أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 5, 2013

جديد: أهمية فهم وتحليل اللصورة والنقد العربي المفلس | الفيلم الجديد «جاذبية» والخوف من المجهول في أفلام الفضاء | ممثل: هنري فوندا | جديد النوافذ من يوم غد: ميسر مسكي عن إيتوري سكولا- حلقة ثالثة


يمكنكم الكتابة مباشرة إليّ على:  m.rouda@gmx.com
Editor: Mohammed Rouda | Year 7. Issue 824
أتذكّـر: هنري فوندا

 كل أفلام هنري فوندا غير الوسترن لم أشاهدها إلا بعد أن أصبحت ناقداً محترفاً، ذلك لأني كنت إلى السادسة عشر من العمر لا أشاهد، في الغالب، إلا أفلام الوسترن ومع أنه لم يكن ممثل وسترن أساسي، كحال راندولف سكوت وجويل ماكراي وجون واين وسواهم، إلا أنه لعب بضعة أدوار مهمّـة في هذا النوع من بينها The Ox-Bow Incident [حادثة إكسبو | وليام أ. ولمان- 1947] الذي شاهدته بعد 12 سنة من تحقيقه ولم أفهم الكثير من مواقفه لأنه لم يكن فيلم وسترن عادي. هذا الموقف حياله بقي حتى شاهدت ذلك الفيلم الممتاز للمخرج وليام أ. ولمان سنة 1990 أو نحوها
مداومة أفلام السينما عندي بدأت منذ النصف الثاني من الخمسينات. صورة لي ولوالدي رحمه الله ونحن خارجان من صالة سينما تعرض «لهاليبو» [حسين فوزي- 1949]. طبعاً، كانت السينما (في حي مهدوم الآن في وسط بيروت التجاري) تعرض أفلاماً قديمة ولا أذكر أنني شاهدت فيلماً جديداً حتى منتصف الستينات عندما أخذت أذهب إلى صالات السينما وحدي. لذلك كل ما شاهدته من قبل كان من أفلام من صنع الثلاثينات والأربعينات ومطلع الخمسينات. 
Jezebel [«جيزابل» | وليام وايلر- 1938] كان أحدها. أو ربما أوّلها.
لا أدري إذا ما اكترثت له على الإطلاق حينها. ربما بقيت مسمّـراً في صالة «بلازا» الصغيرة بإنتظار الفيلم الثاني. إذا ما فعلت ذلك فربما ولدت بذرة الصبر عندي في ذلك الفيلم. فهو من ذلك النوع «الإجتماعي» العاطفي الذي لديه حكاية غير مألوفة من حكايات الغرب الأميركي. القليل من إطلاق النار والكثير من الحوارات. القليل من مشاهد المطاردات، والعديد من مشاهد الحفلات والطقوس الإجتماعية في الجنوب الأميركي أبان الحرب الأهلية الأميركية. 
لاحقاً علمت أن الشركة المنتجة مترو غولدوين ماير أراضت تعويض بيتي ديفيز عن عدم إسناد دور لها في «ذهب مع الريح» [فكتور فليمنغ- 1939] عبر منحها دوراً في البيئة الجنوبية الإرستقراطية ذاتها في «جيزابل». هذا من الصعب تصديقه لأن «جيزابل» سبق «ذهب مع الريح» بعام كامل فكيف تعوّضها عن شيء لم يتم تحقيقه بعد---- إلا إذا كان المقصود هو ضم فترة الإستعداد لتصوير «ذهب مع الريح» التي انطلقت قبل ثلاث سنوات من إنتاجه.
هنري فوندا لم يكن ليجلب الكثير من الإنتباه في أفلامه الأولى إلا لمن كان راشداً آنذاك. رغم هذا تسمّـرت في مكاني عندما شاهدته في The Grapes of Wrath  «أعناب الغضب» [جون فورد-1940]. كان ذلك سنة 1968 في مركز «جون أف. كندي» في بيروت ضمن تقديم قام به المنشّط الأميركي الراحل ألبرت جونسون. ما شدّني إلى الفيلم رسالة وجدتها على غير عادة الأفلام الأميركية المارّة تحت مجهر اليمين الأميركي.
طبعاً هو فيلم من كتابة الروائي الإنساني جون ستاينبك (أو شتاينبك لمن يفضل) لكن الفيلم فيه من قوّة المضمون ما جعلني أقدّر الحرّيـة المتاحة أمام المبدع لتحقيق ما يريد إذا ما لم تكن هناك قبضة حديدية من النظام أو السُلطة. لاحقاً ما علمت أن الفيلم أثار تساؤلات لكن أحداً لم يستطع التصدّي له كونه مقتبس عن رواية منشورة لا يمكن إتهام صاحبها بأنه «يساري» ومن إخراج عميد سينما الغرب الذي تحدّث، غالباً، عن بطولة العسكر الأميركي ضد الهنود الحمر وأطلق أناشيد الإفتخار بثقافة أبطاله الأيرلنديين. إلى ذلك، الفترة التي تقع في الفيلم وأحداث تلك الفترة، معاشة لأن سنوات اليأس الإقتصادي فعلية احتلت معظم عقد الثلاثينات من القرن الماضي ومعالم الفقر في الوسط الأميركي والهجرة بحتاً عن عمل أو مكان آخر للعيش بما في ذلك مواجهة المصاعب وظلم الناس على الناس كان واقعياً حدث قبل سنوات قليلة والجميع يعرف ذلك.
هنري فوندا كما بدا في «عناقيد الغضب»٠

كلما نظر هنري فوندا الأول إلى الأمام وألقى كلمة، عصر الجو الذي يعيش فيه بكلماته. أوحى إلى المشاهد بذلك الرجل صاحب الضمير الذي كان وقف ولاحظ وفكّـر طويلاً. في «حادثة إكسبو» كما في «أعناب الغضب» هناك مشهدان متشابهان. في الأول يقف عند «البار» يتحدّث عما شاهده من إعدام أبرياء وفي الثاني يتحدّث لأمّـه عن ملاحظاته المعايشة لما يمر به الأميركيون من متاعب. في كلا المشهدين جور الإنسان وظلمه للآخر محط النقد. 
هاهي كلماته في المشهد القريب من نهاية «أعناب الغضب»:
I been thinking about us, too, about our people living like pigs and good rich land layin' fallow. Or maybe one guy with a million acres and a hundred thousand farmers starvin'. And I been wonderin' if all our folks got together and yelled...
عندما تحذّره والدته (جين داروَل التي لا تُـنسى) من أن كلامه هذا سيؤدي به إلى التهلكة، يرد
maybe I can do somethin'... maybe I can just find out somethin', just scrounge around and maybe find out what it is that's wrong and see if they ain't somethin' that can be done about it. I ain't thought it out all clear, Ma. I can't. I don't know enough.


ثم يصل إلى فحوى خطاب سياسي تستطيع وصفه إشتراكياً تقدّمياً أيضاً
I'll be all around in the dark - I'll be everywhere. Wherever you can look - wherever there's a fight, so hungry people can eat, I'll be there. Wherever there's a cop beatin' up a guy, I'll be there. I'll be in the way guys yell when they're mad. I'll be in the way kids laugh when they're hungry and they know supper's ready, and when the people are eatin' the stuff they raise and livin' in the houses they build - I'll be there, too.

هنا، وفي أفلام أخرى لفوندا، لا تجده يختلط بالآخرين. إنه يمثّـل دوراً يخصّـه ولا يخص أحد سواه. لاحظه مثلاً في 12Angry Men «إثنا عشر رجلاً غاضباً» [سيدني لوميت-1957]: العضو رقم 8 (بلا أسماء) من المحلّفين الذين سيحكمون على شاب بالقتل بعضهم إقتناعاً وبعضهم لأنه يريد أن ينتهي ويذهب للبيت باكراً وبعضهم الآخر تبعاً لعواطف مكتسبة خاصّـة به. كلهم يصوّتون على تجريم الشاب، لكن رقم 8 يبدأ منفرداً معارضاً السرعة في إتخاذ القرار، وفي كل دورة نقاش يزداد موقفه قوّة بإنضمام آخرين إليه إلى أن يصدر الجميع قرار براءة المتهم. هذه الفرادة في الرأي داخل الفيلم يوازيها فرادة أداء. لا أعتقد أن الفيلم كان سيحمل القوّة ذاتها والإجادة نفسها لولا أداء فوندا فيه ما يجعلني واثق من أن الممثل يستطيع أن يكون له تأثير على منحى الفيلم. ضع روبرت ميتشوم أو جاك نيكولسون في هذا الدور وتحصل على فيلم شبيه، لكنه فيلم آخر.
قبله بعام ظهر فوندا في «الحرب والسلام»، النسخة الأميركية من رواية ليو تولستوي الشهيرة. لا شيء في إخراج كينغ فيدور يمكن تقديره على مستوى أدبي وبالمقارنة مع الرواية ذاتها (بعد عشرة أعوام جاء الرد الروسي عندما قام سيرغي بوندارتشوك بتحقيق نسخته الأقوى، ولو أنني لم أشاهد ذلك الفيلم إلا في نهاية السبعينات ولا أملك تحليلاً كتبته عن الفيلم حينها ولا أتذكر ما يكفي لتقييمه). نسخة فيدور تأخذ من الأصل ما يناسب بناء أجواء تاريخية- أرستقراطية حول صراع العائلتين وقصّـة الحب التي تحتل موقع الصدارة في هذا الفيلم. 
أعتقد أن فوندا كان غير مناسب في مثل هذه الأدوار التاريخية (كما حاله في «جيزابل») وغير قادر على إثارة الإهتمام بقدر ما يفعل عندما يؤدي دوراً ذي مزايا خشنة. وفي حين أني شاهدت «الحرب والسلام» نسخة فيدور مرّة واحدة، شاهدت فيلم فوندا الثاني في العام ذاته «الرجل الخطأ» The Wrong Manعدّة مرّات، ولو أن السبب الرئيسي ليس فوندا هنا، بل مخرجه ألفرد هيتشكوك. المختلف هنا هو أن فوندا لعب دور المتهم البريء بنفسه. في البداية هو الشخص الذي تثق من أنه لا يمكن له أن يكون مجرماً. بعد هذه الثقة لا تستطيع إلا وأن توافق الفيلم على تأييده لبطله رغم الأدلّـة المفبركة التي بيد البوليس. 
فوندا (إلى اليسار) مع هاري مورغن في «حادثة إكسبو»٠

فيلم آخر من الفترة أقدّره كثيراً هو الوسترن The Tin Star [«النجمة الصفيح | أنطوني مان- 1957] الذي هو واحد من آخر أفلامه قبل أن تبدأ هوليوود معاملته كنجم كبير. وحين تعامل هوليوود ممثلاً جيّداً كنجم كبير لابد لها أن تسهم في ترويجه على النحو الذي تريد هي وليس على نحوه هو. 
Warlock [إدوارد ديمتريك- 1959]، How the West Was Won [جون فورد، هنري هاذاواي، جورج مارشال ورتشارد ثورب- 1962]، Battle of the Bulge [كن أناكين- 1965] هي نماذج من هذه الأفلام. 
من هذه الحفنة (ومن سواها مما لم أذكر) فقط «النجمة الصفيح» يستحق فوندا عليه التقدير الأعلى. ليس أن أداءه في سواه رديء (لا يوجد لديه أداء رديء مطلقاً)، لكن الدور مناسب له بقدر ما هو مناسب للدور: رجل القانون الذي تصدّق أن في ذاته مواقفاً رمادية لا يود الإفصاح عنها، لكنها تتسرّب تبعاً للسيناريو.
أعتقد أن دوره هنا يصلح لأن يكون الأرضية التي قام عليها دوره في «ذات مرّة في الغرب» Once Upon a Time in the West [سيرجيو ليوني- 1968]. طبعاً هنا هو شرير الفيلم الأول. القاتل البارد الذي لابد أن تخشاه لأنانيّته ولسطوته وقدرته. رغم ذلك هو الماضي البعيد من يتسلل إلى حاضره ويقتله. لكن الإنتقال من الخير إلى الشر ليس الفارق الفعلي. هنا، أكثر من أي فيلم آخر، فوندا مطالب بالتمثيل بصمته وعيناه. فجأة كل ما سمعناه عن الممثل وبرودة علاقاته مع الآخرين (بدءاً بولديه جين وبيتر) والقسوة المستجدة من هذه العلاقة تتبدّى في تشخيص هذا الدور من خلال تلك النظرات التي ينجح فوندا، بلا جهد يُـذكر، في إتقانها. 

تقييم الأفلام الواردة (حسب ورودها):
The Ox-Bow Incident | William A. Wellman ****
لهاليبو | حسين فوزي **
Jezebel | William Wyler ***
Gone With the Wind | Victor Fleming ***
The Grapes of Wrath | John Ford *****
12Angry Men | Sidney Lumet ****
War And Peace | King Vidor **
War And Peace | Sergey Bondarchuk ***
The Wrong Man | Alfred Hitchcock ***
The Tin Star | Anthony Mann ****
Warlock | Edward Dmytryk ***
How The West Was Won | 4 Directors from ** to ***
Once Upon a Time in the West | Sergio Leone ****

أفلام هنري فوندا للمخرج جون فورد
Drums Along the Mohawk (1939) ***
My Darling Clementine (1946) ***  
The Fugitive  (1947) ---
Fort Apache (1948) ***

فيلم فوندا الوحيد مع إبنته جين
On Golden Pond | Mark Rydell (1981) **

دور رجل القانون في 
My Darling Clementine | J. Ford ***
Madigan | Don Siegle (1968) ***
The Boston Strangler | Richard Fleischer (1968) ***


ضائع في الفضاء: الخوف من المجهول

 يضعنا فيلم «جاذبية» (بمعنى جاذبية الأرض Gravity) أمام إمتحان معرفة: ماذا تفعل لو كنت مكان جورج كلوني أو ساندرا بولوك تعطلت المركبة الفضائية التي انطلقت بها وتعطّـل الإتصال بالأرض وها أنت مهدد بأن تحوم وتجول في الفضاء وحيداً وإلى الأبد…
الخاطر ليس مريحاً. وحدك في المصعد الكهربائي إذا ما تعطّـل هو تجربة قد تتّـخذ شكلاً مخيفاً إذا ما كان الوقت متأخراً في الليل والمبنى قديم بلا حاجب أو مسؤول ولا أحد يسمع صراخك… ولنقل- زيادة- أن هاتفك لا يعمل أو كنت نسيته في المكتب. وحتى ولو عمل واتصلت بأحد فإن هذا بدوره لا يعرف ما سيفعل بإستثناء طلب النجدة… نصف الساعة التي ستمر قبل وصول النجدة والدقائق اللاحقة التي سيتطلّـبها أمر إنقاذك قد تكفي لجعلك تتساءل عما إذا كنت ستخرج حيّـاً من هذه التجربة.
ما البال إذا ما كنت في المكان النقيض تماماً للمصعد الصغير. لديك الفضاء برحابته وها هي الأرض تبدو من بعيد مثل كرة جميلة مزدانة. إذا ما كنت وحدك في الفضاء، تأكد أن الحياة على الأرض بكل متاعبها ومشاكلها وحروبها وإحباطاتها، هي المكان الذي ستتمنّـى لو لم تغادره مطلقاً.
إذا كنت وحدك في الفضاء وانقطع عنك الطعام هل ستعيش أكثر مما ستعيش على الأرض حينها؟ مما ستموت؟ من الجوع أو العطش أو الخوف؟ أو هل ستموت من الوحدة؟
فيلم ألفونسو كوارون ليس فلسفياً مثل «سولاريس»، نسخة أندريه تاركوفسكي أساساً أو «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك، بل هو فيلم ترفيهي مصنوع بكثير من الحرفة الأخّـاذة التي تجعل منه سهل القبول والتواصل ومثيراً في معالجته. خيال- علمي يختلف عن معظم ما نراه في أن الخوف المتأتّـي منه ليس إحتمال وجود وحش فضائي يكمن في ذلك المجهول البعيد، بل هو خوف من الجواب على …. "ماذا نفعل الآن؟"
أن تخاف من الموت على الأرض أمر مليء بإحتمالات النجاة. تقود سيّارتك بسرعة ويخطر ذلك على بالك فتقوم على الفور بالتقليل من السرعة. هناك حريق ما تبتعد عنه. حافّـة صخرية تطل على الوادي السحيق لا تقترب. لا تجيد السباحة لا تسبح. لكن في الفضاء؟ لا مهرب.
ليس أن الفيلم (منحته **** عندما كتبت نقدي عنه) لا يطرح أسئلة فلسفية لكنه ليس في الوارد ذاته مع أهم فيلمي فضاء إلى اليوم. 
جورج كلوني هو قائد المركبة. ساندرا بولوك هي العالمة التي تقوم برحلتها الأولى. هو لا يعتبر أن عمله أكثر من "قيادة الأوتوبيس"، كما يقول لها، لكنها تحتاج إليه فلديه إجابات حول كيف تفعل لكي تبقى على قيد الحياة. وهو يعلم أنه لن يستطيع البقاء إلى جوارها… سيتحوّل إلى حطام سابح كحطام المركبة الروسية التي قام الروس بتدميرها في الأجواء القريبة وها هي بقاياها تمر سريعة وبعضها يصطدم بالمركبة الأميركية. 
هل كان عليها أن تكون روسية؟ لا طبعاً… كان يمكن أن تكون صينية- لولا أن هذا قد يُـعتبر مخاطرة إذا ما اعتبر المسؤولون هناك بأن في أن بعض الكارثة سببها صيني وهوليوود لا تريد أن تغضب السوق الإقتصادي الضخم هناك. إذاً.. فلتكن المركبة المهددة روسية. لكن المركبة الروسية تلعب دوراً إيجابياً عندما يقوم الفريق الثنائي بالإنتقال إليها حتى من بعد أن فقدت بعض أجهزتها وأذرعها الخارجية. 
هذا كلّـه عناصر كتابية لفيلم تخلو من الطروحات الكبيرة. التجربة الناجحة هنا هي في نطاق تقديم فيلم فضائي بالمعنى الكامل للكلمة. فيلم يتعامل والإحتمالات ولا يريد أن ينتهي بنقيضها، ولو أن بطلته تنطلق بقمرة تعيدها بقوّة إلى الأرض. تغوص القمرة في بحيرة ويتحوّل الفضاء إلى ما هو أصغر من مصعد عندما يتعذّر على شخصية بولوك خلع الخوذة ما يهددها بالإحتباس والإختناق. حتى من بعد صعودها إلى السطح والسباحة صوب الشاطيء غير البعيد… فإن الناتج، شعورً، هو أنها الآن سوف تدخل نطاق مغامرة أخرى، فلا هي ولا نحن نعرف أين سقطت، وليس هناك من اتصال بينها وبين القاعدة الجويـة وربما  أكلها الذئب أو الدب أو أكلت من شجرة مسمومة بعد إنتهاء الفيلم. لكن في أي الأحوال هذا أفضل من الموت وحيداً في اللامكان الشاسع والمظلم والخالي من الحياة.
سولاريس- تاركوفسكي

لم يكتف فيلم تاركوڤسكي «سولاريس» ***** (1972) بقصّـته الفضائية. وإذا ما شاهدت الفيلم تدرك أن المخرج إكتفى من رواية ستانسلاف بما يمكّـنه من طرح المفهوم الفلسفي للحياة وللذاكرة وللعلاقات الإنسانية. صحيح أن الفيلم يملك تصاميم مناظر هندسية جيّـدة تعكس أفكاراً جمالية مبدعة، لكن الغاية كانت تفعيل البعد ضمنها وليس إبرازها، والفيلم، كمؤثرات وتقنيات وأجهزة مستقبلية.
الخوف الناتج في «سولاريس»- تاركوفسكي يختلف. المركبة لن تضيع. الفضاء لن يبتلعها و، على عكس «2001: أوديسا الفضاء» ***** (1968) لن يضيع الإنسان في الفضاء بفعل جريمة قتل يرتكبها العقل الآلي للتخلّـص من العقل البشري. العدو للإنسان في فضاء «سولاريس» هو الإنسان نفسه. كيف يعيش وكيف يتعامل مع عيشه. كيف يلتقي وكيف يفترق وماذا يصنع بحياته ثم بذاكرته حين تزوره الهواجس. الرحلة إلى الفضاء هي رحلة إلى فضاء الذات أيضاً، وإذا كانت روح المرأة التي أحبّـها تعود إليه فلأنه هو يسترجعها. تبدو كما لو كانت تزوره، لكنها هل خرجت من باله أساساً؟
نسخة ستيفن سودربيرغ الأميركية (2002) لا تختلف في هذا المنهج كثيراً لأنها منقولة من المصدر ذاته، لكنها لا تخلص إلى المجابهات النفسية والفلسفية ذاتها. تبقى عملاً غامضاً وبعض غموضه جميل.
لكن الفضاء في معظم ما تم تحقيقه عنه من أفلام (أكثر من 500 فيلم بينها 66 فيلم تتعامل مع التحوّل إلى "حبيس فضاء» مثل ما ذكر أعلاه وسلسلة Alien وسلسلة «ريديك» وفيلم ريدلي سكوت «برومثيوس» وبعض أفلام «ستار ترك» التسعة) هو فيلم الخوف من المجهول مع أبواب مفتوحة لكل الإحتمالات ولكل الأفكار وصراعات بين الإيمان وعدمه، أو بين الإنسان والرغبة في القوّة ثم الرغبة في النجاة حين يخفق في مجابهة عدوّه المجهول.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system