال"ام16"  يسعى بلا هوادة للانتقام ضد المنظمة التي عمل بها لسنوات ، محاربا اياها بتكنولوجيا فائقة الكفاءة ، لكن دوره يعود فيغرق في النمطية المعهودة لممارسات الأشرار ورغبتهم الجامحة بالسيطرة والتدمير من خلال خلق فوضى مدبرة ومنسقة ومتصاعدة ... ويؤدي هنا  دوره بفرادة مازجا  التوهج " المثلي" السلوكي  الخطر  بالهدؤ البارد القاتل ، وهنا يقدم بارديم  واحدا من افضل أدواره السينمائية ، حيث يستعرض مونولوجا تمثيليا جميلا خالطا بتلقائية لمسات من اداء " الجوكر" الهيستيري في "فارس الظلامواداء بارديم اللافت نفسه بدور " أنطونالقاتل المرعب في فيلم " لا بلد للعجائز" ( الذي حصد الاوسكار  في مجال الاخراج ) ، مضيفا لهذا الأداء التمثيلي المعقد بعض السلوكيات المثلية الباردة والسادية في آن واحد ... كل هذه الخلطة السينمائية البارعة الفريدة جعلت من فيلم "سكاي فول" محطة اطلاق وتجديد للسلسلة الشهيرة .

          

All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system