أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 14, 2013

مصاصو دماء يفتتحون ثيسالونيكي| مفاجآت السينما العربية المقبلة | مخرج: لوي مال المبدع القاطن بين الحداثة والتقليد [ميسر مسكي] | مهرجان نيويورك في عامه الأول بعد الخمسين


Year 7 | Issue 825 | m.rouda@gmx.com
(18/10)COVERSTORY
 مهرجان ثيسالونيكي يفتتح بعشاق جارموش 


اختار مهرجان ثيسالونيكي فيلم جيم جارموش الأخير «فقط العشاق بقوا أحياءاً» الذي يصفه مسؤولو المهرجان بأنه "قصّـة حب بين مصاصي دماء»، وكان مهرجان "كان" إنتخبه للعرض الرسمي في دورته الأخيرة. أما المهرجان اليوناني فينطلق من العاشر من نوفمبر المقبل وحتى العاشر منه.


 مفاجآت السينما العربية المقبلة 
 محمد رُضـا
المخرج محمد ملص

 في زمن مضى، احتل مهرجان قرطاجة التونسي مركز القلب بالنسبة للسينما العربية. كل تلك الأفلام التي حاولت الإبتعاد عن التقليدي والسائد من الأعمال، مصرية كانت أو لبنانية، سورية، عراقية، جزائرية، مغربية، فلسطينية أو تونسية، كانت تتوجّـه في لقاء حميمي خاص يعقد في العاصمة التونسية كل عامين.
الأفلام كانت وفيرة. المهرجان كان يستدعيها ومخرجيها ومنتجيها وكتّابها وممثليها والنقاد العاملين ويعرض. وبعد كل عرض كانت هناك حلقات ساهرة. ذلك المهرجان الصغير، حجماً بين المهرجانات الأوروبية الكبيرة التي لا تبعد كثيراً عنه، كان بالنسبة للسينما العربية وسينمائييها، عيداً كبيراً.
مركز الثقل لم يغادر مهرجان «قرطاجة» بسهولة. لكنه توزّع بين القاهرة ودمشق، كل عبر مهرجانها الخاص. لم يختلف التداول عن ذاك الذي تأسس في المهرجان التونسي، بل بقي، بطبيعة الحال، عرض أفلام والإستمتاع بالتواجد في أي من العاصمتين الساهرتين. 
لكن لا دمشق ولا القاهرة احتلا المركز الخاص لمهرجان «قرطاجة». مهرجان دمشقلأنه لميتمتّـع بتلكالحريّة التي عرفها المهرجان التونسي، ولو نشد لنفسه حضوراً عربياً كبيراً، والثاني لأنه أسّـس ليكون مهرجاناً عالمياً ما يجعل الإشتراك العربي فيه مشتتاً ولاحقاً ما جعله مبعثراً.
ما أصاب مهرجان «قرطاجة» بالوهن، إنتقاله، في التسعينات، من إدارة إلى أخرى ثم إلى أخرى ثالثة لينتهي مجرد فعل وظيفي يستند إلى تاريخه أكثر مما يطمح لتفعيل حاضره. طبعاً بقيت الأفلام العربية تذهب إليه لأنه متخصص فيها (ولو أن مسابقته تضم إليها أيضاً الأفلام الأفريقية) لكن ذلك الوهج السابق انطفأ.
في ظرف سنوات قليلة، إنتقل الزخم بأسره من تونس والقاهرة ودمشق إلى مدينتين: أبوظبي ودبي. وإذا ما أمسكنا الموضوع من آخره، فإن مهرجانيها (الأول يُـقام في الثاني والعشرين من أكتوبر / تشرين الأول المقبل والثاني في السادس من ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام) هما البيتان الرئيسان للسينما العربية. سمّـهما الملجأ أو المحطة أو العيد الكبير… واقع الحال أن السينما العربية، لا المختلفة فقط، بل تلك قليلة الإختلاف أيضاً، باتت تتمحور حولهما… اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لا واحداً من الإثنين مستعد ليعلن قبل الأوان الأفلام التي اختارها وربط عليها خشية أن يسعى الآخر لسحبها منه. ربما لن يفعل، لكن الخشية موجودة وهي لب المنافسة المشروعة والضرورية بين أكبر مهرجانين في العالم العربي. لكن على الرغم من هذا الكتمان فإن الواضح أن السينما العربية فاقت التوقّـعات هذا العام (وللعام الثاني على التوالي). تلك التوقّـعات التي ربطت بين الإضطرابات الحاصلة في عدد من الدول العربية، وبين الإنتاج السينمائي وتلك التي لم تلحظ في سماء بعض المهرجانات العالمية خلال الربيع والصيف الماضيين ما يوحي بأن هناك زخم غير عادي من دول لم تدخل نطاق ثورات الربيع وما بعده.
ولعله من الأفضل أن نترك الحديث هنا لبعض هذه الأفلام التي ستطرح، عبر هذين المهرجانين، على الجمهور المواكب.

«بالستاين ستيريو» 
المخرج الفلسطيني المعروف رشيد مشهراوي يعود للساحة بعد غياب ثلاثة أعوام منذ أن قدّم «عيدميلاد ليلى». بنفس أسلوبه الساخر يوفر نظرة على مساعي شقيقين هما ميلاد (محمود أبو جازي) وسامي (صلاح حنون) للهجرة إلى كندا وماهية الصعاب التي تحول تحقيق ذلك. خلال الحكاية يطرح المخرج البحث عن الغد الأفضل الذي سيحتّم تغييراً في سمات الهويّـة الذاتية والوطنية.

«هم الكلاب»
•  هذاهو الفيلم الثاني للمخرج هشام العسري الذي فاجأ الوسط السينمائي بفيلمه الأول «النهاية» (عرضه أبوظبي فيما يبدو أن هذا الفيلم الثاني سيعرضه دبي). هنا يحكي المخرج قصّـة رجل معتقل ومنسي من العام 1981 إلى أن تم الإفراج عنه سنة 2011. بعد ثلاثين سنة يتغيّر العالم من حوله. يخرج إلى واقع جديد سيجد نفسه مختلفاً ومخالفاً فيه.

«سلم إلى دمشق»
محمد ملص، مخرج «أحلام المدينة» و«الليل» يعاود الكرّة: يبحث مجدداً عن علاقة الإنسان بالمكان وخلال ذلك في الوضع القائم في سوريا اليوم وكيف أن تطلّـعات الجيل الجديد من الناس تتجاوز ما قام عليه النظام كما ما تطرحه معظم أحزاب المعارضة. الفيلم آيل إلى مهرجان دبي.

«فتاةالمصنع»
كل فيلم يحققه المخرج المصري محمد خان هو حدث منعش. معه تطمئن إلى أنه لا يتنازل عن مستواه ولا يوجد مايوحي بأن هذا الفيلم المتشابك الذي يدور في أوضاع اليوم المستجدة (ولاعلم لنا إلى أيحد) يختلف في ذلك

«حبيبي بيستناني عندالبحر»
المخرجةالأردنية ميس دروزة تقدّم عملها التسجيلي الجديد بكثير من الجرأة. تمزج بين الذاتي والخاص وبين ما هو عام. تجري مقابلات مع فلسطينيين يتوقون للحياة من دون أيديولوجيات. مجرد حق العيش الذي يؤمن نوعاً من المستقبل. الفيلم ليس سياسياً ولا يدّعي أنه يحاول إلقاء ضوء على قضيّة كبيرة أو صغيرة، بل يبقى في سياقه الإنساني. والأجمل أنه منفّذ بحس المخرجة الشفاف والناعم.

«جيش الخلاص»
عبدالله طايع هو كاتب مغربي يعيش ويعمل ويصدر الكتب في باريس وهذا هو فيلمه الأول. قام بإقتباسه عن رواية ذاتية تدور حول سنوات شبابه الأولى. طايع شخص مُـثلي ولا ينفي ذلك بل يجعل من هذا الوضع محور الفيلم. لكنه لا يتحدّث عن قبول المجتمع أو عدمه. ولا عن متى أدركت عائلته الكبيرة (أم وأب وخمسة بنات وولدين) ذلك. يتحاشى المخرج بنجاح عدم الذهاب إلى مناطق وعرة (كما فعل مثلاً عبداللطيف كشيش في «الأزرق هو أدفأ الألوان») لكن الموضوع ماثل بالفعل.

«عمر»
•  هذاالفيلم الذي عرض في مهرجان «كان» ونال فيه إحدى جوائزه هو جديد المخرج هاني أبو أسعد بعد طول غياب. المخرج الذي قدّم سابقاً «الجنة الآن» حول تمنّـع فلسطيني القيام بعملية استشهادية حين أدرك أنها ستوقع ضحايا أبرياء، يقدّم فيلماً موزوناً آخر: عمر يريد أن يفوز بالحبيبة وبالوطن ويتخلّـص من مخابرات الجيش الإسرائيلي التي تريد تحويله إلى جاسوس. 


مخرج وأفلامه |  لوي مال المبدع القاطن بين الحداثة ... و التقليد! | ميسر مسكي


لم يشأ "لوي مال" أن ينتمي لمسار محدد في أسلوبه السينمائي. لكنه نـُسـبَ إلى "الموجة الجديدة" رغم حضوره قبل وصولها الذي غير وجه السينما الفرنسية. "لوي مال" لم يكتف بتنويع أسلوبه و مواضيع أفلامه لكنه عبَرَ أيضاً إلى الوثائقي في السينما. لا بل أن إطلالته الأولى على الشهرة جاءت مع "عالم الصمت" 1956 (Le Monde du Silence) الذي ساعد في إخراجه لصالح الفرنسي الشهير في عالم البحار "جاك كوستو". الفيلم نال أوسكاراً و جائزة في مهرجان "كان".
في العام التالي، نجح "لوي مال" في تحويل رواية كانت ستبدو عادية إلى عمل مميز جلب له مديحاً نقدياً و مزيداً من الشهرة و ذلك مع "مصعد إلى المقصلة" 1957 (Ascenseur pour l'échafaud) و أسبغ الفيلم أيضأ ألقاً على مسيرة الصاعدة حينها "جان مورو". عام 1958 حاز "لوي مال" المزيد من الشهرة لكن هذه المرة بسبب الفضيحة التي أثارها فيلمه "العشاق" و الذي أعتبر حينها أنه تجاوز حدود التسامح التي كانت يسمح بها المجتمع. في الولايات المتحدة مُنع الفيلم في عدة ولايات و رُفعت دعوى على أحد أصحاب صالات العرض السينمائي بدعوى حيازته  فيلماً إباحياً.

بعد عشرين عاماً عاد "لوي مال" ليثير الكثير من الجدل مع أول أفلامه في أميركا "الصغيرة الجميلة" 1978 (The pretty Baby) حيث تلعب الأميركية :بروك شيلدز" دور فتاة صغيرة قاصر تمتهن الدعارة.
لكن قبل ذلك كان "لوي مال" قد عاد إلى الوثائقي مع فيلمه "كلكوتا" عام 1969 و الذي أثار سخط الحكومة الهندية لما رأت أنه مبالغة في التركيز على الفقر المدقع في المجتمعات المدينية الهندية الكبيرة. ذهاب "لوي مال" إلى الهند و وقوعه تحت تأثير الثقافة الهندية العريقة سبقه بضعة تجارب في فرنسا تأرجحت بين المتوسطة النجاح أو الفشل التجاري. و قد ترافق ذلك مع علاقة متوترة مع أغلب النجوم اللذين لعبوا تحت إدارته مثل "بريجيت باردو" و "آلان دولون". من أبرز أفلامه لتلك المرحلة "فيفا ماريا" 1965 حيث لعبت النجمتان "جان مورو" و "بريجيت باردو" في الفيلم الذي جاء في سياق مختلف تماماً عن تجارب "مال" السابقة. و كذلك فيلم "اللص" 1967 (Le Voleur) حيث كان الدور الأول لـ "جان بول بلمندو".
مع أواخر السبعينيات أنتقل "مال" إلى الولايات المتحدة حيث عمل في وسط  هوليوودي غالباً ما أشتكى المخرجون الأوروبيون أنه غير مريح لهم. لكن "لوي مال" وجد له موطيء قدم هناك و .....أسرة! حيث تزوج الممثلة الأميركية "كانديس برغن"
بعد "الصغيرة الجميلة" المثير للجدل، صنع "أتلانتيك سيتي" عام 1980 و الذي يصفه البعض بأنه أفضل أفلام مرحلته الأميركية. "أتلانتيك سيتي" كرّمه مهرجان "فينيسيا" لذلك العام بجائزته الأولى. و بعد وثائقي آخر عن الريف الأميركي: "بلد الآلهة"، عاد "لوي مال" إلى فرنسا حيث أنجز الفيلم الذي طالما أراد إنجازه: "وداعاً أيها الأولاد" 1987 (Au revoir, les enfants) و هو عن ذكرياته أيام المدرسة خلال الأحتلال النازي لفرنسا و إختفاء أحد أصدقائه (يهودي) و القسيس الذي أخفاه. حظي فيلمه هذا بالكثير من النجاح النقدي و أيضاً بالأسد الذهبي لمهرجان "فينيسيا". و يقول البعض أنه آخر أفلام "لوي مال" المهمة.
توفي "لوي مال" عام 1995 بعد صراع مع السرطان.

"مصعد إلى المقصلة" Asenseur Pour L'Echafaud 
1957
جان مورو،  موريس رونيه،  لينو فنتورا

بعد قليل من بداية فيلم "لوي مال" هذا، هناك مشهد تبدو فيه "جان مورو" تسير دون هدى، تائهة، لا تلوي على شيء، يهدها القلق، لا ترى شيئًا و لا أحداً أمامها. كل ما تريد معرفته هو ما الذي حصل لعشيقها الذي كان من المفروض أن يلتقيها في مقهى باريسي صغير بعد أن يكون قد قتل زوجها بحيث يبدو الأمر و كأنه إنتحاراً. لكن العشيق لم يصل على الموعد. كل ذلك تختصره البديعة "جان مورو" في دقيقتين من أداء لو أنها لم تقم بغيرهما طوال مسيرتها السينمائية لأستحقت أن تـُذكر لأجلهما في تاريخ السينما الفرنسية.
"مصعد إلى المقصلة" يحفل بالعديد من هذه الدقائق الثمينة التي تجعله تحفة بالأبيض و الأسود أعلنت وصول الموجة الفرنسية عند تهاية خمسينيات القرن الماضي. فيلم "لوي مال" هو كاريح القوية التي تسبق وصول العاصفة التي رفعت الموجة الجديدة و جعلتها قادرة على الإطاحة بالكثير من القديم من المفاهيم في السينما الأوروبية و العالمية.
في "مصعد إلى المقصلة" يلتقي "الفيلم نوار" بـ "الموجة الجديدة" بنكهة هيتشكوكية فنحصل نحن على درّة صغيرة لا تزال إلى اليوم و بعد أكثر من 55 سنة تحمل بريقاً آخاذاً.
"لوي مال" حقق الفيلم حين كان لا يزال في الخامسة و العشرين من عمره و بسرعة وضعه الفيلم في مقدمة صانعي السينما الفرنسيون الشباب. "فرانسوا تروفو"، "شابرول" و "جان- لوك غودار" كانوا لا يزالون يكتبون على صفحات "دفاتر السينما" و ينتظرون فرصتهم.
في "مصعد إلى المقصلة" العديد من الخيوط التي تتقاطع و تتداخل بمزيج من الصدفة و سوء التقدير مما يخلق مناخاً متوتراً يحافظ "لوي مال" على أن يبقى منضبطاً و بروح هيتشكوكية لا تهدف إلى إثارة مجانية.
يفتح الفيلم بلقطة تشي بالآتي من فكرة الـ "anti hero" أو "اللابطل" التي طالما ستتبناها لاحقاً الموجة الجديدة قبل أن تصل الطرف الآخر من الأطلسي مع نهاية الستينيات حيث سيظهر في السينما الأميركية الجديدة (حينها) ممثلين مثل "داستين هوفمان" و "آل باتشينو".
الكاميرا تفتح على "موريس رونيه" في لقطة قريبة و هو يتحدث على الهاتف. تتراجع الكاميرا ببطء لنتبين أنه الوحيد في مبنى من المكاتب الفارغة. لا شيء يميزه. فيما عبر الشريط الصوتي يتسلل لحن جاز حزين لـ "دافيد مايلز." الذي يحيك "مال" موسيقاه ضمن نسيج الفيلم بحيث يبدو من غير الممكن تخيل مناخ الفيلم بغير موسيقى "مايلز" السوداء الحزينة.
لا أعتقد أن شاباً يدخل عالم السينما يتمنى أن تكون بدايته أفضل من "لوي مال" في "مصعد إلى المقصلة."

"العشاق" Les Amants 
1958
جان مورو جان مارك بوري



في فيلمه الروائي الثاني يذهب "لوي مال" أعمق في البحث في أعماق شخصياته البورجوازية التي سأمت من محيطها.
البعض يقول أن هناك ما يتقاطع بين حياة "توي مال" الحقيقية و شخصية "جان" في فيلمه هذا. فـ "لوي مال" يأتي من عائلة بورجوازية ثرية في الريف الفرنسي، و قد أمضى سنوات شبابه في حفلات الكوكتيل و  اللقاءات الإجتماعية المترفة بين الريف و باريس. لهذا يمكن القول أن "مال" في "العشاق" يعرف عما يتحدث. و الفيلم لاقى ترحيباً نقدياً دافئاً و نجاحاً في شباك التذاكر ضاعفه الفضيحة الذي أثارها الفيلم تلك الأيام كونه تجرأ على تجاوز حدود المسموح  به إجتماعياً و أخلاقياً. و الحقيقة أن الفيلم لم يتحدى المحظورات فقط في المضمون (سيدة متزوجة تترك عائلتها و حياتها الباذخة و إبنتها الصغيرة لتتبع نزوات قلبها مع رجل غريب بالكاد تعرفت إليه) بل "مال" قد رفع التحدي أكثر في مشاهد حب لاهبة يتخللها بعض العري و التي صدمت الكثير حينها و جعلت البعض يتسأل عن الحد الفاصل بين الفن و الإباحة.

"جان" هي سيدة بورجوازية متزوجة من ثري يملك صحيفة . زو جها يبدو منهمكاً في عمله عنها لكن دون أن يغفل عن نزوات رغبتها و التي يفاقمها السأم. "جان" يأكلها الملل و تنهشها رغبة دفينة للتغيير فتبحث عن علاقات تسرقها من يأسها الوجودي. "جان" تبدو كمن تبحث عن هوية جديدة لها. هي لا تنفك تلقي نظرة على ذاتها في المرايا المنتشرة حولها، لكنها لا تجد في إنعكاس صورتها أي معنى جديد لحياتها. هي الروح حين تفقد ذلك الرابط الذي يشدها إلى الوجود.
في مشهد عند بداية الفيلم حين تعتقد "جان" أنها تحب لاعب بولو إسباني، تقول لها صديقتها:"الحب يليق بك. بالكاد يستطيع المرء أن يعرفك." و هي تقصد بالملامح الجديدة التي أضافها الحب إلى شخصية "جان" و روحها. لكن عند نهاية الفيلم و حين تكون "جان" على وشك دخول مغامرة مجهولة المصير مع رجل غريب، تنظر إلى المرآة بحثاً عن ذاتها، لكن ليس إنعكاس صورتها ما يبعث الأمل. لكن مع ذلك يضيف الصوت الآتي من خارج الكادر أن "جان" و رغم قلقها من ضباب المستقبل لكنها غير نادمة على محاولتها للبحث عن هويتها عبر ...الحب!
"جان" المأزومة بسأم الروح لا يبدو أن قواعد المجتمع و الأخلاق تكبلها عن التمادي في تمردها على محيطها كما على ذاتها. ففي مشهد لا يبدو أن "مال" قد رمى به مصادفة، تقترب "جان" من سرير طفلتها الصغيرة و تقبلها و تغطيها خوفاً من برد الليل و ذلك قبل أن تدخل هي (جان) في مشهد حب لاهب مع عشيقها الطاريء.
"لوي مال" يطرز فيلمه بمشاهد تبدو و كأن يد خبيرة قد نثرتها هنا و هناك لتروي ما لا يقوله النص بشكل مباشر (مشهد الخفاش الذي يقتحم فضاء غرفة العشاء، مشهد الحب الليلي في زورق ينساب بهدوء في ضوء القمر، مشهد نوبة الضحك التي تنتاب "جان" فور وصولها متأخرة للقاء ضيوفها...)
"جان مورو" خلابة في دور المرأة البورجوازية السأمة. أداؤها ينساب تحت الجلد دون أن يترك أثراً فاقعاً لكنه يذهب مباشرة إلى القلب و العين.
بعد عشرين عاماً من هذا الفيلم سيثير "لوي مال" عاصفة ثانية من الإحتجاج مع فيلمه "الصغيرة الجميلة" عام 1978.

"الجميلة الصغيرة" Pretty Baby
1978
سوزان ساراندون كيث كاراداين بروك شيلدز


"الجميلة الصغيرة" هو عن النهايات.
نهاية عصر الراغتايم و بداية عصر الجاز و سنوات العشرينات الصاخبة The Roaring Twenties. و الموسيقى حاضرة بقوة في عمل "لويس مال" العذب و الجميل. 
نهاية مهنة البغاء (رسمياً على الأقل) في أميركا مع حلول عصر التحريم   Prohibition Eraبكل تزمته المدعي و ريائه عن الأخلاق. نهاية زمن التصوير الفوتوغرافي كفن خلاب و تحوله إلى فعل يومي مكرر و مبتذل و آلة صغيرة صندوقية الشكل في متناول حديثي النعمة. نهاية مرحلة كاملة من التاريخ الإنساني الحديث مع وصول "الحرب العظمى" إلى خواتيمها حيث أنهارت أربع إمبراطوريات كبرى مفسحة المجال لفترة غير قصيرة من الفوضى والقلق.
"الجميلة الصغيرة" عن نهاية العوالم و الأشياء و عن الغامض الآتي حاملاً متغيرات قد لا تكون بالأفضل. ربما هنا ندرك هذه النظرة المتشككة على وجه الصغيرة "فيوليت" (شيلدز) و التي بها يختم بها "مال" فيلمه.
منذ البداية هناك مزاج حزين و مكتئب ينساب بنعومة خلابة عبر الفيلم الذي يروي و بتصرف تجربة المصور الفوتوغرافي الفنان "إرنست بيللوك" عام 1917 في ماخور في مدينة "نيو أورليانز" الأميركية. عبر عدسته المرهفة يصور "بيللوك" اللحظات الأخيرة لعالم من المشاعر و العلاقات و المفاهيم في طور الأفول لصالح عالم جديد يبقى وعداً مجهولاً.
بعاطفة متدفقة و عذوبة لا تستهلك ذاتها يصور "لوي مال" علاقة المصور (كيث كاراداين) مع فتاة هوى لم تتجاوز الثانية عشر من عمرها. "لوي مال" يعرف كيف يجنب فيلمه السقوط في الإبتذال. أسلوبه دائماً يرتفع عالياً فوق إبتذال البصبصة. و لا مرّة واحدة في الفيلم يستغل "لوي مال" حقيقة أن الفيلم يدور في ماخور ليترك عدسته تتجول بمجانية على أجساد أنثوية عارية أو مشاهد حب مجانية. و في لحظة بديعة و مثيرة للجدل حين يتم بيع عذرية الصغيرة "فيوليت" في مزاد ذكوري، يختار "لوي مال" أن تقف عدسته بكرامة و ثبات على وجه عازف البيانو الأسود فيما عبر الشريط الصوتي من خارج الكادر نسمع الرجال يزايدون على السلعة-العذراء. 
"لوي مال" ليس الراحل طيب الذكر "حسن الإمام" و الذي أفنى الكثير من جهده السينمائي في تصوير مواخير مصر في عشرينيات القرن الماضي (نفس الفترة تقريباً). ليس في فيلم "مال" دراما فاقعة و لا تفسير أخلاقي للدعارة. "مال" لا يكترث لإن يأخذ موقفاً أخلاقياً من شخصياته. هو يصور بعذوبة شخصيات أنثوية أختارت الدعارة مهنة أو منصة للعثور على رجل يأخذهن خارج جدران الماخور. لكن هنا لا أحد ينتحب لسوء حظه أو يبرر فعلته و كأنه يمارس فعل ندامة متأخر. بل بالعكس نحن نرى "فيوليت" الصغيرة تدخل عالم الدعارة بسذاجة و إندفاع مستعجلة أن تكون كالأخريات و كل ما تطلبه من زبونها الأول:"أن تكون لطيفاً عليّ، فهذه كما تعرف هي تجربتي الأولى." 
مستعيناً بخبرة المصور المبدع "سفن نيكفست" (مصور "إنغمار برغمان" المفضل و الحائز أوسكارين عن "صراخ و همسات" و "فاني و ألكسندر") يرسم "لوي مال" لوحات دافئة الحس و اللون عن عالم أنثوي الجنس علة وجوده، لكن ليس هويته. في لحظات تبدو الصورة و كأنها خارجة من معرض للوحات الفرنسي "تولوز لوتريك" الذي طالما رسم عاهرات باريس في مناخات نهاية القرن التاسع عشر.
كما المزاج العام للفيلم ، يأتي أداء ممثليه هادئاً، منضبطاً مع لمسة من الحزن المتواري وراء القلق من إقتراب عالمها من نهايته. و هنا يبرز أداء "كيث كاراداين"
يكرس هذا الفيلم ما سبق و قلناه عن غربة نسبية لـ "لوي مال" عن "الموجة الجديدة" التي طالما نسبوه إليها.فمن الصعب أن نجد في فيلم "لوي مال" هذا ما يجمعه في الأسلوب مع مواطنيه من رواد تلك الموجة. "مال" هنا هو أقرب لأسلوب السينما الروائية التقليدية، رغم جرأة الموضوع.

كارثة نيويورك وتبعاتها لا تزال تلقي بظلالها
مهرجان نيويورك في عامه الأول بعد الخمسين

نيويورك: محمد رُضــا

Captain Philips
لا يتغيّـر العالم وحده، بل تتغيّـر مهرجاناته. صحيح أن كل مهرجان منها يُـقام في المدينة ذاتها التي انطلق فيها، إلا أن المدينة ذاتها تتغيّـر والثقافة التي تتطبّـع فيها تتغيّـر بالنتيجة. هذا بالطبع عدا الإدارات والآفاق والإهتمامات والطموحات. 
مهرجان نيويورك السينمائي الحادي والخمسين تقيمه "جمعية الفيلم في مركز لينكولن" وهو باشر عروضه هذا العام في السابع والعشرين من سبتمبر (أيلول) وحتى الثالث عشر من أكتوبر (تشرين الأول) عارضاً على شاشاته أكثر من مئة فيلم في خمسة عشر قسماً منها 36 فيلماً روائياً وتسجيلياً طويلاً في قسم «إختيارات رسمية». الفترة المذكورة كناية عن 17  عشر يوماً من النشاطات المختلفة ما يجعله واحداً من أطول المهرجانات نسبة لعدد الأيام، في الوقت الذي تقلّـص بعض المهرجانات الأخرى أيامها كل سنة أو سنتين.
قرار المهرجان الإفتتاح بفيلم بول غرينغراس «كابتن فيليبس» كان إختياراً موفّـقاً. المخرج الذي تعامل مع كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 بفيلم «يونايتد 93» قبل سبع سنوات، يعالج هنا حكاية واقعية أخرى موصولة بكل تلك التبعات التي لحقت بذلك التاريخ. ففيلمه الجديد مأخوذ عن كتاب وضعه كابتن رتشارد فيليبس يصف فيه الأحداث التي تعرض لها حينما قام قراصنة صوماليين باحتجاز السفينة وما سبق ودار خلال المواجهة والدور الذي لعبته القوات البحرية الأميركية لإنقاذه ورهائنه. توم هانكس وجد الدور هديّـة ربّانية كونه كان يبحث عن فيلم قوي يعيده إلى الساحة نجماً والمخرج استعان بوجوه عربية، بعضها صومالي، للبطولة بينها فيصل أحمد وبركات عبدي وبركات عبدالرحمن الذين حضروا الفيلم ووقفوا في نهاية الفيلم لجانب المخرج على المنصّـة في مواجهة جمهور أدّى التحيّـة إليهم وقوفاً ولنحو خمس دقائق.

إفتتاح المهرجان بهذا الفيلم مردّه العلاقة الأليمة بين نيويورك وبين مع حدث في الحادي عشر من الشهر التاسع من ذلك العام وتبعاته. تلك العلاقة التي تسببت، أو كانت إحدى المسببات الأهم، لتأسيس مهرجان نيويوركي آخر يعقد في مطلع كل شهر مايو (أيار) وهو ترايبيكا لرئيسه روبرت دي نيرو. لكن دورة نيويورك الحالية كان لديها ثلاثة إختيارات أخرى على الأقل: الإفتتاح بفيلم «كل شيء ضاع» للمخرج ج. س. شاندور، لكنه صرف النظر عنه سريعاً كونه عرض في مهرجان «كان» الماضي، و«ذئاب وول ستريت» لمارتن سكورسيزي و«بلو جاسمين» لوودي ألن. لكن يبدو أن ذلك الرابط بين نيويورك والحدث الدامي تدخل في صنع القرار بالنسبة لفيلم سكورسيزي على الأقل الذي سينطلق للعروض التجارية في الخامس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) في حين تنطلق عروض «كابتن فيليبس» بدءاً من هذا اليوم (الحادي عشر من أكتوبر) داخل الولايات المتحدة وفي نحو خمسة عشر دولة أخرى حول العالم.
لم يفوّت مهرجان نيويورك فيلم شاندور «كل شيء ضاع». هذا فيلم رائع من بطولة نجم من جيل روبرت دي نيرو وآل باتشينو وكلينت ايستوود هو روبرت ردفورد تحت إدارة مخرج برهن على ملكيته لموهبة فذّة من فيلمه الأول «نداء هامشي» Margin Call  الذي كان أحد ثلاثة أفلام خرجت مع نهاية 2011 وبداية 2012 وتعاملت، مثل «ذئب وول ستريت» الحالي، مع متاهات الوضع الإقتصادي الذي إنهار سنة 2008 ولا يزال يجر أذيال ذلك الإنهيار إلى اليوم. الفيلمان الآخران هما الجيّد أيضاً «رجال الشركة» لجون وَلز والفاشل طرحاً ونتيجة «وول ستريت: المال لا ينام» لأوليفر ستون.

وفي حين استبعد المهرجان فيلم إيرول موريس الجديد «المعروف المجهول» (وحسناً فعل) استقبل فيلماً تسجيلياً طويلاً آخر ينتقل من هموم اليوم إلى جذور الحركة الطلابية في جامعة بركلي في سان فرنسيسكو: البيئة التي أثمرت في النصف الثاني من الستينات أكثر النشاطات الطلابية صخباً سياسياً وتأثيراً في المشهد العام وذلك أيام القضايا الإجتماعية والسياسية الكبرى. المخرج فردريك وايزمان يعرض لحقبة كان النشاط الطالبي في ذلك الركن الطبيعي الجميل من كاليفورنيا يعج بالأفكار السياسية والطموحات المثالية لعالم جديد. وبعض فيلمه يتساءل عما حل بتلك الطموحات وما تحقق (أو بالأحرى لم يتحقق) منها.
المواقف السياسية الرافضة لم تكن حكراً أميركياً في تلك الفترة وفيلم المخرجة البولندية أنييسكا هولاند «الشجيرة المحترقة» The Burning Bush يدور حول الطالب الشاب يان بالاش الذي حرق نفسه خلال ما يمكن الآن تسميته بـالربيع التشيكي سنة 1969 إحتجاجاً على الغزو السوفييتي لبلاده. 
Burning Bush

ومن عروض المهرجان ما يعيده إلى دائرة صراع دائمة متمثّـلة في فيلم هاني أبو أسعد «عمر» أحد أفضل أفلام العام العربية الذي يتقدّم بإسم فلسطين إلى ترشيحات الأوسكار في مرحلتها الأولى الحالية. «عمر» كما مرّ معنا هنا، هو فيلم يفتح ثغرة جديدة في الموضوع الحاكي للوضع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت هيمنة القوات الإسرائيلية. مخرجه حذر جدّاً من تغليب العاطفة وهذا سر من أسرار نجاح فيلمه هذا وفيلمه السابق «الجنّـة الآن» الذي نفذ إلى الترشيحات الأوسكار الرسمية فعلاً قبل بضع سنوات.
الأوسكار، المطروح حديثه بقوّة، هذه الأيام فات فيلماً لمخرج عربي آخر هو عبداللطيف كشيش، كونه لم يعرض في الفترة السابقة لسبتمبر (أيلول) عرضاً تجارياً. الفيلم هو «حكاية أديل» أو، كما سمّـي بالإنكليزية، «الأزرق هو اللون الأكثر دفئاً» الذي يبدو كما لو كان المخرج حققه بغاية البصبصة على بطلتيه يمارسان المثلية بوضوح على الشاشة. الفيلم نال ذهبية "كان" لكنه أبعد عن أن ينال إجماعاً على إبداعه.
على جانب كل ذلك، يحتفي المهرجان النيويوركي بالمخرج الفرنسي جان-لوك غودار مختاراً لهذه المناسبة 18 فيلماً طويلاً وعشرات الأفلام القصيرة التي حققها أحد روّاد السينما الفرنسية الجديدة على مدى أكثر من حقبة. 
في كل مرّة يتم فيها العودة إلى هذا المخرج هناك جيل جديد من الذين يتوقون لمشاهدتهم الأولى لأفلامه. غودار ترك في مطلع الستينات تأثيراً واسعاً على كيفية صياغة الفيلم الطليعي ذي الأبعاد الشخصية والسياسية على حد سواء. ثم عاد وترك هذا التأثير على كل جيل لاحق منذ ذلك الحين. مهرجان نيويورك يعرض واحداً من أكثر عروض غودار التكريمية منذ ذلك التاريخ مختاراً أفلاماً جديرة بالإكتشاف أو إعادة المشاهدة من «ألفافيل» (1965) إلى «فيلم سوشياليزم» (2010) مروراً بـأفلام منسية له، مثل «زمرة من المغتربين»  سنة 1964) (وأحد إقتباساته الأدبية القليلة كونه مستلهم من رواية «ذهب الأغبياء» لدولوريس هيتشنز) أو حاضرة دوماً كحال «إسم أول: كارمن» (1983).
The End


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system