أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Sep 3, 2013

فينسيا: فرانشسكو روزي والآخرون | هوليوود ومهرجانات السينما: لقاء مشروط.


 يوميات مهرجان فينسيا السينمائي -4 

روزي، برغمن، هيتشكوك والآخرون 

«من الغريب أن تكون لديك مكتبة في منزلك تحتوى على خمسين كتاب عنك».
يقول المخرج جون لانديس وهو يجول في الغرفة التي كان المخرج السويدي الراحل إنغمار برغمن يشتغل فيها والتي تمتد على جدرانها الأربعة رفوفاً مكتظّـة بالكتب وشرائط الفيديو. وملاحظة لانديس صحيحة: كيف تشعر حين تكون في قمّـة حياتك المهنية ولديك عدد كبير من المؤلّـفات المكتوبة عنك؟ بالفخر؟ بالإعتزاز؟ بالغموض أو الحيرة؟
سؤال آخر: هل قرأ برغمان كل ما كُـتب عنه؟ هل قرأ هذه الكتب تحديداً وإذا ما فعل هل وجد أن تحليل النقاد والمؤرخين كان في مكانه؟
لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال إلا برغمن نفسه وبرغمن رحل سنة 2007 تاركاً إرثاً من الأفلام ضمن أكثر من مرحلة. واحدة لنقل كانت تأسيسية حقق فيها الدرامي والكوميدي، وواحدة صاغته مخرجاً دولياً على النحو الذي جعله أحد أبرز عناوين السينما في الستينات، ثم ثالثة حاول فيها نقل أفكاره وخواطره حول الحياة والموت، وهي التيمات التي سادت المرحلة الثانية، إلى إطار أكبر من حيث الإنتاج. حقق هنا نجاحات متفاوتة وليست متقاربة. 
لكن السؤال التالي الذي يمكن للمرء أن يطرحه هو إذا ما كان من الممكن الإتيان بمؤلّـف جديد حول أي من المخرجين الكبار. مثلاً أعرف أن هناك ما لا يقل عن 100 كتاب تم وضعه عن المخرج الفذ ألفرد هيتشكوك. أغلبها إنكليزي ومعظمها يدور حول أفلامه وليس- مثلاً- حول حياته الخاصّة. فهل يختلف كل كتاب عن الآخر؟ الواقع أن ذلك ليس ممكناً. المؤلّـفون يدورون حول الأفلام ذاتها ومع أن بعضهم يملك نظرة وقراءة وأسلوب يختص به، إلا أن الغالبية ليس لديها سوى أن تستند إلى المعلومات ذاتها ليصيغ كل مؤلّـف زاويته ورؤيته عليها. اليوم، إذا ما أراد أحد أن يكتب عن هيتشكوك، سيجد أن الآخرين سبق لهم وأن غطّـوا كل زاوية ممكنة وحققوا في كل نظرية وحللوا كل ما يستحق التحليل. ما هو متروك له هو أن يقرأ هيتشكوك من خلال وجهة نظره هو راجياً أن يجد خلال ذلك ما هو مختلف وجديد في قراءته.
فينسيا لا ينسى المخرجين الكبار وهذا العام، تحديداً، هناك العديد منهم مشتركون بالحضور شخصياً أو عبر أفلامهم أو أفلام عنهم. الإيطاليان فرنشسكو روزي وبرناردو برتولوتشي موجودان وهناك أفلام لهما وللفرنسي جان رنوار والإيطالي الآخر بييترو جيرمي من بين أخرى. وعلى الصعيد الثالث، نعم هناك أفلام عن الإيطالي بيير باولو بازوليني والسويدي إنغمار برغمن والأميركي سام فولر.
عبر هذه الأعمال يطرح الأمس نفسه من جديد ولجمهور يحتشد عند أبواب القاعات العارضة كما لو أن المخرجين المذكورين هم نجوم السينما في الزمن الحالي. وكما يقول المخرج وودي ألن، فإن هؤلاء المخرجين الكبار (وفوق المذكورين هنا عشرات) "لا يغيبوا حين يموتون، بل يبقون حاضرين بيننا". أمر عجيب لكن هذه هي السينما.



هوليوود ومهرجانات السينما: لقاء مشروط
دراما رائعة عن جو الذي ضحّـى بنفسه ولندساي لوهان تعود

نيكولاس كايج في «جو»٠

"لم يكن سهلاً إنتقاء الأفلام هذه السنة"، يقول ألبرتو باربيرا، مدير مهرجان فينسيا لهذا الناقد خلال حفل أقامته «جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب» وحضره نجوم ومخرجون كما باربيرا ومساعدته. أضاف: 
"كان علينا أن نختار بدقّـة لأنه على الرغم من الأفلام الكثيرة التي وصلتنا كان الجيّـد والمناسب لنا محدوداً في نهاية الأمر".
حين سؤاله عن الإختيارات الأميركية قال: "هي ما أقصده بكلامي هذا. لقد بحثنا كثيراً عما هو مناسب وأعتقد أننا توفقنا في إختيارانا على نحو عام. أعتقد أن أفلام المسابقة الأميركية هي من أفضل ما أنجزته هوليوود هذا العام".
باربيرا يستدرك أن هذا الحكم يستثني الجيّـد الذي عرض في أماكن أخرى، والجيّد الذي لم ينته إنجازه بعد.
هوليوود من ناحيتها لا تكترث كثيراً للمهرجانات. تحديداً: لا تكترث للإشتراك في المسابقات الرسمية. ترضى أن تفتتح دورة لمهرجان أو أن تختتمها. ترضى أن يحظى أحد إنتاجاتها الكبيرة بعرض خاص. لكن ما لها وما للمسابقات؟ 
موقفها هذا يستند إلى عاملين:
الأول أن نقاد السينما يتطلّـعون إلى أفلام خارج الصبغة الهوليوودية على أي حال وهذا ما يقول إلى العامل الثاني: إذا ما قامت هوليوود بدفع أحد أفلامها للمسابقة ولم ينل الجائزة تكون هوليوود، أو على الأقل الشركة المنتجة لهذا الفيلم، خسرت ماء الوجه وعرّضت فيلمها لخسارة تجارية.
هذه ليست حقيقة خفية بل معروفة كذلك حقيقة أن المهرجانات السينمائية بالنسبة للإستديوهات الأميركية مفيدة فقط كمنصّـة دعائية. إن لم تعمل على هذا النحو فلا حاجة للاستديوهات بها.
هنا ينبري السؤال: إذا ما كان ما سبق حقيقياً وفعلياً، كيف إذاً نفسّـر وجود أفلام أميركية في مسابقات دورات المهرجانات الكبرى الثلاث وهي (من مطلع السنة لآخرها) برلين وكان وفينسيا؟
الجواب بسيط: هي أفلام مستقلة غالباً تتبع النمط الأوروبي في تقسيم السينما إلى سينما مؤلف وسينما منفّـذ وتنتمي إلى الأولى. حتى تلك التي أحياناً ما تتسلل إلى مسابقات المهرجانات الكبرى تنتمي إلى فئة قليلة من الأفلام التي تنفّذها شركات تتعامل والاستديوهات الكبرى محليّاً. عالمياً هي بحاجة إلى سوق، والجائزة تساعدها على التوزيع.
ولدينا فيلمان بارزان في هذا المجال. إنتاجان أميركيان من دون أن يكون هوليووديا الهوية أو الصنعة. كلاهما يتحدّث عن بيئة معيّـنة، لكن أحدهما فقط ينجز المهمّـة الصعبة المنشودة وهي أن ينجز الحديث وجهة نظر وتفاعل.

بيئات مختلفة
المخرج ديفيد غوردون غرين يعرف ذلك تمام المعرفة. في مطلع هذه السنة، قدّم المخرج  في مسابقة مهرجان برلين فيلما كوميدياً جيّداً بعنوان Prince Avalanche. لم يخرج الفيلم بجائزة فانتقل إلى إلى مهرجانات أخرى: مر بثلاثة مهرجانات أميركية وبمهرجان تشيكي وآخر سويدي وثالث فرنسي كما عرض بتحبيذ ملحوظ في مهرجان بوسنيا، لكن كل ذلك لم يؤد إلى توزيع عام. في الولايات المتحدة مرّ الفيلم عابراً في عروض محدودة. في هولاند وألمانيا ينطلق في سبتمبر (أيلول) وفي الشهر التالي في السويد وبريطانيا وبعدهما في فرنسا. وهذا كل العروض الدولية التي ستخصص له.
لم تمنع هذه النتيجة المخرج غرين من التحرك سريعاً، وحتى قبل أن يتحقق من مصير فيلمه ذاك، القيام بتحقيق فيلم جديد عنوانه «جو» Joe. ومع أن المحتمل أن يشهد هذا الفيلم توزيعاً أكثر حماساً من ذاك الذي حصده عمله السابق، إلا أنه لا زال فيلماً مستقل الإنتاج ومصنوعاً كمزيج  ما بين رؤية المخرج الذاتية لما يطرحه ويصوّره، وبين طريقة سرده للحكاية التي تحافظ على سمات عناصرها الروائية التقليدية.
سيساعد الفيلم على أي حال حقيقة أن بطله هو نيكولاس كايج محاطاً بمجموعة كبيرة من الوجوه الجديدة أو شبه الجديدة أبرزها فتى أسمه تاي شريدان يعرف كيف يلتقط اللحظة ويتفاعل معها. لكن الفيلم ليس مصنوعاً لإسعاد الجمهور الواسع. يكفيه أن هواة الفن السابع سيجدون فيه ما يكفي من العناصر في هذا المجال: كتابة مُـلمّـة وإخراج ممتاز وتمثيل جيّـد من الجميع. 
في «برينس أفالانش» تعاطى غرين مع رجلين يعملان في رسم علامات الطرق في مناطق جبلية عالية. مهنة لم تقدّمها السينما من قبل. استلهاماً من المكان عالج غرين حكاية هي بدورها من نباتات تلك البيئة. قصّـة لا يمكن أن تقع بملامحها واختصاصاتها المعروضة فيما لو كانت البيئة مختلفة عن تلك التي في هذا الفيلم.
في فيلمه الجديد «جو» يتعامل مرّة أخرى مع مهنة لم نرها من قبل على الشاشة: جو (كايج) يدير مجموعة من العمّـال السود في عمل غريب: هناك في بعض المناطق الحرشية البعيدة يقوم هؤلاء بتسميم الشجر لكي يتسنى للشركة التي استأجرت هؤلاء العمّـال الحصول من الإدارة المعنية على أذونات بقطعها. طريقة ذلك أن يهوى العامل على الجذع ليفتح فيه خندقاً ثم يتم رش المكان بمادة سامّـة. بعد ذلك ستموت الشجرة وستتمكن المؤسسة من الحصول على الأرض. على ذلك، هذا العمل وتلك المنطقة ليسا سوى سياج لما تدور الحكاية حوله. فتى  (أبيض) في الخامسة عشر من عمره أسمه غاري (شريدان) يتقدّم من جو ويطلب عملاً. يكتشف جو وضع الشاب المعيشي الصعب. فهو يعيش في الريف داخل بيت تنتشر فيه القمامة ويسكن فيه غاري مع شقيقته التي توقّـفت عن الكلام ووالده ذي النزعة القاسية والشريرة الذي لا يترك زجاجة الكحول بعيداً عن متناول يده (بل يقتل من أجلها كما نرى لاحقاً)
جو، الذي لا يود أن يعود إلى سجن كان خرج منه قبل سنوات قليلة حين اعتدى بالضرب على رجل بوليس، يحاول أن يساعد غاري لكن الأمور تفلت من يده فالمسألة ليست بسيطة لأنها ترتبط بوضع إقتصادي ضاغط يدفع الجميع إلى السقوط في أخطاء وخطايا. والمسألة الواحدة تتعدد والأمر يجر وراءه أمراً آخر، وها هو شرير أسمه ويلي (روني بلفينز) يبحث عن غاري لينتقم منه لحادثة بينهما. جو (الذي كان ضرب ويلي قبل ذلك ما دفع هذا لمحاولة قتله) لا يستطيع أن يترك ويلي ينجح في مسعاه. من أجله سيتخلّـى عن مكاسب وهمية. عن مستوى من العيش لا زال قلقاً وغير مستقر وعن حياة يعيشها أصلاً بصعوبة. مرّة أخرى، تلك البيئة تفرز ما هو أبعد من القصّـة وشخصياتها: تبرز عوامل إجتماعية صارخة لحياة أفراد يعانون شظف العيش. ليس أن شخصيات المخرج من المهمّشين، لأنه حتى تكون مهمّشاً يجب أن تعيش لجانب الصلب الأساسي، لكن شخصياته بعيدة عن أي صلب. هي مثل تلك الأشجار الآيلة إلى السقوط يوماً.

ما وراء التهميش
الفيلم الأميركي الثاني الذي تم عرضه في اليوم الثالث من المهرجان هو «الوديان» لبول شرادر وجاء عرضه خارج المسابقة الأولى إذ سبق له وأن شهد عرضاً في مهرجان نيويورك في مطلع أغسطس (آب) وهذا ينتقل بنا إلى شخصيات من المدينة. ليست هامشية أو مهمّـشة أو حتى ثانوية، بل ذات حضور معلوم تبعاً لرواية وضعها برت إيستون إيليس. فالأحداث تدور في هوليوود والشخصيات تنتمي إلى عالم السينما.
The Canyons

إنه الفيلم الذي تقوم لندساي لوهان ببطولته لاعبة شخصية إمرأة تعيش مع المنتج كرستيان (جيمس دين) الذي يهوى تصويرها في أوضاع عاطفية مخلّـة معه أو مع سواه. وهي كانت على علاقة غرامية مع الممثل الطموح رايان (نولان فانك) لكنها أدركت أنها لن تجن من العيش معه سوى العوز والفقر فانتقلت إلى أحضان المنتج الثري الذي لم يكن يعرف شيئاً عن العلاقة السابقة حين وافق على منح رايان دوراً في فيلمه المقبل. حين علم ذلك، وأدرك أن الحب اشتغل مجدداً بين إمرأته ورايان يحاول هدم سعادتهما قدر المستطاع ويقرر طرد رايان من الفيلم الذي سيدخل التصوير بعد شهر. 
هناك تفاصيل كثيرة في رواق هذا العمل بعضها لا يؤدي إلى بعضها الآخر. إنها أشبه بأبواب صغيرة لا تؤدي بالضرورة إلى السياق ذاته بل تتدخل فيه. لكن هذا الأمر هو مشكلة صغيرة أزاء مشكلة الفيلم الأكبر. فـ «الوديان» إذ يمنح المشاهد معالجة لحياة من الخطايا تعيشها شخصيات الفيلم الهوليوودية لأجل رسم مجتمع لا يعمل للفن أو حبّـاً للسينما، بل لمصلحته الأنانية الخاصّة وإشباعاً لرغباته الحسيّـة، يبقى بارداً حيالها غير قادر على تكوين وجهة نظر متفاعلة ولا لتحويل الأحداث من مستوى المتابعة إلى التعمّـق الفعلي فيما يحاول الفيلم رسمه على صفحته الخاصّة.  بعد قليل يدرك المشاهد أن المخرج الذي كتب «سائق التاكسي» وأخرج «هاردكور» و«بلو كولار» و«أميركان جيغولو» وكل منها بمواقف واضحة مما يدور فيها، يعالج الحكاية المعروضة من مسافة بعيدة تترك بروداً. نعم هو لا يزال يتحدّث عن هوليوود الفاسدة لكنه يتحدّث فقط. يريد أن يُـدين هوليوود بفيلم يحتاج إلى هوليوود لدعمه، وهذا جيّـد، لكنه يقدم على ذلك بأداة السرد وحده.
شرادر لا يحاول هنا فعل أكثر مما يستطيع ضمن ميزانية يُـقال أنها لم تصل لحد نصف مليون دولار. معنى ذلك أن الممثلين لم يقبضوا سنتاً واحداً بمن فيهم لندساي لوهان التي تعود إلى الشاشة بعد سنوات قضتها مع مشاكل إدمان وحياة عابثة. تعكس بالتأكيد في هذا الفيلم جوّاً ليس غريباً عنها فهي جزء من عالم نما كنباتات الجدران القديمة. لكنها تمثّـل بقناعات معقولة. ليست واحدة من الممثلات اللواتي تنتظرهن، لكنها في هذا الفيلم تقوم بأكثر من مجرد العودة. إنها تمثّـل فعلاً.

في حين ينتهي «جو» بموت بطله كترجمة لنهاية الخاسر، ينتهي «الوديان» كما لو أن الكهرباء انقطعت فجأة أو كما لو أن المخرج إفتقد نهاية أفضل فترك بعضاً من حكايته بلا نهاية.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system