أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Sep 9, 2013

لآليء رومانسية من السينما الإيطالية | إيتوري سكولا بقلم ميسر مسكي- الجزء الأول | معالجة سينمائية من القاص السينمائي محسن الهذيلي | المحدّقون في الحياة: تاركوفسكي والآخرون


 العدد 820 السنة السابعة 
COVER STORY

الأفلام الفائزة في مهرجان فينسيا الأخير 
- الأسد الذهبي: GRA  المقدّس [جيانفرانكو روزي- إيطاليا] *** (الصورة)
- جائزة لجنة التحكيم الخاصّة: «كلاب ضالّـة» [تساي-مينغ ليانغ- تايوان]. **
- جائزة خاصّة: «زوجة ضابط البوليس» [فيليب غرونينغ- ألمانيا] **
- أفضل سيناريو: «فيلومينا» [ستيفن فريرز- بريطانيا] ***
- أفضل إخراج: ألكسندروس أفراناس عن «الآنسة عنف» [اليونان] ---
- جائزة مارشيللو ماستروياني للممثل جديد: تاي شريدان عن «جو» [الولايات المتحدة] ****
- أفضل ممثلة: إيلينا كوتا عن «شارع في بالرمو» [إيطاليا] ---
- أفضل ممثل: تاميس بانو عن «الآنسة عنف»---


لقطة أولى

دان بلوكر يكاد يضع فرانك سيناترا في جيبه في لقطة من «السيدة في الأسمنت» The Lady in Cement أخرجه غوردون دوغلاس سنة 1968


لآليء رومانسية من السينما الإيطالية

تغيب السينما الرومانسية عن معظم ما يردنا ونشاهده من أفلام بصرف النظر عن مصادرها. سبب الغياب أن الرومانسية ماتت في زمن يتألـّف في رأيي من:
- شورتات نسائية قصيرة تصل تكشف إلى أعلى الساق وزيادة.
- بلوزات نسائية تكشف عن محاسن الصدر.
- هوس بالجنس للجنس وليس كرابط حب.
- عدم إيمان بأي شيء مضى وإعتبار أن الرومانسية، مثلاً، هي من ذلك الأمس الغابر.
- نزعة الـ me generation (جيل الأنا) التي تتفشّى منذ جيل أو إثنين والتي تحد من التطلّـعات صوب الحياة السوية.
- العنف المستشري.
- الفاشية العارمة.
- التطرّف الديني.
ما أقصد قوله هو أنه كيف يمكن للرومانسية أن تعيش بين البشر إذا ما كانت مصادرها مفقودة. لا مجال للإيحاء بدل العرض الكاشف، ولا مجال للبحث عن الحب صادقاً ولا رغبة في تحمّـل مسؤوليّته، وعدم الإيمان بالقيم ثم كل ذلك القتل والصعود الشائن للفاشية والتطرّف الديني. 
لذلك، حين تجلس لتشاهد أفلام الأمس لابد أن تدرك الخلل الكبير بين زمنين. طبعاً نتحدّث عن مئة وعشرين سنة فرقاً بين الأفلام الروائية الطويلة الأولى وبين اليوم. ليست شيئاً في حساب الزمن، لكنها كل شيء. هناك قصّـة حب كبيرة تروى في «ذهب مع الريح» لفكتور فليمنغ (1939) في وسط كل ذلك التصوير المهيب للحرب الأهلية الأميركية. وحكاية رائعة للحب بين الفتى الشاب والسينما في فيلم فرنسوا تروفو «النفخات الأربعمئة» (1959) وأخرى بالغة التعقيد والصدق معاً في فيلمين هما «بوني وكلايد» [آرثر بن- 1969] و«بلا نفس» [جان-لوك غودار- 1960] والأمثلة لا تنتهي.
السينما الإيطالية عرفت الرومانسية ربما أكثر من سواها في أوروبا. من السهل- وربما من الصحيح- أن ننسب ذلك إلى رومانسية الشعب الإيطالي التحتية. على الأقل في الزمن الذي كان العالم لا يزال يتنفّـس رومانسياً (ولا أقول عاطفياً لأن الأمر مختلف).
الرومانسية هي درجة من الشعور بالحب تخرج من نطاق ما هو عاطفي بحت. الغضب عاطفي لكنه ليس رومانسياً، كذلك الخوف والحقد والغيرة ورد الفعل السريع لأي حدث. الرومانسية تقع عندما تتوجّـه مسام القلب إلى المعشوق وحين يجمع بين الشخصيات ما هو أعلى قيمة من مجرد حب طاريء. خذ مثلاً الفيلم الإيطالي الشهير «سارق الدرّاجة» [فيتوريو دي سيكا- 1948]. ضمن هذا الموضوع الإجتماعي الآسر حول العامل الفقير الذي يبحث عن درّاجته المسروقة التي تعينه على العمل هناك أكثر من علاقة رومانسية ونعم حتى مع الدراجة الهوائية، لكن كذلك بين الأب وإبنه الساعيان معاً كل لصون الآخر [يركض الصبي مدافعاً عن أبيه قدر إمكانه عندما يضطر هذا لسرقة دراجة بدوره لكي يعيل نفسه وإبنه].
أحد المخرجين الإيطاليين المهمّـين (وغير المشهورين) في تلك الفترة هو جيسبي دي سانتوس، الذي استخدم الواقعية الجديدة أيضاً لتقديم حكاية عاطفية بين سيلفانا مانجانو وفيتوريو غاسمان في «الرز المر» (1949). بعد سنة وُلد فيلم ممر الأمل للمخرج بييترو جرمي: درس في الواقعية التي تجد أن السبيل الأفضل لطرح موضوع إجتماعي جيّـد (هنا حول عمّـال المناجم) يمكن أن يتم عبر تشييد حالة رومانسية.
كاتب هذا الفيلم هو فديريكو فيلليني الذي قام سنة 1954 بتحقيق «لا سترادا». ليس فقط أن المخرج جلب ممثلاً أميركياً للدور (أنطوني كوين) بل حاك حكاية عاطفية- رومانسية شائكة تقع بينه وبين المرأة التي لم يعد لديها خيارات كثيرة تقوم بها (جولييتا ماسينا)
وإذا نظرت إلى كل أفلام فيلليني، بصرف النظر عن مواضيعها، تجد أن الخيوط الرومانسية ممتزجة بالسمات الأساسية في أعماله: الذاكرة الحانية في «أماركورد» والبحث عن الذات في «ثمانية ونصف» والسعي لمجد ضائع في «كازانوفا». 
في تلك الفترة كان عمر السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا انتهى. تسرّبت الوسيلة إلى السينما المصرية والسينما اللاتينية. مرّة أخرى ازدهرت لدى شعبين يتميّـزان بالحب وبالعاطفة إلى حد الشغف. بينما لم تشهد السينما البريطانية مواضيع رومانسية في قصص آنية كثيرة (أي بعيداً عن إقتباسات «روميو وجولييت» مثلاً). كذلك كانت الرومانسية غير محسوبة في أفلام السويدي إنغمار برغمن. نعم هناك حب وعاطفة جيّاشتان لكن الرومانسية غابت عنه لأنها ليست الروح التي يتعامل برغمن معها.


شاشة الناقد | ميسر مسكي
تبدلت شروط السينما و الأستاذ أصبح غريباً عن عالمه
"إيتوري سكولا" يستريح و يترك لنا كنزاً من سينماه


عام 2011 و في مقابلة مع اليومية الإيطالية "إل تمبو" أعلن المخرج الإيطالي المخضرم "إيتوري سكولا" إعتزاله العمل السينمائي. لم يكن التقدم في العمر السبب (سكولا كان حينها في الثمانين من عمره) بل هو التحول الكبير الذي طرأ على صيغ و آليات العمل في واحدة من أعرق صناعات السينما الأوروبية. 
"...هناك إحتياجات جديدة في الإنتاج و التوزيع، لا أعتقد أني أستطيع العمل معها (...) بالنسبة لي من الضروري أن أحافظ على حريتي، لكني مؤخراً بدأت بالعمل ضمن شروط لم تعد تسمح لي بالشعور بحريتي (....) في السابق كان المنتجون يقبلون على التجربة و المغامرة أما اليوم فقواعد السوق هي التي تحكم و تختار."
قبل تلك المقابلة بقليل كان "سكولا" على وشك أن يدير الفرنسي "جيرار ديبارديو" في فيلم جديد، لكن "سكولا" فجأة قرر أنه لم يعد يريد أن يبدو "..كواحدة من أولئك السيدات العجائز اللواتي يرتدين الكعب العالي و يضعن أحمر الشفاه ليبقين في رفقة الشباب."

"إيتوري سكولا" قد لا يكون بشهرة "فيدريكو فيلليني" و لا مثيراً للجدل على طريقة "بيير باولو بازوليني" لكنه بالتأكيد واحد من كبار السينما الإيطالية الذين ساهمموا في أن تحوز سينماهم على ذلك الصيت الرفيع في الفن السابع. "سكولا" ليس غريبا عن المهرجانات. بل هو قصدها مراراً كمُخرج و مرة رئيساً للجنة التحكيم في "كان" عام 1998.
نال "سكولا" أكثر من تكريم و أقترب عمله الرائع  "يوم خاص" من أن يحوز جائزة "كان" الكبرى لولا أن (كما يقال) مواطنه "روبرتو روسيلليني" و الذي كان رئيساً للجنة التحكيم مال نحو الأخوين الإيطاليين "تافياني" مرجحا كفة فيلمهما الجميل "أبي، سيدي" لنيل السعفة الذهبية. على كل حال،  "كان" لم تحرم "سكولا" من التكريم ففي عام 1976 نال جائزة أفضل إخراج عن "بشعون، قذرون، و أشرار". 
أربع مرات دخلت أفلام "سكولا" مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لكن ولا مرة نال الجائزة. و كما رفاقه الكبار لم تكن أفلام "سكولا" تنافس على حيازة المداخيل  الأعلى في شباك التذاكر (لا أعتقد أن هذا يزيد أو ينقص من قيمة أي عمل )
لكن فيلمه "يوم خاص"  قصده ما يزيد قليلاً عن مليون مشاهد في فرنسا. و حين عبر الأطلسي ليشارك في أوسكار أفضل فيلم أجنبي جلب هذا الفيلم لصانعه شهرة طالما خالسته في أوساط  جمهور الفن و التجربة في الولايات المتحدة.
في فرنسا نظر البعض إلى "سكولا" على أنه فرنسي الهوى خصوصاً و أنه أدار في العديد من أفلامه ممثلين فرنسيين لم يبخل عليهم بالمديح في أحاديثه السينمائية. كما أن فيلمه "ليلة فارين" أعتبره العديد من النقاد مع فيلم "المارسيلييز" لـ "جان رينوار" أكثر فيلمين عبرا عن الشروط التاريخية و الموضوعية التي أدت إلى و أحاطت بالثورة الفرنسية و ذلك عام 1989 خلال إحتفالات الذكرى المئوية الثانية للثورة التي غيرت وجه أوروبا و العالم.

ولد "غتوري سكولا" عام 1931. و في شبابه وظف موهبته في الرسم في عمله في مجلة رسوم إيطالية ساخرة . فيلمه الأول كان "لنتدث عن المرأة". لكن نجاحه السينمائي الأول عام 1974 مع "كلنا أحببنا بعضنا جداً". السبعينات و الثمانينات كانت الفترة الخصبة في حياة "سكولا" السينمائية. بعد عامين من فيلمه الأخير حاز سعفة "كان" الذهبية عن "بشعون، قذرون، و أشرار" و في العام التالي كانت تحفته "يوم خاص". "الشرفة" و الذي فيه تناول من زاوية خاصة التجربة اليسارية في الحياة اليومية و السياسية الإيطالية كان عام 1980 و من ثم تلاه "لوعة الحب". عام 1982 جاء فيلمه المدهش "ليلة فارين". أما عام 1983 فقد شهد فيلمه الغريب "حفل راقص" الذي يروي فيه سيرة المجتمع الفرنسي في الخمسين سنة الأخيرة ...دون حوار. الفيلم يدور في صالة رقص تتغير فيها الموسيقى و الإيقاع و الراقصون مع تغير الزمن و مزاج المجتمع بشكل عام. بقي "سكولا" يعمل حتى العقد الأول من القرن الواحد و العشرين. لكن شيئأً من سحر موهبته إستهلكه الزمن. 
عن سيرته الطويلة و الخلاقة في السينما الإيطالية قال "ألبرتو باربيرا" مدير مهرجان "فينيسيا":
"...واحد من أهم كتاب السينما الإيطالية الذي ساهم بمقدرة في بناء عظمة السينما الإيطالية و التقدير الرفيع الذي تناله في كل العالم."

"لوعة الحب" – Passione D'Amore

برنارد جيرودو –  لورا أنتونيللي -  فاليريا دوبيتشي

"لوعة الحب" ليس عن التقليدي في الحب، كما أنه ليس عن ما سبق إختباره في الهوى. إنه عن ذلك الغير ملموس و الغير مُختبر من عوالم النفس البشرية حيث المنطق لا ينفع لتبرير الأختيار و الدوافع تبقى رهينة الغامض. في بعض منه، "لوعة الحب" هو عن طبيعة الحب المدمرة و إنسياق النفس البشرية إلى هلاكها...حـُباً!

في منتصف القرن التاسع عشر، إيطاليا تعثر على بعض من هدوء في مسيرتها الطويلة الدامية نحو الوحدة. هدوء يستغله الضابط "جورجيو باغيتي" ( الراحل برنارد جيرودو) ليقيم علاقة مفعمة بالهوى و الجنس مع سيدة جميلة و متزوجة "كلارا" (لورا أنتونيللي) لكن عملية تنقلات في صفوف الضباط ترسل "جورجيو" إلى حصن ناء حيث تسود رتابة الحياة العسكرية و حضور غامض لسيدة ذات قرابة لقائد الحامية. "جورجيو" يسمع عن الحالة النفسية الغريبة للمرأة كما يسمع صراخها الهاذي قبل أن يلتقيها. "فوسكا" ( وهذا أسمها و تلعبها ببعض المبالغة فاليريا دوبيتشي) و التي على قدر غير قليل من الدمامة، تدفع نفسها للوقوع في غرام الضابط الوسيم. و حين يُعرض عنها "جورجيو" تتطور حالتها العصابية إلى شيء يشبه الهوس المرضي. هذه الحالة الغامضة من التعلق المجنون لا تلبث أن تسحب "جورجيو" إلى متاهة من الشفقة و الذنب و القلق سرعان ما تقود إلى خرابه.
حالتي الحب في الفيلم يختصران تمزق "جورجيو" بين أمرأة تجد في الحب سعادتها (كلارا) و أمرأة تتعلق بالحب كخشبة خلاص للنجاة من النهاية المحتومة (فوسكا) و الفرق كبير بين دوافع و شروط و نتائج الحالتين.

"إيتوري سكولا" يتناول رواية الكاتب الإيطالي "إغنيو تاركيتي" بكثير من الرهافة البصرية. سيفقد المرء الكثير من متعة الفيلم لو أكتفى بمتابعة حيادية لمناخات القرن التاسع عشر التي يجيد "سكولا" رسمها. هناك كم غير قليل من التفاصيل ذات الدلالات البصرية التي تشي و تعبر عن حال الشخصيات و تحولاتهم و تعمق من فهم حال الشخصيات بحيث تصبح الصورة إضافة للحال و الحدث و ليس فقط تصويرا خارجيا له.  
في لقائهما الأول تأخذ الكاميرا، في لقطة مقربة،  الترقب الشديد على وجه الضابط و هو الذي طالما سمع عن الحال النفسية لـ "فوسكا" التي نراها تتقدم من عمق اللقطة و من خلف زجاج مموه يضفي غموضا على الموقف. تفتح "فوسكا" الباب. تتحرك الكاميرا،  التي كانت تبدو بطيئة، بسرعة نحوها و تأخذ و جهها من زاوية منخفضة فيما الإنارة تسقط على تفاصيل وجهها من زاوية مرتفعة. "سكولا" لا يترك هنا أي تفصيل للصدفة. هو يريد من دمامة "فوسكا" أن تحقق الصدمة على "جورجيو" كما على المـُـشاهد و هذا تماما ما يحصده في هذا المشهد فيما نظرة "فوسكا" نحو الضابط تشي بالكثير من القلق و الخوف و هي التي راقبته خلسة و و قعت في حبه و تعرف أن ظهورها الآن لن يحقق إلا نفوره منها.

في مشهد لاحق حين ينزلق الضابط نحو الوقوع في غرام "فوسكا" يدور حوار بينه و بين الدكتور(الفرنسي الكبير جان لوي ترنتينيان)  الذي يعمل جاهداً لإنقاذ "جورجيو" من مصيره يلتفت الضابط نحو الدكتور و لا نستطع تبين تفاصيل وجهه لإنه في الظل، لكنه حين يتقدم من الدكتور ليعلن بكل صراحة أنه يحب "فوسكا" يدخل في مساحة من الإنارة تتيح لنا تبين تفاصيل و جهه و كأن هذا الضوء يفتح نافذة على دواخل نفسه التي يبوح بها للعلن.
و لعل مشهد الحب الأخير الهاذي بين "جورجيو" و "فوسكا" و تعبير الألم و الدهشة و الخوف على وجهها،  الذي تأخذه الكاميرا في لقطة قريبة جداً، يروي لنا الفاجعة قبل وقوعها.
"لوعة الحب" يحاول سبر تلك الأصقاع النائية من الرغبة البشرية الدفينة حيث تفقد تعابير مثل الكرامة، إحترام الذات، المنطق، التضحية، الوفاء ...قدرتها على التعبير عن رغبة الفرد الذي تسكنه لوعة الحب التي تقوده إلى ....الخراب!


المحدّقون في الحياة: ترنس مالك وأندريه تاركوفسكي والآخرون
Tree of LIfe

الفيلم الجديد «أليست هذه الجثث ملائكية» لديفيد لاوري هو أول فيلم يقصد أن يذكّـر بسينما ترنس مالك ويرفع لها قبّـعته إعجاباً. بداية الفيلم مع كايسي أفلك ورومي مارا تصوّرهما في سهوب تكساسية كما كان حال مارتن شين وسيسي سبايسك في فيلم «بادلاندز» قبل أربعين سنة كاملة. جمع بين شخصيات قابلة على التوهان ومناظر طبيعية شاسعة هي الثابت الوحيد في حياتهما.
بالنسبة لمالك فإن «بادلاندز» وراءه وKnight of Cups أمامه هو وعدد آخر من المشاريع الجديدة التي يبدو الآن كما يحاول الإسراع بتحقيقها لكي يعوّض السنوات الطويلة التي قضاها في السبعينات والثمانينات كأحد أكثر مخرجي العالم كسلاً. «فارس الكؤوس»  يجمع بين كرستيان بايل ونتالي بورتمن وكايت بلانشت في أجواء لم يقدم عليها مالك من قبل إذ يعاين هنا الحياة الفردية تحت مظلات الأضواء الإجتماعية. شخصيات إجتماعية مشهورة وكيف تلتقي وكيف تتناقض.
ولا شيء آخر معروف عن هذا الفيلم الجديد سوى أنه ينتمي إلى ما عُـرف عن سينما مالك من حب للتأمّـل. نعم الكاميرا في حالته تتحرك طوال الوقت، وتترك الممثل منتصباً يقول شيئاً وتذهب بعيداً عنه أو تدور حول شيء آخر قبل العودة إليه، لكنها لا زالت تدعو للتأمـل. شأنها في ذلك شأن عدد متزايد من المخرجين العالميين الذي يؤمنون بقيمة الكاميرا التي تحدّق طويلاً.

كاميرا لا تزعج

لكي يفكّر ترنس مالك بتحقيق فيلم من نحو ساعتين أو أكثر يخصص أكثر من نصفه  لتصوير كوني يشمل الحياة على الأرض وفي السماء وفلسفتي الزمن والنشوء، كما فعل حين أقدم على إنجاز عمله البديع «شجرة الحياة»، ولكي  يوصل تلك الرسالة الروحية المتّصلة بجوهر الدين والحياة على الأرض معاً، اعتمد على عامل جوّاني جبلته الثقافة المنفتحة واستقلالية الرأي وما نشأ عليه من أوجه الحرية المختلفة. يساعده لتحقيق الغاية جمهور مختلف يفهم المقاصد الفلسفية والشعرية والجمالية والروحانية وافق عليها او لم يوافق، ويرغب في مشاهدة أعمال تنحو بالمواضيع صوب لغات فنية منفردة. كلاهما، الداخلي والخارجي في العملية، لم ينشآ بقرارات ولا في دول ألزمت المواطن الفرد باتباع طريقها الخاص، بل ولم تفعل، في الأساس، أكثر من احترام حق الإنسان في حرية الرأي وحماية ذلك الحق بتجنيبه وطأة المتغيّرات السياسية. فالحكم هنا قد ينتقل من اليسار الى اليمين، او العكس، لكن حرية القرار والتفكير والإبداع لا تتأثر الا بالعوامل الإقتصادية وحدها.

في  آخر أفلام التركي نوري بيلج شيلان المنجزة حتى الآن، «ذات مرّة في أناضوليا» (2011) مشاهد كثيرة لثلاث سيارات تشق ظلام الليل في هضاب وسهوب الأناضول في رحلة تطول لتشمل ثلثي الفيلم. تلك اللقطات الطويلة تبدأ كما لو كانت تبحث بدورها عن طريقها للوصول الى المشاهد، لكنها لا تبحث طويلاً، سرعان ما تتآلف والذين يدركون أن العمل آيل الى عرض مشبع بتفاصيل الحياة والنفس البشرية تحت سماء بحث مواز لشخصيات الفيلم في ظاهره عن جثة ميّت، وفي فحواه عن حقيقة السلوكيات البشرية. هذا بدوره لم يكن ليتم على هذا النحو لو لم تكن المعطيات الإجتماعية والثقافية متوفّرة لطرح الفيلم أسلوباً ومضموناً.
هذان الفيلمان من بين عشرات الأعمال لعدد متزايد من المخرجين تترك الموضوع ينجلي من دون تدخل مونتاجي صارم. بكاميرا تتابع وترصد ولا تريد أن تزعج الممثل ولا الموقف بتوزيع أحجام لقطاتها. مثل مخرجيهما مالك وشيلان هناك اليوناني ثيو أنجيلوبولوس والياباني كون إتشيكاوا والروسي أندريه تاركوفسكي وحفنة أخرى من الذين يناهضون تعاليم المونتاج لا كما وضعها الروسي أيزنشتاين ولا كما أرست قواعدها هوليوود. 
لكن ليس كل فيلم تأمّـلي يحدق في الناس وفي الأشجار هو فيلم فني. في «فينسيا» الذي إختتم دورته يوم السبت، فيلمان على الأقل ينهجان الفعل نفسه لكنهما يسقطان من الحسابات الفنية قبل نهاية الدقائق العشر الأولى. إنهما فيلمان صينيان معجونان بالإدّعاء: «إلى أن يفرّقنا الجنون» لوانغ بينغ و«كلاب ضالّـة» للتايواني تساي مينغ ليانغ. في الأول متابعة مملّـة من الدقيقة الأولى لمرضى مصحّـة عقلية وفي الثاني متابعة أكثر إثارة للضجر لحكاية تتوزع على شخصيات لا تفعل شيئاً عدا الظهور بحركات لا تعرف تماماً كيف يمكن لها أن تؤسس لحكاية. 
لكن ما الذي يجعل فيلماً بطيئاً مثيراً للإعجاب وآخر بطيئاً مثيرا للضجر؟

نقطة عند الأفق

واحد من الإختلافات هي ما الذي يصنعه المخرج عبر صورة لشخص أو مكان. تأخذ مثلاً ذلك التقديم الرائع لشخصية عمر الشريف في «لورنس العرب» إذ يبدو كنطفة سوداء عبر أفق صحراوي وفي لهيب شمس حارقة. تتابع الكاميرا تحوّل هذه النقطة الغامضة السوداء إلى شبح ومنها إلى فارس قبل أن نتبيّنه كاملاً. هنا فعل الإنتظار أثمر عن عدّة ثمار من بينها منح إطلالة ذلك الفارس بعداً وتأثيراً على صعيد أهمية الدور المرتقب له كما على صعيد الممثل نفسه.
لكن ديفيد لين ليس من مخرجي سينما التأمـّل الطويل بالضرورة، ولو أن هذا المثال يجيب على ما هو مقصود. أما المثال الأكثر فعلاً والذي يمكن أن نعتبره نموذجاً فهو ذلك الكامن في الفيلم الرافض للمؤسسة «المقتفي» The Stalker للمخرج أندريه تاركوفسكي، أحد أفضل مخرجي العالم والذي مثل ترنس مالك باعد بين أفلامه. ليس بسبب الكسل بل لأن النظام الشيوعي آنذاك لم يرغب في تمويل مشاريعه. المشهد المعني هو ذلك الذي يركب فيه العالم والمثقّـف والمرشد مركبة مكشوفة تنطلق على قضيبي سكّـة الحديد. الكاميرا عليهم وهم صامتون لا يتحدّثون البتّـة. كل ينظر حوله. التصوير انتقل من الأبيض والأسود إلى الملوّن. والكاميرا تتابع هؤلاء وهم يبدأون رحلة خطرة قد تكشف عن معنى للوجود. بعد خمس دقائق سيدلفون إلى المغامرة بوصول المقطورة إلى حيث ستتوقف. خلال ذلك تدرك أن هناك نفساً خاصّـاً لتلك اللقطة الطويلة، النفس الذي هو نسيج الفن ورسالة الفيلم إلى الحياة.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system