أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 19, 2013

أربع رسائل من مهرجان روما | مقابلة مع جنيفر لورنس | كل شيء عن تاركوڤسكي | غاتسبي العظيم كما يراه مهنّد النابلسي | أفلام كردية في مهرجان لندن | بيرت لانكاستر 2


Year 7 | Issue 828 

أربع رسائل من مهرجان روما |  محمد رُضــا
الأولى
Stalingrad

على الرغم من الأجواء الإحتفائية وكثرة المشاهدين الإيطاليين ورخاء المظاهر، هناك ما يشي بأن الدورة الثامنة من هذا المهرجان الذي انطلق في الثامن من الشهر الجاري وينتهي في الثامن عشر منه، لا يستطيع أن يختلف كثيراً عن مهرجانات أوروبية أخرى تقام حوله صيف شتاء. 
إنه بالتأكيد ليس بحجم برلين ولا شهرة فينسيا ولا حتمية «كان»، ما يتركه في الحقل ذاته الذي يلعب فيه روتردام وسان سابستيان وفيينا مثلاً. 
ولعل مديره ماركو مولر أول من يعرف ذلك منذ أن ترك إدارة مهرجان فينسيا وانضم إلى مهرجان روما قبل عامين. فعلى الرغم من علاقاته العامّـة والوطيدة مع مخرجين ومنتجين عالميين، إلا أن على المهرجان أن يعني شيئاً خاصّـاً هذه الأيام لكي ينمو.  وإذا ما كان مهرجان روتردام في هولندا شكل وخزة إبرة في جانب مهرجان برلين، أول ما انطلق، وترايبيكا النيويوركي ضايق مهرجان نيويورك العتيد، فإن روما كشف، سنة 2006 حين أقيم لأول مرّة، عن أنه يريد سحب البساط من فينيسيا. لكن بساط فينيسيا لا يزال مكانه ولو أن مشكلة المهرجان الإيطالي المذكور أسمها تورنتو وليس روما.
هذا ليس لأجل التقليل من أهمية روما بل تحديدها وتبقى الأفلام المعروضة فيه، والمنتقاة بعناية مولر المعروفة، خير معيار لذلك. أول ما يطالعنا من جديد وجود فيلم تركي بعنوان «أنا لست هو» للمخرج تايفون بريسليموغلو تراه مسحوباً من فيلم ألفرد هيتشكوك «فرتيغو» مقلوباً. فعوض أن يحاول الرجل (كما أداه جيمس ستيوارت في ذلك الفيلم سنة 1958) دفع المرأة التي يحب لأن تقلّـد المرأة التي أحبها من قبل (وكلاهما- من دون أن يعلم باديء الأمر واحد) هناك ذلك الرجل، نهاد (إركان كيسال) الذي يناط به ذلك التحوّل. حكاية علاقة تندفع بحدّة صوب المستحيل عندما يحتل الرجل فيها مكان زوج المرأة التي ارتبط معها بعلاقة والذي يكمن في السجن. 
يسبق ذلك تقديم يراد له أن يكون واقعياً لنهاد الغارق في أيام هزيلة خلال العمل في حانة أو خارجها. حين تدخل حياته عيشة (مريم زاري) التي تعاني من ضنك الحياة بدورها. ما يجذب عيشة إلى نهاد ليس حنانه غير الظاهر بل وجه الشبه بينه وبين زوجها (لا نراه في الفيلم لكنها تعرض صورته) هذا قبل أن يلتقي هو بمن تشبه المرأة التي يحب. جيد التصوير (من قبل أندرياس سينانوس الذي صوّر للراحل ثيو أنجيلوبولوس أعمالاً) لكنه في أماكن عدّة يظهر ضعف إيقاع متباطيء بلا سبب فعلي.

إيران مشتركة في المسابقة أيضاً عبر فيلم هو الأول لمخرج أسمه كياراش أسديزاده. عنوانه «لاذع» وهو أيضاً يذكّـرنا بفيلم آخر هو «إنفصال» لأصغر فرهادي من حيث أن كليهما يتعاطيان موضوع الإضطهاد في العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن في حين أن الفيلم الشهير لفرهادي (نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي) يضع الرجل مسؤولاً وتحت الإضطهاد في آن معاً، يحرص الفيلم الجديد على توجيه لكماته للمجتمع الإيراني الذكوري. قيمة الفيلم السابق هو أن الرجل القامع هو بدوره مقموعاً ما منح الفيلم قراءة سياسية لا يملكها هذا الفيلم، ولو أنه يبقى ضمن الأعمال التي تتوخى نقد مجتمعاتها.
المحور يقوم هنا على ثماني شخصيات ينتقل الفيلم بينها بتعثّـر. لعل الشخصيّتين الرئيسيّتين كافيتين لإدراك ما في بال المخرج من نوايا فهو يقدّم رجلاً متزوّجاً يعمل في مهنة الطب يحضر النساء لبيته ويغازل الأخريات في مكتبه. زوجته (ممرضة في مستشفى) تعرف ذلك لكنها لا تريد أن تترك البيت ربما لأنها تعيش حياة رغدة بالمقارنة مع سواها. على ذلك تمتنع عن الحديث لزوجها. هذا اللون من الإضطهاد يتبعه أوضاعاً أخرى. على بعضها البعض لا تقول شيئاً لا نعرفه ولا تقوله على نحو فني جيّد.
في مجمله يبدو «لاذع» جريء الطرح من دون أن يبتعد كثيراً عما هو مسموح بطرحه. في أفضل حالاته هو توظيف، إن لم يكن إستغلال، للإهتمام الذي تسبب به «إنفصال» عالمياً حول الوضع الإجتماعي في إيران.
من الخاص إلى العام.

المخرج الروسي فيودور بوندراتشوك، إبن أبيه سيرغي بوندارتشوك الذي عرف بملاحمه الحربية الشاسعة، ومنها «الحرب والسلام» و«ووترلو» و«حاربوا من أجل وطنهم»، يقدم على أكبر أعماله تحت عنوان «ستالينغراد» مختاراً من حصارها موضوعاً يحاول أن لا يُـظهر فيه ميوله العاطفية تجاه وطنه كثيراً وأن يؤم العمل على نحو من التوازن. ما هو أهم عن بوندارتشوك الإبن هو النواحي التقنية كلها. هذا أول فيلم روسي كبير تم تصويره بتقنيات سينما الأبعاد الثلاثة وبنظام آيماكس العريض. لذلك إذا ما كان الموضوع مكرراً في أفلام روسية وفنلندية وألمانية وأوروبية أخرى سابقة، فإن طريقة العرض هنا هي التي تستولي على العمل الذي يعيد طرح الأيام الصعبة التي واجهها الستانليغراديون خلال الحرب العالمية الثانية.
تم إفتتاح الفيلم في الشهر الماضي في موسكو والمدن الرئيسية الأخرى وجلب ما يوازي خمسين مليون دولار منها. لكنه جلب لنفسه غضبة عدداً ملحوظاً من النقاد لما اعتبروه منح الألمان صورة لامعة أكثر مما يستحقّون. لكن المعادلة التي يعرضها الفيلم يمكن قبولها. الجنود الروس المدافعون عن الوطن ضد الإحتلال النازي، مقابل ضابط ألماني يختلف عن أترابه في فهمه وآرائه. 
ما يُـثير في الفيلم هو أنه ينتقل إلى الزمن الحالي ليقدّم فريقاً من رجال الإنقاذ الروس العاملين في اليابان بعد كارثة فوكوشيما. الروس ينقذون خمسة أطفال ألمان ويروون عليهم حكاية ستالينغراد!
الأحداث تورط المشاهد وتجذبه. وأفكار الفيلم الإنتاجية والتقنية جيّـدة، لكن تنفيذها الحرفي ليس بجودة أفلام (أميركية) أمّـت النظم التقنية ذاتها.

الثانية
جنيفر لورنس تؤم روما وتقول:
"أحياناً لا أستطيع الدفاع عن نفسي وهذا يغضبني"
جنيفر لورنس

الحشد الذي واجهه فيلم «ألعاب الجوع: الإحتراق» Hunger Games: Catching Fire الذي عرضه مهرجان روما خارج المسابقة، كان طبيعياً وفي الوقت ذاته مناف للطبيعة. هل أمّ أهل روما وجوارها جميعاً هذا الفيلم؟ هل هناك نار فعلية تلحق بهذا الفيلم وتنتشر بين الناس؟ هل رسالته من النوع القابل للإشتعال والتأثير على هذا النحو؟
كون النقاد والصحافة شاهدوا الفيلم في عرض خاص بهم منعنا من تكوين صورة كاملة عن الإقبال الكثيف الذي شهده العرض الجماهيري، لكن الأصدقاء الطليان ذكروه أكثر من مرّة كما لو أن هذا الإقبال ليس متوقعاً في مهرجان كبير في مدينة تزخر بالفنون والتاريخ.
لكن أي نوع من الأفلام هذا الفيلم ليجمع من حوله هذا الحشد؟ هل هذا الجمهور مدفوع برغبته في مشاهدة فيلم جديد؟ في مشاهدة جزء ثان من فيلم أعجبه؟ أم بسبب رسالته التي تتحدّث عن مستقبل يثير التشاؤم بقدر ما هو مثير كعرض سينمائي مزدان بالأفكار والمواقف الحرجة ومشاهد الخطر؟
تُـعيد جنيفر لورنس في «ألعاب الجوع: الإحتراق» رسم دورها في الجزء الأول. كانت ربحت جائزة الدورة الرابعة والسبعين في السباق غير الإنساني الذي كان عليها فيه، كما على كافة المشتركين، القتال حتى الموت للبقاء أحياءاً. شيء من المبارزات الرومانية الشهيرة إنتقلت من التاريخ لتصب في المستقبل. 
المخرج فرنسيس لورنس (ليس من علاقة قرابة بينه وبين بطلة الفيلم جنيفر لورنس) سعى ونجح في أن يبقى أمينا للكتاب كما وضعته سوزان كولينز في ثلاثيّـتها التي شاهدنا منها الجزء الأول قبل أقل من عامين- تلك التي أنجزت أكثر من 152 مليون دولار في  أميركا ونحو 690 مليون دولار حول العالم. ميزانية الفيلم الجديد وصلت إلى 130 مليون (بزيادة نحو أربعين مليوناً عن ميزانية الفيلم السابق) لكن قدم الفيلم أكثر ثباتاً مما كان عليه الوضع حين ظهر الفيلم الأول. 
جنيفر لورنس لا زالت محور الأحداث. في الفيلم الجديد ستقوم برحلة تلبية لأوامر النظام في العاصمة، كونها فازت في مباريات الجزء السابق. خلال الرحلة تشعر بأنها في خطر، وما يلبث الشعور أن يتحوّل إلى إدراك. من شاهدها في الفيلم السابق ووجدها مثالية لهذا الدور نظراً لبراءتها وعمرها الشاب (23 سنة) سيجدها لا زالت تستطيع أن تجسّـد المطلوب منها درامياً كما بدنياً كما لو أنها لم تترك ذلك الفيلم بعد. ما تغير تصميم شعرها والكثير من الأزياء التي إرتدتها هنا بناءاً على الأحداث التي تمر بها في هذا الجزء. شيء أكيد، وكما تقول إحدى شخصيات الفيلم «مباريات الأمس كانت ألعاب أولاد» حيال ما هي عليه في هذا الفيلم.

- كيف كانت ردّة فعلك حين شاهدت «ألعاب الجوع: الإحتراق» 
لأول مرّة؟
* عندما شاهدت هذا الفيلم ذهلت تماماً. المخرج (فرنسيس لورنس) طلب مني رأيي بنص هاتفي. كتبت له: لن أستطيع الحديث عن الفيلم ليومين مقبلين. راقبت انفعالاتي العاطفية التي مثلت بها الدور ووجدتها أدّت غرضها. الفيلم مشحون بالعاطفة… حتى التصوير عاطفي في منواله. 

- المؤثرات موظّـفة جيّداً.
* صحيح. لقد شعرت بالفخر لأني في هذا الفيلم وحين تذكر المؤثرات أعتقد أنها رائعة وقوية التأثير. 

- إذاً مرة أخرى تؤدين دور المرأة المتمرّدة في ثاني ظهور لك في
هذه السلسلة. هل أنت في الواقع إنسانة متمرّدة؟
* لا أطلق على نفسي لقب متمرّدة لأن لدي الكثير من القلق. لكني قد أثور ضد غياب العدالة وضد الظلم والأشخاص الذين يستخدمون العنف للوصول إلى غاياتهم

- في «ألعاب الجوع: الإحتراق» لديك ما تثورين ضدّه وهو الظلم
في عالم مستقبلي يقسّم الناس ويحكم عليهم. هذا هو البعد
السياسي في الفيلم، لكن ماذا عن بعدك الشخصي؟
المسألة معقّـدة. من ناحية أؤمن بدور الفنان في أن يؤدي رسالة إجتماعية من خلال أفلامه، لكني لا أستطيع أن أفرض هذه الرسالة. في بعض الأحيان أشعر بأن عليّ أن أتدخل ضد شيء ما. أتمنى أن أكون شجاعة كما شخصيتي في هذا الفيلم، لكني لا أستطيع. أشعر بأني في موقع حرج في هذه الحالة. أحياناً لا أستطيع الدفاع عن نفسي وهذا ما يغضبني. خلال التصوير لا أستطيع أن أقوم برد فعل على النحو الذي أريده. لا أستطيع أن أقول على نحو مباشر، هذا ليس عادلاً. لا أستطيع القيام بذلك. 

- هل المانع نفسي؟
المانع مزيجاً من الحالات. في الحقيقة إذا ما أثرت معارضة أصبت بنتائجه لأن الشائعات ستطاردني معتبرة أنني نرجسية وأحاول فرض هيمنتي أو أي شيء غير الحقيقة. الإعلام مستعد لفبركة حكايات حول أي شيء في هذه الأيام. أعرف كيف يمشي هذا العالم وأعلم أنني هدف للإشاعات. لذلك أحاول أن لا أورط نفسي في نقاشات أو مطالب  وهذا ما يثير غضبي في بعض الأحيان. 

- ربما غضبك هذا تستثمرينه في الشخصية التي تؤديها…
إنها شخصية تثير حالياً إعجاب الناس خصوصاً من هم في
مثل سنّـك...
ربما هذا صحيحاً. هذا تفسير مقبول. لكن الشهرة هي ليست أمراً تختاره، بل أمراً ترثه من أعمالك التي تشهد لك. هناك ممثلون وصلوا سريعاً إلى الشهرة بفضل أعمالهم واختياراتهم في الأساس لكن هل كان هناك من هو واثق من النتيجة؟ شخصيّتي في «ألعاب الجوع» الأول والثاني هي في رأيي ناجحة لأن الشخصية مرسومة أساساً على نحو صحيح. وربما أديتها أنا كما هو مطلوب. 

- هناك موازاة بين ما يحدث في الفيلم وما يحدث حول العالم.
لو كنت تستطيعين لعب دور ما في الواقع يشبه ما تقومين به
في الفيلم… أي دور تقومين به؟
* أتمنى أن يحل اليوم الذي يصبح الكلام أكبر سلاح. لا أقول ذلك كما لو كنت غبية لا أعرف ما يدور، بل لأني أتطلع إلى اليوم الذي نتوقّـف فيه عن قتل بعضنا البعض. اليوم الذي نستطيع فيه البدء بالتفكير والإبتعاد عن العنف… هذا هو المستقبل العظيم الذي أطمح لأن أراه يتحقق.

- ما تعنيه الشهرة بالنسبة إليك؟
* تعني أنني بت مسؤولة. بحد ذاتها الشهرة لها فعل مزدوج. قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية. واستخدامها في أي نحو يرجع إلى الممثل أو إلى الفنان عموماً. وهي في الواقع ليست عادلة. لماذا أنا وليس الممثل الآخر، لكن عليك أن تقبل بذلك.

- قبل عام واحد نلت جائزتين هما حلم الممثلين: الغولدن غلوبس
والأوسكار وذلك عن دورك في «كتاب اللهو المطرّز بالفضّة». لم 
ألتق بك بعد ذلك لكي أسألك ما يعنيه ذلك بالنسبة إليك
* لقد زاد ذلك من الإجهاد. في الأساس موسم الجوائز يزيد من شعوري بالإجهاد والضغط النفسي. لكني بالطبع سعيدة بما نلته. أحاول أن لا أحول الفوز إلى دراما في بالي. لكن بالنسبة لي لا أستطيع أن أتصرّف بناءاً على هذا النجاح الذي اعتز به. لو فعلت فسأكون مدعية ومتكلّـفة وأنا لست كذلك. 

- هذا ما ترغبين به في نهاية المطاف. أليس كذلك؟
* ماذا تعني؟

- أعني أن تحققي نجاحك بفضل موهبتك وليس بفضل
الجوائز التي تحصلين عليها…
* تماما. دائما ما فعلت ما أردت أن أفعله. أنا في المهنة التي اخترتها لنفسي. لم يخترني أحد لها. وأنا فيها لكي أمثل أدواراً على نحو يجعل وجودي في التمثيل مبرراً لذاتي أوّلاً. وأعتقد أنني أردت دوماً أن أقرأ القصص وأن أمثل الشخصيات ورغم تقديري للجوائز إلا أن شيئاً سوف لن يتعرض أو يغيّـر منهجي في العمل.


الثالثة
جزائري ولبناني بين المشاركين
"مهرجان روما بالأرقام"
Snowpiercer

أربع مخرجون عرب اشتركوا في «سوق الإنتاج المشترك لمهرجان روما الثامن» الذي أستوعب نشاطاً سمّـاه «شبكة السينما الجديدة» NCN باحثين عن فرص تمويل وتوزيع لأعمال يطمحون إلى تحقيقها. المخرج العراقي سمير قدّم مشروعاً عنوانه «مقهى أبو نوّاس» والفلسطيني بسام جرباوي قدّم مشروعاً بإسم «ملك السوليتير» (أو «الوحدة»). والآخران هما فايزة عمبة وكريم بن صالح الواقفان وراء مشروع جديد بعنوان «مرجعية للعناكب». والإيرانية المعارضة شيرين نزهت، تلك التي قدّمت، سنة 2009 فيلمها اللامع «نساء بلا رجال» (واحد من إكتشافات مهرجان برلين آنذاك) تسعى للغرض نفسه من وراء هذا الملتقى بمشروع فيلم سمّته «صوت مصر».
مهرجانات عديدة من روتردام في مطلع كل عام، وإمتداداً إلى دبي، في نهايته، تبذل جهدها لاحتواء أفكار ومشاريع المخرجين الساعين إلى حياة سينمائية ناجحة. بعضهم (مثل المخرجين السعوديين المذكورين ومثل الفلسطيني جرباوي) جدد في مضمار السينما، ومنهم (كسمير العراقي الذي يوقع بإسمه الأول منذ أكثر من خمسة عشر سنة من العمل وشيرين نزهت) معروف كان يتمنّـى لو أن وجوده حتى اليوم جعل الأمور أسهل.
لكن كما يقول المخرج الأردني محمود مساد (صاحب فيلم «إعادة خلق» التسجيلي قبل بضع سنوات) ليس الأمر سهلاً:
"معظم الأسواق، خصوصاً العربية تفضل فتح الباب على مصراعيه للمخرجين الجدد في أول وثاني أعمالهم".
- ماذا عن الباقين؟
"هذا ما أريد الوصول إليه. إذا حققت أكثر من ثلاثة أفلام صارت مسألة إيجاد التمويل أصعب من المرّة الأولى التي كنت تبحث فيها عن تمويل أول فيلم لك".

في العروض الرسمية ما تم تحقيقه فعلاً وانتخب ليمثّـل السينما في بلده. ستلاحظ- وللمرة الألف- أنه في مقابل خمسة أفلام تشيلية مثلاً (ونحن لا نتحدث عن الأسبانية أو الإيطالية أو البريطانية الأكثر إنتاجاً) هناك فيلم جزائري واحد. ومن بين ستة عشر دولة عربية انتجت أفلاماً من عمق التاريخ هناك دولتان عربيّتان مقدّمتان هنا هما الجزائر ولبنان. 
لن نضيف شيئاً إذا ما مضينا في المقارنات، لكن الأرقام الماثلة رهيبة: 2620 فيلم تمت مشاهدتها من قبل مدير المهرجان ماركو مولر وفريقه جاءت من 76 بلدا (من بين هذه البلدان تم إختيار أفلام تعود إلى 31 بلداً). من بين الأفلام المشاهدة تم إنتخاب 71 فيلم وعرضه عرضاً رسمياً وإحدى عشر فيلماً متوسّـط الطول وتسعة عشر فيلما قصيراً. من بين هذا المجموع هناك 18 فيلماً تنافست في المسابقة الرسمية. 
على عكس الدارج، لم يفاخر روما بعدد الأفلام «الوورلد برميير» التي عادة ما تشغل مهرجانات أخرى بينها تلك العربية. فعرض تسعة أفلام لم يسبق عرضها في أي مكان من العالم وفيلمان عرضا فقط في موطنهما قبل عرضهما في المهرجان. لكنه حفل بعشرين حفلة «غالا» (كما يسمونها وهي حفلات الإفتتاح الكبيرة) لعشرين فيلم. 
كل هذا العدد من الأفلام زج به على سبع شاشات شهدت زحاماً كبيراً.

الفيلم الجزائري بعنوان «ثورة الزنّـج» وهو الفيلم الثاني للمخرج طارق تقية الذي سبق وقدّم «روما ولا أنتما» بنجاح كبير،  وموضوعه صحافي جزائري يطلب منه بحث عن المظاهرات التي عمّـت الجنوب الجزائري قبل سنوات قليلة، لكن بحثه يقوده للتدقيق في الثورة التي قام بها الزنوج ضد الخلافة العبّاسية.
لكن في الوقت الذي يعمد فيه مهرجان روما إلى تشجيع تواجد مخرجين بمواهب متميّزة كحال طارق تقيّـة، يمضي قدماً في محاولة تعزيز حضوره كلقاء ناجح لمشاهير السينما. في ذلك هو مثل كل المهرجانات الكبيرة الأخرى التي تنشد التأكيد على أن النجوم يأتون إليها. لكن في حين أن المهرجانات العربية (وعدد من غير العربية أيضاً) تضطر لدفع مبالغ كبيرة لحضور النجوم الذين يوافقون على الحضور والسير على السجادة السحرية التي تتغزّل بها مذيعات المحطات التلفزيونية، هم يأتون لحضور «كان» أو برلين أو فينسيا أو روما لأن أفلامهم معروضة رسمياً والتكلفة هي تكلفة سفر وإقامة غالباً.
قبل أن تطأ جنيفر لورنس مطار روما مع ممثلين آخرين يواكبونها في فيلم «ألعاب الجوع: الإحتراق»، وصل ممثلون أميركيون آخرون مشتركين بأعمالهم من بينهم واكين فينكس وسكارلت جوهانسن وماثيو ماكانوفي. هذا الأخير عن «نادي مشترو دالاس» وهو يبرهن فيه أنه لم يعد مجرد الوجه الذي يظهر في الأفلام كممثل آيل لأن يعبر الشاشة كما يعبر القطار محطة لا يتوقّـف عندها، بل بات واحداً من أفضل الممثلين المجرّبين. كايسي أفلك (شقيق بن) وسكوت كوبر حضرا عن «لا يمكن صهره» الذي يشترك فيه أيضاً وودي هارلسون وسام شيبرد وفورست وتيكر وويليم دافو. بكلمات أخرى يجمع هذا الفيلم عدداً من المشخّصين الجيدين الذي قد ينتهي بعضهم إلى حلقات الأوسكار القريبة.
والأمر ليس حكراً على الممثلين بالطبع، هناك المخرجون أيضاً. وهم على نوعين: نوع مدعو لأن لديه فيلماً في المسابقة أو خارجها، ونوع جيء به للإشتراك في ندوة. جوناثان دَمي الذي حقق فيما حققه «صمت الخراف» سنة 1991 (ولا تزال إبتسامة أنطوني هوبكنز فيه تثير الخوف) وصل لعرض فيلمه «الخوف من السقوط» وقابل الجمهور وتحدّث إليه. ورومان كوبولا ووز أندرسن اشتركا في ندوة تم بعدها عرض فيلم قصير لوز أندرسن عنوانه «كاستيللو كافالاكنتي».
تتمنّى بالطبع لو أن هذا الإهتمام بالتواصل مع الجمهور الغربي يمتد ليشمل مخرجين عرب لديهم ما يقولونه. بعضهم في الحقيقة لديه الكثير مما يمكن له أن يقوله، لكن المهرجانات الغربية، بما فيها روما، ليست محطات تجارب وسفراء عمل صالح. هذا ما يترك لمهرجاناتنا مثل هذه الفرص لكن لجمهور عربي لا يملك سوقاً قويّـة يستطيع التأثير فيها.

أفلام الإفتتاح غالباً ما تكون للدعاية وقليل منها يبقى في البال. وفيلم الإفتتاح هنا «العجلة الخامسة حالياً تدور» لجيوفاني فيرونسي لم يختلف. بعده تم عرض الفيلم الكرتوني «طائرات» الذي لم يكن سوى تمهيداً لعروضه التجارية الإيطالية. لكن بعد اليومين الأولين، يقول من وصل قبل هذا الناقد، استوى المهرجان صوب عروض أكثر جدّية. 
وأحد الأفلام الت أستقبلت جيّداً في هذا النطاق الفيلم الكوري (الجنوبي طبعاً) «سنوبيرسر» الذي قام المخرج بونغ جون-هو بإقتباسه من رواية خيال علمية فرنسية نشرت مرسومة. وحين تم عرض الفيلم في الصالات الفرنسية قبل أسابيع جذب إليه ما يقارب المئتي ألف مشاهد في «الويك إند» الأول له محتلاً الرقم الخامس في قائمة أكثر الأفلام نجاحاً في فرنسا.
إنه أول فيلم للمخرج هو ناطق بالإنكليزية ولديه ثلاثة أسباب مهمة لذلك: السوق الأكبر الذي يستطيع الوصول إليه هو أحدها. السببان الآخران سعيه (الناجح) لنشر رسالة تشمل العالم من دون تحديد. بكلمات أخرى، الفيلم ومحوره الذي يتناول مستقبلاً ستنطلق فيه «ثورات ربيع» أخرى بسبب الظلم والتعسّف الفوارق الطبقية، حسب الفيلم، لم يرد أن يتحدّث عن وضع فرنسي أو آخر كوري بل مدد المشكلة لكي تغطي مناطق غربية أو أسيوية أخرى. السبب الآخر بالطبع وجود ممثلين أميركيين وبريطانيين فيه. لديك تيلدا سوانتون وجون هيرت من بريطانيا وإد هاريس وكريس إيفانز من أميركا في بطولته.
«سنوبيرسر» يجب أن لا تُـترجم إلى «قارص الثلج» فهي إسم القافلة التي تنقل بشراً إلى مصير مجهول. العالم في المستقبل بالكاد استيقظ من كارثة دولية ليجد نفسه وقد تم تقسيمه إلى محظوظين فوق مشاكل الحياة العادية، وبقايا بشرية في طريقها للموت لأنها لا تملك ثمن البقاء حيّـة. هذا ما يدعو إلى ثمرد يقوم به شابان هما إدغار (جايمي بل) وكيرتس (إيفانز) وعجوز خبير (جون هيرت).
مثل «ألعاب الجوع: الإحتراق» يسدد الفيلم نبوءة داكنة يستنتجها مما يعيشه العالم اليوم من عثرات إقتصادية وعلمية واجتماعية. كلاهما يرى أن الغد ليس مشرقاً وأن العالم سينقسم إلى من يملك ومن لا يملك. كلاهما أيضاً يتميّـزان بتصميم إنتاجي كبير، لكن الفيلم الأميركي أكثر نجاحاً  في مجال المؤثرات المصنوعة دجيتال من الفيلم الكوري. 

الرابعة
الذهبية لفيلم طريق من النوع الممل
رحلات إيطالية في الزمن والمكان والثقافات القريبة- البعيدة
Foreign Bodies

جاءت جوائز الدورة الثامنة من مهرجان روما، الذي أسدل ستارته بعد منتصف ليل السابع عشر من هذا الشهر، لتمنح السينما الإيطالية بعض ما تحتاجه هذه الأيام من دعم. فالجائزة الأولى ذهبت إلى فيلم TIR الذي موّلته شركات إيطالية وكرواتية وحققه المخرج الإيطالي ألبرتو فاسولو. وهي الجائزة الوحيدة التي ذهبت إلى السينما الإيطالية، بينما تحلّـقت الجوائز الأخرى حول أعمال أوروبية وأميركية.   فجائزة أفضل مخرج نالها الياباني كيوشي كوروساوا عن «الشيفرة السابعة» وجائزة لجنة التحكيم الخاصّـة ذهبت لفيلم روماني لم نجد له معنى إنكليزياً لعنوانه الأصلي وهو Quod Erat Demonstrandum.
جائزتا التمثيل ذهبت للأميركيين ماثيو ماكانوفي عن «نادي مشتري دالاس» وسكارلت جوهانسن عن دورها في her. في حين وجدت اللجنة، التي ترأسها هذا العام المخرج الأميركي جيمس غراي، أن فيلم «أنا لست هو» للتركي تايفون بيريسلموغلو استحق جائزة سيناريو.
هذا الفوز الإيطالي بالجائزة الأولى هو الثاني لها على مستوى المهرجانات المحلية الكبيرة،  بعدما كانت خطفت جائزة «الأسد الذهبي» في مهرجان فينيسيا السابق عن فيلم Sacro GRA لجيانفرانكو روزي. كلاهما يستندان إلى محاولة قراءة واقع إيطاليا على طريق من السفر وبأسلوب يمزج بين الروائي والتسجيلي. لكن كلا الفيلمين، خصوصاً TIR (الأحرف الأولى من التعريف الفرنسي Transport International Route لمخرج اشتغل على الأفلام التسجيلية سابقاً أسمه ألبرتو فاسولو) لن يستطع استثمار هذا النجاح خارج موطنه كون الحكاية محليّـة وغير قابلة للسفر إلى ثقافات ودول أخرى.
عندما قرر المخرج فاسولو الإنتقال إلى الروائي عمد إلى تحقيق هذا الفيلم بنصف قلب لينفّـذ واحداً من تلك الأفلام التي من السهل نسيانها بعد حين. كثير من النقاد هنا منحوه درجات متوسّطة وبعضهم استغرب أن تقوم لجنة التحكيم، التي قادها المخرج الأميركي جيمس غراي، بتتويجه بجائزتها الأولى.

بطل الفيلم هو سائق شاحنة (يقوم به الممثل البوسني برانكو زافرزان الذي لعب بطولة «أرض لا أحد»، لدنيس دانوفيتش  سنة 1987) يعمل لحساب شركة إيطالية عبر الطرق الأوروبية السريعة وعليه في غمار ساعة ونصف تقريباً الإنتقال عبر الأقاليم والمناطق والحدود بين الدول في قيادة شبه متواصلة.
«تير» هو عن وحدة المسافر على الطريق. وهناك الكثير من الوقت (كل الفيلم) يمضي ونحن نتابع الممثل يؤدي دور سائق حقيقي. يقود شاحنته والكاميرا على وجهه. يتوقّـف أحياناً للحديث إلى سائقي شاحنات أخرى. يتصل بزوجته ليشكو لها وحدة الطريق ويمارس ما يمارسه كل سائق مسافات طويلة من مفارقات طبيعية كالطبخ أو غير طبيعية (كالحقن المخدّرة).
هذا جميعاً على حساب الدراما التي لا تتطور حال تعريفنا به وسماعنا لخلفيّته حين يذكّـر زوجته أن السبب وراء قبوله هذا العمل هو أنه يجني منها أضعاف ما كان يجنيه كمدرّس. لكن لا شيء يتحقق من وراء كل ذلك سوى تسجيل ما يدور لغاية تسجيل ما يدور!
هناك إيحاء بالوضع الإقتصادي من خلال خلفية السائق كما من خلال ذلك الرصد البطيء لأسلوب حياته وطبيعة حمله. هذا الوضع أكثر حضوراً في فيلم  جيوفاني فيرونيسي الجديد «الدولاب الخامس» الذي يستعرض نحو 45 سنة من الحياة الإجتماعية والسياسية الإيطالية على غرار ما فعله المخرج الأميركي روبرت زميكيس حين قدّم سنة 1994 فيلمه الآسر «فورست غمب».
كذلك الفيلم أيضاً، المنحى هنا كوميدي-درامي ومثله بطله (إليو جرمانو) رجل يتسلّـح بطبيعته البريئة التي لا تتغير وهو ينتقل بها وسط مراحل الحياة حتى خلال الأزمات. في رحلة الفيلم وبطله يطالعنا فيرونيسي بمواقف مأخوذة من أحداث حقيقية مثل إغتيال رئيس الوزراء الإيطالي اليساري ألدو مورو في الستينات. وفساد الحزب الإشتراكي في التسعينات (فضيحة بتينو كراكسي) قبل أن يصل الفيلم في استعراضه للخلفيات السياسية هذه إلى مرحلة رئيس الوزراء السابق سيلفير برلسكوني وفضائحه التي سادت الإعلام الإيطالي والعالمي.  هذا يخلق جيوب اهتمام أكيد لكنه يبقى عابراً وبلا تأثير. بكلمات أخرى وقوف الفيلم عند هذه المحطّـات يخدمه كفكرة لكنه لا يقفز إلى النص ليشكّـل وضعاً درامياً مؤثراً.
تبدأ الأحداث سنة 1967 حيث نتعرف على أرنستو كولد فاشل في الرياضة وفي المدرسة ويعامله والده على هذا النحو فارضاً عليه العمل معه. بالإنتقال إلى أرنستو وقد غدا رجلاً متزوّجاً. يواصل الفيلم رصف كل مشاكل الحياة على كاهل بطله المتزوّج الآن من أنجيلا (أليسندرا ماستروناردي). فهو لا زال غير قادر على إجادة أي عمل يقوم به وعلى مواجهة مشاكل الحياة الإقتصادية والإجتماعية على نحو فاعل. بكلمة واحدة هو «دولاب خامس» كما كان يناديه والده، أي لا فائدة ترجى منه.
الفيلم الإيطالي الثالث المتسابق هو «خذ خمسة» لغويدو لومباردي: حكاية سرقة مصرف نابولاتاني كتبها المخرج بنفسه. ربما بدت واعدة على الورق، لكن التنفيذ غدا أكثر فتوراً مما ينبغي. منتج الفيلم غويتانو دي فايو يقوم بتمثيل دور سجين سابق لا زال يعيش حياة الجريمة وها هو يخطط لارتكاب سرقة مصرف. لكن الفيلم يتجنّـب خوض تفاصيل الخطّـة ويجتاز المرحلة الفاصلة بين البداية وبين إتمام العملية بفترة زمنية قليلة. ما يهمّ المخرج هو ما يحدث بعد إتمام السرقة والدعوة للقاء يتم فيه توزيع الحصص المتّـفق عليها. الخمسة الذين اشتركوا في السرقة لهم شخصيات مثيرة للإهتمام، لكن قيام المخرج بالإستعانة بلفيف من الممثلين الذين لم يسبق لهم الوقوف أمام الكاميرا جعل العمل يترصّـع بأداءات باهتة. كذلك محاولته إيجاز ما سبق السرقة والتركيز على النتائج يُـلغي قدراً كبيراً من التشويق الذي عادة ما يصاحب مثل هذه الأفلام.
طبعاً كان يمكن أن يبدأ الفيلم بالفصل الأخير منه وبناء دراما تدور حول خمسة شخصيات قد تستطيع الإلتقاء لتوزيع الغنيمة وتداول مشاكلها من دون المرور- مشهدياً- بالسرقة أساساً ولو أن هذا كان سيخلق فيلماً آخر (ربما أفضل) بالتأكيد.

أفضل منه عملاً «أجانب» (أو «رفاق أجانب» إذا ما أردنا الترجمة الحرفية لكلمتي Foreign Bodies) وهو فيلم لمخرج لم تتح لهذا الناقد مشاهدة عمليه السابقين ميركو لوكاتيللي سبق وحقق أربعة أفلام بدءاً من 2004. الفيلم الجديد من بطولة الممثل فيليبو تيمي إبن 22 فيلم سابق برهن فيها عن نضج سريع وموهبة يمكن الوثوق بها. 
العنوان مقصود به العرب من الأغراب الذين يثيرون اهتمام بطل الفيلم المواطن العادي أنطونيو. هو إبن محنة قاسية من مطلع الفيلم عندما يطرق باب مستشفى حكومي في مدينة ميلانو ومعه طفله المصاب بالسرطان. مع حتمية بقائه إلى جانب طفله ومغادرة باقي أفراد العائلة المكان الموحش الذي يبدو مثل نفق يودي إلى الموت أكثر منه إلى الحياة، ما على أنطونيو، مطلع الأمر، سوى مراقبة صبي عربي أسمه يوسف (الفاروق عبدالله) في الجناح نفسه فهو مصاب أيضاً بالسرطان وينتظر إما شفاءاً محتملاً أو موتاً قريباً. في البداية يشعر أنطونيو بضيق المكان من جراء هذا الجوار العربي، لكن هذه الثقافة الآتية من الشاطيء الآخر تبدأ بإثارة إهتمامه خصوصاً بعد تعرّفه على صديق يوسف، شاب مغربي أسمه جابر (جوهر إبراهيم). لاحقاً ما يكتشف الأب عالماً كان بحاجة إليه. ثقافة من شأنها، كما يقترح الفيلم، تعويضه عن خسارة إبنه المحتملة. الإسلام مختلطاً بالمنشأ العربي، يوحي الفيلم، هو نداء روحي جديد يفتح أفقاً كان مسدوداً أمام الإيطالي الآتي بأفكار مسبقة. 
يقوم جزء من الفيلم على تبادل ثقافي وإنساني. في الوقت الذي يتيح فيه جابر للإيطالي أنطونيو الغرف من وعاء متمايز، يبحث جابر عن سكينة تنقذه من الحاجة إلى الكنف الإنساني وربما إلى عطف أبوي مفقود. 
هذه الطروحات الإنسانية والعاطفية ترسم خطوطاً واضحة على الشاشة، لكنها لا تتكفّـل بإزالة العوائق التي يبدو أن المخرج (كتب السيناريو مع زوجته غويديتا تارانتيللي) لا يعلم بوجودها. عوائق مثل أن ما نعرفه عملياً عن أنطونيو لا يعدو بضعة أسطر ما يجعل مبرراته منقوصة، ومثل أن الوقت يمر بطيئاً قبل الإنتقال من نقطة إلى أخرى. وفي حين أنه أفضل من الأفلام الإيطالية الأخرى في أكثر من جانب، خصوصاً على صعيدي التصوير والتمثيل، إلا أنه كان يحتاج لسيناريو يجيب على الأسئلة قبل تنفيذه وتحويله إلى بصريات.



كل شيء عن تاركوڤسكي  1 | محمد رُضــا

لا أعرف كيف أختار أفضل عشرة أفلام في التاريخ ليس من بينها «المرآة» أو «التضحية» أو «ستوكر» أو «أندريه روبلوف» وكلّـها للمخرج أندريه تاركوڤسكي. في الإحصاء الذي أجرته مجلة «سايت أند ساوند» جاء «المرآة» في المركز التاسع عشر مابين «برسونا» لإنغمار برغمن و«الغناء في المطر» لستانلي دونن وجين كيلي. «أندريه روبلوف» ورد في المركز السادس والعشرين مناصفة مع فيلم أكيرا كوروساوا «راشمون». أما «ستوكر» فجاء في المركز التاسع والعشرين مناصفة مع الفيلم التسجيلي الممل والعاطفي المبالغ به «شواه» لكلود لانزمان. 
خمسة من أفلام تاركوڤسكي الروائية الطويلة السبعة عرضت على الجمهور والنقاد في أوقات غير أوقات إنتاجها. دائماً متأخرة بفعل فتور الإهتمام بها من قِـبل السلطات السوڤييتية آنذاك ومعارضتها لبعضها كونها تبرز العامل الفني الذاتي فوق الأيديولوجيا الشيوعية والروسية العامّة. لكن أيضاً، وفي الستينات والسبعينات عندما أخذ نجم تاركوڤسكي بالظهور فإن الأفلام الأجنبية (غير الأميركية) لم يكن لها إلا أن تنتظر سنة أو أكثر أحياناً لكي تجد طريقها للعروض الأوروبية الغربية. واقتران السببين جعل أفلام المخرج تتعثّـر في سبيل إنجاز الوقع المهم الذي لها.
هذا بالإضافة إلى أن المخرج كان قليل العمل (كما كان ستانلي كوبريك مثلاً). في 1962 أخرج فيلمه الروائي الطويل الأول (بعد فيلمين قصيرين وواحد متوسط الطول) «طفولة إيفان». بعد أربع سنوات (1966)  أنجز «أندريه روبلوف». بعد ست سنوات (1972) حقق ثالث أفلامه «سولاريس»، ثم مرّت ثلاث سنوات قبل أن ينجز «المرآة» وبين هذا الفيلم وفيلمه «ستوكر» (أو «المقتفي») ثلاث سنوات أخرى (هذا معقول). لكن أربع سنوات مرّت قبل أن ينجز «نوستالجيا» (1983) ثم ثلاث سنوات قبل إنجازه «التضحية» آخر أفلامه العام 1986 وهي السنة التي مات فيها عن 54 عاماً.
بطيبيعة الحال، لم يستطع الكثير من النقاد الغربيين مشاهدة أفلامه إلا بعض سنوات من عروضها (بالنسبة للنقاد العرب لا أدري إذا ما كان معظمهم شاهد له أكثر من فيلم أو إثنين). لكن المؤثر هو أن ما سبق من تفاعلات وأسباب أخـر على انتشار تاركوڤسكي كفنان أول. 
الناقد الفرنسي مارسيل مارتان كتب سنة 1980 يعزي فيها خفوت مكانة تاركوڤسكي لدى الجمهور إلى صعوبة أفلام المخرج. هذا لا ريب سبباً مهمّـاً لكني لست واثقاً من أنه سبب شاسع الأثر. إنغمار برغمن كان صعباً للكثيرين لكنه حقق نجاحاً كبيراً بين جمهور المثقفين وهواة السينما، كذلك كان مايكلأنجلو أنطونيوني
الناقد الإيطالي جيوفاني بوتافافا، أحد أكثر أترابه تخصصاً بالسينما الروسية والسوڤييتية قبلها، لاحظ أن فيلم تاركوفسكي «سولاريس» (ذلك الفيلم الخيال العلمي البديع) يمكن إعتباره ميتافيزيقياً شبيه بوضع تاركوڤسكي السينمائي. كتب: "المحيط الشاسع حول المركبة هو مثل وضع الفيلم بالنسبة للمشاهدين"… كلا المحيطان ضائعان.

ولد تاركوڤسكي في الرابع من نيسان/ أبريل سنة 1932. والده هو الشاعر أرسني الذي استخدم المخرج بعض أشعاره في فيلمه «المرآة». في أواخر الأربعينات درس تاركوڤسكي الموسيقا وأم بعض دروس الرسم حين كان في العشرين من عمره. درس اللغة العربية عندما سجّـل نفسه في معهد الدراسات الشرقية سنة 1952 ثم عمل لبضع سنوات في حقول سايبيريا كباحث جيولوجي. سنة 1956 دخل معهد السينما تحت إدارة ميخائيل روم وفي ذلك التاريخ حقق فيلمه الأول «القتلة» (عن رواية إرنست همنغواي وهي التي كان انتقلت إلى السينما الأميركية سنة 1946 للمخرج روبرت سيودماك)
سنة 1960 ترك الدراسة وأخرج «سيارة البخار والكمان» الذي حين يتحدّث عنه تاركوڤسكي يقول أنه فيلم مهم "لأنني تعرفت فيه على الموسيقار فاشيسلاف أوڤشينيكوڤ ومدير التصوير ڤاديم يوسوڤ اللذان استمرّيت بالعمل معهما»

لم يحقق تاركوڤسكي «القتلة» (1956) وحده، بل شاركه فيه ألكسندر غوردون. لكن حصّـة تاركوڤسكي من الفيلم (21 دقيقة و19 ثانية) هي أكبر وتحوي على مشهدي البداية اللذان يدوران في الحانة.
تشكيل الصورة ينبؤ عن علم. هناك حركة كاميرا لكنها خفيفة ومناسبة. لا شيء يدخل غصباً في الزور. الإيقاع، على غير المتداول في معظم من ينوي تحقيق فيلم قصير، يأخذ وقته كما لو أن جزء من فيلم طويل. الحكاية ليست كاملة لا كما وردت في رواية همنغواي ولا كما وردت في الفيلم، لكن ذلك مقصود ولو أن النجاح ليس حليف الرغبة في تأجيج نقطة صدام درامية أبعد من مجرد ما تعرضه المشاهد.

تشبّـع بصري
في العام 1961 تاركوڤسكي أول أفلامه الروائية الطويلة وهو «طفولة إيڤان» وهذا الفيلم انتزع بجدارة جائزة الأسد الذهبي من مهرجان ڤينيسيا حين عرض في العام التالي. الفيلم يتموقع حول الجبهة الروسية- الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. إيڤان هو صبي في الثانية عشر من العمر (هو سن بطل فيلم تاركوڤسكي متوسط الطول «سيارة البخار والكمان») الذي ينضم إلى القوات السوڤييتية بعدما قتل النازيون والدته وشقيقته الكبرى. والمهام التي أسندت إلى الصبي خطيرة تقتضي بالتجسس لصالح الجيش عبر التسلسل في الأحراج الفاصلة بين القوّتين. الفيلم دراما وليس أكشن بالطبع، كما أن «سولاريس» هو تأمل في الماضي (الندم) والحاضر (الحيرة) والمستقبل (الغموض) وليس مجرد خيال علمي مثير.  مشروع إنتقال الصبي إيڤان (نيكولاي بورلاييڤ) من البراءة إلى الإدراك ليس بخياره، بل نتيجة الحرب. من هذه الزاوية تلك البراءة هي العذرية (غير الجنسية) التي فقدها عندما بات طرفاً في النزاع. تاركوڤسكي يحمل على الحرب ذاتها أكثر مما يحمل على الألمان. علاقات إيڤان محكومة بالواقع المتمثّـل بالقادة الذين يوجهونه وبالماضي عبر أحلامه وذكرياته مع أمه وشقيقته. وكلاهما معالجان برهافة تاركوڤسكي وما يسكن أسلوبه من تشبّـع صوري- بصري بديع.

المشروع لم يكن وارداً بالنسبة لهذا المخرج الذي كان جديداً على الداخل والخارج. كتبه أولاً فلاديمير بوغومولوف عن رواية لكاتب أسمه ڤ. بوغومولوڤ وقام مخرج سوڤييتي لم يترك أثراً ما أسمه إدوارد أبالوڤ بتصوير بعض مشاهده. لكن ركاكة ما تم تصويره دفع المسؤولين لتنحية المخرج ثم لإيقاف التصوير إلى أن عُـهد إلى تاركوڤسكي تحقيقه. هذا قام مع (المخرج لاحقاً) أندري كونتشالوڤسكي بإعادة كتابته وبتصويره. 
سارتر كتب مقالة عن هذا الفيلم وجد فيها أن إيڤان مقدّم لنا على أساس أنه "مجنون. وحس. هو بطل صغير. في الحقيقة، هو أكثر ضحايا الحرب براءة وإثارة للتعاطف" ووصل سارتر إلى ما هو استنتاج منتشر: "ألسنا هنا، بأكثر المواصفات ضيقاً، نقد مميّز للبطل الإيجابي؟".
في الوقت ذاته، يكشف هذا الفيلم عن أن تاركوڤسكي استخدم المعالجة المفضّلة للسينما السوڤييتية حين يصل الأمر إلى تصوير الحرب العالمية الثانية وهي الإعتمادعلى الصورة التي تحمل الشحنة العاطفية، شعرية أو واقعية أو تأمّـلية أو كلها معاً، اعتماداً يضحد أي نحو آخر من التداول. لذلك أفلامهم الحربية كانت دائماً قوية الشأن والتأثير. تاركوڤسكي استخدم هذا المنهج لكنه حكى حكاية مختلفة. عوض استخدام هذه الصورة المشبعة لتوفير قراءة يتمناها النظام، عمد إلى استخدامها لقراءة فنية تخدم وجهته المعادية للحرب والمتحدّثة عن صراع لا إنساني يخوضه الجانبان وإيڤان فيه هو الضحية!

يتبع….

شاشة الناقد | غاتسبي العظيم (2013) : سقوط مبكر للحلم الأمريكي | مهند النابلسي


ينتقل نيك كاراوي  من مينسوتا لنيويورك بصيف 1922 لتعلم مهارات التداول بالسوق المالي ، ويستأجر بيتا بلونغ أيلاند ، المنطقة الثرية الخاصة بالأثرياء الجدد ، هؤلاء التافهين اللذين لا يهتمون الا بالمظاهر و باللهو والاستعراض  . يقع بيت نيك بجوار قصر يملكه ثري غامض  يسمى " غاتسبي" ، الذي يعيش لوحده بقصر كبير "غوتي التصميم" ، ويقيم كل ليلة سبت  حفلات باذخة استعراضية ضخمة . ونيك يختلف عن الاخرين بكونه أنهى دراسته بجامعة بيل الشهيرة ، ولكونه  طيب وخلوق وبريءويذهب نيك مرة لتناول العشاء برفقة ابنة عمه "دايزي بوخانانوزوجها الثري الماكر توم ، ويتعرف هناك على جوردان بيكر  ، ويميل لاقامة علاقة رومانسية معها . ويتعرف بعمق على طبيعة العلاقة الزوجية ما بين دايزي وتوم ، كما تبلغه جوردان بوجود عشيقة سرية لتوم واسمها " ميرتيل ويلسون" ، التي تعيش بمنزل متواضع في وادي الرماد ، وهي  منطقة صناعية بائسة وفقيرة معدمة تستقبل كافة انواع المخلفات من كل من ويست ايغ ومدينة نيويورك (وربما قصد هنا بذكاء تسليط الأضواء على الفقر وبؤس الحياة في هذه المنطقة الاستراتيجية للمقارنة مع نمط الثراء الفاحش لآبطال الرواية الرئيسيين) !...وبعد هذا الاكتشاف الهام يسافر نيك لنيويورك برفقة توم وميرتيل ، منضما لحفلة سرية رخيصة  حيث يسعى توم بحرية لاقامة علاقة آثمة مع عشيقتة ، وتتطور الامور فتقرعه ميرتيل بشأن زوجته ، ويضطرلتوجيه لكمة كاسرا أنفها
ومع قدوم الصيف يجد نيك دعوة خطية نادرة لحضور احدى حفلات غاتسبي الباذخة ( الذي يبدو وكأنه كان يراقبه عن بعد ) ، ويلتقي هناك مع فتاة جميلة اسمها "جوردان بيكر" ، كما يلتقي كلاهما لاحقا بغاتسبي  نفسه ، الذي بدا غامضا ومنطويا ويتحدث الانجليزية بلكنة خاصة  ويبتسم بطريقة لافتة غريبة ، كما انه يميل لأن يدعو كل شخص يلتقي به بعبارة " اولد سبورت " ( الرياضي القديم ) ، ويلتقي غاتسبي بجوردان اولا ، التي تخبر بدورها نيك بعض التفاصيل عن جاره الغامض ...كما يخبرها غاتسبي بأنه كان يعرف "دايزي" منذ خمس سنوات ( قبل ذهابه للحرب) ، وانه قد وقع حينئذ بحبها ، كما انه يقضي الليالي العديدة  يبحلق بالضؤ الأخضر الصادر عن بيتها من خلال الخليج ، وقد كشف لها كذلك بأن نمط حياته الاستعراضي الجامح  والحفلات الباذخة التي يقيمها بقصره ، ما هي في حقيقة الأمر الا وسيلة لادهاش دايزي والتأثير عليها !
حب رومانسي فتاك وصداقة نادرة ...

...ثم يكشف غاتسبي لنيك رغبته الشديدة بأن يحاول الأخير تدبير لقاء منفرد مع دايزي ، مبديا قلقه من امكانية رفض دايزي مقابلته اذا ما عرفت أنه ما زال يحتفظ بحبه لها ، وبالفعل يقوم نيك بدعوتها لحفل شاي "مرتبة" تجمعها بغاتسبي دون ان يخبرها بوجود غاتسبي ، بعد أن يجهز له غاتسبي المكان بديكورات جذابة "رومانسية" وأصناف جميلة من الورود والزهور الخلابة ...وبعد اللقاء الغرامي المفاجىء الذي سادته في البدء أجواء من الدهشة والخجل والتردد ، يعود الحب العارم فيتدفق بين العشيقين القديمين مستعيدا وهجه وتألقه وحنينه المسترجع ...ثم يبدأ توم الثري الماكر الذي تسري بعروقه "دماء زرقاء" بالشك والارتياب من وجود علاقة لزوجته مع غاتسبي ، ويلاحظ في حفل غذاء جامع نظرات الحب والهيام التي يرسلها غاتسبي بوله لدايزي المترددة ، وبالرغم من تورط توم بعلاقات آثمة مع النساء الا ان فكرة خيانة زوجته له لا تروقه وتحدث شرخا بكرامته وكبرياءه وغروره (لكونه زير نساء متمرس !) ...ولا يخفي غضبه وحنقه الشديد وغيرته من غاتسبي "المزيف" ، ولا يعتقد أبدا بصحة رواياته حول مصدر ثروته ودراسته الجامعية !

بعد مواجهة عاصفة بين الرجلين " الزوج والعشيق " ، ومراهنة كل منهما على اخلاص وحب دايزي له ، وانكشاف علاقة الحب القديمة ما بين غاتسبي ودايزي ، ومع اصرار توم على خصوصية علاقته بزوجته ومحبته الشديدة لها ، كما انه يجد الفرصة سانحة لكي يكشف للجميع أكاذيب غاتسبي حول مصدر ثروته  ، وشكه بأن غاتسبي ما هو الا مجرد "مجرم" متستر جمع ثروته الهائلة من عمليات تهريب الكحول ونشاطات "غير شرعية" اخرى ، وتبدو هذه المكاشفة الصريحة والخطيرة وكأنها قد استفزت غاتسبي لأبعد الحدود ، فينفجر غاضبا ، ويكشف مضطرا عن أصله الفقير المتواضع ، وعن التقاءه بالصدفة مع ثري عجوز اسمه " دان كودي " ، حيث قدم له خدمة بانقاذ حياته من غرق محتم ، وحيث يرد له هذا الأخير الجميل باصطحابه برحلة بحرية ، معلما اياه أساليب الثراء ودهاليزه ، وربما يكون قد مده بالبداية ببعض المال ليبدأ رحلته العصامية المثابرة ...وهنا تنكشف مشاعر دايزي "النسائية" المترددة ( الخبيثة التي تستغل احسن ما في الرجلين المتنافسين على حبها ! ) والتي تبدي فجأة تمسكها بزوجها وكأنها ترفض عرض غاتسبي بشكل غير مباشر ! ثم يرتب توم رحلة العودة ل "ايست اييغ" ، ساعيا بدهاء لارسال زوجته منفردة  مع غاتسبي ... وعندما تصل سيارة " نيك وجوردان وتوم" الزرقاء لمنطقة "وادي الرماد" ، يكتشفون أن سيارة غاتسبي الصفراء الفارهة  قد صدمت وقتلت بالخطأ "ميرتيل" (عشيقة توم السرية ) ! وعندما يهرعون رجوعا لجزيرة " لونغ أيلاند " يعلم نيك من غاتسبي بأن دايزي هي التي كانت تقود السيارة  عند صدمها لميرتيل  التي قفزت فجأة بفزع امام السيارة المسرعة ، ولكن غاتسبي "الخلوق المحب الشغوف" ، يتعهد بأن يتحمل هو شخصيا مسؤولية الحادث المأساوي ! في اليوم التالي ، يقوم توم باخبار جورج ( صاحب الكراج زوج ميرتيل العصبي الأحمق  ) بحيثيات القصة ساعيا لتحريضه بخفاء للانتقام من غاتسبي ، ومبينا له بأن غاتسبي هو الذي كان يقود السيارة ، ملمحا بمكر مما ساعد جورج المسكين "الحانق العصبي" لأن يستنتج بأن غاتسبي ربما يكون أيضا العشيق السري لميرتيل ، ويجهز هذا الأخير مسدسا ويتسلل لقصر غاتسبي خلسة ، فيقتله غدرا وهو يهم بالسباحة ، ويقدم بعد ذلك على الانتحار
ينظم نيك المخلص  جنازة لائقة حزينة لصديقه غاتسبي ، منهيا علاقته مع الجميع ومع جوردان ، وينتقل راجعا لميدويست للتهرب من ملاقاة هؤلاء الأثرياء "الانتهازيينالكريهينالمقززين" اللذين كانوا يحيطون بغاتسبي ويحضرون حفلاته الصاخبة ، ثم انفضوا عنه بمحنته ... وقد انكشفت له حقيقة الخواء  والفراغ الروحي والانحلال الخلقي الذي يتميز به هؤلاء الأدعياء التافهين ...ثم يستنتج نيك أن حلم غاتسبي الرومانسي الجارف باعادة لقائه بدايزي وتجدد الحب بينهما  ، ما هو الا وهم وخيال أفسده المال والخيانة والتردد "النسائي" الماكر والمصالح الذاتية ، وكذلك بأن الحلم الأمريكي  الخاص "بالسعادة والفردية وانتهاز الفرص والبطولةقد ذاب وضاع وتحلل ضمن مفهوم الثراء الباذخ الاستعراضي  والمنفلت اللأخلاقي ...وبأن عظمة غاتسبي تكمن حقيقة  بقدرته الفائقة واصراره العنيد على تحويل الحلم لحقيقة مع أمل جامح وبمثابرة يحسد عليها ، ثم يستنتج نيك بحزن وشغف وحنين بأن عهد الأحلام قد ولى بلا رجعة : حلم غاتسبي ووهم الحلم الأمريكي على حد سواء !

يبدأ الفيلم بنصيحة قيمه يقدمها لنا الراوي (الممثل توبي ماجوايرعملا بنصيحة والده القديمة : "لا تنتقد الاخرين أبدا ، بل فتش عن أحسن ما فيهم" ! كما ان نيك كاراواي  يقدم نصيحة ذهبية اخرى لغاتسبي " ليوناردو دي كابريوعندما يعلم بنيته اعادة احياء غرامه القديم مع دايزي ( الممثلة كاري موليغان ) : "لا تحاول ابدا احياء الماضي" ! ولكن غاتسبي  الواثق بنفسه وامكاناته وبحب دايزي له يرفض مصرا على قناعته ليواجه مصيره القاتم !
 يلعب "توبي ماجواير" دورا لافتا "كراوي للحكاية وكاتب مستقبلي واعد" ، ويؤرخ لفترة هامة في عشرينات القرن الماضي تشمل بدايات الكساد العظيم وتداعيات الحرب العالمية الاولى ، فقدان القيم وانطلاقة موسيقى الجاز الرائعة  و"أرصدة الأسهم المالية" في بورصة نيويورك ، ويقدم باز لورمان مخرج الاستعراض القدير رواية الكاتب الشهير "سكوت فيتزجيرالد" باسلوب مميز حافل بالاستعراضات الغنائية الراقصة الفريدة بجانب رهافة وحساسية اخراجية تضج بالأناقة والشاعرية والشغف الوجودي والحنين للماضي ، ويبدو وكأنه فهم تماما مغزى الرواية الكلاسيكيبة وتمكن ببراعة من تحويلها لعمل سينمائي شيق ومتألق ومؤئر ، مع استخدام جيد للحبكة الدرامية--الرومانسية التي تركز على اختيار دايزي ما بين غاتسبي  العشيق الولهان المخلص وتوم الزوج المحب "المتملك" الثائر لكرامته ، والذي لا يريد ان يفرط بزوجته ! بقي أن نبحث عن اليهود في أي عمل كلاسيكي غربي مميز ، فنجدهم هنا بصورة نمطية دالة  تتمثل ب"ماير فولفشين" صديق غاتسبي القديم ،الكهل الثري المقامر الجامح والذي ربما ساعده على تكوين ثروته الهائلة  ، وقد ظهر مرتين في الرواية  ، لكنه رفض متجاهلا حضور جنازة غاتسبي ، وما لفت انتباهي هو ظهوره هنا في الفيلم كزعيم عصابة أنيق ماكر وليس كرجل أعمال !
هذا الفيلم الممتع الرائع يلفت الاهتمام لنشؤ مدرسة اخراجية تعزى لنمط "باز لورمان" الفريد بالاخراج (تماما كمدرسة هيتشكوك الاخراجية) ، التي تضىء دوما بالدهشة الاستعراضية-الموسيقية التي تأخذ بالألباب ، والتي تتضمن طروحات سياسية- اقتصادية-اخلاقية اجتماعية ونفسية تتراوح ما بين تداعيات نهاية الحرب العالمية الاولى المأساوية ، وبدايات الكساد العظيم ، وتشريعات تحريم الكحول ، والثراء الباذخ الهائج والعصامية الخلاقة  ، ثم العلاقات الجامحة  والرومانس والخيانة الزوجية ، وصولا للطموح والأمل ، مع تعمق استثنائي وسبرلدهاليز نفسية البطل الفريدة "غاتسبي" !  وأخيرا تسليط الأضواء المركزة على "الصداقة الحقيقية النزيهة والمخلصة " ، والتي ظهرت هنا كأهم قيمة اخلاقية انسانية نادرة

Mmman98@hotmail.com 


أفلام تجوب الأرض الموعودة
أفلام كردية في مهرجان لسينما تؤكد هويتها الخاصّة

قبل سقوط الثلج | Before Snowfall

إنطلقت الدورة الثامنة من مهرجان الفيلم الكردي في لندن في الخامس عشر  من تشرين الثاني/ نوفمبر حتى الرابع والعشرين منه. خلال الفترة سيعرض المهرجان 121 فيلماً من بينها 23 عملاً طويلاً و52 فيلماً قصيراً وثمة 46 فيلماً تسجيلياً. 
إحتوت مسابقة للأفلام القصيرة على 20 فيلم تنافست على جائزة بإسم المخرج الكردي-التركي الراحل (بعد طول مناهضة للسلطات التركية في الستينات والسبعينات) يلماز غونيه. 
ما تكشفه هذه الأرقام هي الوفرة. قبل سنوات ليست بالبعيدة، كان من اللافت وجود فيلم من إخراج سينمائي كردي واحد. كان الحديث في المهرجانات العربية هو إذا ما كان من الصحيح تقديم الفيلم تحت هذا المسمّـى أو بالإنتماء إلى البلد الرسمي الذي جاء المخرج منه أو إلى جهة إنتاجه. اليوم تغيّر الوضع لأنه بصرف النظر عن المعطيات السياسية فإن  الأفلام التي قام مخرجون أكراد بتحقيقها عاماً بعد عام في السنوات الأخيرة، بات يشكل كياناً لا يمكن تجاهله.  واللافت هي أن الكثير منها أفلام جيّـدة ومشغولة بحرفة ممتازة.

هذا يتضح في أكثر من فيلم توفّـره هذه المناسبة إلى خليط من المشاهدين العرب والأكراد والغربيين الذين سيتابعونها. خد مثلاً الفيلم الجديد لناهد قوبادي «حول 111 فتاة» المصوّر في إيران والحامل موضوعاً جديراً بالطرح.
إنه حول موظّـف الدولة (رضا بهبوني) الذي ينطلق من العاصمة إلى الأقليم الكردي بحثاً عن 111 فتاة كردية كتبن رسالة تعلن فيها عن إقدامهن، خلال أربعة أيام، على الإنتحار جماعياً. للإيضاح، ليس الإنتحار إحتجاجاً على عدم وجود أزواج فقط (بعد حروب مات فيها الكثير من الرجال على أي حال)، بل على وضع إجتماعي لا يتحسّـن تركهن وحيدات ويائسات. الموظّـف يهرع لفعل شيء ما لإنقاذهن. ينتقل بالسيارة من مكان لآخر في تلك الجرود والجبال باحثاً عنهن  ومتسابقاً مع الزمن. خلال هذه الرحلة نجد عين المخرجة (قريبة المخرج المعروف بهمان قوبادي) على الوضع بأسره. المجتمع الذي عوض صرف جهده لتوفير مناخ عيش مقبول يلاحق شاباً مكبلاً ومغطى الرأس بتهمة الزنا. طريفة تلك المشاهد التي نرى فيها ذلك الرجل وهو يركض في الطرق الريفية مقيّـد اليدين ورأسه مغطّـى بكيس قماشي. ثم حزينة تلك المشاهد التي نرى فيها إحدى النساء وهي تكشف عما يجول في بال المجموعة التي ستقدم على الإنتحار. 
في الحقيقة، بين المشهد الطريف والمشهد الحزين يتناوب الفيلم بأسره، لكن الطرافة من النوع الدال تماماً كالمشهد المثير للحزن. في أحد تلك المشاهد تنقلب السيارة التي يستقلها الموظف ورفيقيه (رجل من الأقليم وصبي يعرف تضاريس القرى المحيطة). يمر أربعة رجال أكراد على تلك الطريق الجبلية ويهبّون للمساعدة. حين يعيدون السيارة إلى وضعها الصحيح، تتدحرج أمام أعين الجميع وتهوى إلى الوادي. 
لكن الفيلم ليس كوميدياً على الإطلاق. فيه من دراما المواقف ما يواصل نقده لكل الأطراف: المسؤولون الإيرانيون الذين لا يكترثون والأتراك الذين يرسلون إلى الحدود 111 شاباً للزواج من الفتيات قبل تنفيذ إنتحارهن، والكرديات اللواتي يودّعن الحياة بلا نضال. كل ذلك محوره هذا الموظّـف الذي يريد أن يفعل شيئاً لكنه لن يستطع.

رحلة إلى النروج
«قبل سقوط الثلج» هو فيلم ثان تراه لندن للمرّة الأولى (كشأن معظم هذه الأفلام). هذه الدراما القاسية آسرة بإدارة مخرج كردي من العراق أسمه هشام زمان. بعد رحيل أبيه أصبح الفتى سيار (عبدالله طاهر) هو سيد البيت وينتظر من شقيقته نرمين الزواج ممن وافق عليه وليس ممن تحب. حين تهرب من القرية متسللة إلى تركيا ومنها إلى النروج. سيار سيعتبر ذلك لا خروجاً عن الطاعة فحسب بل فعل على شقيقته أن تدفع من دمها ما يغسل شرف العائلة. سيتسلل، بالإختبداخل صهريج، إلى تركيا ويحط في اسطمبول ثم يبحث عن شقيقته ويجدها لكنها تهرب. سيلتقي هناك بفتاة مهاجرة تتخفّـى بشكل صبي حتى تتحاشى صنوف الإساءة إليها. سيكون الوحيد الذي يعرف جنسها الحقيقي في الرحلة التي يشترك فيها صوب النروج حيث علم أن شقيقته حطت فيها. من دون كشف المزيد من الأحداث، فإن الجزء الذي تقع مفارقاته في تركيا تتولّـى تقديم الوضع الإجتماعي المعقد لمدينة تعج بالمهاجرين المعوزّين والباحثين عن القدر الأدني من الأمان (عرب وأكراد وسواهم). هذا الجزء هو الثاني من ثلاثة أجزاء من العمل بحسب الإنتماء الجغرافي. الأول في شمالي العراق، والثاني في تركيا والثالث في النروج. ومع أن سيار هو المحرك الأول للأحداث والفاعل الرئيسي لها، إلا أن لكل جزء من الفيلم نسيجاً فنياً يتجاوزه. تصوير جيّـد للبيئة قبل أن يعود وجود سيار وفتاته في ثلوج النروج إلى حيّـز الحكاية الفردية أكثر مما سبق.
معايشة حقيقية وموضوعية فذّة من المخرج ترصد متاعب وآمال وآلام بطله على نحو حافل بالملاحظات. تقنياً لعله أفضل الأعمال المتوفرة من حيث حرفية التنفيذ ومنح الفيلم ما يحتاجه من عناصر إنتاج لكي يبدو على النحو الفني المتكامل الذي هو عليه.

رجل القانون
بيكاس | Bekas

وهناك رحلة ثالثة تجوب الأنحاء في «بيكاس» لكرزان قادر: حكاية شقيقين ينويان السفر إلى أميركا. لا مال ولا جواز سفر لكنه حلم يتراءى لهما معتقدين أن أميركا تكمن خلف جبال كردستان العراق. سبب الوله هو شخصية سوبرمان اللذان يعتقدان أنه كما صوّرته السينما لهما. على هذا الوعد ينطلق أحدهما في محاولة تدبير شؤون السفر والثاني في إثارة الحماس له وبعد قليل هاهما يدخلان معتركات الإستنتاج الطبيعي بأن هذه الرحلة ليست ممكنة وبل هي خطرة. 
على الرغم من قدر من حسن التنفيذ مع إختيار جيّـد لأماكن التصوير، هناك سذاجتان: واحدة عند الطفلين والأخرى لدى المخرج الذي لم يستطع التعامل جدّيـاً مع الحلم المستحيل واكتفى بالعرض المسلي وحده. يبقى فيلماً لافتاً وربما جماهيرياً لمن لا يبغي من الفيلم أكثر من هذا الشأن.
مثل هذا التعامل الأجدى موجود في فيلم هينر سليم (أشهر مخرج كردي لجانب بهمان قوبادي) «أرض حلوة.. أرض مرّة» الذي يتعامل ورجل قانون تم تنصيبه على قرية قريبة من الحدود الإيرانية والتركية حيث ينشط التهريب. ليس هناك من عصابة واحدة بل عصابتان. الأولى قوامها نساء مهرّبات وهذه لا تتعاطى في الشأن الداخلي. الأخطر منها عصابة من المترأسين والنافدين تريد الإطاحة بالقانون. يُـقرأ الفيلم كما يُـقرأ فيلم الوسترن (مع بطل يرتدي القبّـعة ومسدسات حول الخصر الخ وجياد وطبيعة الخ…) لكنه يبقى عملاً كردياً إجتماعياً خاصاً وجديراً بالإعجاب. السبب هو أن سليم يودع في هذا النوع من السينما كياناً طبيعياً وقابلاً للتصديق حول ما يواجهه الإستقلال الكردي الذاتي من عوائق. ولسان حاله يقول أن الإستقلال الذاتي والخروج من تبعات مرحلة سابقة هو شيء، والقبول بالقانون واحترام سيادته هو شيء آخر. 



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

2 comments:

  1. استمتعت بقراءة تحليل مهند النابلسي لفيلم غاتسبي العظيم...عرض تحليلي متكامل وشيق وممتع

    ReplyDelete
  2. استمتعت بقراءة تحليل مهند النابلسي لفيلم غاتسبي العظيم...عرض تحليلي متكامل وشيق وممتع

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system