أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Sep 15, 2013

تحليل لفيلم «وديان» لبول شرادر: شخصيات محمومة جنسياً في فيلم بارد عاطفياً



Editor: Mohammed Rouda | Year 7. Issue 821


وديان بول شرادر شخصيات محمومة جنسياً في فيلم بارد عاطفياً

في «الوديان»، جديد المخرج والكاتب بول شرادر (الذي عُـرض في مسابقة مهرجان فينسيا الأخير وخرج من دون جائزة) هناك تنفيذ أميركي لعقدة أوجدها المخرج الفرنسي جان رنوار عندما أمّ في بعض أفلامه حلقتان من الشخصيات. في كل حلقة هناك شخصية مشتركة مع الحلقة الأخرى. كسيناريو يؤمن ذلك نظرة إلى حدثين متوازيين يربط بينهما شخص واحد (غالباً وقد يكون الرابط شخصين). في هذا الفيلم لكاتب «تاكسي درايفر» (1976) الحلقتان هما:
الأولى: تارا (لندسان لوهن) التي تعيش مع كرستيان (جيمس دين) وتعرف رايان (نولان فَـنك) من قبل. 
الثانية: تضم رايان الذي يعيش مع جينا (أماندا بروكس) ويعرف سينثيا (تنيل هيوستون).
كرستيان يعرف سينثيا أيضاً. وتارا تعرف جينا، لكن محور الحلقة الأولى والثانية هو رايان الذي يحاول شق طريقه في هوليوود، المكان التي تقع فيه أحداث «الوديان» [العنوان مأخوذ من كثرة الطرق الجبلية التي تتخلل هوليوود وتحيط بها والتي تقع بين مرتفعات شاهقة]. والقصّـة، في مفادها تسير على هذا النحو: رايان، الممثل الذي لا يزال مغموراً، يسعى لكي يستعين به المنتج كرستيان لدور مهم في فيلمه الجديد. تقترحه مساعدة كرستيان، جينا، عليه. مطلع الفيلم يصوّر الأربعة، كرستيان وتارا وجينا ورايان: الثنائي الأول مع وضد الثنائي الثاني، تارا- بالخفاء- مع رايان، كرستيان ضدّه ويمضي الوقت وهو يبدي تفوّقه عليه كونه المنتج الثري الذي يعيّـن ويُـقيل من يشاء. في النهاية يقبل كرستيان أن يقوم رايان ببطولة الفيلم غير مدرك للعلاقة السابقة والمتجددة بين تارا ورايان. كذلك لا تدري بها جينا.
كرستيان يملك شحنة كبيرة من الفساد الأخلاقي. هو يهوى دعوة شبّـان للقاء متعة مع تارا التي يخبرها أنه يحبّـها، ويصوّر الممارسات الجنسية قبل أن يشترك بها. لكن على الرغم من حب تارا لرايان إلا أنها لا تريد أن تترك الحياة الثرية التي تعيشها للإلتحاق برايان. حين يرتاب كرستيان بتارا يعيّـن من يتبعها وما هي إلا مسألة يومين ويدرك حقيقة خيانتها مع رايان. يريد الآن إنتزاع الدور منه لكن من بعد إهانته. يطلب من مدير إنتاجه المثلي أن يستدرج رايان للممارسة معه على أساس أنه الشرط الوحيد لبقاء رايان في الفيلم. والأخير يفعل.
تتعقد الأمور حين يقوم كرستيان بقتل سينثيا التي تكشف لتارا بعض تفاصيل علاقتها به. لكن بفضل شهادة كاذبة من تارا، تسجّـل الحادثة ضد مجهول.

خلال العرض من السهل على  من شاهد فيلم روبرت ألتمن «اللاعب» (1992) وهو فيلم من الضروري مشاهدته للهاوي والمحترف على حد سواء، أن يجد أوجه مقارنة. الفيلمان يتحدّثان عن هوليوود ومتاعبها مع نفسها وشخصياتها. كلاهما يشير إلى فساد ذمم وأذواق وأخلاقيات. لكن حتى قبل المحصلة الأخيرة يرتفع فيلم ألتمن عالياً فوق مستوى هذا الفيلم كونه إختار الحديث عن  شخصيات هي أقرب للسائد وأكثر صلاحية لأن تؤخذ كنماذج فعلية. كذلك، أمّ «اللاعب» موضوعه بالسخرية النارية التي عُـرف عنها ألتمن كلّـما عاين صنعة وصانعيها (العيادة والحرب في «ماش» سنة 1970، الوله بالذات في عالم الأزياء في «جاهز للبس» سنة 1992 وصناعة الموسيقا في «كانساس سيتي» سنة 1996)
فيلم شرادر يختار أن يكون بارداً على نحو "أنا أعرض فقط ولا أعلّـق". صحيح أن في إختياره ما يعرضه نوع من التعليق أيضاً، لكن ما يجعل العمل ناقصاً هو وضع مسافة واحدة بينه وبين كل الشخصيات. مرّة أخرى، من الصحيح أنه لا توجد شخصية من شخصياته ما يمكن الدفاع عنها، لكن هذا من إختياراته، لأن الصحيح أن ما يخلق ذلك البرود والحيادية السلبية هي أن ما يطرح هو مواقف لا تشكّـل قضيّـة يريد المخرج أن يتبنّاها.
في المقابل، يخلق العنوان وضعاً مفيداً. كون «الوديان» هي الفواصل القائمة بين مرتفعات وهضاب الجبال الخضراء حول وفي شمال مدينة لوس أنجيليس (هوليوود)، هي أيضاً الرمز المناسب للحالات التي يتقصّـدها المخرج هنا. إنها ترجمة لوديان الأنفس المرتعة بثراء عال وذمم متدنيّة. هي وديان للوضع حين ينحدر بشخوصه إلى حيث الحضيض: كرستيان المدمن على الكوكايين والمستهتر بعرضه (ولو أن فتاته ليست زوجته) والذي لا يؤمن له (يقوم به ممثل أفلام بورنو- جيمس دين- ظهر في نحو 300 شريط من ذلك النوع). رايان الذي يضحّـي بكرامته للفوز بالدور وبالمرأة التي أوته وتحبّه (جينا) لقاء شهوته لصديقته القديمة تارا. كما تارا التي ترضى بأن تكون موضع تحقير والتحوّل إلى أداة جنسية رغبة في البقاء في نعيم الثراء الذي يوفّره كرستيان. بإستثناء جينا لا توجد في الحقيقة شخصيات قممية، بل كلّـها وديان.
من الصحيح أن لا يُـطلب من بول شرادر الدفاع عن أي منها، لكن ألا يصنع فيلماً مسطّـحاً كالذي أنجزه هو الخطأ. 
التعليق الجانبي الذي اهتم به المخرج جيّد. ففي مطلع الفيلم، ثم في أماكن مختلفة منه يعرض لقطات لصالات سينمائية خاوية. معظم هذه الصالات موجودة في البلدات الصغيرة (وأنا أعرف عدداً منها في كاليفورنيا وتكساس وأريزونا). هذه الصالات عاشت عشرات السنين التي سبقت صالات المول والتهوية المركزية. كانت مرتع عشّـاق الأفلام الوحيد قبل هجمة الإلكترونيّات الحالية. أصحابها، في الغالب، أحبّوا السينما والتجارة منها على نحو متكافيء في مقابل غالبية منتشرة اليوم تعتبر كل شيء «بزنس» كالمعتاد. التعليق الموجود هنا هو تصوير هذا الخلو الشامل. إفلاس حقبة كانت السينما فيها تعبيراً فنياً أكثر منه تقنياً (العكس هو الحال اليوم). وهي بادرة جميلة من حيث أن الأصبع موجّـه، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى أمثال كرستيان منتجاً والباقين كأصحاب مهن سينمائية.
لكن أمثال كرستيان والباقين ليسوا هوليوود. ليسوا منتجيها الكبار وصانعي القرارات ما يؤكد أن ما كان يلزم الفيلم خط ساخن على الصورة الأكبر. في الحقيقة المشروع الذي يتحدّث عن فيلم شرادر، والمفترض أن يكون محور اهتمام الجميع داخل فيلمه، هو مجرد مشروع يقترب موعد تنفيذه نظرياً، لكن لا شيء موثق أو حقيقي. مشروع قد لا يكون موجوداً أو موجود كمشروع مشروع. 
في الفيلم تجد تارا نفسها في مواجهة السؤال: "هل تحبين الأفلام؟… هل حقيقة تحبّين الأفلام؟ متى كانت آخر مرّة ذهبت فيها إلى صالة سينما؟". أسئلة محقّـة لكنها في الفيلم الخطأ للأسف، لأن الفيلم الجديد لهذا المخرج ليس من النوع الذي يستطيع جذب الناس إلى السينما أحبّـوها على نحو إستثنائي أو أحبّـوها على نحو إعتيادي أو ما دون. هذا يلتقي ومنهج شرادر في رغبته تقديم شخصيات لا تستطيع أن تكترث لها (حتى شخصية سينثيا التي يقتلها كرستيان بعنف ورعونة يتم تقديمها كما لو كانت ملحقاً لصحيفة يمكن رميه منها دون إكتراث).

هذا جزء من عالم داكن يعيش المخرج فيه وقدّمه من قبل. لكن في «أميركان جيغولو» (1980)  وقبله «هاردكور» (1979) وهما فيلمان مبكران له يتناولان الجنس كمادة، كان لا يزال يكترث لإدانة ويكترث أيضاً لصياغة فيلم على نحو فنّـي ملائم لطموحاته كسينمائي أو معبّـر عنها. هنا، وإثر سقطات أخرى آخرها «أدام مبعوثاً» Adam Resurrected (عن يهودي لا يزال يحمل آثار سنوات الهولوكوست) يتحدّث شرادر عن شخصيات بلا روح، في فيلم كان عليه أن يمتلك روحاً لكي يُتاح لحديثه أن يكون أجدى. 




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system