أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Sep 28, 2013

الأسباب الحقيقية لأكبر سقوط لفيلم في العام 2013 | فن التصوير: عمق الصورة |*|

جديد: ترشيح  السينما المصرية الرسمي لمسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي
"الشتا اللي فات"


Editor: Mohammed Rouda | Year 7. Issue 823
الأسباب الحقيقية لسقطة العام: «ذا لون رانجر»

كشف «ذ لون رانجر» كما أخرجه غور فربينسكي وأنتجه جيري بروكهايمر وقاد بطولته جوني دب وآرمي هامر عن أن هوليوود اليوم لا تعرف تماماً ما هو المتاح وغير المتاح بالنسبة لنوع سينمائي تريد إحياءه. لقد سبق للثلاثة الأول (فربينسكي، بروكهايمر ودب) إحياء نوع مندثر آخر هو أفلام القراصنة عندما قاموا بإخراج وإنتاج وبطولة سلسلة «قراصنة الكاريبي»… إذاً السؤال الأول الذي يخطر على البال هو: لماذا فشل هؤلاء في إحياء نوع مندثر آخر (أو شبه مندثر لأن هناك أفلام وسترن يتم تحقيقها كل سنة) عندما وصل الأمر إلى «الوسترن»؟
هذا ليس سؤالاً يجدي معه الإسراع بوضع الأصبع على سبب أو سببين أو ثلاثة. ولا أن مدى هذا الموضوع محدود بحيث يمكن الجواب على هذا السؤال بسهولة والحقائق هي دائماً أبعد منالاً من أشباهها. 
فيلم تكلّـف 215 مليون دولار لصنعه (!) سجل في الأسواق كافّـة 219 مليون دولار. ومن يتابع ما ذكرته أكثر من مرّة ربما يتذكّـر الحكمة: إزاء كل دولار على الفيلم أن يسجل دولارين ونصف لكي يبدأ تحقيق أرباح. ما دون ذلك هو مجرد عائدات. هذا ليس قانوناً لا حياد عنه أو إستثناء، لكن عرف هوليوودي يأخذ بعين إعتباراً مهماً وهو أن  صالات العرض تأخذ حصّـتها الأعلى (60 بالمئة من إيرادات الشبّاك) في الأسبوعين الأولين. بعد ذلك تنخفض تدريجياً إلى خمسين بالمئة ثم أربعين بالمئة. الأسبوعان الأولان هما الزخم الأكبر لأي فيلم. بعض الأفلام لا تتحمّل البقاء أسبوعاً ثالثاً، وكثير منها يتهاوى في أسبوعه الرابع (كما حدث مع هذا الفيلم).
بالتالي، 215 مليون دولار كانت بحاجة إلى نجاح كاسح يخترق سقف الـ700 مليون دولار قبل أن تضع شركة ديزني، التي أمّـنت معظم الكلفة، الفيلم في خانة خضراء.
هذا يعيدنا إلى الأسباب التي حفرت إخدوداً معيباً على سطح هذا الفيلم ومنعت عنه النجاح. وفي المقدّمة يكمن ذلك السبب الخاص بالمعالجة  العامّة.

حسب تجربة الثلاثة المذكورين (بالإضافة إلى شركة ديزني التي موّلت سلسلة «قراصنة الكاريبي») فإن إنعاش الأنواع المندثرة عليه أن يمر بطريق يسخر من النوع كما قد يفعل أي فيلم كوميدي إنما من دون التخلّـي عن سمات الإنتاج الكبير. تذكرون «المسدّس العاري» وسخريته من مجمل الأفلام البوليسية؟ أو كذلك سلسلة «فيلم مخيف» Scary Movie التي سخرت من أفلام الرعب؟. هذا ما رغبت به سلسلة «قراصنة الكاريبي» إنما بامتشاق سيوف المغامرة الحقيقية. أفلام السلسلة ليست مصنوعة للهزء المباشر أو للسخرية بحد ذاتها، لكن على نحو تكبير مظاهر اللامعقول (من مغامرات وشخصيات) ومعالجة المواقف بنبرة كوميدية. هذه النبرة ساخرة إنما ليس بالنوع المباشر بل على مستوى تحتي. إنه نوع الترفيه القائم النيل من النوع الذي ينتسب إليه.
نجاح «قراصنة الكاريبي» فيلماً بعد فيلم (معاً جمعت ما يزيد عن بليون و700 مليون دولار) جعل صانعيه يعتقدون أنهم أ) أحيوا نوع ميّت وب) يستطيعون تطبيق المنهج نفسه على فيلم آخر. 
لكن علينا (أو بالأحرى على هوليوود أن تعي) أن نجاح «قراصنة الكاريبي» بتلك الشروط كان مرحلياً وكان لوحده. لم تخلق السلسلة أفلاماً أخرى من هذا النوع، بل توقّـف المدّ عند هذه السلسلة (الفيلم الجيّد الأكثر جدّيّة والمصنوع كفيلم قراصنة فعلي «جزيرة كتثروت» إخراج رني هارلن تم تحقيقه قبل هذه السلسلة ولم ينجح كثيراً). أيضاً، بلور الممثل جوني دب شخصية كاريكاتورية للدور الذي قام به كانت بدورها مختلفة عن كل ما قام به من قبل وعما قام به سواه). الإنتاج لم يبخل على الفيلم وأمّـن له عناصر مكلفة لكن بغرض تكبير مظاهر اللامعقول وجعل المغامرات تبدو فانتازية وليست فقط خيالية. الخطّـة نجحت ونجاحها قاد إلى فشل «ذ لون رانجر» الشديد.

حين أم فربينسكي، بروكهايمر، دب وشركة ديزني «ذ لون رانجر» لم يكن نصب أعينهم أي مثال آخر يُـحتذى به إلا تجربتهم مع «قراصنة الكاريبي»: حكاية الفارس ومعاونه الهندي في الغرب الأميركي عليها أن تتمتّـع بذات الخصال والمواصفات وعلى الإنتاج أن يدفع حيال اللا معقول (يكفي مشهد ركوب الخيل فوق القطار مثالاً) وأن يتحلّى كل شيء بنبرة كوميدية (البطل على الأرض مسحولاً بعدما أمسك بساق معاونه ناشداً إياه البقاء معه مثالاً).
لكن ما نفع في الإنتاج السابق لم ينفع هنا أساساً لأن المعالجة استندت إلى أفكار إفتراضية هي إمكانية تحقيق فيلم الوسترن بتحديث الصورة على النحو ذاته. لم تستند إلى فهم واقعي على الإطلاق. 
الفهم الواقعي كان عليه أن يستند إلى حقائق:
سينما الوسترن هي سينما التاريخ الأميركي ولا يمكن تصويره ضمن تغيير معادلاته وجعله جزءاً من صورة كاريكاتورية: الجمهور الراشد سيرفضه على هذا النحو.

سينما الوسترن كانت فقدت هالتها منذ أن دقت فيها هوليوود مسامير النعش عندما أخذت تتداولها على أسس جديدة: فجأة «البطل» لم يعد بطلاً ناصعاً ويعمل لمبدأ وقضية، بل هو شخصية رمادية لديها غاياتها الخاصّة. بعد ذلك الغرب بأسره بات رمادياً. على سبيل المثال،  كان معظم أثرياء أفلام الوسترن الجاد والجيد هم أسس الشر فهم من يدفع بعصاباتهم للإستيلاء على الأراضي أو محاربة الهنود الحمر لصالح سرقة أراضيهم أو ليمنعوا العصرنة أو ليحدّوا من سلطة القانون. لم يكن ذلك لأن المخرجين والكتّـاب كانوا يساريين أو إشتراكيين، بل لإيمانهم بأن منظومة «الفرد ضد السُـلطة» هي التي تمنح البطل كل أبعاده الإجتماعية. والسُـلطة لم تكن كذلك لأنها بالضرورة تقف إلى جانب القانون، بل لأنها كانت تستغل القانون أو تسيطر عليه. هذا المنحى غاب تماماً عن «ذا لون رانجر» 2013 لكنه كان واضحاً جدّاً ومنطقياً في نسخة 1956 [أخرجها غوردون هايسلر] وفي نسخة 1981 [لويليام أ. فراكر].

عدم وجودها في نسخة غور فربينسكي عائد إلى أنه لم يكن لها مجال بين الفئة الغالبة من جمهور اليوم (فئة الشبيبة). أساساً لأن معظمهم لا يكترث لتاريخ الولايات المتحدة الذي يرتاب في أنه يستحق الإكتراث (بعضهم من باب أنه قام على انتزاع الوطن من شعب آخر لكن معظمهم لمجرد أن ذلك التاريخ أشبه بموديل سيارة من مطلع القرن انتهى أجله). كذلك لا يلتقي البعد الإجتماعي مع الرغبة في التنكيت. تلك الرغبة التي قام بها بإستعداد رهيب الممثل جوني دب. هو من ناحية يريد أن يبدو كما لو كان غيوراً على شخصية تونتو الهندية تقديراً منه للهنود الحمر، ومن ناحية تماشياً مع المعالجة الكاملة التي أرادت منح «ذ لون رانجر» فيلماً وشخصيات لوناً كوميدياً. 

الخطأ هنا هو أن الجيل الجديد (الذي يتوجّـه إليه الفيلم) هو أول من رفض المعالجة المذكورة. هنا هو لم يتصرّف بقناعته بأنه لا يهتم للغرب الأميركي وأفلامه فحسب، بل لا يهتم بفيلم يريد أن يسخر منها على أي نحو. بالنسبة إليه المحاولة هي مثل وضع حبة شوكولا على الآيس كريم لزبون لا يحب الآيس كريم أساساً.

في عالم قائم اليوم على الفردية وليس على الهم الجماعي، وفي مجتمعات محكومة بـ «الأنا» وليس بـ «النحن»، فإن حياة اليوم، خصوصاً في المجتمعات الغربية ولو أن تلك العربية بدأت تمشي في الدرب ذاته، مفصولة للأبد عن التاريخ. الحياة اليوم هي التي تهم. الحياة بالأمس هي للخاسرين مثل التاريخ. لماذا التاريخ خاسر؟ لأنه ليس موجوداً اليوم. مآسي عالمية، مثل قيام ماوتسي تونغ بإبادة نحو خمس وعشرين مليون صيني أو ستالين بإبادة نحو عشرة ملايين روسي، أو الألمان بالتسبب في الهولوكوست أو إبناء الهولوكوست وهم يتسببون في نكبة الفلسطينيين، ليست في وارد أن تعني شيئاً إلا بربطها بأيديولوجيات والأيديولوجيات لم تعد خياراً وارداً لدى الجمهور الجديد. لقد تدرّب هذا الجيل على التحوّلات التي صاحبت العالم الغربي ونظمه المادية. تم تطويعه بحيث أصبح يرى النظم السائدة (رأسمالية غبية بغياب شيوعية أغبى) مقبولة كما لو كانت منزلة. لقد رضى بالوضع الماثل أمامه عوض أن يناهضه. بات جزءاً منه. لا يريد أن يخرج عن طوره لأنه مشغول بمعاينة وضعه ضمن المنظومة بعدما تم تدريبه على أنه هو -الفرد- أحق من سواه بمصالح الحياة. هو وليس الجماعة وليس، بالتأكيد، المجتمع. 

هذه ليست فردية البطل الكلاسيكي. البطل الكلاسيكي كان لا يستطيع أن يتعايش والمجتمع لأنه كاشف لعيوبه. الشخص الفردي اليوم يتعايش مع مجتمع كواحد من عيوبه. هذا فرق كبير.
السينما في السنوات العشرين الأخيرة جسّدت مثل هذه البطولات ولكي تجعل شخصيات الأمس أقرب منالاً إلى أفراد اليوم تم تشويهها: جوني دب في شخصية تونتو  هو مثال. شرلوك هولمز على يدي روبرت داوني جونيور هو مثال آخر.
تونتو في الأسطورة كان مساعد البطل. دب، كونه نجماً، لا يستطيع أن يكون مساعداً. عليه أن يلعب الدور الأول (ولو بدا على الشاشة نصفياً)، وهذا الدافع يودي بالتجربة كلّها في أتون النهاية. لو أن السيناريو كان عن تونتو والغرب من وجهة نظره لكان ذلك معالجة تستحق الإنتباه، لكن تونتو يريد أن يبرز وطريقة بروزه هو تغيير واقعه: ذلك الهندي أقوى وأكثر مكراً ومهارة من أي هندي سابق.  لا يهم أن الحقيقة كانت- ولا تزال- أن تونتو (كما رُسم في الأساس) كان تصرّف إنسانياً حين أنقذ حياة ذ لون رانجر وأنه في ذلك الزمن لم يكن ليستطيع أن يدخل حانة أو يشارك شخصاً لا يعرفه الحديث من دون أن يشعر بأنه مضطهد. هذا إذا ما كان يعرف الإنكليزية ولديه حصان يعرف كيف يتجه إلى مدينة. الواقع هو أن تونتو كان ضحية صامتة كما كل الهنود الحمر، لكن «ذا لون رانجر»- الفيلم لم يكن يناسبه تقديم الهندي كضحية لأن هذه ليست قضيّته لأن هذه القضية ليست بدورها قضيّة أحد هذه الأيام. ما تناساه الصانعون هو أن تعويمه على سطح جملة أكاذيب وفانتازيات لن يجذب لا الجيل السابق الذي يعرف لذلك لا يقبل، ولا الجيل الحالي الذي قد لا يعرف ولا يكترث لأن يعرف. 





All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system